مشاهدة النسخة كاملة : 25 مايو 1969م
أبوسهيل
09-24-2009, 11:52 AM
جعفر محمد نميري:
ولد نميري في مدينة ام درمان في السادس والعشرين من ابريل (نيسان) عام 1930 من والدين هما: محمد نميري، وآمنة نميري اللذان قدما قبل زواجهما الى ام درمان من بلدة ود نميري في الشمال بالقرب من مدينة دنقلا من اجل لقمة العيش، وقبل ان يتزوج والده عمل جندياً في «قوة دفاع السودان» لكنه بعد الزواج ترك العمل في الجيش واختار العمل ساعياً في شركة سيارات. وعندما افتتحت الشركة فرعاً لها في واد مدني انتقل والده الى الفرع واستقر به المقام هناك مع اسرته التي باتت تتكون من الاب والأم وثلاثة ابناء هم: مصطفى، ونميري، وعبد المجيد الذي توفيَّ وهو في الرابعة والعشرين من عمره.
قالت والدته يوما عندما سألها نميري عن سر اختيارها هي ووالده اسم جعفر لمولودهما الثاني، فقالت انها رأت في حلم اثناء حملها به بأنه اذا جاء المولود ذكر تسميه جعفر تيمناً بـ«جعفر الطيار» الذي هو جعفر بن ابي طالب شقيق الامام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه.
ويضيف نميري «تذكرت ما قالته الوالدة هنا بعدما اصبحت رئيساً للسودان حيث انني في الاشهر الثلاثة الاولى من بداية الترؤس كنت احلم يومياً بأنني اطير واسمع الناس من حولي يقولون: «شوفوا الزول ده (اي انظروا الى هذا الانسان) الذي يطير.
ويتذكر نميري كيف انه عندما انتقل والده ووالدته من ام درمان الى ودمدني انه في بعض الاحيان كان يقود بعض حمير اهل الحي وينظفها في مياه النيل، وان هذا العمل جعله محبوباً بين الناس وعمق في نفسه اهمية التعاون. كما يقول «كنت البارز في الالعاب، وغالباً ما كنت أرأس فريق كرة القدم عندما نمارس اللعبة في حي ودنوباوي». وفي هذا الخصوص، يقول نميري في حواراته الصحافية: «اتذكر قساوة الحياة التي عشناها. وأتذكر في الوقت نفسه كيف ان مرتب والدي عندما احيل إلى المعاش لم يتجاوز تسعة جنيهات. وبسبب ضآلة هذا المرتب حرص والدي على ان يعلمنا. عشنا قساوة الحياة، ولكي يؤمن لي والدي فرصة الدراسة الكاملة فانه طلب من اخي الاكبر ان تتوقف دراسته عند المرحلة المتوسطة ويبدأ العمل».
تدافع الاخوان لتحسين حال الاسرة الفقيرة، فعمل مصطفى، الاخ الاكبر براتب قدره اربعة جنيهات شهرياً، وأكمل نميري دراسته وتمكن من الالتحاق بالثانوية العليا مدرسة «حنتوب الثانوية»، ولكن نسبة للظروف المادية الصعبة التي تواجه الاسرة بصورة لا تسمح بتوفير مطالب دراسته، قرر نميري بعد اكمال المرحلة الثانوية الالتحاق بالقوات المسلحة بدلا من دخول الجامعة.
ويقول في حديث مع فؤاد مطر في هذا الخصوص: «الذي شجعني على ذلك شعوري بأن التحاقي بالكلية الحربية سيؤمن لي دخلاً أساعد به عائلتي، وكان الدخل عبارة عن اربعة جنيهات ونصف الجنيه شهرياً للضابط حديث التخرج، أرسل نصفه الى والدي ووالدتي مع مبلغ آخر يرسله اخي الى الوالدين».
التحق ابن الاسرة الفقيرة بالكلية الحربية عام 1949، وانتابه شعور مزدوج بالفرح في موقعه الجديد لسببين؛ الاول: عندما «قبض» اول راتب وقدره جنيهان ونصف الجنيه لطالب الكلية الحربية، وخروجه من دائرة الاتكال والاعتماد على الاخرين، فضلاً عن انه اصبح في امكانه تقديم المساعدة لاسرته الفقيرة، وذلك بالاضافة الى إشباع حبه للعمل الشاق والحيوية والرجولة الموجودة في الحياة العسكرية.
ويروي نميري بأنه عندما تسلم المرتب للمرة الاولى اقتطع منه سبعين قرشاً ثم اشترى بجزء من المبلغ المتبقي حلوى ولُعُباً ومشى مسافة عشرة كيلومترات ليوفر ما كان يجب ان يدفعه مقابل الانتقال بالسيارة. ويضيف: «قدمت من هذا المرتب الحلوى واللعب الى اطفال العائلة الذين شعروا بأنهم ذاقوا حلاوة النقود التي حصل عليها ابن عمهم من الكلية الحربية». تخرج نميري في الكلية الحربية عام برتبة ملازم ثان، والتحق بالعمل في القيادة الغربية مركزها مدينة الفاشر. ويروي هنا: «عندما التحقت بالغربية شعرت بشيء من الهيبة بسبب ان العسكريين الذين يعملون في هذه المنطقة هم الاشد بأساً في السودان»، ثم تنقل نميري في عدة مواقع عمل في الجيش السوداني شمالا وجنوبا. واتهم عام 1955 بتدبير انقلاب عسكري على النظام الديمقراطي القائم في البلاد في ذلك الوقت، غير انه «تبين للقيادة بعد التحقيق معه ان الامر ليس اكثر من وشاية وبعدما تبين لها ذلك حُفظ التحقيق».
ولكن ظلت الجهات الامنية آنذاك ترصد لنميري تحركات ضد السلطة الحاكمة خاصة حكومة ما بعد ثورة اكتوبر التي اطاحت نظام الرئيس ابراهيم عبود، مما اضطرت السلطات اثر تواتر التقارير ضده الى نقله من الخرطوم الى كسلا بصورة اقرب الى النفي، ولكن رغم ذلك امرت حكومة الصادق المهدي المنتخبة بعد ثورة اكتوبر اقتياده من كسلا ووضعه في المحبس في احد معسكرات الجيش في الخرطوم. وجرى التحقيق معه حول محاولة انقلابية فاشلة قادها ضابط اسمه خالد الكد، وهو الراحل الدكتور خالد الكد، غير ان التحقيق لم يتوصل الى ما يجرِّم نميري في المحاولة الفاشلة. ولكن كل ذلك لا يعني ان نميري لم يكن يفكر بصورة سرية وجادة في الاستيلاء على السلطة بانقلاب عسكري لوضع حد لكل المخاطر وللتردي المتواصل للاوضاع في البلاد، وعليه عقد هو ومجموعته اجتماعات في الخرطوم وفي مدن اخرى. وبين معارض ومؤيد من الضباط للانقلاب انقض نميري على الحكومة المنتخبة وكان وقتها يعمل في المنطقة العسكرية بـ«جبيت» شرق السودان. ويَحكي نميري في ذكرياته ان محمد ابراهيم نقد، زميل دراسته في حنتوب والسكرتير العام للحزب الشيوعي جاء اليه في موقع ما في الخرطوم وأخذه الى منزل ليلتقي هناك بالقيادي الشيوعي والنقابي آنذاك الشفيع احمد الشيخ، وقال له الاخير: «انه يرى ان الظروف ليست مواتية على الاطلاق للقيام بحركة عسكرية». وبعد خروجه من المنزل، ساور نميري شعور بان خطة الانقلاب قد انكشفت، وعليه بدأ يسابق الريح والظروف لتنفيذ الانقلاب قبل إحباطه من جهة ما، وكان اللقاء قبل 48 ساعة على ساعة الصفر المحددة في الخطة. ويقول نميري في حوار صحافي سابق «كان لابد ان نمنع الحزب الشيوعي السوداني من الوشاية بالحركة فقدمنا ساعة الصفر «24» ساعة، وقمت بحركة تكتيكية حيث انني سألت عن منزل عبد الخالق محجوب وتوجهت اليه مساء اليوم الذي تم في فجره التحرك.. طرقت الباب ففتح احد الاشخاص سألته عن عبد الخالق، فنادي عليه، جاء عبد الخالق وصافحني وكان يرتدي ملابس منزلية، وقادني الى احدى الغرف في الداخل لم أتركه يتكلم، وبدأت الحديث على الفور فقلت له: «انني جئت لأبلغه بان تنظيم الضباط الاحرار نفذ الخطة واستولى على السلطة في الخرطوم.. ان منزلك محاصر وسيتم اذاعة البيان الاول خلال ساعات، كما انه تم الاستيلاء من جانب عناصرنا التي ترتدي الثياب المدنية على جميع المرافق الاساسية في العاصمة، وان اي تحرك او اتصال من جانبك او حتى الخروج من المنزل قبل السابعة صباح غد، سيُعرِّض حياتك الشخصية للخطر.. وحاول عبد الخالق ان يعلق، ولكني لم اعطه فرصة، وغادرت المنزل مرتاحاً الى النتائج حيث انني لاحظت على وجه عبد الخالق وأنا احدثه ملامح الخوف والفزع الشديد. وما دام رد فعله على هذا النحو، فمعنى ذلك انه لن يتحرك». توالت الأحداث سِراعا من بعد الى ان استولى نميري على السلطة بسهولة في صباح 25 مايو عام 1969. قبل نميري التعامل مع الحزب الشيوعي رغم انه يرى خلافات تسري في ساحة الحزب حول عملية الانقلاب نفسه، فيما تحمس فريق من الشيوعيين لنميري واطلقوا على انقلابه ونظامه «ثورية ماي». وغنى مغنيهم لنميري «يا حارسنا، ويا فارسنا، ويا نحنا.. ومدارسنا، كنا نفتيش ليك، جيت الليلة كايسنا». ثم غنى: «ابوعاج يا اخوي دراج المحن». و«بأدبيات الحزب الشيوعي والناصرية، نقض نميري كل برامج السنتين الاوليين من نظامه»، كما قال لـ«الشرق الاوسط» الصادق المهدي، زعيم حزب الامة المعارض، وأحد ألدِّ اعداء نميري المعروف بكراهيته للاحزاب التقليدية المعروفة بالطائفية، وان ثورة كهذه تعني اجهاضاً مبكراً للحركة الشعبية التي يقودها الحزب الشيوعي السوداني. ولكن شقة الخلافات بين نميري والشيوعيين توسعت بعد اقل من عام، حيث يري فريق منهم؛ وعلى رأسهم سكرتير الحزب آنذاك عبد الخالق محجوب، وفاروق حمد الله، وهشم العطا، وبابكر النور، وبينهم من هو ضد الانقلاب مثل الشفيع احمد الشيخ؛ ان نميري قد ضل الطريق وتحول بين ليلة وضحاها الى حاكم متسلط، فخطط فريق من هؤلاء بقيادة الضابطين هشم العطا وفاروق حمد الله لتنفيذ انقلاب على الانقلاب باسم «الثورة التصحيحة».
ويروي نميري في هذا الشأن: «في هذه الاثناء طلب السماح له بالسفر الى لندن للعلاج فسمحنا له، وطلب السفر الى نيروبي فسمحنا له، لكنه سافر من نيروبي الى لندن، وأقام فيها. وفي الوقت نفسه بدأ هاشم العطا يقوم بتحركات مشبوهة، وهو في الخرطوم ويتصل بالضباط، فقررنا وضعه تحت مراقبة اجهزة الامن». وبعد ايام من الاحداث المتوالية ولعبة القط والفأر، وقع الانقلاب ضد نميري في حوالي الثالثة بعد ظهر يوم الاثنين 19 يوليو(تموز) 1971، وهو الانقلاب المعروف بـ«انقلاب هاشم العطا»، ولكن نميري وأعوانه احبطوا الانقلاب بعد اربعة ايام، «بسبب الخلافات التي سادت اضابير الحزب الشيوعي»، كما قال لـ«الشرق الاوسط» أحد الشيوعيين المشاركين في نظام نميري، طلب عدم ذكر اسمه. وفي رواية لنميري حول تفاصيل الانقلاب، قال «أمضيت في الغرفة بالقصر الجمهوري ايام «19 ـ 20 ـ 21 ـ 22» يوليو أتأمل وأفكر في كل ما اقدمت عليه في حياتي ولم اجد نفسي نادماً على شيء فعلته حتى انني لم اندم على رفعي المراقبة عن هاشم العطا». ونصب نميري لمدبري الانقلاب المجازر في منطقة الشجرة العسكرية جنوب الخرطوم، طالت بالاعدام كلا من: سكرتير الحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب، هشم العطا، وفاروق حمد الله، والشفيع احمد الشيخ، وقائمة من المدنيين والعسكريين، وزُجَّ بالباقي في السجون، لتبدأ مرحلة العداء السافر الممتد بين الشيوعيين ونظام نميري.
ثم دخل نميري في مواجهة مع زعيم الانصار في ذلك الوقت الامام الهادي من معتقله في «الجزيرة ابا» جنوب الخرطوم، وانتهت هي الاخرى بمجزرة ضد الانصار، طالت المئات بمن فيهم الامام الهادي الذي لاحقه جنود نميري وقتلوه على الحدود مع اثيوبيا شرقا. وبذلك وضعت احداث الجزيرة حجر أساس متينا لخصومة طويلة بين الانصار ونميري. وقضى نميري بسهولة على الانقلاب الثاني بقيادة الضابط حسن حسين في سبتمبر (أيلول) عام 1975، ويقول حوله «انها محاولة محدودة ومعزولة والدليل على ذلك ان الذين اشتركوا فيها كانوا عبارة عن اعداد قليلة من الجنود وصغار الجنود يجمعهم انتماؤهم العنصري الى منطقة واحدة». وفي عام 1976 خططت المعارضة السودانية من الخارج وتضم: الحزب الشيوعي وحزب الامة والحزب الاتحادي الديمقراطي بالتعاون مع السلطات الليبية لانقلاب عسكري ضد نميري بقيادة العقيد محمد نور سعد وكاد يستولي على السلطة، ولكنه احبط، وقتل نميري المشاركين في الانقلاب بمن فيهم قائده، وأطلق على المحاولة «انقلاب المرتزقة». وفي خضم معاركه المباشرة مع خصومه في الاحزاب السودانية، لم ينس نميري اللعب بكل القوى التي تتيح له الفرصة للامساك بها. ويلخص الصادق المهدي في حديثه لـ«الشرق الاوسط» مسيرة نميري في انه «حاول ان يلعب كل الاوراق لأنه أصلا فارغ من اي مضمون آيديلوجي فأصابته موجة الانقلابات العسكرية التي اتسمت بها الدول العربية وقادها من يسمون انفسهم بالضباط الاحرار، فجاء على راس الشيوعيين واختلف معهم وعاملهم بوحشية واستهدى بمصر الناصرية ثم مصر الساداتية ولجأ الى الغرب وحاول ان يصالح الاحزاب وفشل، وهذا ما دفعه الى ولوج خط الاسلام بصورة لا تراعي ظروف السودان، فوقع الاستغلال المتبادل؛ هو يحتاج الى فكرة وهم يحتاجون الى واجهة، ولكن في خاتمة المطاف فشل التحالف مع الاسلاميين فدخل في صدام مع النقابات والأحزاب، فأسقطه الشعب عبر الانتفاضة في السادس من ابريل». ويضاف الى هذا ان نميري طوال الاعوام ما بعد انتهاء العلاقة بينه وبين الشيوعيين، رمى نفسه خارجيا في حضن الولايات المتحدة الى ان ذهب بغير رجعة.
ويقول نميري في هذا الصدد «منذ 15 عاماً كنا قد وضعنا خطة لأن يصبح السودان أميركا افريقيا لأننا نملك الأرض والناس والإمكانات ولنا علاقات دولية واسعة». ويرصد الموالون لنميري ايجابيات الرجل في انه جلب السلام للسودان لمدة عشرة اعوام عندما وقع مع المتمردين في جنوب السودان اتفاقا في اديس ابابا عام 1972، ولكن نسفه بنفسه عام 1983 لتندلع الحرب من جديد بين الشمال والجنوب.
ورى مؤيدوه انه هو الذي أنهى موجة لعطش التي كانت تسود الريف السوداني لعهود بعيدة عندما نفذ برامج محاربة العطش في السبعينات من القرن الماضي، وانه اخرج شباب السودان من بيت الطاعة العمياء للطائفية. ويحكي الياس الأمين في هذا الخصوص، ان نميري قال لهم انه سعيد بمظاهرات اندلعت ضده اواخر عهده عرفت بأحداث شعبان، ومنبع سعادته ان من بين المتظاهرين تلاميذ مدرسة في «الجزيرة ابا» المعقل الرئيسي لطائفة الانصار التي يرفضها نميري بقسوة، وان تلك الخطوة من التلاميذ تعني ان مايو حررت سكان الريف من الطاعة العمياء للطائفية.
ويحسب له أنصاره انه أقام جملة مصانع للسكر ساهمت في دعم الاقتصاد السوداني. ويرد نميري على اسئلة الصحافيين في هذا الجانب بأنه «قد بنى وطناً عزيزاً سيداً». ويقول كنا «أكثر حكومة ديمقراطية أتت للسودان.. كان يمكن أن تزيد الديمقراطية فيها». أما خصومه، فيرون ان نميري هو الذي دمر السودان سياسيا واقتصاديا. وفي عهده بدأت رحلة تدهور النظام الاداري في السودان، وهو النظام الذي ساهم في بناء انظمة الكثير من الدول المجاورة قبل ان تطاله أيدي المخربين من نظام مايو. ويقولون انه ساق البلاد بدون فكرة محددة فوصل بها الى حدود الانهيار في كل شيء، ويتهمونه بممارسة العنف والارهاب ليس ضد المعارضين وانما ضد الذين يعملون معه من السياسيين. وتحكي مجالس الخرطوم ان نميري يعزل وزراءه فجأة عبر نشرة اخبار الثالثة ظهرا في الاذاعة السودانية بصورة درامية. ويُشاع بأنه يحتد في الحديث مع المسؤولين في حكومته يصل الى حد الضرب، ولكن نميري ينفي ما يشاع تماما، ويقول «انها فِرية.. انا اتخذ كل القرارات حسب الدستور والقانون». ويرى المعارضون ان من اهم الممارسات التي ساهمت في إسقاط حكم نميري محاولة ضرب النقابات، ثم ترحيل اليهود الفلاشا من اثيوبيا الى اسرائيل، واعدام زعيم الجمهوريين محمود محمد طه بصورة بشعة، والتطبيق التعسفي للقوانين الاسلامية، عندما تحالف مع الاسلاميين بزعامة الدكتور حسن عبد الله الترابي وأطلق على نفسه «إمام المسلمين».
على كل، سافر نميري في رحلة علاج الى واشنطن في الاسبوع الاخير من مارس (آذار) عام1985 ، فبلغت مسببات الغضب على نظامه درجاتها العليا. وخرج الناس الى الشارع تقودهم النقابات والاتحادات والاحزاب بصورة أعيت حيل أعتى نظام أمني بناه نميري في سنوات حكمه، فأعلن وزير دفاع النظام آنذاك، الفريق عبد الرحمن سوار الذهب، انحياز القوات المسلحة للشعب، حين كان نميري في الجو عائدا الى الخرطوم ليحبط الانتفاضة الشعبية، ولكن معاونيه نصحوه بتغيير وجهته الى القاهرة، لان «اللعبة قد انتهت». ومن آخر أقوال نميري في أمل إحباط النظام؛ تصريحات شهيرة أطلقها في القاهرة، جاءت فيها: «ما في زول يقدر يشيلني»، ولكن المنفى امتد اربعة عشر عاما، رقدت خلالها على طاولته اسئلة بلا اجابات، والدليل رده على سؤال ملح بعد عودته الى الخرطوم حول مَنْ الذي أسقط مايو هو: «لا.. أعرف!».
نواصــــــــــــــل
أبوسهيل
09-24-2009, 12:53 PM
من داخل اسوار هذا المعسكر تخرج عدد من ضباط قوات الشعب المسلحة الذين تركوا بصمات واضحة في البطولات في التاريخ العسكري ومنهم القائد مزمل سليمان غندور و ابوكدوك والمقدم جعفر محمد نميري والرائد بادنين والملازم هاشم الصافي والملازم عبدالحفيظ خضر والملازم محي الدين والنقيب مامون حسن محجوب والنقيب زين الدين عبدالقادر والنقيب عبدالرحمن سرالختم وغيرهم من الذين ساهموا في تفجير ثورة 25 من مايو.
قصة الثورة كما رواها الرئيس جعفر نميري:
روى السيد اللواء اركان حرب جعفر محمد النميرى قصة الثورة واهدافها في مقابلة اجراها معه التلفزيون نستعرضها في النقاط التالية :
بدا التحضير للثورة منذ قترة طويلة وكانت تتم في سرية وودقة وتركيز
قال بان القوات تحركت في تمام الثانية والنصف صباح يوم 25 مايو ولهذا فان القول بانها ثورة 24 مايو خطا وذكر بان القوات تحركت من ( خور عمر).
قال بان حركه 25 مايو ليست محاولته الاولى وانه قد اشترك فى عدة محاولات وقدم للمحاكمه واطلق سراحه ولاقى الضباط الاحرار نفس التعسف من الرجعيه ،
قال بان اسباب قيام القوات المسلحة بالاستيلاء على الحكم ترجع اساسا لانحراف الاحزاب وعمل قادتها لمكاسبهم الشخصية علي حساب الشعب بالاضافة لارتفاع الاسعار وعدم استقرار الحكم
قال بان الاحزاب لن تعود وانها لو قامت باى محاوله فستقابل بالقوة وبلا رحمة .
وقال عن العلاقه بين ثورة اكتوبر وثورة 25 مايو بان الضابط الاحرار الذين كتبوا النصر لثورة اكتوبر حيث رفضوا تنفيذ الامر بضرب الجماهير وعندما شعروا بان المظاهرات الشعبية بدات تفتر قاموا بمحاصرة القوات المسلحة حتى كتب النصر لثورة الشعب وان ثورة 25 مايو جات لتنقذ شعب اكتوبر من قبضة القوى الرجعية التى امتص قادتها دم الشعب
قال بان المعتقلين ينقسمون الي ثلاثة اقسام : القسم الاول من السياسيين والوزراء السابقين وهؤلا لن يتم اطلاق سراحهم الابعد حصر التهم ضدهم ليقدموا للمحاكمة والقسم الثانى قاموا باعمال عدائية للثورة وسيتم تقديمهم للمحاكمة فورا والقسم الثالث معتقل اعتقالا تحفظيا وسيتم اطلاق سراحهم فى الوقت المناسب
اعضاء مجلس قيادة ثورة مايو ورئيس واعضاء مجلس الوزراء
اعضاء مجلس قيادة ثورة مايو
- هاشم العطاء
-ابو القاسم هاشم
- زين العابدين محمد احمد عبدالقادر
- فاروق حمدنا الله
- مامون عوض ابوزيد
-ابو القاسم محمد ابراهيم
- خالد حسن عباس
- جعفر نميري
- بابكر عوض الله
- بابكر النور
رئيس واعضاء مجلس الوزراء:
وافق مجلس الثورة على تعيين السيد بابكر عوض رئيسا للوزراء ووافق المجلس على تشكيل مجلس الوزراء الذى تقدم به السيد عوض الله على الوجه التالى :
- السيد بابكر عوض الله رئيسا للوزراء ووزيرا للخارجية
- العقيد اركان حرب جعفر محمد نميرى وزيرا للدفاع
- الرائد فاروق حمد الله وزيرا للداخلية
- عبد الكريم ميرغني وزيرا للتجارة والتجارة الخارجية
- منصور محجوب وزيرا للخزانة
- مكاوى مصطفى وزيرا للتخطيط
- جوزيف قرنق وزيرا للتموين
- خلف الله بابكر وزيرا للحكومة المحلية
- الدكتور محى الدين صابر وزيرا للتربية والتعليم
- امين الشبلى وزيرا للعدل
- الدكتور موريس سدره وزيرا للصحة
- الدكتور محمد عبد الله نور وزيرا للارشاد
- محجوب عثمان وزيرا للمواصلات
- المقدم بالمعاش محمود حسيب وزيرا للمواصلات
- ابيل الير وزيرا للاسكان
- الدكتور سيد احمد الجاك وزيرا للاشغال
- مرتضى احمد ابراهيم وزيرا للصناعة المعدنية
- الدكتور طه بعشر وزيرا للعمل
احمد الطيب عابدين وزيرا للثروة الحيوانية
- فاروق ابو عيسى وزيرا للدولة
وكان الاستقلال في نظرها علما ونشيدا ، وشعارات ومؤتمرات لا وسيلة لتغيير حياة الامة واسعاد ابنائها ، وانطلاقا من هذا المفهوم الخاطئ لم يكن هم الاحزاب المختلفة الا انرات لا وسيلة لتغيير حياة الامة
بسم الله الرحمن الرحيم
ان بلادنا الحبيبة لم تنعم باستقرار منذ اعلان استقلالها في 1956 وكان ذلك مواطنى مرده لسلسلة من المآسى تضافرت فيها عوامل الفساد ، وذلك من الاحزاب المختلفة التى تسلطت علي مقدراتنا فحول الاستقلال على ايدى الحكومات المتعاقبة الي مسخ قبيح ، ونظرة فاحصة الى الاقطار التى نالت استقلالها بعدنا لكفيلة بان توضح مدى التقدم الذى احرزته تلك الاقطار في كافة المجالات ولم يكن ذلك بسبب سبقها لنا في مجال العلم والمعرفة او لسبب تخلفنا عنها في وضعنا الاقتصادى ولكن لانه تولى امرها منذ استقلالها رجال آمنوا بوطنهم ايمانا صادقا ،وبوحى من ذلك الايمان الصادق عقدوا العزم علي ان يعيدوا صنع الحياة في بلادهم ، اما نحن في السودان فقد ظللنا نسير الي الوراء لانه تحكمت فينا ا تتسلل الي مواقع الحكم ثم تمسك بزمام السلطة لمصلحتها الخاصة دون اعتبار لمصلحة الشعب . فعم الفساد والرشوة كل اجهزة الدولة فاختل الامن الداخلي ،وفتحت ابواب البلاد للنفوذ الاجنبى ، وتسللت قوى التخلف والرجعية الي بلادنا تسللت لتساند تلك الاحزاب بكل امكانياتها مدركة ان بقاء كل منها متوقف علي بقاء الاخر.
فاحزابنا السياسية تدور ابدا في فلك الاستعمار ممتثلة لاوامره منفذة ارادته ولا تهدف الا الي الفوضي وعدم الاستقرار وفساد الحكم . هذا الترابط المصلحى هو الذى دفع الاحزاب والاستعمار المتآمر ضد هبة الشعب في اكتوبر 1964 ودفع المستعمر واعوانه الاموال بسخاء للاحزاب لتستعيد كيانها وتصفي الثورة ، وتسكت شعارات استنكار عودة الحزبية تلك الشعارات التى رفعتها ثورة اكتوبر ونتيجة لذلك التآمر تم للمستعمر ما اراد ، وعادت الاحزاب الي الوجود بوجهها القبيح وكانت اكثر ضراوة وشغفا للسعى وراء المكاسب الحزبية علي حساب المصلحة العامة وفى الجرى وراء الثراء الحرام على حساب تقدم الشعب ورفاهيته لقد وضح جليا رفض الجماهير لهذه الحكومات الحزبية التى تعاقبت منذ اكتوبر عام 1964 رفضت الجماهير تلك الحكومات لانها حكومات قامت جميعها علي الفساد والرشوة والمحسوبية والثراء الحرام فافسدت الجهاز الحكومى وحولته الي آلة طيعة لخدمة الوزراء والمحاسيب والاقارب من مؤيدين دونما اعتبار لمصالح اولئك الذين يقتطعون من عرقهم وقوت يومهم للحفاظ علي كيان السلطة ،رفضتها ، لانها عبثت بدستور البلاد واستباحت لنفسها سلطة تعديله لسلب حرية الآخرين تمشيا مع مفاهيمها في الديمقراطية التى تتنافى مع كل المشاعر القومية وكل القيم والتطلعات الوطنية . لقد اظهرت انها تريد ان ترى السودان يحتل المكان الصحيح بين قوة الثورة العربية والافريقية مرتبطا ارتباطا مصيريا بالامة العربية مساندا ومؤيدا حقوق شعب فلسطين السليبة رفضتها لانها عجزت عن مناهضة الدول الاستعمارية الواقفة وراء اسرائيل وعلي الوقوف ضد التسلل الصهيونى الى افريقيا وعن حماية حدود الارض السودانية من نتائج ذلك التسلل حتى هان السودان علي كل طامع في تفتيته فهب اذناب الاستعمار والصهيونية من كل جانب يستحلون حرماته ويستبيحون دماءه رفضتها لانها تريد ان ترى حلا حاسما للمشاكل الاقتصادية التى لم تزدها الاحزاب الا تعقيدا بسبب سوء تصرفها في الاموال العامة وفي تبديد الارصدة الخارجية وفي رفع مستوى الاستهلاك وازدياد حدة الغلاء وفي اللجوء الي القروض الاجنبية المشروطة لموازنة ميزانيتها مع اهمال جانب الانماء والتعمير .. رفضتها لانها عجزت عن تفهم المشاكل الاجتماعية وشجعت علي الهجرة للمدن علي حساب القرى فاضرت بالقوة الانتاجية في ميدان الزراعة ، وقضت علي امن المدن وسلامتها ونظامها بسبب الهجرة العفوية للوافدين الذين لا مأوي لهم ولا عمل .. رفضتها لانها عجزت عن حل مشكلة الجنوب وجمدت كل الوسائل التى بذلت لحل هذه المشكلة حلا يعيد الطمأنينة والاستقرار الي ذلك الجزء من وطننا الحبيب ويصون للسودان وحدته وكرامته.
اول حد يث صحفي للرئيس نميرى بعد نجاح الانقلاب:
اجرت صحيفة الصحافةاول حوار مع الرئيس نميري نشر بتاريخ1/ يوليو 1969
قال فيه اللواء نميرى انه يصعب التكهن بمستقبل الاحزاب السياسية ويعتقد ان قادة الاحزاب السياسية يحتاجون لتربية سياسية جادة
وقال ان التنظيم الذى اعد الانقلاب هو تنظيم ( الضباط الاحرار ) داخل القوات المسلحة وقادة التنظيم هذا كانوا محدودى العدد لكن افكار التنظيم يحملها 90% من ضباط القوات المسلحة
واضاف الرئيس نميرى ان الحالة العامة هي التى دفعتهم لقلب نظام الحكم الرجعي وقال انهم اتصلوا بالسيد بابكر عوض الله وتفاوضوا معه لتولي رئاسة الحكومة بعد ان وضع مجلس الثورة ثقتة الكاملة في السيد بابكر وطلب اليه تقديم ترشيحات باسماء الوزراء وقد قدم القائمة التى اعلنت ووافقنا عليها باعتبار ان الذين ورد ت اسماءهم فيها من الذين ليس لدينا عليهم مآخذ سياسية وبعضهم لم يشترك في الحكم قبل الان
وقال رئيس مجلس الثورةاننا سنحافظ على حرية الصحافة في حدود المبادئ والاهداف التى وضعناها للثورة اذ ان لتنظيم الضباط الاحرار برنامج سياسي واقتصادي متكامل سيوضع موضع التنفيذ بعد اخضاع الموقف العام لدراسات دقيقة خاصة في الجا نب الاقتصادي الذى بلغ الحضيض بسبب سياسية وزير المالية السابق الذى سلك طريقا مختلفة لاتمت الى علم الاقتصاد بصلة
وقال اللواء السابق النميرى ردا على سؤال (( للصحافة )) حول المبادئ والافكار السياسية التى يؤمن بها قال اننى وسائر الضباط الذين قادوا الثورة لم نهتد بافكار حزب او هيئة او اى تدخل من خارج القوات المسلحة كما اننا لم نتاثر باية مبادئ محلية كانت او خارجية ولقد كان لتنظيم الضباط الاحرار مبادءه وفلسفه الخاصة وقد اهتدينا فقط بهذه الفلسفة
وقال قائد الثورة اننا قد وضعنا في حسابنا ونحن ننفذ الانقلاب فى الساعات الاولى من صباح الاحد كافه الاحتمالات فقد كنا نعلم بان بايدى الكثير من المواطنين اسلحة نارية قد يستنفرهم البعض لاستخدامها ضد الثورة فى محاولة لتمكين الاحزاب من الحكم وقد اعددنا لهذا الاحتمال قوة ضارية اراد الله الا نضطر لاستخدامها وقال ان اعضاء مجلس الثورة جميعهم قد ادوا القسم للدفاع عن الثورة حتى اخر رجل وان يطلق كل ضابط الرصاص على نفسه اذا احس بالفشل حتى لايبوح بسر قد يؤذى بعض رفاقة الذين كانوا سيحملون الراية من بعدنا
وتحدث قائد الثورة عن السيا سيين فقال ان مجلس الثورة قد كلف مجلس الوزراء بمحاسبة جميع السياسيين محاسبة دقيقة وان يعرض على مجلس الثورة كافة الحقائق التى يتوصل اليها فى هذا الشان لكى يتخذ المجلس القرار المناسب بالتشاور مع مجلس الوزراء
واعلن اللواء النميرى في ختام حديثه بان تنظيم ( الضباط الاحرار ) هو الذى شارك ا لشعب في انجاح ثورة اكتوبرواجبرالعسكريين انذاك على التسليم ايمانا منه بحق الشعب فى الحياة الحرة الكريمة ولكن الاحزاب التقليدية الرجعية شوهت الثورة واجهضتها واودت بحياتها وما كان من التنظيم الا ان بدأ العمل بنشاط حتي كانت الثورة التي اقتلعت جذورهم واعادت للشعب حقه المسلوب.
أبوسهيل
09-26-2009, 11:39 PM
جعفر نميري.. في حياة السودان
أحمد حمروش
شاءت الظروف أن أكون أول مصري يلتقي مع جعفر نميري رئيس جمهورية السودان الأسبق فور انتصار حركة25 مايو1969 التي قادها مع عدد من ضباط الجيش السوداني وذلك بتكليف من الرئيس جمال عبدالناصر الذي كان يحرص علي اقامة علاقات وثيقة بين الحكم في مصر والسودان.
وتكون في هذه الفترة تشكيل للضباط الأحرار السودانيين.. ولم يكن لهذا التنظيم اتجاه معين للاستيلاء علي السلطة.. ولكن الضباط شعروا أن لهم دورا ايجابيا.. وأنه لابد لهم أن ينظموا أنفسهم ليكونوا علي الأقل صمام أمان في المستقبل اذا انحرف القادة السياسيون عن الطريق القويم.. ولكن حكومات الاحزاب التقليدية التي تولت السلطة حاكمت بعض الضباط الأحرار.. وأحيل النقيب جعفر نميري الي الاستيداع.. وكانت هذه هي المرة الأولي التي يقدم فيها للتحقيق والمحاكمة.. وقامت عدة محاولات للانقلابات العسكرية ولكنها كانت غير ناجحة.. وخلال عام1961 أعيد احياء تنظيم الضباط الأحرار وصدرت مجلته السرية الأولي صوت القوات المسلحة وكانت هذه المجلة عاملا من أهم عوامل تجميع المناضلين في القوات المسلحة السودانية وربطهم بالقوي الوطنية التقدمية.
واستمر تنظيم الضباط الأحرار ينمو يوما بعد يوم.. ويزداد صلابة ووعيا.. حتي أسهم بدور بارز في اسقاط حكم الجنرال ابراهيم عبود عندما وقف بعض ضباط الجيش وفي طليعتهم الضباط الاحرار بقيادة بكباشي جعفر نميري ويوزباشي فاروق عثمان حمد الله.. يحاصرون قصر عبود في ثورة اكتوبر1964 ويجبرونه علي الاستقالة بعد تقديم مطالبهم في مذكرة وقعها60 ضابطا وعادت القوات المسلحة الي ثكناتها بعد انهيار ديكتاورية عبود والمجلس الأعلي وصدر منشور من الضباط الأحرار يقول: ان الدوائر الرجعية تحاول أن تردد الاتهام للضباط الاحرار بأنهم يعملون لحساب مصر وهذه محاولة رخيصة لستر الحقيقة من ورائها الدوائر الرجعية أن تبرر موقفها في تصفية الجيش من العناصر الوطنية وفرض سيطرة العناصر الرجعية عليه. وتمت حركة انتقالات للضباط الأحرار في الجيش السوداني.. نقل جعفر نميري الي غرب السودان وفاروق عثمان حمد الله الي جوبا. ولكن ذلك لم يوقف تيار المد الثوري.. أو يعرقل وحدة التجمع التنظيمي.. بل العكس هو الصحيح اذ انه تكشف لبعض هؤلاء المناضلين مأساة الجيش السوداني. ولم يكن تنظيم الضباط الاحرار منعزلا عن التنظيمات الشعبية.. كان حلقة الاتصال بين القوي الوطنية والتقدمية داخل الجيش وخارجه.. بابكر عوض الله رئيس القضاة الذي استقال احتجاجا علي تصرفات الحكومة ورفضها تنفيذ قرار المحكمة العليا الصادر بعدم قانونية تعديل الدستور.
بدأت صلة الضباط الاحرار مع بابكر عوض الله عقب ثورة اكتوبر1964 عندما شكلت لجنة من القضاة لتطهير الجيش ولم يجد شباب الضباط الاحرار سبيلا الا الحركة لتغيير الحكم من الجذور.. وانتصرت الثورة في الساعة الثانية صباح يوم25 مايو1969.. وأعلن في الصباح تشكيل مجلس قيادة الثورة برئاسة العقيد جعفر نميري وأعلن أيضا تشكيل وزارة جديدة برئاسة بابكر عوض الله وهزت هذه الأنباء أرجاء الوطن العربي.. وكان لها صدي عالمي كبير. وبعد ساعات من الثورة.. كنت في الخرطوم.. وسألت اللواء جعفر نميري وهل تعتبر ثورة مايو امتدادا لثورة اكتوبر؟
وقال قائد الثورة في حسم: طبعا.. اننا نعبر عن ارادة الجماهير.. وتشكيل مجلس الوزراء الجديد يدل علي أن الثورة حريصة أشد الحرص علي اختيار عناصر جديدة لم تتلوث بالارتباط بالحكم القديم وواصل حديثه قائلا: البعض يحاول تصوير ثورتنا بأنها انقلاب.. وهذا غير صحيح.. لاننا لا نقوم بحركتنا محصورين في اطار الجيش وحده.. ولكننا ننفتح تماما علي شعبنا الذكي الأصيل.. ونضع أهدافنا في خدمة الدين عانوا طويلا من الظلم والاستغلال.
كانت ثورة25 مايو في السودان والفاتح من سبتمبر في ليبيا سندا لثورة مصر خلال المقاومة التي تجسدت في حرب الاستنزاف ضد العدوان الاسرائيلي في يونيو1967. واستمر جعفر نميري في حكم السودان16 عاما تعرض فيها لانقلاب عسكري مضاد قاده هاشم العطا أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة والذي أوفدني الرئيس أنور السادات لمقابلته فور حدوثه ليلة19 يوليو1971.. وهناك في الخرطوم وجدت أن جعفر نميري معتقل في منزل رئيس الحرس الجمهوري لعدة أيام.. وخلال أيام تغيرت الأحداث واعتقل قائد الانقلاب هاشم العطا وصدر حكم باعدامه مع عدد من السياسيين وتم تنفيذ الحكم.. وعاد جعفر نميري الي رئاسة الجمهورية الي أن أقامت في يونيو عام1985 حركة مضادة له نجا بعدها إلي مصر وبقي عدة سنوات الي أن عاد الي السودان.. حيث توفي في الخرطوم يوم30 مايو الماضي.
* نقلا عن صحيفة "الأهرام" المصرية
أبوسهيل
09-28-2009, 03:18 PM
جعفر محمد النميري :
المنصب رئيس جمهورية السودان فترة الحكم 25 مايو 1969 - 6 أبريل 1985 م الانتماء السياسي حزب الاتحاد الاشتراكي.
جعفر محمد النميري ولد في أم درمان عام 1930. حصل على الماجستير في العلوم العسكرية من الولايات المتحدة الأميركية. عمل ضابطا في الجيش السوداني قبل أن يصبح رئيس مجلس ثورة مايو 1969.استمر في الحكم إلى أبريل/ نيسان 1985. رأس حزب الاتحاد الاشتراكي الحاكم. ولجأ سياسياً إلى مصر من 1985 إلى 2000 حيث عاد إلى السودان.
قام النميري عام 1983 بتقسيم الجنوب الذي كان ولاية واحدة إلى ثلاث ولايات (أعالي النيل وبحر الغزال والاستوائية) تلبية لرغبة بعض الجنوبيين خاصة جوزيف لاغو الذي كان يخشى من سيطرة قبيلة الدينكا على مقاليد الأمور في الجنوب، وكان أبيل ألير نائب الرئيس النميري من قبيلة الدينكا ، وكان مسيطرا على جميع أمور الجنوب. ويذكر أن اتفاقية أديس أبابا تنص على جعل الجنوب ولاية واحدة، ولهذا اعتبر البعض تصرف النميري بمثابة إلغاء لاتفاقية أديس أبابا.
ومع أن عهد النميري الذي دام 16 سنة كان قد عرف أطول هدنة بين المتمردين والحكومة المركزية بالخرطوم دامت 11 عاما، فإنه عرف أيضا ظهور الحركة الشعبية وجناحها العسكري الجيش الشعبي لتحرير السودان، كما عرف بروز جون جارانج أبرز زعماء المتمردين وشهدت الحرب الأهلية في عهده فصولا دامية.
قام النميري عام 1983 بتقسيم الجنوب الذي كان ولاية واحدة إلى ثلاث ولايات (أعالي النيل وبحر الغزال والاستوائية) تلبية لرغبة بعض الجنوبيين خاصة جوزيف لاغو الذي كان يخشى من سيطرة قبيلة الدينكا على مقاليد الأمور في الجنوب، وكان أبيل ألير نائب الرئيس النميري من قبيلة الدينكا، وكان مسيطرا على جميع أمور الجنوب. ويذكر أن اتفاقية أديس أبابا تنص على جعل الجنوب ولاية واحدة، ولهذا اعتبر البعض تصرف النميري بمثابة إلغاء لاتفاقية أديس أبابا.
ومع أن عهد النميري الذي دام 16 سنة كان قد عرف أطول هدنة بين المتمردين والحكومة المركزية بالخرطوم دامت 11 عاما، فإنه عرف أيضا ظهور الحركة الشعبية وجناحها العسكري الجيش الشعبي لتحرير السودان، كما عرف بروز جون قرنق أبرز زعماء المتمردين وشهدت الحرب الأهلية في عهده فصولا دامية
كانت هذه البداية لقصة ثورة مايو (لمجيدة!!!) التي اندلعت عام 1969 بقلب نظام الرئيس الأسبق "الفريق إبراهيم عبود"... كالعادة استبشر الناس خيرا بذلك الفتى القادم من الشمال لانقاذ الشعب السوداني الذي تردت أحواله وأصبح يتخبط ما بين الحكم العسكري ارة وحكم الأحزاب تارة أخرى... فانت ثورة مايو استمرارا لحلقات (يموقراطية-عسكرية) وهكذا أصبحنا نستمتع بمشاهدة الساسة يلعبون امامنا لعبة الكراسي ونحن نصفق لهم ونهتف بحياتهم ثم ما نلبث ان نلعن اليوم الذي جاء بهم إلى كراسي الحكم....
جعفر نميري: السطوع والأفول
يراه البعض قائدا والبعض الأخر ديكتاتورا.. تحالف مع الشيوعيين ثم انقلب عليهم وانقلبوا عليه
يبدأ يومه بصلاة الصبح حاضرا في منزله الشعبي العتيق في حي «ودنوباوي» الشهير في مدينة ام درمان، ثم يقرأ في ذات الصلاة جزءا او جزءين من القرآن الكريم، قبل ان يحضر نفسه للخروج الى مكتبه في دار حزبه، الوليد المتعثر: «تحالف قوى الشعب العاملة» في شارع الجامعة، اشهر شوارع قلب الخرطوم. وهناك، يقول احد المقربين، من الرئيس السوداني السابق جعفر نميري، الذي يصفه خصومه بالدكتاتور، وأنصاره بـ«القائد»، يلتقي نميري بأنصارالحزب اولاً، ثم اصحاب الحاجات ثانيا، ليفسح من بعد وقتا متسعا لرجال من حوله وهم: معاونوه في الدار؛ (اصدقاء، اوفياء، أصيلون)، كما يحلو ان يسميهم، حيث ظل نميري يردد طوال عهد حكمه الذي استمر 16 عاما ان المسؤولين في حكمه نوعان: «الأجير والاصيل».
وفي الساعة الواحدة والنصف بعد الظهر، يلملم «الرئيس المخلوع»، كما نعته بتلك الصفة قطاع واسع من الشعب السوداني اشياءه وحصيلة اليوم من الحكايات، وهي في الغالب اشواق ممتدة، وضروب من فعل الماضي، وكان واخواتها، ويقفل عائدا عبر شارع النيل في الخرطوم، ثم شارع الموردة في ام درمان، ليحط رحاله في منزله بـ«ودنوباوي»،
وهو منزل والده الذي تربي فيه والذي يشرف على منزل ووالد زوجته بثينة خليل. نميري لا يعرف النوم في العصر، كما اعتاد اغلب السودانيين الذين يشغلون مناصب حكومية، او وظائف في الدولة. أحد المقربين منه قال لـ«الشرق الاوسط»: عندما كان قائدا للبلاد يعمل لاكثر من عشرين ساعة متصلة في اليوم الواحد،
وعليه تراه في العصر. وبعد تناول وجبة الغداء، يعيد ترتيب هندامه، ويحضر نفسه لاستقبال الاهل والاصدقاء والاوفياء، وكل هذه القائمة.. واحيانا يخرج في مشاوير لقضاء واجبات اجتماعية من تعازٍ في سرادق العزاء، او مشاركة في مراسم زواج، او زيارة مريض.
نميري، 76 عاما، لا يأكل كثيرا، ولكنه حريص على تناول الوجبات الثلاث، ويفضل «الصنف الواحد» من الطعام وبكميات قليلة. ويقول مقربون ان سبب قلة اكله يعود على الأرجح الى آلام شديدة يعانيها في احدي ركبتيه بسبب ضربة قديمة، وآلام اخرى في الحوض بسبب تعرضه لانزلاق اثناء تحركه من موقع الى آخر داخل منزله.
وينفي مقربون منه ان نميري مصابٌ بمرض عضال، ويعزون حالة الارهاق التي تبدو على محياه الى تقدمه في السن، ولكن السودانيين كلما توجه نميري الى واشنطن، من عام الى عام، لإجراء فحوص طبية امتلأت مجالسهم بانه سافر للتداوي من مرض عضال، ويرددون بانه يواظب على الذهاب الى الولايات المتحدة لمراجعة عملية جراحية اجريت له في وقت سابق تتعلق بنظام ضخ الدم في جسمه، خاصة رأسه. منذ عودته من منفاه في القاهرة في 22 مايو (ايار) عام 1999،
لم يغادر نميري نطاق العاصمة السودانية في حركته إلا مرات محدودة حيث طار بعد عودته بأسابيع ضمن وفد حكومي وسياسي كبير الى منطقة «هجليج» غرب البلاد ليشهد احتفالا اقيم هناك بمناسبة بداية الضخ التجاري للنفط السوداني نهاية عام 1999. كما زار مسقط رأسه (قرية ود نميري) شمال السودان في الاقل ثلاث مرات،
لأداء واجبات اجتماعية. ومنذ عودته «الشجاعة» حسب انصاره او «المنكسرة» حسب خصومه، غادر نميري السودان الى اربع دول وهي: الى الولايات المتحدة لإجراء فحوص دورية درج على اجرائها من عام الى آخر هناك لأكثر من 30 عاما، والى القاهرة نحو ثلاث مرات للملمة باقي اشيائه في المنفى، ولوداع المصريين، ولاسباب صحية. كما زار كلا من المملكة العربية السعودية ودولة الامارات،. ويلاحظ الناس في الخرطوم ان الرجل رغم سجل حكمه الملطخ بالتعذيب والقتل والإقصاء،
يتجول طليقا في شوارع الخرطوم وحتى في رحلاته الداخلية والخارجية، إلا من حارس واحد، ويقول في هذا الشأن: «لست خائفا من أي شيء ولي حراسة من الدولة، مش حراسة لكن متابعة.. ولقد رفضت ذلك عدة مرات ولكنهم أصروا عليها». ويشبه المراقبون راهن الدكتاتور السوداني السابق نميري، الذي اقتلعته من سلطة قابضة
استمرت 16 عاما، عاصفة شعبية في السادس من ابريل (نيسان) عام 1985، يصادف هذا اليوم، بدكتاتور الكاريبي «اورليانو بوينديا»، وهو حاكم متسلط فَقَدَ سلطته. ورسم صورته تلك الروائي العالمي الكولمبي غابريال غارسيا ماركيز في روايته «ليس لدى الكولونيل من يراسله». ومن بين حالته الهستيرية ان دخل الكولونيل مطبخا بائسا في منزله البائس، في طرف المدينة، وملأ ابريق القهوة بالماء ووضعه على النار، ثم رفع علبة البن، ولكنه وجدها فارغة،
إلا من بقايا ملتصقة على اطرافها، مما اضطر الى «كردها» بملعقة بعصبية واستياء بالغ، ووضعها بذات العصبية والاستياء على الماء المغلي. كما لم يجد من السكر في علبته غير قليل على الاطراف وضعه على الابريق، كمن يقذف بشيء في السلة، لتنتهيَّ العملية بفنجان قهوة مصنوعة من «البقايا».. وضعها على الطاولة وجلس يرتشفها ويبحر ويهيم في ذكريات الايام الخوالي، حين كان هو الاول والأخير في البلاد.
وعلى نسق الكولونيل او الجنرال الذي ليس له من يراسله، يمارس نميري هذا الضرب من الحنين في منزله ومكتبه بدار «تحالف قوى الشعب العاملة»، وسرادق العزاء، مع من حوله ممن يطلق عليهم الاصيلين،
و«انصاره من جماهير الشعب السوداني الموجودين في كل مكان». كما يعتقد في حديث لـ«الشرق الاوسط» إلياس الأمين احد «الاصيلين» المقربين من نميري، حتى الآن، وهو عضو سابق بالبرلمان في عهد نميري، ومدير مراسمه لسبعة اعوام. ويحرص الأمين على ان يسبق حديثه عن نميري بصفة «الزعيم القائد».
ليست لدى نميري املاك خاصة او استثمارات يديرها داخل السودان او خارجه، كما يقول اعوانه. ففقط، لديه قطعة ارض غير مستثمرة في قرية «ودبلال» على بعد بضعة كيلومترات جنوب الخرطوم، ومنزل في مدينة «ود مدني» جنوب الخرطوم، وهي ثاني اكبر مدينة في السودان.
وقال نميري في احد الحوارات الصحافية معه حين سألوه عن وضعه المادي، وماذا يمتلكا: «لي معاشي الشهري». وأضاف: «معاش رئيس الجمهورية معاش كويس ما بطال بيأكلني أنا وزوجتي». وكانما يشير نميري في هذا الخصوص الى تعديلات اجراها البرلمان السوداني العام الماضي في لائحة استحقاقات الرؤساء السابقين وجملة من المناصب الدستورية في البلاد،
وصفها المعارضون بأنها جاءت «باهظة التكلفة على الميزانية العامة». وشملت اللائحة الى جانب نميري، كلا من الزعيم الراحل اسماعيل الازهري، والصادق المهدي، واحمد الميرغني، وأعضاء مجلس السيادة السابقين، ورؤساء البرلمان السابقين، وغيرهم. ويشير اعوان نميري ان الاخير يجد كل الدعم والعون من الرئيس عمر البشير، حيث يتفقد احواله من وقت لآخر عبر رسول ويقدم له كل التسهيلات. وتشيع المدينة ان نميري هبط إلى منفاه في القاهرة بأموال طائلة، ولكنه فقدها في اعوام وجيزة عبر استثمارات فاشلة تولاها بدلا عنه سودانيون ومصريون. ولم تبق له سوى شقتين في عمارة واحدة استولى عليهما احد اعوانه المقربين منه، ولكن «قبل ان يهنأ بهما انهارت العمارة على من فيها»، كما يقول إلياس الامين. واضاف «كِدت اصدق ان نميري في بحبوحة من العيش في القاهرة ولكن عندما زرته وجدت انه بلا مال ولا ولا شيء سوى الاصدقاء والاوفياء».
يرتب نميري الآن، حسب مقربين، لانشاء كلية للدراسات الجامعية والدراسات العليا الاخرى، وهي ممنوحة له من الولايات المتحدة.
ويقولون ان العمل يمضي على قدم وساق لاكمال انشاء الكلية في الاشهر المقبلة. وربما فتحت ابوابها خلال الاشهر المقبلة، وفقا لمقربين.
ما سبق يعتبر آخر محطات نميري في«خطوطها» العامة والخاصة. لكن رحلته عموما كانت طويلة محفوفة بالمغامرات والقفز في الظلام، ولعب على كل الحبال، وطرق على اليمين ثم على اليسار، والسير احيانا بكوابح، واحيانا كثيرة من دونها، سلكها نميري خلال عمره الطويل الى ان صار وحيدا. ولد نميري في مدينة أم درمان في السادس والعشرين من ابريل (نيسان) عام 1930 من والدين هما: محمد نميري، وآمنة نميري اللذان قدما قبل زواجهما الى ام درمان من بلدة ود نميري في الشمال بالقرب من مدينة دنقلا من اجل لقمة العيش، وقبل ان يتزوج والده عمل جندياً في «قوة دفاع السودان» لكنه بعد الزواج ترك العمل في الجيش واختار العمل ساعياً في شركة سيارات. وعندما افتتحت الشركة فرعاً لها في واد مدني انتقل والده الى الفرع واستقر به المقام هناك مع اسرته التي باتت تتكون من الاب والأم وثلاثة ابناء هم: مصطفى، ونميري، وعبد المجيد الذي توفيَّ وهو في الرابعة والعشرين من عمره.
أبوسهيل
09-28-2009, 03:19 PM
جعفر النميري وأرييل شارون وعدنان خاشوقجي.
قالت والدته يوما عندما سألها نميري عن سر اختيارها هي ووالده اسم جعفر لمولودهما الثاني، فقالت انها رأت في حلم اثناء حملها به بأنه اذا جاء المولود ذكر تسميه جعفر تيمناً بـ«جعفر الطيار» الذي هو جعفر بن ابي طالب شقيق الامام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه.
ويضيف نميري «تذكرت ما قالته الوالدة هنا بعدما اصبحت رئيساً للسودان حيث انني في الاشهر الثلاثة الاولى من بداية الترؤس كنت احلم يومياً بأنني اطير واسمع الناس من حولي يقولون: «شوفوا الزول ده (اي انظروا الى هذا الانسان) الذي يطير.
ويتذكر نميري كيف انه عندما انتقل والده ووالدته من ام درمان الى ودمدني انه في بعض الاحيان كان يقود بعض حمير اهل الحي وينظفها في مياه النيل، وان هذا العمل جعله محبوباً بين الناس وعمق في نفسه اهمية التعاون. كما يقول «كنت البارز في الالعاب، وغالباً ما كنت أرأس فريق كرة القدم عندما نمارس اللعبة في حي ودنوباوي».
وفي هذا الخصوص، يقول نميري في حواراته الصحافية: «اتذكر قساوة الحياة التي عشناها. وأتذكر في الوقت نفسه كيف ان مرتب والدي عندما احيل إلى المعاش لم يتجاوز تسعة جنيهات. وبسبب ضآلة هذا المرتب حرص والدي على ان يعلمنا. عشنا قساوة الحياة، ولكي يؤمن لي والدي فرصة الدراسة الكاملة فانه طلب من اخي الاكبر ان تتوقف دراسته عند المرحلة المتوسطة ويبدأ العمل».
تدافع الاخوان لتحسين حال الاسرة الفقيرة، فعمل مصطفى، الاخ الاكبر براتب قدره اربعة جنيهات شهرياً، وأكمل نميري دراسته وتمكن من الالتحاق بالثانوية العليا مدرسة «حنتوب الثانوية»، ولكن نسبة للظروف المادية الصعبة التي تواجه الاسرة بصورة لا تسمح بتوفير مطالب دراسته، قرر نميري بعد اكمال المرحلة الثانوية الالتحاق بالقوات المسلحة بدلا من دخول الجامعة.
ويقول في حديث مع فؤاد مطر في هذا الخصوص: «الذي شجعني على ذلك شعوري بأن التحاقي بالكلية الحربية سيؤمن لي دخلاً أساعد به عائلتي، وكان الدخل عبارة عن اربعة جنيهات ونصف الجنيه شهرياً للضابط حديث التخرج، أرسل نصفه الى والدي ووالدتي مع مبلغ آخر يرسله اخي الى الوالدين».
التحق ابن الاسرة الفقيرة بالكلية الحربية عام 1949، وانتابه شعور مزدوج بالفرح في موقعه الجديد لسببين؛ الاول: عندما «قبض» اول راتب وقدره جنيهان ونصف الجنيه لطالب الكلية الحربية، وخروجه من دائرة الاتكال والاعتماد على الاخرين، فضلاً عن انه اصبح في امكانه تقديم المساعدة لاسرته الفقيرة، وذلك بالاضافة الى إشباع حبه للعمل الشاق والحيوية والرجولة الموجودة في الحياة العسكرية.
ويروي نميري بأنه عندما تسلم المرتب للمرة الاولى اقتطع منه سبعين قرشاً ثم اشترى بجزء من المبلغ المتبقي حلوى ولُعُباً ومشى مسافة عشرة كيلومترات ليوفر ما كان يجب ان يدفعه مقابل الانتقال بالسيارة. ويضيف: «قدمت من هذا المرتب الحلوى واللعب الى اطفال العائلة الذين شعروا بأنهم ذاقوا حلاوة النقود التي حصل عليها ابن عمهم من الكلية الحربية».
تخرج نميري في الكلية الحربية عام برتبة ملازم ثان، والتحق بالعمل في القيادة الغربية مركزها مدينة الفاشر. ويروي هنا: «عندما التحقت بالغربية شعرت بشيء من الهيبة بسبب ان العسكريين الذين يعملون في هذه المنطقة هم الاشد بأساً في السودان»، ثم تنقل نميري في عدة مواقع عمل في الجيش السوداني شمالا وجنوبا. واتهم عام 1955 بتدبير انقلاب عسكري على النظام الديمقراطي القائم في البلاد في ذلك الوقت، غير انه «تبين للقيادة بعد التحقيق معه ان الامر ليس اكثر من وشاية وبعدما تبين لها ذلك حُفظ التحقيق».
ولكن ظلت الجهات الامنية آنذاك ترصد لنميري تحركات ضد السلطة الحاكمة خاصة حكومة ما بعد ثورة اكتوبر التي اطاحت نظام الرئيس ابراهيم عبود، مما اضطرت السلطات اثر تواتر التقارير ضده الى نقله من الخرطوم الى كسلا بصورة اقرب الى النفي، ولكن رغم ذلك امرت حكومة الصادق المهدي المنتخبة بعد ثورة اكتوبر اقتياده من كسلا ووضعه في المحبس في احد معسكرات الجيش في الخرطوم. وجرى التحقيق معه حول محاولة انقلابية فاشلة قادها ضابط اسمه خالد الكد، وهو الراحل الدكتور خالد الكد،
غير أن التحقيق لم يتوصل الى ما يجرِّم نميري في المحاولة الفاشلة. ولكن كل ذلك لا يعني ان نميري لم يكن يفكر بصورة سرية وجادة في الاستيلاء على السلطة بانقلاب عسكري لوضع حد لكل المخاطر وللتردي المتواصل للاوضاع في البلاد، وعليه عقد هو ومجموعته اجتماعات في الخرطوم وفي مدن اخرى. وبين معارض ومؤيد من الضباط للانقلاب انقض نميري على الحكومة المنتخبة وكان وقتها يعمل في المنطقة العسكرية بـ«جبيت» شرق السودان. ويَحكي نميري في ذكرياته ان محمد ابراهيم نقد،
زميل دراسته في حنتوب والسكرتير العام للحزب الشيوعي جاء اليه في موقع ما في الخرطوم وأخذه الى منزل ليلتقي هناك بالقيادي الشيوعي والنقابي آنذاك الشفيع احمد الشيخ، وقال له الاخير: «انه يرى ان الظروف ليست مواتية على الاطلاق للقيام بحركة عسكرية». وبعد خروجه من المنزل، ساور نميري شعور بان خطة الانقلاب قد انكشفت، وعليه بدأ يسابق الريح والظروف لتنفيذ الانقلاب قبل إحباطه من جهة ما، وكان اللقاء قبل 48 ساعة على ساعة الصفر المحددة في الخطة.
ويقول نميري في حوار صحافي سابق «كان لابد ان نمنع الحزب الشيوعي السوداني من الوشاية بالحركة فقدمنا ساعة الصفر «24» ساعة، وقمت بحركة تكتيكية حيث انني سألت عن منزل عبد الخالق محجوب وتوجهت اليه مساء اليوم الذي تم في فجره التحرك.. طرقت الباب ففتح احد الاشخاص سألته عن عبد الخالق، فنادي عليه، جاء عبد الخالق وصافحني وكان يرتدي ملابس منزلية، وقادني الى احدى الغرف في الداخل لم أتركه يتكلم، وبدأت الحديث على الفور فقلت له: «انني جئت لأبلغه بان تنظيم الضباط الاحرار نفذ الخطة واستولى على السلطة في الخرطوم.. ان منزلك محاصر وسيتم اذاعة البيان الاول خلال ساعات،
كما انه تم الاستيلاء من جانب عناصرنا التي ترتدي الثياب المدنية على جميع المرافق الاساسية في العاصمة، وان اي تحرك او اتصال من جانبك او حتى الخروج من المنزل قبل السابعة صباح غد، سيُعرِّض حياتك الشخصية للخطر.. وحاول عبد الخالق ان يعلق، ولكني لم اعطه فرصة، وغادرت المنزل مرتاحاً الى النتائج حيث انني لاحظت على وجه عبد الخالق وأنا احدثه ملامح الخوف والفزع الشديد. وما دام رد فعله على هذا النحو، فمعنى ذلك انه لن يتحرك».
توالت الأحداث سِراعا من بعد الى ان استولى نميري على السلطة بسهولة في صباح 25 مايو عام 1969. قبل نميري التعامل مع الحزب الشيوعي رغم انه يرى خلافات تسري في ساحة الحزب حول عملية الانقلاب نفسه، فيما تحمس فريق من الشيوعيين لنميري واطلقوا على انقلابه ونظامه «ثورية ماي». وغنى مغنيهم لنميري «يا حارسنا،
ويا فارسنا، ويا نحنا.. ومدارسنا، كنا نفتيش ليك، جيت الليلة كايسنا». ثم غنى: «ابوعاج يا اخوي دراج المحن». و«بأدبيات الحزب الشيوعي والناصرية، نقض نميري كل برامج السنتين الاوليين من نظامه»، كما قال لـ«الشرق الاوسط» الصادق المهدي، زعيم حزب الامة المعارض، وأحد ألدِّ اعداء نميري المعروف بكراهيته للاحزاب التقليدية المعروفة بالطائفية، وان ثورة كهذه تعني اجهاضاً مبكراً للحركة الشعبية التي يقودها الحزب الشيوعي السوداني.
ولكن شقة الخلافات بين نميري والشيوعيين توسعت بعد اقل من عام، حيث يري فريق منهم؛ وعلى رأسهم سكرتير الحزب آنذاك عبد الخالق محجوب، وفاروق حمد الله، وهشم العطا، وبابكر النور، وبينهم من هو ضد الانقلاب مثل الشفيع احمد الشيخ؛ ان نميري قد ضل الطريق وتحول بين ليلة وضحاها الى حاكم متسلط، فخطط فريق من هؤلاء بقيادة الضابطين هشم العطا وفاروق حمد الله لتنفيذ انقلاب على الانقلاب باسم «الثورة التصحيحة».
ويروي نميري في هذا الشأن: «في هذه الاثناء طلب السماح له بالسفر الى لندن للعلاج فسمحنا له، وطلب السفر الى نيروبي فسمحنا له، لكنه سافر من نيروبي الى لندن، وأقام فيها. وفي الوقت نفسه بدأ هاشم العطا يقوم بتحركات مشبوهة، وهو في الخرطوم ويتصل بالضباط، فقررنا وضعه تحت مراقبة اجهزة الامن».
وبعد ايام من الاحداث المتوالية ولعبة القط والفأر، وقع الانقلاب ضد نميري في حوالي الثالثة بعد ظهر يوم الاثنين 19 يوليو(تموز) 1971، وهو الانقلاب المعروف بـ«انقلاب هاشم العطا»، ولكن نميري وأعوانه احبطوا الانقلاب بعد اربعة ايام، «بسبب الخلافات التي سادت اضابير الحزب الشيوعي»،
كما قال لـ«الشرق الاوسط» أحد الشيوعيين المشاركين في نظام نميري، طلب عدم ذكر اسمه. وفي رواية لنميري حول تفاصيل الانقلاب، قال «أمضيت في الغرفة بالقصر الجمهوري ايام «19 ـ 20 ـ 21 ـ 22» يوليو أتأمل وأفكر في كل ما اقدمت عليه في حياتي ولم اجد نفسي نادماً على شيء فعلته حتى انني لم اندم على رفعي المراقبة عن هاشم العطا». ونصب نميري لمدبري الانقلاب المجازر في منطقة الشجرة العسكرية جنوب الخرطوم، طالت بالاعدام كلا من: سكرتير الحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب، هشم العطا، وفاروق حمد الله، والشفيع احمد الشيخ، وقائمة من المدنيين والعسكريين، وزُجَّ بالباقي في السجون، لتبدأ مرحلة العداء السافر الممتد بين الشيوعيين ونظام نميري.
ثم دخل نميري في مواجهة مع زعيم الانصار في ذلك الوقت الامام الهادي من معتقله في «الجزيرة ابا» جنوب الخرطوم، وانتهت هي الاخرى بمجزرة ضد الانصار، طالت المئات بمن فيهم الامام الهادي الذي لاحقه جنود نميري وقتلوه على الحدود مع اثيوبيا شرقا. وبذلك وضعت احداث الجزيرة حجر أساس متينا لخصومة طويلة بين الانصار ونميري.
وقضى نميري بسهولة على الانقلاب الثاني بقيادة الضابط حسن حسين في سبتمبر (أيلول) عام 1975، ويقول حوله «انها محاولة محدودة ومعزولة والدليل على ذلك ان الذين اشتركوا فيها كانوا عبارة عن اعداد قليلة من الجنود وصغار الجنود يجمعهم انتماؤهم العنصري الى منطقة واحدة». وفي عام 1976 خططت المعارضة السودانية من الخارج وتضم: الحزب الشيوعي وحزب الامة والحزب الاتحادي الديمقراطي بالتعاون مع السلطات الليبية لانقلاب عسكري ضد نميري بقيادة العقيد محمد نور سعد وكاد يستولي على السلطة، ولكنه احبط، وقتل نميري المشاركين في الانقلاب بمن فيهم قائده، وأطلق على المحاولة «انقلاب المرتزقة».
وفي خضم معاركه المباشرة مع خصومه في الاحزاب السودانية، لم ينس نميري اللعب بكل القوى التي تتيح له الفرصة للامساك بها. ويلخص الصادق المهدي في حديثه لـجريدة الشرق الاوسط مسيرة نميري في انه «حاول ان يلعب كل الاوراق لأنه أصلا فارغ من اي مضمون آيديلوجي فأصابته موجة الانقلابات العسكرية التي اتسمت بها الدول العربية وقادها من يسمون انفسهم بالضباط الاحرار، فجاء على راس الشيوعيين واختلف معهم وعاملهم بوحشية واستهدى بمصر الناصرية ثم مصر الساداتية ولجأ الى الغرب وحاول ان يصالح الاحزاب وفشل، وهذا ما دفعه الى ولوج خط الاسلام بصورة لا تراعي ظروف السودان، فوقع الاستغلال المتبادل؛ هو يحتاج الى فكرة وهم يحتاجون الى واجهة، ولكن في خاتمة المطاف فشل التحالف مع الاسلاميين فدخل في صدام مع النقابات والأحزاب،
فأسقطه الشعب عبر الانتفاضة في السادس من ابريل». ويضاف الى هذا ان نميري طوال الاعوام ما بعد انتهاء العلاقة بينه وبين الشيوعيين، رمى نفسه خارجيا في حضن الولايات المتحدة الى ان ذهب بغير رجعة.
ويقول نميري في هذا الصدد «منذ 15 عاماً كنا قد وضعنا خطة لأن يصبح السودان أميركا افريقيا لأننا نملك الأرض والناس والإمكانات ولنا علاقات دولية واسعة». ويرصد الموالون لنميري ايجابيات الرجل في انه جلب السلام للسودان لمدة عشرة اعوام عندما وقع مع المتمردين في جنوب السودان اتفاقا في اديس ابابا عام 1972، ولكن نسفه بنفسه عام 1983 لتندلع الحرب من جديد بين الشمال والجنوب.
ورى مؤيدوه انه هو الذي أنهى موجة لعطش التي كانت تسود الريف السوداني لعهود بعيدة عندما نفذ برامج محاربة العطش في السبعينات من القرن الماضي، وانه اخرج شباب السودان من بيت الطاعة العمياء للطائفية. ويحكي الياس الأمين في هذا الخصوص، ان نميري قال لهم انه سعيد بمظاهرات اندلعت ضده اواخر عهده عرفت بأحداث شعبان، ومنبع سعادته ان من بين المتظاهرين تلاميذ مدرسة في «الجزيرة ابا» المعقل الرئيسي لطائفة الانصار التي يرفضها نميري بقسوة، وان تلك الخطوة من التلاميذ تعني ان مايو حررت سكان الريف من الطاعة العمياء للطائفية.
ويحسب له أنصاره انه أقام جملة مصانع للسكر ساهمت في دعم الاقتصاد السوداني. ويرد نميري على اسئلة الصحافيين في هذا الجانب بأنه «قد بنى وطناً عزيزاً سيداً». ويقول كنا «أكثر حكومة ديمقراطية أتت للسودان.. كان يمكن أن تزيد الديمقراطية فيها». أما خصومه، فيرون ان نميري هو الذي دمر السودان سياسيا واقتصاديا.
وفي عهده بدأت رحلة تدهور النظام الاداري في السودان، وهو النظام الذي ساهم في بناء انظمة الكثير من الدول المجاورة قبل ان تطاله أيدي المخربين من نظام مايو. ويقولون انه ساق البلاد بدون فكرة محددة فوصل بها الى حدود الانهيار في كل شيء، ويتهمونه بممارسة العنف والارهاب ليس ضد المعارضين وانما ضد الذين يعملون معه من السياسيين. وتحكي مجالس الخرطوم ان نميري يعزل وزراءه فجأة عبر نشرة اخبار الثالثة ظهرا في الاذاعة السودانية بصورة درامية.
ويُشاع بأنه يحتد في الحديث مع المسؤولين في حكومته يصل الى حد الضرب، ولكن نميري ينفي ما يشاع تماما، ويقول «انها فِرية.. انا اتخذ كل القرارات حسب الدستور والقانون». ويرى المعارضون ان من اهم الممارسات التي ساهمت في إسقاط حكم نميري محاولة ضرب النقابات، ثم ترحيل اليهود الفلاشا من اثيوبيا الى اسرائيل، واعدام زعيم الجمهوريين محمود محمد طه بصورة بشعة، والتطبيق التعسفي للقوانين الاسلامية، عندما تحالف مع الاسلاميين بزعامة الدكتور حسن عبد الله الترابي وأطلق على نفسه «إمام المسلمين».
على كل، سافر نميري في رحلة علاج الى واشنطن في الاسبوع الاخير من مارس (آذار) عام1985 ، فبلغت مسببات الغضب على نظامه درجاتها العليا. وخرج الناس الى الشارع تقودهم النقابات والاتحادات والاحزاب بصورة أعيت حيل أعتى نظام أمني بناه نميري في سنوات حكمه، فأعلن وزير دفاع النظام آنذاك، الفريق عبدالرحمن سوارالذهب ،
انحياز القوات المسلحة للشعب، حين كان نميري في الجو عائدا الى الخرطوم ليحبط الانتفاضة الشعبية، ولكن معاونيه نصحوه بتغيير وجهته الى القاهرة، لان «اللعبة قد انتهت». ومن آخر أقوال نميري في أمل إحباط النظام؛ تصريحات شهيرة أطلقها في القاهرة، جاءت فيها: «ما في زول يقدر يشيلني»، ولكن المنفى امتد اربعة عشر عاما، رقدت خلالها على طاولته اسئلة بلا اجابات، والدليل رده على سؤال ملح بعد عودته الى الخرطوم حول مَنْ الذي أسقط مايو هو: «لا.. أعرف!».
أبوسهيل
09-28-2009, 04:18 PM
بماذا يصفون شخصية نميري كرئيس؟
*الدكتور منصور خالد (وزير سابق في حكومات مايو): سأظلم نميري واظلم الحقيقة واظلم نفسي كمؤرخ سياسي ان اختزلت الاجابة في اوصاف عابرة فهو شخصية مركبة فيها الايجابي والسلبي شأن كل البشر وقد تناولتها في كتاب كامل..
*التيجاني الطيب (قيادي بالحزب الشيوعي): لم اعرافه كشخص. ولم اتعامل معه كضابط بالرغم من انني كنت قيادياً بالحزب الشيوعي.. وما يمكن ان اقوله في البداية كان له نفوذ واسع واقدر اقول انه كان محبوبا وبعد فترة فعل اشياء جعلته اكثر السياسيين بغضاً في تاريخ السودان.
*عبد الرسول النور (قيادي بحزب الامة): نميري ديكتاتور يفعل كل شئ للبقاء في السلطة. بدأ «بلينين وانتهى بآمين» فقد احتفل بعيد ميلاد لينين في قلب الخرطوم. وانتهى به الامر بان اصبح اماما درويشا يتوكأ على عصاة الاسلام ويضرب بسيفه ثم يحمل ابريقه ويدور في حلقات الدراويش.
*مالك حسين (وزير مايوي): نميري اقوى شخصية سياسية منذ الاستقلال فهو له قدرة على اتخاذ القرار واشرك في حكمه كفاءات علمية وسياسية غير مسبوقة.
*د. حسن مكي (مفكر اسلامي): هو شخصية سودانية استطاعت ان تستوعب الدرس السوداني جيداً وان تستوعب اهمية العمل الخارجي في السياسة السودانية.. كما استطاع ان يوائم بين مطلوبات الداخل وضغوط الخارج. كما نجح في استمالة النخب غير المؤدلجة وكسب معارك ضد اليسار والطائفية وسحب البساط «جزئياً» من الاسلاميين. ولكن له تجاوزات تمثلت في تهجير الفلاشا ولكن عموما الميزان ربما يرجح المكاسب على السيئات.
*البروفسيور علي شمو (وزير مايوي): نميري كان رجلاً على درجة عالية جداً في الانضباط ويتميز بصفات القائد وهو منظم جداً ويستوعب القضايا المتعلقة بالدولة والحكومة.. وله قدرة كبيرة على اتخاذ القرار.
*عبد الباسط سبدرات (محامٍ وسياسي): نميري رجل يملك القرار ويملك القدرة على اتخاذ اصعب القرارات مستفيداً مما تتيحه التربية العسكرية من انضباط وحسم ومناورة.
*بابكر حسن مكي مؤلف الكتاب الشهير «نميري.. الامام والروليت»: لا شك ان الرئيس السابق نميري كان يتمتع بـ «كاريزما» خاصة.. شخصيته قوية وجذابة والى حد كبير اعتقد انه من طراز الضباط المتملكين لخواص القيادة منذ فترة دراسته في الكلية الحربية.. على المستوى الشخصي هو انسان كريم وشهم وطيب المعشر ووفي لاصحابه القدامى وصاحب نكتة.
مما سبق ذكره ألاحظ وبوضوح تام أن شخصية الرئيس جعفر نميري امتازت بالغموض التام نظرا لتضارب الأقوال والآراء حول شخصيته كرئيس للبلاد.. لاسيما إذا عرفنا أن السيد جعفر نميري كان يتخذ القرار في لحظة ويتراجع عنه في اللحظة التالية... عسكريا لا يختلف اثنان على قياديته ولكن كرئيس لجمهوريةا لسودان الديموقراطية فستعدد الآراء.
شخصية حكمت السودان لمدة تصل إلى 16 عام "حتى ثورة أبريل 1985 التي أطاحت به وهو خارج البلاد!!!!" شخصية كهذه يجب أن تمتاز بالقوة الفتاكة... يكفي أنه لم يستطع احد ان ينقلب عليه وهو داخل القصر الجمهوري... حتى انقلاب ال73 ساعة الذي أطاح به لم ينجح أبدا وترك البلاد في حالة من الفوضى لثلاثة أيام ... تخيلوا بلد ليس بها حكومة ولا قانون لثلاثة أيام...!!!!
فيما يلي جزء من خطاب السيد نميري يعد توليه الحكم ...
"ن قيادة الثورة تطلب من المواطنين الكرام ان ينصرفوا الى اعمالهم كالمعتاد متيقظين في نفس الوقت الى اعمال المخربين من قادة الاحزاب واعوانهم من المنتفعين بالعهد البائد وليعلم كل مواطن ان الثورة ستضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه الوقوف امام تيار التغيير الجارف وانطلاقة الشعب الباسلة وحتمية التاريخ الذي لا يحابي وفي نفس الوقت فإننا نطمئن نزلاءنا من الأجانب أن الثورة ساهرة على أرواحهم ومصالحهم وممتلكاتهم وأموالهم وانها ستنزل أشد العقوبة على من يحاول العبث بأمن هؤلاء النزلاء واستفزازهم.
اللواء أ.ح جعفر محمد النميري
رئيس مجلس قيادة الثورة ووزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة"
تتضح جليا نوايا الرئيس التي نفذها وبالحرف الواحد " كالمعتاد متيقظين في نفس الوقت الى اعمال المخربين من قادة الاحزاب واعوانهم من المنتفعين بالعهد البائد وليعلم كل مواطن ان الثورة ستضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه الوقوف امام تيار التغيير الجارف"
أتوقف هنا على وعد أن أواصل معكم التنقيب والتمحيص لعهد مايو حتى نستبين إن كان فعلا عهد مايو يستحق التمجيد أم التحقير....؟؟؟
أبوسهيل
09-28-2009, 04:24 PM
أيــــــام النمـــــيري (2):
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
إن سنوات العهد المايوي لازالت.. تعيش في خواطر أهل السودان الذين عاصروها.. ما بين سادن من سدنتها.. وما بين معجب بها وما بين ناقم منها وشامت عليها.. والدليل على ذلك... أن الكثيرين من المعارف والأصدقاء والقراء الذين اطلعوا على المقال الأول من هذا المسلسل المايوي.. (شاغلوني).. بعضهم يتوجس خيفة من انطلاقة قلمي.. وخدشها.. لصورة بديعة في خواطرهم عن مايو.. التي عاشوها.. براعم.. وطلائع وكتائب.. وأعضاءً في الاتحاد الاشتراكي ويتمنون.. الرحيل إلى دار الخلود وفي أنفسهم شيء من مايو!!.. والبعض الآخر قال لي.. عاوز تشكر مايو.. وأنت صاحب ديوان الشعر.. (رسالة من شرطي إلى الصنم)؟!.. وآخرون ذكروني بمقالات كتبتها قبل عدة سنوات، أحث فيها من تبقى على ولائه المايوي.. لينضم إلى يونيو الإنقاذ باعتبار أن هناك قاسم.. بل قواسم مشتركة تجمع بين.. (مايونيو)!!.. كل (المشاغلات) كانت حبيبة إلى نفسي.. لأنها على الأقل... طمأنتي بأن الناس تقرأني.. وقد غبت عن ساحة الإعلام حولاً وبعض حول... وأقول لهم (شيلوا الصبر) لأن المقالات القادمة ستكون عند حسن ظنهم بإذن الله!! أما الأعزاء الذين وضعوا أيديهم على رؤوسهم خوفاً وفرقاً.. ظناً منهم بأني - لا سامح الله - أنوى تقمص روح مكي شبيكة... وقلم زلفو.. والتجرؤ على كتابة مادة تؤرخ للحقبة المايوية من تاريخ السودان الحديث.. وكشف أسرارها وخباياها... ورصد نجاحاتها وإنجازاتها.. و(نكش) سلبياتها وسقطاتها.. وفضح بلاويها الأخرى.. التي يعجز القلم عن قولها أو التعبير عنها... فإني أطمئن القراء الكرام.. بأني، لم أفكر في ذلك.. ولن أفكر فيه.. مع أن الأمر الآن متاح للجميع ويستطيع من يشاء.. أن يقول ما كان يود قوله زمان.. وأبوعاج أخوي يتقافر في الساحات.. ويزحم براياته الآفاق!!
نعم.. أنا لم أفكر لحظة في كتابة تاريخ مايو أو النميري.. لأني ببساطة لست مؤرخاً.. ولأن المؤرخين على قفا من يشيل.. ثم أني أيدت مايو وناصرتها عهداً.. ثم داهنتها وقتاً. ثم (كجَّنتها) زماناً.. وناصبتها العداء سنينا.. حتى سقطت وأصبحتْ في ذمة التاريخ.. ولو أني. كلفت بكتابة تاريخها (لغطستُ) حجرها.. وما أنصفتها.. فماذا أود أن أقول إذن؟!..
وأهو.. ده السؤال!! فأنا أود أن أقول وأحكي للناس.. ما رأيت وشفت عديل كده.. من مواقف وتصرفات.. وضحكات وغضبات وأحاديث و(طبظات) وأقاويل.. وحكايات وشمارات.. وطرائف.. ومقالب وحركات... وهلم جرات.. ترتسم صورها.. أبيض.. وأسود.. في خيالي كفيلم (هندي) مايوي طويل.. ممتع.. لا يمل يتقاسم الأدوار فيه.. بعض رموز النظام المايوي.. وبعض أعدائه.. وبعض من لا هم في العير ولا في النفير.. مع دور البطولة المطلق.. الذي لعبه النميري بتميز وإتقان.. ولعلها يا صديقي الشاعر الأديب اللطيف.. كمال الجزولي.. هي في حكايتنا مايو.. والتي أصبحت مايو في حكاياتنا..!!
إن الذين كتبوا تاريخ مايو.. لم يوثقوا لهذه المواقف المايوية.. والذين سيكتبون من بعد ذلك.. لن يوثقوها.. لأنهم لن يجدوها (طازة)، وقد تصلهم كبينة سماعية.. لا يمكن تصديقها أو الاقتناع بها ويسهل رفضها ودحضها واعتبارها من سقط القول.. والافتراء.. وبما أني.. كنت ضابطاً شرطياً صغيراً في جوبا.. عندما أذاع النميري البيان الأول في 25/ مايو 69.. وأعلن ثورة اشتراكية.. وعربية.. وشكل مجلس قيادتها برئاسته.. مزيناً من المدنيين بالسيد بابكر عوض الله رئيس القضاء الأسبق.. أمد الله في عمره ومن الضباط.. المقدم بابكر النور والرائد فاروق حمدنا الله والرائد هاشم العطا والرائد أبو القاسم هاشم والرائد زين العابدين محمد أحمد عبدالقادر .. عليهم الرحمة جميعاً.. ومتّع الأحياء منهم.. الرائد خالد حسن عباس والرائد أبو القاسم محمد إبراهيم والرائد مأمون عوض أبوزيد بالصحة والعافية.. وأناشدهم بحق هذا الوطن أن يكتبوا لنا سِفراً يحوي أسرار هذه الثورة.. التي تركت بصماتها على وجه هذا البلد الجميل!!
لقد عاصرت مايو كما ذكرت من قولة (تيت) وسمعت ببيانها الأول وما تبعه من قرارات في مدينة جوبا.. وعشت حديث المدينة عندما.. وصل إلى هناك.. بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة... ودخلوا القيادة الاستوائية وسط انبهار وترقب ضباطها وجنودها.. وتلقاهم قائد القيادة.. حافي الرأس.. وبدون كاب حتى لا يؤدي التحية العسكرية.. لضباط كانوا بالأمس.. يوقرونه..ويؤدون له التحية طاعةً وانضباطاً.. وأن هذا القائد غادر معهم إلى الخرطوم... ليتقاعد.. بالمعاش بطوعه أو رغماً عنه.. لست أدري!! وظللت معاصراً للنظام وأنا اتنقل في شمال البلاد.. وغربها.. وقلبها واختزن في ذاكرتي.. كل ما يسر لي الله من المواقف.. ذات المعاني.. والتي لا يهتم بها عادة المؤرخون.. استمرت هذه المعاصرة كما قلت.. من قولة(تيت) وحتى قولة (طيط) وسقوط النظام تحت جحافل ثورة الجماهير في أبريل 1985م!! والذي حدث بعد عام واحد تقريباً من قيام النميري بنفسه.. تقليدي وآخرين من دفعتي.. نوط الخدمة الطويلة الممتازة.. والذي يمنح عادة بعد عشرين عاماً من العمل الممتاز.. كان نصيب مايو منها ستة عشر عاماً حسوماً.. وهي المعاصرة التي أعنيها والتي تخولني حق الكتابة.. عن مشاهدات رأيتها بعيني رأسي... لم يرها أحد غيري.. أو رآها ولم يتوقف عندها.. أو يهتم بها.. وكما يقولون... حبُّ الناس مذاهب!!.
أعلم أن القاريء الكريم.. قد تململ من طول هذا الحديث وبات يتشوق لسماع المشاهدات والمواقف التي أزعمها.. ولكن ما باليد حيلة.. فهذه الحلقة.. لا تحتمل المزيد.. لضيق ذات الورق.. ونعد بالانطلاق في فضائيات المشاهدات في الحلقات القادمة... ولكننا لا نرى بأساً من سرد.. فاتحة شهية.. حدثت قبل انقلاب مايو.. بأيام قلائل عندما احتجزت شرطة مرور الخرطوم.. العقيد جعفر النميري وآخرين من أعضاء مجلسه فيما بعد.. واتهمتهم بمخالفة قانون المرور.. واتخذت معهم كامل الإجراءات.. من كشف طبي واستجواب.. ثم سلمتهم لوحداتهم.. وأختم حديثي هذا بإرسال التحايا لحكمدار المرور وقتها أحمد هارون عبد المجيد.. والمزارع الآن في الدالي والمزموم.. وصاحب (كمبو الحلبي) الشهير.. وأساله عن مصير البلاغ... وماذا كان سيفعل لو كان يعلم بما سيفعل النميري؟! ونواصل..
أبوسهيل
09-30-2009, 04:10 PM
أيــــــام النمـــــيري (3)
لواء «م» / محيى الدين محمد علي
صدر كشف التنقلات من رئاسة الشرطة.. بعد انقلاب مايو.. ونقلت من الإستوائية للولاية الشمالية الكبرى.. وكان مدير شرطتها في ذلك الوقت.. العميد الرشيد أحمد جلي عليه رحمة الله.. والذي أبرق قومندان الإستوائية مفيداً بنقلي إلى بربر.. حتى أتحرك إليها مباشرة عوضاً عن التباطؤ والتسكع في رئاسة شرطة الولاية.. فحزنت لذلك جداً.. لأني كنت أرغب في الانتقال إلى مدينة دنقلا.. نسبة لمرض والدتي.. ففكرت في حيلة.. تعالج هذا الأمر.. ولم أتردد في إرسال برقية باسم مدير شرطة الإستوائية.. لعناية مدير شرطة الشمالية وقلت فيها.. برقيتكم بتاريخ كذا غير واضحة.. هل نقل الضابط محيي الدين إلى بربر أم دنقلا؟! وكانت المفاجاة.. أن جاءنا الرد.. نقل إلى دنقلا ويتحرك إليها رأساً، وقد علمت مستقبلاً من صديقي ودفعتي اللواء المحامي صديق الهادي والذي كان هناك وقتها.. أن المرحوم العميد الرشيد أحمد جلي.. المتميز بذكائه.. عندما اطلع على برقية الإستوائية.. ضحك وقال.. الزول ده عاوز دنقلا.. عدلوا الكشف.. وأخطروه بالموقع الجديد..!!
وهكذا نفذت النقل إلى مركز شرطة دنقلا.. وتوليت أعبائي فيها.. وكانت حدود المركز.. تمتد على طول النيل العظيم من عبري إلى دلقو.. ديار المحس والسكوت ومروراً.. بكرمة وأرقو.. والحفير ودنقلا.. والقولد.. وأهلها الدناقلة.. وحتى مشارف أهلنا المناصير.. والشايقية.. واستمتعت شهوراً بتولي رئاسة شرطة مركز دنقلا بالإنابة حتى وصلنا منقولاً.. العم (الملاحظ) أو النقيب.. محمد عبد الله محمد صالح وهو من ضباط الصف الأذكياء الأكفاء وقد تعلمت منه الكثير.. وقد كان المركز على امتداد طوله المترامي (كالعجورة).. هادئاً.. (زيت في قدر).. نسيجه الاجتماعي متماسك ومترابط.. لا جرائم ولا سرقات.. ولا نهب.. ولا صراعات قبلية.. أو أثنية.. والخير باسط والمسكين الفقير فيه يبدو في مظهره متألقاً ومتفوقاً على بعض أثرياء الخرطوم هذه الأيام.. لا يمد يده لأحد ولكن الخيرين هم الذين يمدون أيديهم إليه!!
وسمعنا ونحن في شمالنا السعيد أنباءً.. عن أحداث الجزيرة أبا.. وودنوباوي.. وتأثرنا لها.. مع أنها كانت حوالينا ولا علينا.. ولكن جهاز الأمن وقتها.. أراد أن يقض مضاجعنا ويؤرقنا.. فأرسل إلينا قائمة بوكلاء الإمام الهادي رحمة الله الذين يقيم معظهم.. في مناطق القولد.. والخندق.. ولبب وما جاورها.. وأمرنا باعتقالهم فوراً ورفع التمام بالتنفيذ.. وأصدر السيد الملاحظ أمره لي بالتنفيذ وسلمني كشفاً بأسماء ثلاثة عشر وكيل إمام.. (فنقنقت سراً) وتحركت ومعي مجموعة من رجال الشرطة.. على متن عربة لاندروفر بكب.. ركبها الزعيم الأزهري عند استقباله في دنقلا.. بعد إعلان الاستقلال عام 1956.. وأمر بعد الزيارة أن تسلم العربة للشرطة.. وبعد أن خرجنا من المدينة.. وعند قرية لاتبعد كثيراً جنوب دنقلا انقطع (سير) العربة.. فجلسنا تحت شجرة عتيقة ظليلة وبدأنا في (فتل) (سير) من حبال الأشميق أو العشميق لا أدري.. ولكني أدري بانه مستخرج من بين (أبج) النخيل.. وفي هذه الأثناء مر بنا رجل صبوح وحيّانا.. وعلم بمشكلتنا.. وقال سيبوا الكلام ده.. أنا عندي عربية لاندروفر زي حقتكم.. ستأتي بعد قليل.. يمكنكم أخذها.. أو أخذ (سيرها).. ثم دعانا إلى بيته فذهبنا.. وجلسنا خارج الدار فجاءنا أحد أقربائه (بجردل) ليمون بارد من (زير السبيل) فشربنا منه.. حتى ارتوى ظمؤنا.. والدنيا حر.. ثم جاء الرجل.. وقال.. ياجماعة أنا ضبحت خروف.. ولكم الخيار في الإفطار.. أو أخذه برأسه وجلده.. فقلت له.. عجل لنا بالفطور حتى.. نتمكن من أداء المهمة (الراجيانا)... ودخلنا إلى الديوان.. في انتظار الفطور وهالنا.. أن جدران الديوان الأربعة مزينة بصور للإمام المهدي والإمام عبد الرحمن والإمام الصديق... وصور شتى للإمام الهادي في طفولته.. وفي صباه.. وفي شبابه وإلى أن تولى الإمامة وارتدى العمامه..!
فحملت هماً كبيراً.. وأثناء احتساء الشاي.. سألت من يصبه عن اسم صاحب الدار.. وكان وياللهول هو الاسم الأول في الكشف الذي أحمله وأنا.. كالحمار يحمل أسفارا.. وجاءت العربة المنتظرة.. وتمت الناقصة وكان مكتوباً عليها.. حزب الأمة رمز القوة..!
استشرت زملائي رجال الشرطة.. الذين كانوا معي.. وقلت ليهم كيف الشورة؟! فقالوا لي.. الشغل شغل.. أكلنا وغسلنا إيدينا وظبطنا الكيف بالشاي ويمكننا.. الآن.. أن نعتقله!! فقلت لهم والله.. لا أفعل.. فلنأخذ منه (السير) ونعتقل الآخرين.. ثم نفوض أمره للملاحظ.. ليعتقله بنفسه.. وما بين غمضة عين وانتباهتها قد يغير الله من حال إلى حال!!.. وتمكنا في زمن وجيز من اعتقال كل الأسماء التي كلفنا بها.. دون جلبة أو ضوضاء.. غير نظرات الكره والاحتقار التي كان يشيِّعنا بها أهل المعتقل.. وأبناؤه وبناته... وأتوقف هنا.. عند اعتقال السيد.. وكيل الإمام.. (الفضل) وهو والد الصديق الفنان التشكيلي عبد الحميد الفضل.. والذي.. استهجن أمر اعتقاله.. وهتف بحياة الإمام ثم لف عمامته تاركاً (العَزَبة) تجر من ورائه على الأرض.. حتى ركب العربة.. مثيراً قدراً من السخرية والتهكم بنا.. وبمهمتنا (المهببة).. وجئنا بكل المعتقلين.. إلى نقطة شرطة القولد وأدخلناهم الحراسة.. وجلست أسجل بيانات المعتقلين في دفتر القبض.. وقبل أن أفرغ.. جاءني أحد رجال الشرطة مفزوعاً وهو يقول.. الحق.. ياجنابو.. النميري على «الهط».. فأسرعت وأخذت سماعة التلفون.. وعرَّفت نفسي فقال لي.. أنا جعفر نميري.. رئيس مجلس قيادة الثورة.. جاتكم برقية لاعتقال وكلاء الإمام؟! قلت نعم.. وقد اعتقلناهم.. فقال لي.. لا.. وكلاء الإمام في دنقلا ما في خطورة منهم.. أمسكوا.. واحد ولا اثنين منهم للتحذير وفكوا الباقين!! قلت.. له ياسيدي الرئيس.. إن الأمر يتصل بالأمن.. وأنا أتلقى الأوامر.. من القومندان في عطبرة.. فقال.. كويس خبِّط للكبانية لتحويلي إلى القومندان في عطبرة.. وفي لمح البصر.. نفذ عامل الكبانية الأمر.. وقبل.. أن أغادر مكاني.. اتصل بي (الملاحظ) من دنقلا.. وقال لي.. أوامر جديدة.. امسك واحد فقط.. وأطلق الآخرين.. ولم أتردد البتة في كتابة اسم صاحب الليمون والخروف ضمن المعتقلين.. ثم إطلاق سراحه ضمن الآخرين ولم أُبقِ في الاعتقال ـ بكل أسف ـ إلاَّ والد الأستاذ عبد الحميد الفضل.. وعدنا إلى مدينة دنقلا سعداء.. وقابلنا الرجل الكريم.. لنرد له.. (السير) فقال.. أنا عندي (سير) تاني.. فسيروا وعين الله ترعاكم!!
أبوسهيل
09-30-2009, 04:13 PM
أيـــــــــام نمـــــيري (4)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
ظللت أعمل بمركز دنقلا... قرابة العامين.. وحدثت خلال هذه الفترة أحداث جسام.. منها كما ذكرت في مقال سابق.. أحداث الجزيرة أبا... والتي تأثر لها.. أهالي دنقلا الجنوبية... وهي جزيرة لبب وما حولها... مسقط رأس الإمام محمد أحمد المهدي.... وأهل الدائرة المقفولة للراحل أمين التوم... كما تأثر كذلك أهل جزيرة بدين.... حزناً على استشهاد ابنهم محمد صالح عمر.. وتعاطف الجميع في ديار الشايقية وحتى أرقو.. حيث ينتشر (الكوارير) مع الشيخ الكاروري.. والذي كان مع الإمام الهادي.. وكان من أبرز الأحداث زيارة النميري مصحوباً بوفد كبير من الوزراء وقادة الخدمة إلى دنقلا... وقد جاءوا إليها على متن الباخرة (كربكان).. ثم تحركوا بالسيارات والأقدام تحيط بهم الجماهير حتى صيوان الاستقبال.. وحيا النميري جموع الشعب التي ظلت تهتف باسمه.. بعض الوقت.. وجلس في الموقع المحدد له... وكان يبدو مستاءً ولا أدري لماذا.. ولعل ذرات التراب الناعم.. التي علت رأسه وملابسه وملامحه.. كانت هي السبب.. وقبل أن تبدأ مراسم الاحتفال.. نهض رجل طيب جداً.. وهو من أثرياء دنقلا ورموزها الخيرين.. وتحدث بصوت جهوري قوي.. وقال: «يا ريس إنت ولدنا وأنحنا عاوزين ننصحك»... وقبل.. أن يتم كلامه.. ويقول نصيحته قاطعه النميري.. بحدة قاسية وقال له: «أنا الجيت أنصحكم.. موش عشان تنصحوني»!! فأسقط في يد الرجل وأحس بالحرج.. وتراجع ليتلاشى وسط الجموع.. ثم ينحسب بهدوء.. ويغادر إلى متجره أو داره.. وهو يردد: «الدين النصيحة.. لكين دول ما عايزين نصيحة.. بكره يكوسوها ما يلقوها.. على كيفهم»!!
وبدأ برنامج اللقاء الجماهيري وخاطبه النميري.. ونصح أهل دنقلا.. بالتخلص من عار الشكاوي الذي إرتبط بهم.. وقبل أن يختم خطابه.. أفلتت امرأة من أيدي رجال الشرطة.. واندفعت لتعانق النميري وهي تردد: «أبو عيالي.. أنا عاوزه أبو عيالي»!!. لم يتضايق النميري كثيراً ولكنه قال: «يا بتاع البوليس.. ماله أبو عيالها»؟! فقلت: «إنه محكوم بالسجن لمدة عام».. فقال النميري: «خلاص كفاهو.. فكوهو طوالي».. فخرجت المرأة.. وهي تزغرد.. لتتعلق برقبة رئيس الشرطة.. ولعل هذا الحادث قد لفت نظر النميري.. فدخل السجن وحراسات الشرطة.. وظل يسأل كل محتجز عن ظروفه وأسباب احتجازه.. ويأمر باطلاق سراح البعض.. غير أن أحد عتاة المجرمين أجاب عليه باستهتار.. وكأنه يباهي بارتكابه جريمة أخلاقية مع آخر... فأنتفض النميري وابتعد عنه وخرج من السجن.. وهو يردد: «الله لا رحمك.. الله لا رحمك».. وفاتت بذلك فرصة نادرة للعفو عن آخرين.. لم يحادثهم الرئيس!! ومن طرائف ذلك اليوم.. أن أحد المايويين.. كان مكلفاً بإعداد الوجبات لضيافة الرئيس والوفد المرافق له.. وتصرف الرجل بأخذ الخراف المحشوة... وذهب بها إلى أحد الأفران في السوق وقام بطهيها وتحميرها.. وإحضارها للفندق ولكن أحد الاشقياء.. وكان يعلم بأن الرجل حساس.. وخواف شوية.. فسأله: «إنت ما عارف صاحب الفرن ده من الأنصار... جايز جداً يكون سمم الأكل.. شيل شيلتك.. والله الرئيس ده تحصل ليهو حاجة يعلقوك في الميدان»!!.. وتأثر الرجل.. واهتزت أعصابه.. مرض (رسمي) ولم يبلغ صحته إلا بعد أشهر!! وفي صبيحة اليوم التالي.. كان برنامج الرئيس.. أن يزور حوض السليم ليستمع إلى تفاصيل وشكاوي أهل المنطقة.. المتصلة بتوزيع حواشات الحوض.. فأسرعت قبل الموعد بساعة كاملة وأخذت قوة من رجال الشرطة وتممت عليها داخل البنطون توطئة للعبور إلى السليم.. ثم صعدت بعد ذلك إلى برج البنطون.. حيث (يتحكر) الريس الذي يقود البنطون.. وما أن صعدت حتى فوجئت.. بريس آخر يجلس في موقعه.. ويمسك بعجلة القيادة.. وقد كان هو النميري بشحمه ولحمه في كامل زيه العسكري.. فلما رآني خاطبني بلغة آمرة.. وكأنه لم يحدث أن رآني في توريت زمان.. وقال: «أمشي الباخرة.. وخلي الوفد المرافق.. يحضر الآن.. في خمسة دقائق»... فجريت جرياً.. وصعدت إلى الباخرة وفجرت الخبر.. ونهض الكل مذعوراً... يرتدي ملابسه.. قبل أن يتسوك.. أو يغسل وجهه.. والأهم من ذلك.. قبل شاي الصباح.. وفي أقل من نصف ساعة تحرك البنطون يحمل الجميع إلى الضفة الشرقية.. ولعلها كانت أصعب لحظات (ريس البنطون).. وهو يقود بحذر ويختلس النظرات بقعر عينه.. إلى النميري.. الذي كان يجلس إلى جواره..!!
ولما بلغ الموكب ساحة اللقاء الجماهيري في السليم.. وجلس الوفد داخل الصيوان.. وقف النميري وأخذ يتلفت ويشتم رائحة الأريج والعبير.. الذي عبق وغمر الجميع ويتساءل عن مصدر هذا العطر... ولما علم بأن مكان الاحتفال محاط بعشرات الصفائح.. وبداخلها باقات مفرهدة من النعناع.. في حجم ربطة البرسيم.. انفرجت أسارير النميري.. وسعد أيما سعادة وقال: «موضوع النعناع ده كلام جميل جداً.. في الخرطوم.. وزير الزراعة.. بشم زهور بلاستيك»!!
ثم تعاقب المتحدثون وأصحاب الشكاوي.. حتى.. أمسك بالمايكرفون كهل (عكليتة).. وأخذ يشكو ما حاق به من ظلم.. وكان صوت الرجل ناعماً رقيقاً.. كصوت الطفل.. وطأطأ النميري رأسه محاولاً منع ضحكة.. كانت على وشك الافلات منه.. ولكن الرجل قال بجرأة يحسد عليها: «بتضحك ليه يا ريس..؟! أنت سمعت صوتي كده فاكرني أيه؟ عليّ الطلاق أنا أرجل راجل في السودان كله»!!..
أكمل النميري ضحكته المكتومة وخاطب رئيس اللجنة المختص... وقال: «حلوا مشكلته.. حل نهائي»..!!
وعندما زار مدينة أرقو نزل الرئيس والوفد المرافق في ضيافة.. المرحوم جاد غريب مقلد.. وهو أثرى أثرياء المنطقة.. وقدم للجميع أصنافاً من الطعام.. جعلت البعض يتساءل عن ماهيتها.. وأخذ النميري.. الرغيف البلدي الذي يصنعه الناس هناك في حجم (طارة الكلتش) وصار يقلبه بين يديه متعجباً ويقول: «ده رغيف واحد بس؟.. تبقوا إنتو يا ناس أرقو.. السبب في أزمة الدقيق».. وأضاف: «لقد زرت معظم مدن السودان ولم أجد بلد ما عندها مشكلة غيركم.. أنا تاني موش حأجيكم».. وأحسب أنه قد صدق!!.
وعندما أليل الليل في مدينة أرقو ذهب كل واحد من أفراد الوفد إلى مضجعه.. عدا مجموعة من أعضاء المجلس وآخرين.. جلسوا يتسامرون في ركن قصي من حديقة منزل جاد غريب.. وإلى جوارهم صينية فارهة تنوء بالدجاج والأوز واللحوم والكنافات والمكسرات والمربات.. وأحسب أن الجماعة.. قد استرجعوا وجبات الكسرة والعصايد.. وغيرها من الوجبات البسيطة التي تنم عن حال أهلها في مناطق أخرى من السودان.. فأرادوا بذلك أن يلقنوا أهل أرقو درساً قاسياً في الثورية والاشتراكية.. والاقتصاد... فطلبوا القائمين على أمر خدمتهم.. وأمروهم برفع صينية العشاء فوراً.. واستبدالها بصحن فول من فول السليم المعطون بزيت السمسم... فأخذوا الصينية وجروا شرقاً وغرباً لاحضار الفول وأرضاء الحكومة... ولم يكن الفول وقتها (أكلة متداولة).. كما يحدث الآن.. فألتقوا رجلاً بسيطاً.. وقد أعد صحن (طلس) كامل بالفول.. المدعوم بالزيت والبصل وقد زرعت فيه ألغام الشطة الخضراء وعندما أخبروه بحاجتهم للفول... بناء على طلب الحكومة.. قدر الرجل الموقف وأعطاهم الصحن وطالبهم بإعادة الفاضي.. ولكن الصحن أعيد إليه وفيه دجاجتين محمرتين و(هَُبراً) من اللحم المجاور للعظم... احتفى الجماعة بصحن الفول فأنكبوا عليه كمن يؤدون القسم.. وقضوا عليه هنيئاً مرئياً.. ثم خرجوا من دائرة الأكل كالعائدين.. من موقعة حربية.. يتصببون عرقي.. أقصد عرقاً.. وانصرفوا إلى مضاجعهم.. سعداء.. وشاع بعد ذلك أكل الفول بالبصل بين العباد وتطور حتى صار الفول فطوراً وعشاءاً.. بعد اسقاط وجبة الغداء!!.
أبوسهيل
10-01-2009, 09:54 PM
أيـــــام النمــــــيري (5)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
كان المد الاشتراكي.. يتنامى في العالم.. وكان العالم الثالث كله يتململ راغباً في الانعتاق.. واستشراق.. فجر جديد تسوده العدالة.. وكان صوت الزعيم الثائر جمال عبد الناصر.. يجلجل في كل أنحاء العالم.. وبخاصة في أفريقيا والعالم العربي.. ولم يكن غريباً.. أن تتفجر في أي دولة من الدول ثورة.. تنادي بالاشتراكية.. أو الشيوعية (حتة واحدة كده).. وخلال هذا المناخ السياسي المواتي.. مدفوعاً بالمناخ السياسي القاتم.. داخل البلاد.. تفجرت ثورة مايو عام 1969م.. تتوشح وشاح الاشتراكية وترفل في (قرجيه) الوحدة العربية.. وتستطيع أن تستضيف الزعيم جمال عبد الناصر ليدعمها ويخاطب العالم كله من دار الرياضة في الخرطوم..
وخرجت جماهير الشعب كلها.. الأعمى شايل الكسيح تهتف للثورة وتؤيدها.. وتدافع عنها.. وترحب بقرارات التأميم والخطوات الاشتراكية الأخرى التي اتخذتها.. والخطوة الجريئة التي مشتها في اتجاه حل مشكلة الجنوب... (الغرغرينة) التي أصابت جسد الوطن قبل استغلاله وكان يمكن لمايو أن تستمر.. وتبقى وتنجح وترسم خط المستقبل للسودان وأهله.. ولكن وآه.. من لكن هذه.. فقد آثر الشيوعيون أن يظهروا عياناً.. بياناً.. وهم الذين لم يؤيدوا بيان الثورة الأول.. تقيةً أو تمويهاً أو من باب خلي نصفك عاقل ونصفك مجنون.. ولما تحقق الانتصار.. ذهب التردد وجاءوا بمعاولهم يهدمون القديم بدون روية.. و(يورُّونا) جديداً ما كان على بال.. ويخرجون وفي يديهم .. الفرشاة.. حتى أن نكتة لاذعة سرت بين الناس تقول بأن النميري سيقوم بتأميم المساجد.. وتسميتها (مؤسسة الرحمن للصلاة).. إن الشعب السوداني شعب اشتراكي تعاوني بطبه.. وقد قال الرئيس الصيني شاوين لاي عندما أدخله الرئيس الأزهري صيوان عزاء.. ورأى مئات الصواني الملأى باللحم والخبز.. والناس يبكون ويأكلون بلا هوادة.. وتساءل.. من أين لأهل الميت إعداد كل هذا الطعام؟! فأوضح له الأزهري بأن هذه الموائد.. جاءت من كل بيت في قرية المرحوم.. ففغر الصيني فاه.. وقال.. بالصيني طبعاً.. دي الاشتراكية الكايسنها في الصين وما لا قنها!!.. ومغزى كلامي أن أهل السودان.. لم.. ولن يكونوا في حاجة إلى ماركس أو لينين أو حتى ماو ليعلمهم شؤون حياتهم.. وبين أيديهم دين حنيف.. يقول: تبسمك في وجه أخيك صدقة.. واتقوا النار.. ولو بشق تمرة!!
كرد فعل طبيعي على نشاط الشيوعيين وتحركات بعض كوادرهم المستفزة لمشاعر الناس.. ظهرت فئات تناصب مايو العداء.. تكتب على الجدران.. وتهاجمها في الساحات والمساجد.. ومن المواقف التي عاصرتها في مدينة دنقلا.. والتي أشرت إليها في مقال سابق.. أن مولانا حسن أحمد حامد وهو عالم ضرير.. خطب في أحد مساجد المدينة وهاجم مايو بشراسة.. وقال ضمن خطبته.. إن الشيوعيين قد تجاوزوا كل الحدود.. وهم يحتفلون بذكرى ميلاد لينين.. وهذه الذكرى تصادف ميلاد سيدنا عمر بن الخطاب «رضي الله عنه».. أهاجت خطبة مولانا حسن مشاعر المصلين.. حتى كادوا أن يخرجوا في مظاهرة تدين مايو.. وقمت كضابط مسؤول عن الأمن في المدينة برفع تقرير إلى الرئاسة.. بهذا الحادث.. وسرعان ما جاءني الأمر باعتقال الشيخ وفتح بلاغ ضده.. وقمت بهذا الإجراء واعتقلت الشيخ في هدوء ودون إثارة، ولكن مركز الشرطة بعد لحظات كان محاطاً بالمئات من رجال دنقلا وشيوخها الذين يقدرون الرجل ويجلونه، وحاصروني بالأسئلة والانتقادات واستطعت أن أجبر بخواطرهم.. وأهدئهم وأعدهم.. بأن الأمر سينتهي على خير بإذن الله.. وعلى ذلك توليت التحري في البلاغ بنفسي.. واستمعت لأقوال المبلغ والشهود.. وأُحضر الشيخ أمامي.. فأجلسته.. وبدأت أسأله للتيقن من النقاط التي وردت في خطبته والتي تجرمه وتحسب عليه، وأحسن الشيخ بذكائه الفطري وأدرك قصدي وقال لي.. يا إبني أنا أحفظ ما قلته عن ظهر قلب وأكتب عندك.. وقام بقراءة خطبته عليّ بالسرعة الإملائية.. فكتبتها كما قالها وكل حرف فيها يكفي لإدانته بارتياح شديد وبدون شهود كمان!! شكرت الشيخ وأعدته للحراسة.. لتبدأ معه رحلة العذاب.. وأحسب أنها المرة الأولى التي يعذب فيها المتهم معتقليه.. ذلك لأنه شيخ وقور وعالم.. وأنه ضرير.. وأنه في حراسته.. لا يتوقف عن التسبيح وتلاوة القرآن.. ثم لأنه ظل ينادي في كل لحظة.. أريد أن أتوضأ أريد أن أصلي الفجر لوقته.. أريد أن أصلي الضحى.. أريد أن أتنفل.. وأن أتهجد.. وأن أتطهر.. وظل باب حراسته يفتح ويقفل بانتظام.. وقد أمرت رجال الشرطة بأن يستجيبوا لكل طلباته.. عدا الضمانة!!
تضايقت كثيراً من وجود الشيخ حسن في الحراسة لظروفه الخاصة.. وتعدد دخلاته ومرقاته من الحراسة.. وما ظل يحاصرني به.. أهل دنقلا وشيوخها.. فتوكلت على الله وخاطبت الرئاسة ـ عطبرة.. موضحاً محنتنا مع الشيخ.. ومعبراً عن إمكانية تحول الجماهير عن الثورة ومناصبتها العداء.. بسبب اعتقال هذا الرمز الديني.. وطالبت بالعفو عنه وإطلاق سراحه.. أو تحويله إلى عطبرة.. وكانت المفاجأة.. أن جاء الأمر بالعفو عنه وإطلاق سراحه وبقرار من النميري شخصياً.. ولا أجزم بأن خطابي كان السبب!!
ومثل ما فعل الشيخ حسن.. فعل آخرون.. في شتى المواقع.. وكنت أحسب كل ذلك إرهاصات تنبىء بتغيير ما.. وكان تقديري.. يتجه نحو إعلان النميري.. براءته من قوم ابن محجوب.. أو «مزيكة» جديدة وانقلاب عسكري وأنا ماشي أمريكا أو ثورة شعبية.. كثورة أكتوبر.. تعيد السيدين الجليلين.. إلى القصر.. ولكن حدث ما لم يتوقعه حتى الذين قاموا به.. والذين لم يعجبهم (حَمَار) مايو.. فجاءوا بحركة أكثر احمراراً!!
لقد حزنت جداً لوقوع انقلاب 19 يوليو 71 والذي تم في منتصف النهار على غير عادة الانقلابات والمغيرات صبحا.. وحزن أهل السودان جميعاً ولكني كنت مثل.. الإداري الجنوبي.. برنابا كاسنقا.. محافظ الشمالية بالإنابة عندما قام الشيوعيون بمظاهرة صاخبة تظللها الرايات الحمراء في عطبرة.. وساروا إلى قيادة المدفعية.. وخرج لهم قائدها وخاطبهم مؤيداً مباركاً.. ثم اتجهوا إلى المديرية وقدموا المحافظ بالإنابة برنابا كاسنقا ابن الجنوب الثائر ليخاطب الجماهير.. ولكنه وبحكمة أهل الجنوب ودهائهم أمسك بالمايكرفون وقال.. طبعاً يا جماعة إنتوا عارفين عربي بتاعي ماكويس.. شكراً.. ليكم .. ثم نزل ودخل مكتبه.. وداعبه أحدهم وقال له.. وليه ما إتكلمت بالإنجليزي؟! فقال برنابا: يا أخوي.. أنت ما نصيح.. والله جماعة ديل ما بتموا إتنين يوم في كرسي!!
لقد كان انقلاب 19 يوليو.. هو الانقلاب الخطأ.. في الزمان الخطأ.. وفي البلد الخطأ... وقد وصفه بعضهم بالمثل السوداني الظريف.. عايرة وأدوها سوط.. وكما توقع برنابا.. سقطت الحركة وأعادت الجماهير النميري.. إلى دست الحكم في 22 يوليو.. وظل بعدها في السلطة خمسة عشر عاماً.. أعانته عليها 19 يوليو بلا شك.. ورب ضارة نافعة.. ورب نافعة ضارة!!
لقد كان انقلاب 19 يوليو.. انقلاباً مشؤوماً انتهى بإعدام كل قادته ومؤيديه.. وراح ضحيته رجال من أكفأ الضباط في مجزرة بيت الضيافة.. بل وحرمت البلاد من قامات سامقة تستحق الاحترام والتقدير.. مثل المفكر عبد الخالق محجوب والنقابي الكبير الشفيع أحمد الشيخ.. والجنوبي اليساري جوزيق قرنق.. وانتهت حيواتهم بطلقات نارية لو كانت تعلم نتيجة فعلها لاستحالت إلى فشنك!!
نعم كان انقلاباً مشؤوماً لأن السجون والمعتقلات اكتظت على أثره بالرجال والنساء.. وتجاوز عددهم في الشمالية وحدها الألف معتقل.. قضى المخططون منهم في المعتقل شهوراً طوالاً وبقي الآخرون سنوات أطول.. فقدوا خلالها وظائفهم.. وخسروا أعمالهم وضاعت أسرهم.. وتفككت!!
عندما.. وقع انقلاب هاشم العطا نهاراً جهاراً رُصد من أيدوه بالبرقيات والتهانئ وكان عددهم ستين شخصاً.. دوافعهم كلها لا علاقة لها بالشيوعية.. ومظاهرة بائسة واحدة خرجت من بضعة رجال.. وزفة أطفال وعيال.. ولما فشل الانقلاب.. وعاد أبو عاج.. قمت باعتقال بعض المتظاهرين.. وبعض المؤيدين وكانوا لا يتعدون السبعة.. ولكن لقد «جاطت» البلاد بعض الوقت بعد اندحار الانقلاب الشيوعي.. ونصّب العديد من أنفسهم حراساً لمايو.. فظلموا بغير علم وأصابوا الكثيرين بالأذى.. وبلغت آثار هذه «الجوطة» الشمالية ومنطقة دنقلا إذ تنفست الأحقاد بين الناس.. وسعى بعضهم لاستغلال الظروف لينتقم ويثأر أو يبتز.. وأصبحتُ أستقبل بين الفينة والأخرى.. رجالاً مكتوفين بالحبال.. محمولين على ظهور الحمير.. وعربات الكارو.. وأمسك يا جنابو.. ده (شعوعي) ابن الـ......! وتصرفت.. باللجوء إلى بعض شيوخ المدينة وحكمائها... لمنع الناس من مثل هذه التصرفات التي ستنقلب في النهاية إلى صدامات بين الأُسر.. والبيوتات.. وحدث حادث بشع.. أدى لتوقف الناس من هذه الممارسات القبيحة.. وذلك عندما هاجم البعض رجلاً.. قدم إلى دنقلا بحثاً عن الرزق ورجموه بالحجارة.. وهم يهتفون.. أضرب الشيوعي أضرب الشيوعي.. وتدخلت الشرطة في اللحظات الأخيرة وانقذت الرجل المسكين وهو على مشارف الهلاك.. فاستغليت هذه الحادثة وأجريت تحقيقاً.. مع كل من اعتدى على الرجل أو حرض على ذلك.. وشمل العشرات من مثيري الشغب.. فهدأت الأحوال وكف الناس عن مهاجمة الآخرين واعتقالهم.. وامتلأت المجاري والكوش وتطايرت في سماء المدينة.. آلاف الأوراق والكتب والمنشورات الشيوعية، والتي تخلص منها أصحابها من ذوي الميول اليسارية تحسباً لحملات تفتيش متوقعة!!
عمر انقلاب 19 يوليو.. كان عمراً قصيراً جداً بحسب الساعات، وقد كشف هذا الوقت القصير كل الذين كانوا ينافقون النميري.. وكشف الغطاء عن أسرار الحزب الشيوعي التي ظل يتميز بها.. فبدد شمله وفت في عضده.. ولعل أصدق تعبير عن ذلك عندما التقاني الأستاذ محمد إبراهيم عبده كبج.. وكان مناوئاً للراحل عبد الخالق محجوب.. فسلم على طفلي الصغير ولم يسلم عليّ.. فسألته عن ذلك فقال.. علشان نعيد الحزب من تاني.. يتحتم علينا أن نبدأ المشوار مع الأطفال عمر يوم واحد!!
شاعت في البلاد.. نكات وطرائف كثيرة ورسمت العديد من الكاركتيرات.. تعبر عن الجهجهة التي وقع فيها الكثيرون.. (المذبذبون) ومطاردتهم لبرقياتهم التي أرسلوها.. بقصد اللحاق بها وإعدامها.. وشاعت طرفة.. الفنان الذي بدأ يسجل أغنية مطلعها هاشم العطا.. صحَّح الخطأ.. ولما سمع أصوات المدافع.. عدل الكلمات وقال .. هاشم العطا (سوا) الخطأ...؟
لقد عاشت البلاد (جوطة) ودفع كثير من العباد ثمنها غالياً.. وقد كنت أستمع إلى المذياع ومايكرفون الإذاعة يجري لقاءً على الهواء مباشرة مع أحد الجرحى في السلاح الطبي ويسأله عن الحاصل.. فقال.. الموضوع هو أن جماعة هاشم العطا عملوا مؤامرة دنيئة شالوا النميري.. أنحنا كمان عملنا مؤامرة دنيئة أكبر من حقتهم... ورجعنا النميري!! ويا لها من دناءة!!
نواصـــــــــــل
أبوسهيل
10-02-2009, 10:07 PM
أيـــــام النمــــــيري (6)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
كانت مدينة دنقلا.. مدينة صغيرة وكان عدد الموظفين فيها محدوداً جداً.. مما جعلهم أُسرة واحدة.. تلتقي في المكاتب والأمسيات.. وكان الأستاذ حسن عبد الماجد المحامي.. والرمز الشيوعي المعروف.. هو نوارة الجماعة... بلطفه وظرفه وخفة دمه وحلو حديثه.. وشهامته التي كانت تتجلى في دفاعه عن المعوزين أمام المحاكم بلا مقابل.. والتي كان يحرص على حضورها الكثير من الناس.. لأن دفاع الأستاذ حسن كان لا يخلو من طرفة أو نكتة.. وذات مرة فتح ملاحظ الصحة بلاغاً ضده، وقال للقاضي هذا المحامي يربي الناموس في (خرارة) ماء مصدرها منزله.. وقال المحامي حسن مدافعاً عن نفسه.. يا مولانا أنا موش قادر أربي عيالي.. أقوم أربي الناموس؟! وضحك الجميع وانتهى الأمر.
لقد كان الرجل صديقي ومع ذلك فإن واجبي الشرطي قد حتم علىّ أن أخصه بتقريرين متباعدين رفعتهما للرئاسة عنه مرة.. عندما خطب في أحد الأندية بدنقلا وقال إن المرء.. يسعد .. أنه عاش ورأى الحكومة تحتفل بعيد العمال.. ومرة أخرى لما قال في (ونسة).. أن الشيوعيين جناح معاوية.. مرتزقة وجماعة عبد الخالق.. حيودوا الحزب في ستين داهية!!.. ولكن وفي صبيحة يوم 17 يوليو.. جاءني الأستاذ حسن عبد الماجد.. وهو بالمناسبة صهر الفنان محمد وردي.. ودخل لمكتبي على عجل.. وقال.. أنا لازم أكون في الخرطوم اليوم.. أنا عاوز بنزين كفاية.. وطلب شيئاً آخر.. لا أذكره وأعطيته ما أراد.. فودعني وقال لي.. أنا ماشي الخرطوم.. عاوز تبقى مدير عام شرطة.. ولا.. محافظ الشمالية؟!.. فقلت له وأنت حتكون الرئيس؟! فقال مقهقهاً أنا حأكون وزير الداخلية.. ثم ودعني مرة ثانية وخرج مسرعاً.. وغادر بالفعل إلى الخرطوم.. واعتبرت كل ما قيل.. بعض نوادر المحامي حسن.. التي عودنا عليها غير أني تذكرت كل ذلك في يوم 19 يوليو.. عندما أُذيع بيان هاشم العطا.. ولم يلبث.. أن قرأ.. المذيع.. أول برقية تأييد لحركة التصحيح من حسن عبد الماجد المحامي.. بقلمه السلس ولغته االرفيعة الما بتغباني!!
استقبلت الشمالية وأهل دنقلا ما حدث في الخرطوم.. بالصمت والوجوم والبعض بالغضب والبكاء.. وكان أول من دخل مكتبي.. مجموعة من الرجال والنساء.. كانوا قد تعاقدوا مع الفنان عثمان حسين وأبو عركي البخيت وآخرين لإحياء حفل ليلة 19 يوليو وذلك.. إن لم تخني الذاكرة من أجل الثورة الصحية.. وأبدوا تخوفهم من إلغاء الحفل الذي يتسبب في خسارة للمتعاقدين.. وربما يؤدي إلى ثورة المواطنين.. الذين قطعوا التذاكر وتهيؤوا وأُسرهم لهذا اليوم الترفيهي النادر.. وتوكلت على الحي الدائم.. وقلت.. لهم.. ليقم الحفل في موعده.. وسأكون أول من يحضره.. وقام الحفل بالفعل.. وسلمت الجرة هذه المرة!!
وفي صبيحة 20 يوليو والأيام التالية هاجمني شاب شيوعي.. يرأس إحدى النقابات العمالية.. واقتحم مكتبي وسبني.. واتهمني بالرجعي المتعفن و(دق) أمامي منشوراً مطبوعاً طويلاً لحركة 19 يوليو.. وقمت باعتقاله والزج به في الحراسة.. كما سبق وأن ذكرت ثم تحركت مواكب مؤيدة.. هزيلة جداً يقودها بضعة من الرجال وزفة من الأطفال الصغار.. فراقبتها حتى تفرقت.. وأخطرت الرئاسة بأسماء عناصرها وهتافاتهم.. ونسقت مع ضابط البريد المسؤول.. لمدي بصور كل البرقيات التي أرسلت تأييداً ودعماً للانقلاب، وكان مجموعها ستين برقية.. ليس من بين مرسليها.. شيوعي واحد.. ولما سقطت حركة 19 يوليو.. وعاد النميري إلى السلطة اجتاحت الولاية الشمالية.. مظاهرات عارمة تندد بالشوعيين.. وتهتف بحياة النميري وتطالب بالمزيد من الاعتقالات والإعدامات.. التي طالت العديد من العساكر والمدنيين.. ولكني تصرفت بهدوء شديد.. واعتقلت سبعة أشخاص كانوا ضمن المتظاهرين.. ولم أعتقل أحداً من مرسلي البرقيات.. وبعد أن استتب الأمن في الخرطوم.. انطلقت قيادات مايو.. لأصقاع السودان المختلفة.. يهنئون ويتلقون التهانئ.. بعودة الرئيس القائد.. وجاءنا الدكتور محيي الدين صابر.. يرافقه محافظ الشمالية.. سعد عوض.. عليهما الرحمة، واستغلا رفاساً أو باخرة نهرية صغيرة.. وجابا بها كل القرى.. على الضفتين.. يخاطبان الجماهير.. ويسعدهما الهتاف الظريف.. أي والله نعم.. قلناها نعم.. ولما توغل الرفاس.. في مناطق السكوت والمحس.. قال الدكتور محيي الدين صابر.. ياجماعة أنا (كُوفَرْتَ) من كثرة الخطابة وبالعربي الفصيح.. وأخذ يخاطب الناس بالرطانة.. وقد استهوى ذلك أهل المنطقة وتجاوبوا معه تجاوباً كبيراً.. وكان يرافق الدكتور.. في غرفته رجل يناهز السبعين من العمر وكان يحترمه ويجلس عند قدميه.. ولا يشعل سيجارته أو غليونه.. في حضرته.. وعرفت أنه الرجل الذي رعى الدكتور.. عندما كان طالباً.. وساعده حتى أصبح.. علماً من أعلام السودان.. وذات ليلة.. استدعاني الدكتور.. ومعه المحافظ وهما يجلسان على سطح الرفاس.. وقالا لي.. لماذا اعتقلت سبعة أشخاص فقط.. والمنطقة بها العديد من الشيوعيين.. وأن هناك ستين شخصاً أبرقوا مهنئين قادة الانقلاب.. وحاولت أن أبرر موقفي ولكنهما (استهونا) أمري كضابط صغير (نجمتين).. ولم يستمعا إليّ، وأمراني فور عودتي إلى دنقلا.. أن أقوم باعتقال كل من أيد.. حركة يوليو.. وأضاف الدكتور من عندو قائمة أخرى.. كان معظمهم زملاء دراسة لي في وادي سيدنا.. فقلت للسيدين.. الوزير والمحافظ.. إن العمل الأمني عمل تخصصي.. وأنا المتخصص الوحيد.. ومن الأفضل تركي.. أعمل بالتنسيق مع رئاسة الشرطة في عطبرة.. فقال لي المحافظ أنا رئيس لجنة الأمن.. وعليك أن تنفذ الأمر.. وإنت ساكت.. مفهوم؟! فغضبت جداً وقلت لهما.. إذن فلنبدأ العمل من هذه الباخرة.. وأرجو أن يسمح لي السيد الوزير باعتقال الرجل الذي يقيم معه في غرفته!! فاستشاط الدكتور غضباً وقال.. هي حصلت؟
فقلت له.. هذا الرجل.. أرسل برقيات عديدة تأييداً لقادة الانقلاب.. وخص كل واحد منهم ببرقية.. ويمكنك أن تسأله.. فأسرع بالدخول إلى غرفته.. وعاد بعد برهة.. ووضع يده على كتفي وقال لي.. يا إبني إنت فعلاً عارف شغلك.. أمشي اشتغل بطريقتك!!
وعندما وصلنا إلى دلقو.. استضافنا الدكتور محيي الدين في منزله.. وهيأ لنا مكاناً نستريح ونأكل ونشرب فيه.. وانسحب من مجلسنا.. وغاب قرابة الساعتين وتساءل الجميع عنه.. ولكني كنت أعلم أين هو.. فالدكتور محيي الدين صابر هو ابن خالة المقدم.. أبو شيبة وكلاهما وحيد أمه.. وأبو شيبة كما يقول البعض.. هو المنفذ الفعلي لانقلاب مايو.. ثم هو المنفذ لإنقلاب هاشم العطا.. رغم الصداقة القوية التي كانت تربطه بالنميري.. وأنه هو الذي أخرج عبد الخالق محجوب من السجن.. وخبأه في القصر الجمهوري... وقد كان وقتها مسؤولاً عن الحرس الجمهوري.. وشملته موجة الإعدامات.. ولم تشفع له صداقة النميري.. ولا وساطة ابن خالته محيي الدين صابر!!
إذن ذهب محيي الدين.. ليعزي خالته وأهله.. في ابنهم أبو شيبة الذي أعدم.. ودخل المنزل وكان الناس جميعاً جلوساً.. لم يتحرك أحد لاستقباله أو رفع الفاتحة معه.. وظل يتحدث ويتحدث مبرراً.. عجزه.. عن إنقاذ ابن خالته.. الذي جاء به إلى الوزارة كما يقول البعض.. ولما لم يجد.. أي تجاوب من أهله.. انسحب بهدوء وخرج وعاد ليواصل جلسته معنا ويتناول العشاء.. وخاطبني فجأة.. وقال برضك وراي وراي.. أنا شفت عساكرك.. هناك.. قريب من بيت أبو شيبة.. أنا كنت عاوز الحكاية سرية خالص.. فقلت له.. إنت دكتور.. ووزير.. وأنا مسؤول عن حمايتك!!.. فقال لي اللي حصل حصل.. بس ما ترفعش الموضوع ده إلى الجهات العليا.. فوعدته بذلك ولكن الجهات العليا.. هي التي نبهتنا لما قمنا به.. والشغل شغل!!
واستمرت رحلة الدكتور محيي الدين والمحافظ سعد عوض.. وعند اللقاء الجماهيري الحاشد هناك.. قال الدكتور.. ما فيش حد.. يخطب معاي شويه.. أنا تعبت خالص.. فقلت له.. أنا.. ممكن أخطب.. فأخرج نظارته.. ونظر إليَّ مندهشاً.. إنت بتتكلم جد؟! فقلت نعم.. وتقدمت نحو المايكرفون.. وتحدثت ساعة من الزمن.. أثارت الجماهير وقاطعها الناس بالهتافات والتصفيق.. ولما انتهيت.. صفق الدكتور بنفسه طويلاً.. وهنأني.. وقال لي.. أنا عاوزك في الخرطوم ضروري.. أنا محتاج لواحد زيك.. أنا حأعينك مدير لمكتبي في درجة ما تحلمش بيها.. وذهب الرجل إلى الخرطوم.. ولم ألحق به.. لأن تقريري الشامل.. عن زيارته.. كان قد سبقه مفصلاً وبالحتة!!
أما الأستاذ حسن عبد الماجد.. وبعد ترقيته الشهيرة.. اختفى ولم يعد إلى دنقلا.. وذات صباح.. رن جرس التلفون.. في مكتب المساحة.. وهو المكتب الذي تعودنا أن نلتقي فيه جميعاً لتناول طعام الإفطار.. المكون عادة من فول السليم العجيب.. وكبده الإبل التي كان السادة الجزارون.. «يبروننا» بها.. وجاءت ساعة الاتصال التلفوني.. متزامنة مع لحظات الفطور.. وانبرى أحد الموظفين للرد على التلفون.. وفجأة انتفض كمن لدغته عقرب.. ورمى السماعة.. وجاءنا.. وهو يلهث.. ألحقوا.. حسن عبد الماجد على الخط.. فأسرعت وأخذت السماعة.. وبادرته بالتحية.. والسؤال عن أحواله.. وفهمت منه أنه يرغب في تسليم نفسه.. فقلت له.. يا صديقي.. لو سلمت نفسك في دنقلا.. فستكون أهم المعتقلين.. ولكن ترتيبك في الخرطوم سيكون في أدنى قائمة «فطاحلة الخرطوم».. ويبدو أن الأستاذ حسن.. قد قلب الأمور واختار الوسط خير الأمور.. وسلم نفسه في مدينة عطبرة.. وعلمت بذلك.. وعزمت في دواخلي.. أن أقدم له كل المساعدة الممكنة.. سيما وقد تقرر نقلي إلى عطبرة.. ولكن لما وصلت عطبرة.. علمت.. أن الرجل تم تحويله إلى الخرطوم.. فاعتصرني الألم وأشفقت عليه.. من هول ما كان يجري في الخرطوم.. من إعدامات!!
وذات يوم.. وصل رئاسة شرطة الشمالية مظروف أبيض كبير عليه رسم شعار الجمهورية.. معنون لشخصي «شخصياً» فارتعدتُ وأصابني الخوف.. واستعرضتُ سنوات عملي الماضية.. وأنا أحادث نفسي.. يا ربي أنا سويت شنو؟! وهل هي شكوى أخرى ضدي.. كالتي جاءت للتحقيق معي بأمر الرقيب العام.. وفحواها «يوجد في مدينة دنقلا.. ضابط اسمه محيي الدين.. يأكل الخرفان كالأحزاب البائدة.. ويشرب المكيفات غير اللازمة»؟!
على كل حال فتحت المظروف.. وقرأت بداخله تكليفاً.. من مدير الأمن العام.. بكتابة تقرير.. عن الأستاذ المحامي حسن عبد الماجد.. فأخذت نفساً عميقاً.. وارتحت.. واعتبرتها فرصة.. لتقديم المساعدة لصديق عزيز.. وفكرت ملياً.. حتى اهتديت.. وقمت بمراجعة كل التقارير الأمنية التي كنت أرسلها من دنقلا، وعثرت لحسن الحظ على التقريرين اللذين سبق وأن أرسلتهما عن نشاط الأستاذ حسن وقمت بإرسالهما لإدارة الأمن العام.. لأنهما كانا يصبان في مصلحته.. وقد ساعدا على إطلاق سراحه.. ومع ذلك فإن الرجل كان عاتباً عليّ.. لأني كتبت ما كتبت.. من وراء ظهره!!
نواصــــل...
أبوسهيل
10-05-2009, 06:38 PM
أيـــام النميــري (7)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
كانت رئاسة الشرطة في عطبرة قد أصدرت قراراً بنقلي من دنقلا.. إلى عطبرة.. لإنشاء وتأسيس قسم لحركة المرور.. يضطلع بدور العمل المروري ووضع خطة العمل.. لمقابلة مشروع.. تحويل حركة المرور من اليسار إلى اليمين.. ولكن وبعد وقوع إنقلاب هاشم العطا 19 يوليو 1971م.. تم استعجالي لتنفيذ أمر النقل.. ولما وصلت عطبرة.. علمت بأن أمر نقلي قد عدل.. للعمل بقسم المباحث والأمن فتذمرت وأبديت عدم رغبتي في عمل المباحث والأمن.. ولكني أجبرت قهراً وبالتعليمات.. وهذا حال القوات النظامية كلها.. التي يسير فيها دولاب العمل بالأوامر الهادئة.. وفي حال العصلجة والتراخي أو الإهمال.. فإن «ظرابين» الرئيس تظهر وتتجلى بوضوح فيلجأ إلى المحطة القصوى.. ويسري حكم القوي على الضعيف!!
المهم.. جلست إلى مكتبي مهزوماً مدحوراً عن يميني المساعد عوض حسين.. وعن يساري الرقيب أول كبير.. ومن أمامي.. الطابعان على الآلة الكاتب.. العريف عبدالله فضل المولى.. والشرطي غاندي.. ومن حولنا جميعاً.. رجال أفذاذ.. ناشطون في مجال العمل الميداني.. وعلى رأسهم العريف فضل عبدالله فضل.. والذي بلغ بكفاءته إلى رتبة العميد شرطة.. وآخرون يضيق المجال عن ذكرهم.. وقد تبدو ملامحهم في صورة فوتغرافية.. أنوي نشرها مصاحبة لهذا المقال.. وبدأت في إجراءات التسليم والتسلم بيني وبين الصديق العميد «م» حالياً بشير حسن عبدالقادر.. الذي زودني بتفاصيل كثيرة عن طبيعة العمل بالقسم.. وعرفني.. بشخوص من كانوا حولي والذين لم أتشرف بمعرفتهم من قبل.. وبعد أن تم ذلك.. عكفت على قراءة التقارير وموجهات العمل والأوامر والمنشورات الصادرة.. واستوعبت الكثير.. ولكني كما يقولون «رأسي انشطب» لما علمت.. بأن عدد المعتقلين بعد الإنقلاب الشيوعي واندحاره.. قد بلغ أكثر من الف معتقل.. تم تجميعهم جميعاً في عطبرة إلا أن لجنة الأمن بادرت بإطلاق.. قرابة الثلث منهم.. شاملاً بعض النساء.. وصغار السن.. ومن حشروهم ضمن المعتقلين زوراً وبهتاناً وتشفياً.. واستغلالاً لظروف «الجوطة».. التي جعلت بعض المايويين.. ينصبون أنفسهم حمادة لمايو... ولكن ومع كل ذلك.. فإن عدد المعتقلين.. القابعين في معسكر ضخم.. تحت إدارة سلاح المدفعية.. كان ثمانمائة معتقل وأكثر.. وكنت مطالباً باستجواب.. كل هذا الكم الهائل من العباد.. نفراً نفراً.. ومن ثم إعداد تقرير مستوفي عن كل فرد... موضحاً أصله وفصله وسيرته الذاتية.. وملابسات اعتقاله والجهة التي اعتقلته.. وتقريرها عنه ومن ثم ملخص أقواله واستجوابه.. وفيشه وبصماته مدعوماً.. بصورة فوتوغرافية.. وجهاً.. وجنباً وأية علامات مميزة.. كالشلوخ والفصود.. وغيرها من.. طعنة سكين.. أو لطشة عكاز أو خبطة شامة.. كما جاء في مسرحية شاهد ما شفش حاجة!!
توكلت على الحي الدائم... وبدأت في اتخاذ الإجراءات... والتدابير.. لتنفيذ المطلوب بدقة وعلى عجل.. وكلمات.. العميد.. يحيى حسين على نور.. يتردد صداها في أذني.. موش عاوز أشوفك قدامي تاني.. ولو حسيت بأي تقصير حأملص دبابيرك!!.. ولم نقطع شوطاً يذكر في العمل.. حتى حلّت علينا مصيبتان جديدتان... وكانت الأولى عبارة عن أورنيك ضخم.. مكون من ثلاثة عشر صفحة.. تحتوي على.. خمسة عشر بنداً.. تصر إدارة الأمن العام على ملئها من ثلاث نسخ.. عن كل معتقل.. والمصيبة الثانية.. كانت هي تصنيف كل المعتقلين حسب خطورتهم على أمن الدولة.. كمجموعة أولى.. ومجموعة ثانية ومجموعة ثالثة.. وهي التي ستبدأ لجنة أمن المديرية.. في الإطلاع عليها.. واتخاذ القرار بشأن المذكورين فيها.. باطلاق السراح أو الإبقاء في المعتقل.. أو أحياناً.. بترقية المعتقل إلى المجموعة الثانية أو الأولى!!
لقد حزنت لهذه المصيبة الثانية جداً لأنها تحمّلني مسؤولية أكبر من رتبتي وترهن مصائر هؤلاء جميعاً بكلمة مني.. وتدخلني دون أن أشعر في ورطة الاضرار بالناس..!! وفكرت في الأمر ملياً.. ووصلت إلى قناعة بأن الأمر أكبر وأصعب مني.. وأن الأوامر.. والتعليمات لن تجدي نفعاً وأنه لا مناص البتة من استمالة.. الصف والجنود الذين يعملون معي بالمكتب والميدان وعددهم لا يتجاوز الخمسة عشر.. رجلاً.. وتحفيزهم على التعاون والعمل معي بإخلاص وتفانٍ وكأسرة واحدة.. ونجحت في ذلك نجاحاً بعيداً.. لأن الرجال كانوا في الأصل أوفياء ومخلصين للمهنة.. وبدأنا أول ما بدأنا.. في إستدعاء كل من اعتقل أو أعد تقريراً عن أي معتقل واستجوبناه على القسم.. عن مضمون تقريره وملابسات الإعتقال.. وتنكر الكثيرون لتقاريرهم.. أو عدّلوا فيها.. وطلع بعضها «فشنك» ساكت.. وعلى ضوء ذلك أطلق سراح.. أكثر من ثلث المعتقلين وانزاح بذلك كابوس كان يجسم على صدورنا بسبب تأنيب الضمير.. والإحساس بالمشاركة في عمل ظالم !!.. وتفرغنا بعد ذلك في إكمال الإجراءات بالنسبة لبقية المعتقلين.. وملء الأورنيك المطلوبة عنهم.. ومن ثم تصنيفهم.. في إحدى الدرجات الثلاث.. بحسب درجة نشاطهم.. وخطورتهم.. وموقعهم داخل الحزب الشيوعي.. كأعضاء اللجنة المركزية.. أو الكادر السري.. أو العضو العادي.. أو ذلك الميم نون.. أي المغفل النافع.. ومن ثم يأتي الناشطون.. ضد النظام المايوي.. من الاحزاب والفئات الأخرى.. والنقابات على وجه الخصوص!!
لقد كان هاجسنا جميعاً ونحن نعمل ليلاً ونهاراً.. لإنجاز العمل.. هو أن نبرز الحقائق والمعلومات الصحيحة القاطعة حتى لا يبقى بالحجز معتقل بريء أو حتى نصف بريء.. وكان أداء القسم على المصحف الشريف.. فيصلاً حاسماً بين ما يقال ونما لعلمنا.. وأفادت مصادرنا.. وبين تأكد لنا.. وثبت بما لا يدع مجالاً للشك.. ولكن ومع ذلك فإن بعض الشكوك كانت تساورني حول العديد من المعتقلين العطبراويين ... وهم أغلبية .. ولكن شهد شاهد من أهلهم وهو المسؤول عن أُستديو الشرطة.. والذي تستعين به على تصوير (ضيوفها الأجلاء) ويبدو أن الرجل كان شرطياً أحمراً.. أو على الأقل (مكجن) مايو والنميري.. .. فخرج بالكاميرا.. وصوّر مظاهرات الشيوعيين ومسيراتهم.. إبتهاجاً بحركة 19 يوليو التصحيحية .. تصويراً شاملاً دقيقاً أظهر كل شىء بوضوح تام.. وكان يبدو خائفاً من فعله.. بعد عودة النميري فطلبت منه.. أن يعد (اليوم) بكل الصور التي التقطها ببراعة.. وطلبت منه تكبير بعضها لأقصى مقاس ممكن وفعل الرجل .. وكانت المفاجأة ظهور كل المعتقلين أمامي بصورهم.. يهتفون .. ويلوحون بالرايات الحمراء وهم هناك.. داخل المعتقل .. يتوسدون الثرى ويلتحفون السماء !!
وأضيفت .. بذلك صورة فوتغرافية بملف كل معتقل .. تقف بينة قاطعة على مشاركته الفعلية في تأييد الإنقلاب.. ومن الطرائف.. أن أحد المعتقلين.. كان رجلاً ضخم الجثة بصورة مبالغة .. إدعى بأن إعتقاله غير صحيح لأنه موش شيوعي.. ولم يقم بأي نشاط معادي يستدعي إعتقاله...
والصورة الوحيدة التي عثرنا عليها.. كانت لقطة من الخلف.. فأنكرها أيضاً وقال ده .. ما .. أنا .. وطالب بالمثول أمام لجنة أمن المديرية.. وسقناه اليها.. وأمام اللجنة.. طلب منه أن يعمل خلف دور.. ففعل الرجل.. وعدّ أعضاء اللجنة ... عدد (النخلات) في رقبته.. فكان عددها أربعة عشر (نخلة) كما عدّوا الطبقات والحزّات فيها.. فكان عددها أربع طبقات.. مع طبقة خامسة تحت التكوين وأذنين ضغيرين .. غاطستين في اللحم.. ومبادى صلعة في مؤخرة الرأس.. مضافاً اليها حجمه الهائل .. الذي حجب نصف.. المظاهرة التي كان يواجهها.. وهو يهتف .. ويلوح بالبيرق الأحمر!!.. فقال رئيس اللجنة.. يا أخونا ما في داعي للبطبطة او البتبتة.. دي صورتك ما في كلام!! قال الرجل يا جماعة يخلق من الشبه أربعين !! فقال رئيس اللجنة يا أخي أربعين زيك.. معناها مجاعة!! وعلق آخر .. يا سيد يخلق من الشبه أربعين قبلناها .. لكين ما بالطريقة دي.. أربعطاشر نخلة وأربع طبقات ..؟! ده مستحيل!!
لقد أنجزنا العمل المطلوب.. بفضل تكاتفنا وإحساسنا بالمسؤولية.. سيما وقد كنا جميعاً مايويين على السكين.. من تلقاء أنفسنا.. لا نبتغي من وراء ذلك جزاءً ولا شكورا.. وقد دفعني هذا الحماس لمايو.. والغيرة عليها .. أن قطعت من رأسي بنداً إضافياً لبنود الأرنيك الخمسة عشر الواجب ملئها عن كل معتقل وكان في شكل سؤال.. يجيب عليه المعتقل بخط يده.. ويمهره بتوقيعه ونص السؤال هو.. هل نعتقد أن حركة 19 يوليو تخريبية أم تصحيحية؟! وأسقط في أيدي الكثيرين.. ولكن كان لكل إجابة معناها ومغزاها .. وقد وفرت أنموذجاً لخط المعتقل وتوقيعه على الأقل!! ومن الطريف أن ساقتني قدماي بعد ربع قرن الى مكتب ما.. ظل المسؤول فيه يتفحصني من رأسي الى أخمص قدمي.. ويقوم بالإجراءات المطلوبة.. ولما سلمني أوراقي .. قال لي .. يا جنابو ..عليك الله.. كان في داعي لسؤالك.. حركة يوليو.. تصحيحية أم تخريبية؟! علىّ الطلاق سؤالك ده حارقني لي الليلة!! ثم داعبني قائلاً هسع مايو رأيك فيها شنو؟! فقلت له .. زمان شىء وهسع شىء ثاني خالص..
لقد أنجزنا المهمة بكفاءة وسلاسة واستطعنا أن نضع بين يدي الوزارة وإدارة الأمن العام.. ولجنة أمن المديرية كافة البيانات.. مرتبة ومنظمة .. وبلغتنا الإشادات والثناءات من كل الجهات.. ومن السيد العميد يحيى حسين علي نور.. شخصياً.. والذي عبر عن ذلك كتابة.. ولم يملص «دبابيرنا»
وهدأ دولاب العمل ـ وظلت لجنة أمن المديرية .. تجتمع.. كل أسبوع وتأمر بإطلاق سراح بعض المعتقلين بناءً على التقرير الشامل الذي أعددناه او على ضوء .. أمور أُخرى .. خافية علينا .. وظل عدد المعتقلين يتناقص وخف ضغط العمل.. وأتجهنا لممارسة العمل العادي في حفظ الأمن والإستقرار وفي هذه الأثناء.. جاءنا من إدارة الأمن العام بالخرطوم النقيب أحمد موسى يحمل معلومات .. بوجود وكر شيوعي .. في مدينة عطبرة .. وتعاونت معه قوة الأمن والمباحث بالمدينة.. وجرت العديد من (التفاتيش) والمطاردات .. والبحث عن الوكر.. بغمر الأماكن المشبوهة بالمياه.. لأنها تدل على المواقع المحفورة حديثاً.. واستعمال السيخ في طعن الأرض.. حتى يتبين الموقع الهش من الصلب .. ونجحنا في ضبط أكبر وكر شيوعي في عطبرة وتم تحفيزنا جميعاً بمائة جنيه فقط لا غير.. فقال أحد ظرفاء التيم .. تأبى القروش إذا إجتمعن تكسراً وإذا إفترقن تكسرت آحاداً.. وفهم الجميع المطلوب.. وتحول الحافز لحفل عشاء (كارب) لا زالت لحظاته محفورة في الخاطر.. غنى فيها الجميع وصفقوا وعرضوا وسادها جو من المرح والنكات وطرائف المعتقلين ونوادرهم وإبداعاتهم وأشعارهم والكتابات التي ضبطت معهم وهم رهن الإعتقال .. ولا زلت أذكر أبياتاً عامية أعجبني منها.. أن لم تخني الذاكرة.. وقد مرت عليها قرابة أربعة عقود.. وأنا أكتب ما كتبت .. وما سأكتب بإذن الله (روسي) من الذاكرة.. وهي مفكرتي الوحيدة.. وهي ذاكرة غريبة.. تنسى كل شىء.. ولكنها تحتفظ بصور فوتغرافية للأحداث والمواقف في قاعها.. ونقول هذه الأبيات العامية على ذمة الذاكرة ..
يا نمر الورق كم مرة حذرناك
ما تسمع حكاوي الإفك والتلفيق
وما تبيع القضية.. بلاش
وتخون الزميل.. ورفيق
لكين كيف تحس .. تسمع
أضان خدرانة بالتصفيق!!
ولما كان المعتقلون .. يأملون في الجماهير وأن الشارع السوداني سيثور ويحطم المعتقلات ويخرجهم منها محمولين على الأعناق.. فقد إستطاع أحد المعتقلين وكان.. حارس مرمى شهير.. لفريق عاصمي مشهور .. أن يتسلق سور السجن ويطل على الشارع .. فرأى شيخاً يعرفه.. فناداه بإسمه وقال .. الشارع كيف يا عم حسن؟!
فقال الرجل .. لا حول ولا قوة إلا بالله خلاص الجماعة جننوك يا ولدي الشارع ياهو.. قدامك .. ظلط في زفت!!
نواصــــل...
أبوسهيل
10-06-2009, 06:13 PM
أيام النميري «8»
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
ذكرت سابقاً.. بأن عدد المعتقلين الذين تم التحفظ عليهم.. داخل معسكر ضخم تحت إشراف وإدارة سلاح المدفعية بعطبرة.. كان يتجاوز الثمانمائة معتقل.. معظمهم من موظفي وعمال السكة الحديد.. ومن المعلمين... وعمال وموظفي المصالح الأخرى.. وقليل من عامة الناس.. وكان لزاماً عليَّ بالتعاون مع أسرة مكتب الأمن والمباحث.. أن أقوم باستجوابهم جميعاً وعمل ملف بكل التفاصيل عن كل معتقل، ومن ثم تصنيفهم إلى مجموعة أولى.. ثم ثانية.. وأخيرة ثالثة.. وهم الأقل خطورة... وقد أدينا هذه المهمة.. بكل أخصلاص وتفانٍ... نبدأ نشاطنا صباحاً.. ويستمر حتى منتصف الليل.. وقد صرعتني الملاريا.. ثلاث مرات.. أثناء هذا العمل الاستثنائي المرهق... ولكن.. ومع قساوة هذا العمل.. فإنه لم يخلُ البتة.. من لحظات الفرح.. ولحظات الضحك والابتسام.. والمواقف الإنسانية.. فالفرح كان يغشانا جميعاً.. كلما..صدر كشف من لجنة أمن المديرية.. بإطلاق سراح مجموعة من المعتقلين.. فنحمله على جناح السرعة.. لإدارة المعتقل.. ونحيا تلك اللحظات المؤثرة..... والرفاق يودعون الرفاق.. ويرتمون في صدور أهلهم وهم يجأرون بالبكاء ودموع الفرح.. ويحتضنون أبناءهم وبناتهم.. ويمشون إلى بيوتهم.. زرافاتٍ ووحدانا.. ولا ينسون أبداً.. أن يخصونا.. بعناق الوداع... فقد كنا.. لهم أصدقاء.. ناصروهم على محنتهم ولم يظلموهم..!!
أما الطرائف ولحظات الضحك والابتسام فقد كانت.. هي زادنا.. ودافعنا على العمل.. لأن كل المعتقلين الذين كنا نتعامل معهم صباحاً.. ومساءً... كانوا من الصفوة المسلحين.. بأفكار اليسار.. وكانوا على درجة من الثقافة والوعي... ويتميزون بالذكاء... والسخرية والملحة والطرفة.. وحتى جماعة الميم نون.. فهم على غفلتهم.. أصحاب شخصيات خاصة.. وقدرات وطاقات نادرة.. لا أحسب أن الحزب الشيوعي السوداني.. كان في مقدوره الاستغناء عنها..!!.. ومن الطرائف التي يحكيها الشيوعيون.. أن.. رفيقاً من جماعة (الميم نون).. لم يكن لديه أي مؤهل تعليمي.. وظل يطالب قيادة الحزب لإرساله في بعثة دراسية.. ويلح على ذلك.. فتم إرساله.. إلى روسيا.. في دورة تدريبية.. حسب قدرته... ولما عاد إلى السودان.. سألوه عن الشيوعية ومزاياها فقال لهم.. ده موضوع طويل.. لكن باختصار أنحنا هنا في السودان.. واقفين صفوف علشان نلقى لوح ثلج.. لكين في موسكو.. تقوم من نومك تلقى ثلجك راجيك في الشباك.. وما عليك إلا تخرط ساي!!
إن طرائف الرفاق المعتقلين... التي أضحكونا بها.. أو ضحكوا بها علينا.. لا تحصى ولا تعد.. وبعضها يصعب سرده.. ولكني... أرغب في سرد.. بعض المواقف.. لرجال وجدتهم داخل المعتقل.. أحدهم.. كنت قد تعرفت عليه في جوبا.. والثاني.. عرفته في دنقلا. أما الأخير.. فكان من أبناء.. أرقو وزميل دراسة حتى المرحلة الثانوية.. فلما كنت.. استدعي المعتقلين من معسكر الاعتقال لاستجوابهم وإكمال الإجراءات المطلوبة بشأنهم... شهق الرجل عندما رآني واندفع نحوي يضمني.. ويعانقي، وسرعان ما ربطتُ بين اسمه.. وهيئته وتذكرت.. أيامنا معاً في مدينة جوبا.. فسألته عن سر اعتقاله.. والرجل حسب علمي.. لا علاقة له.. بمايو.. ولا.. بيوليو.. فقال لي.. إن علاقته كانت سيئة جداً بأحد ضباط الشرطة.. فتربص به. ولما تيقين بأنه قد أرسل برقية تهنئة لرجل من الذين عينتهم حركة «19 يوليو».. في منصب حساس ومهم.. استغل الضابط هذا الأمر، وقال باعتقاله.. باعتبار أن البرقية تأييد ودعم للانقلاب الشيوعي.. وأوضح لي الصديق المعتقل.. بأنه أرسل برقية التهنئة بصفة (أخوية).. لأن الرجل كان صديقه. وقد عملا معاً في شبابهما في مجالات أخرى.. وقد سره وأسعده وأثلج صدره.. أن يصل إلى المرتبة العليا التي أختير لها.. وعلشان كد بس أبرقه مهنئاً!!.
وطالبني بالمساعدة لشرح موقفه ورفع الظلم عنه.. وإطلاق سراحه.. وبالفعل رفعت توصية.. إلى لجنة الأمن عبر القنوات طبعاً.. وذكرت بأن برقيته لا تحمل أي بعد سياسي يمكن أن يُحسب عليه.. وقامت اللجنة باستدعائه واستمعت إليه.. وتوقف أحد اعضائها عند جملة (في هذا المنعطف الخطير من تاريخ أمتنا).. وقال له ده شنو؟ فقال المعتقل (دي ثقالة مني ساكت)!!
ضحكت اللجنة.. وأمرت بإطلاق سراحه!!. أما الرجل الذي تعرفت عليه في دنقلا.. فهو نفس الرجل الذي تحدثت عنه من قبل.. صاحب العربة اللاندروفر.. حزب الأمة رمز القوة والذي أكرمنا بخروف وساعدنا على مهمتنا في اعتقال مجموعة من وكلاء الإمام الهادي. وكان لا يعلم بأنه على رأسها.. ولكننا.. اعتقلناه على الورق وأطلقنا سراحه.. وهو لا يعلم برضو.. فأحسنت استقباله وصافحته وأجلسته وأكرمته بكوب شاي.. وسألته عن علاقة وكيل الإمام.. بالشوعية.. فقال لي أنا ما شيوعي.. ولكني أكره النميري من قبال يبقى رئيس.. وهو من أهلنا.. ولما سمعت بالانقلاب.. خرجت بعربتي أهتف ضد النميري.. وفقبضوني وأرسلوني إلى عطبرة.. وبعد إكمال الإجراءات أعدته إلى معسكر الاعتقال، وهو يردد التجي من السماء.. تحملها الواطا..!!
أما زميل الدراسة وابن منطقتي.. فقد كنت أعلم باعتقاله قبل ان أصل إلى عطبرة.. وقد اتصل بي أهله عدة مرات سائلين عن ظروف اعتقاله.. وإمكانية إطلاق سراحه.. فذهبت إليه في المعتقل واستعمت منه حديثاً طريفاً.. فالرجل بالإضافة لمهنته كمحاسب، فهو خطاط درجة أولى (يسترزق) من فنه.. ووجد فيه الشيوعيون ضالتهم.. فجعلوا كل شعاراتهم ولافتاتهم المكتوبة (حصرياً) على (نصر الدين).. وكان الرجل إذا خطَّ شعاراً أو لافتة.. مهرها باسمه.. من قبيل الدعاية والإعلان عن فنه... وحسبت أجهزة الأمن أن مسلكه وإصراره على كتابة اسمه.. مغالاة.. وتطرفاً وتبجحاً بشيوعيته.. ومما زاد الطين بلة وأزم موقفه.. أنه كان يقف في قلب المظاهرات.. ضاحكاً يستمتع بلافتاته الحمراء.. التي غطت الساحة.. واسمه يتراقص في أسفل كل لافتة!!
لم تكن البينات.. ضد.. وكيل الإمام.. وزميل الدراسة.. تمكنني.. من التعجيل بمخاطبة لجنة الأمن لإطلاق سراحهما، وقد تفهما ذلك.. ولكنني ظللت أزورهما.. بانتظام.. وأقدم لهما المساعدة الممكنة من سجائر وصعوط.. وغيرها.. حتى حل عيد الأضحى المبارك.. فأسرعت بكتابة خطاب لقائد المدفعية موضحاً.. إن إدارة الأمن العام.. تطلب معلومات مهمة جداً عن المعتقلين - وكيل الإمام وزميل الدراسة - وطالبت بأخذهما معي إلى مكاتب الأمن والمباحث.. لإجراء اللازم.. ووافق القائد.. وهو مندهش لإخلاصي في العمل.. قبل صلاة العيد!!.
فاستلمت الرجلين وذهبت للرئاسة (للتمويه) وأنزلت الحرس وجئت بهما إلى منزلي.. حيث.. حضرا معي نحر أضحيتي.. فأكلا منها.. المرارة والشواءات وظلا معي حتى وجبة الغداء.. وأحتسيا من الشربوت المعتق.. ثم اعدتهما إلى معسكر الاعتقال.. قبل غروب الشمس!!
ومن الطرائف ان أحد المعتقلين.. وهو مزارع بسيط.. محدود الفهم. قد تم استغلاله بواسطة بعض الشباب المعادين لمايو.. فدفعوا له بعض المال وطالبوه.. أن يطوف بالقرى.. ويذيع على الناس بأن النميري شالوه... وفعل الرجل.. وكان يردد بأعلى صوت.. أيها المواطنون.. النميري راحت في ستين داهية.. ويضيف الرجل.. أولاد الآبالسة غشوني.. لحد.. ما.. رحت.. أنا ذاتي في ألف داهية!!
لقد ظلت لجنة أمن المديرية.. تحرص كل الحرص على متابعة موقف المعتقلين ومراجعة موقفهم.. والنظر في حالاتهم واطلاق سراح بعضهم.. حتى تقلص عددهم إلى الثلث تقريباً.. فأخرجوا من معسكر الاعتقال.. وتم التحفظ عليهم... في سجن عطبرة.. والدامر.. وأصبح اتصالنا بهم سهلاً.. وميسراً.. وقد كانت هذه المجموعة المتبقية من المعتقلين من العناصر.. المتشددة.. والتي لا تخفي عداءها للنميري وتأييدها.. لانقلاب هاشم العطا.. وانتماءها.. للحزب الشيوعي.. الجناح الموالي للراحل عبد الخالق محجوب بالتحديد.. وعلى ذلك فقد تجاوزت مدة اعتقالهم.. عاماً كاملاً... ولما حلت الذكرى الأولى لانقلاب هاشم العطا.. استنفرت قوات الشرطة كلها.. وتحوطت لوقوع أي اضطرابات أمنية.. من قبيل المظاهرات والتخريب وكتابة الشعارت على الجدران... والمنشورات..... ولكن شيئاً لم يحدث.. فطابت أنفسنا وشعرنا بالارتياح.. لأن الخطة الأمنية.. قد حققت أهدافها.. ولكن حدث ما لم نكن نتوقعه أو نحسب له حساباً.. إذ استغل الشيوعيون تجاوز ادارة السجن.. وسماحها بدخول الوجبات البلدية.. زي أم رقيقة.. والمفروكات بأنواعها فاستطاعوا أن يدسوا في قاعها مئات النفاخات أو البالونات.. وعند منتصف النهار... نفخوا هذه البالونات.. وعلقوا عليها.. هتافاتهم المعادية للنميري.. والهتاف بحياة الحزب الشيوعي ونضاله.. مكتوبة على أوراق علب السجائر.. والأوراق الأخرى ثم أطلقوها.. لتصعد إلى سماء السجن.. ثم.. تنداح في سماء المدينة مع تيارات الهواء.. لتبلغ كل مكان.. وكان مضحكاً جداً.. أن ينطلق خلفها الرجال.. لقبضها.. وقراءة مضمونها ثم طرشقتها.. وعند سؤالنا للمعتقلين عن هذا.. انكروه جميعاً.. وقالوا.. إنهم لا علم لهم بذلك.. وأن هذه البالونات لم تصعد من السجن أصلاً.. وكان ضباط السجن رجلاً لطيفاً.. فقال لهم طلعت من عندكم ولا ما طلعتش.. تاني مفروكة ما في!!
وبعد هذه الحادثة الطريفة تزايد نشاط الشيوعيين.. وكلما أصبح الصبح طفنا بمدينة عطبرة وشوارعها.. لنجد.. جدرانها وقد ازدحمت بالشعارات المعادية... وأصبح التحري في هذا الأمر.. لنعرف من فعله.. غير مفيد.. فأخذنا نبدأ صباحنا بتوزيع رجالنا وهم يحملون الفرشاة والجير الأبيض.. في جرادل... لطمس معالم الشعارات المعادية المكتوبة على جدران المنازل.. وجلبطتها أو شخبطتها.. وكله على حساب صاحب المنزل المغلوب على أمره.. وليس له في.. (النمير) ولا النفير.!!. وذات يوم دخل السيد الدكتور محي الدين صابر مدينة عطبرة فجراً في سيارة ورأى جماعتنا وهم يطمسون شعاراً يقول.. (لن ترتاح يا سفاح) وكانوا قد بدأوا في عملية الطمس مبتدئين من (الحاء) في نهاية الشعار.. فحسب انهم من الشيوعيين.. وجاء مسرعاً.. والتقى.. مدير الشرطة وقتها العميد.. عصمت معني.. وابتدره قائلاً: موش ممكن اللي بيحصل ده.. الشيوعيون يكتبون على الحيطان في وضح النهار؟! وقام السيد عصمت بشرح الأمر له.. فقهقه.. ضاحكاً.. وقال: صدق اللي قال.. كلام الليل يمحوه النهار!!.
نواصل ...
أبوسهيل
10-07-2009, 06:18 PM
أيام النميري «9»
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
الشمالية.. كانت لها حكومة برأسين.. رأس في الدامر.. والأخرى في عطبرة.. وللتوضيح.. فإن الدامر.. والتي وصفها الشاعر فاجاد حين قال:
يا دامر المجذوب.. لا انت قرية
بداوتها تبدو.. ولا انت بندر..
وده طبعاً.. قبل اربعين سنة ولا أدري ما حل بها الآن.. ولكنها كانت مع ذلك.. مقر.. حكومتها وعلى رأسها المحافظ.. صاحب السلطان والسلطات.. أما عطبرة والتي كان يمقتها البعض ويقولون عنها ـ عطبرة المقبرة ـ فهي بالقطع لم تكن كذلك.. بل كانت جوهانسبرج السودان أو مدينة الحديد والنار... وكانت مقر سلاح المدفعية.. ورئاستي شرطة.. الشمالية والسكة الحديد.. ومقر رأس الحكومة الثاني المتمثل في هيئة السكة الحديد ومديرها العام وهو صاحب المال والجاه والإمكانات والمقدرات وأحسب أن مدير عام السكة الحديد ـ زمان موش هسع ـ كان قادراً على دعم محافظ الشمالية ليستمر ويبقى.. كما كان قادراً على مناكفته وعدم التعاون معه.. ليسقط أو على الأقل ينقل.. ويحل محله محافظ.. بمواصفات (ديزل).. بل أن مدير عام السكة الحديد.. كان من الأهمية والقوة.. بحيث يغبطه رئيسه.. وكيل وزارة النقل ويتمنى أن لو خفضت.. وظيفته إلى مدير السكة.. والدليل على ذلك أن أكثر من مدير عام.. مغضوب عليه لم يرفت أو يفصل.. ولكن Kicked up أي تم ترفيعه إلى وكيل!!.
هذان الرأسان الحكوميان.. كان لكل واحد منهما جيش من المستخدمين.. فرأس الدامر.. المحافظ.. يتربع على المئات من ضباط المجالس التنفيذين.. والإداريين والزراعيين.. والمهندسين.. والموجهين والمعلمين واضعافهم من الكتبة والباشكتبة والمحاسبين والسعاة.. والعمال.. والسواقين والميكانيكيين والمهنيين بصفة عامة وغيرهم.. والرأس العطبراوي مدير عام السكة الحديد.. يمشي ويجر من ورائه جيشاً عرمرماً.. من المهندسين.. والبرادين والخراطين والمهنيين وسائقي القطارات.. والكماسرة والمفتشين و(العطشجية) والطباخين والجنائنية.. والخفراء.. وعمال البلاط وعمال الدريسة وعمالاً.. بلا حدود.. من حلفا إلى واو ومن الضعين وحتى بورتسودان... حيث تزحف قضبان السكة الحديد.. زحف الرقطاء.. فوق الرمال.. وتنتشر بيوتها.. شبه البيضاوية.. كالقباب في كل مكان.. والتي تقاوم الحر.. والبرد والمطر والكتاحة.. واحسبها تقاوم الزلازل.. ومن لطائفها أن مغنية خواجية.. زارت السودان فأجرت معها إحدى الصحف لقاءً.. فابدت إعجابها بالسودان وأهله الطيبين.. ولكنها تحسرت على ما يجري في بلادنا.. من أمور غير مدروسة وغير منطقية.. ولا معقولة واستشهدت على ذلك بصواريخنا المنصوبة في الارياف والمدن.. والصحراء.. (عينك عينك).. وكان من الواجب اخفاءها في مواقع سرية عسكرية.. حتى لا.. يتم تدميرها بواسطة الاعداء الحاقدين.. وأحسب أن الصحفي قال لها.. دي ما صواريخ.. دي قطاطي السكة الحديد يا سجم الرماد!!.
لقد كانت هذه الجيوش الجرارة من الموظفين العاملين.. التابعين للسكة الحديد.. أو المحافظة.. في تقديري الشخصي.. أكثر من حاجة العمل ولكن ومع هذا الترهل الوظيفي.. والذي كان المسؤولين يغضون الطرف عنه.. حتى تتاح فرصة العمل لأكبر قطاع من الناس (المرضى) بالمقولة الساذجة (إن فاتك الميري.. إتمردغ في ترابه..) إلَّا أن الفساد استشرى بصورة واضحة وسط هذه المجموعات.. وصار كل فرد من الاوفياء المخلصين الذين يقدرون المسؤولية.. ويخافون الله في وطنهم وأهلهم محاط بالعشرات الذين لا يعملون أو يعملون لمصلحتهم.. أو كما قال أحدهم أُمال سموها مصلحة ليه؟!.
لقد كان من ضمن مبررات استيلاء الضباط المايويين على السلطة.. إنتشار الفساد في البر والبحر.. فجاءوا لإستئصال شأفته.. باستحداث جهاز الرقيب العام وتمكينه من العمل والتدخل بالتحقيق والمساءلة والمحسابة.. وتورطوا.. بإرتكاب قرارات التأميم.. (فدرعوا حبل الفساد في رقبتهم).. ثم اضافوا وزارة جديدة.. هي وزارة الخدمة والإصلاح الإداري.. وهي خطوة صائبة في الطريق.. ثم استلوا سيف التطهير الذي تجاوز الأشرار.. بسبب الولاء واطاح بالاطهار.. لأنهم يا عيني لا.. ولاء لهم!!.. وعلى ذكر وزارة الخدمة والإصلاح الإداري فإني لا استطيع أن اتجاوز موقفاً طريفاً حدث.. لوزيرها العالم والخبير عندما جاء إلى عطبرة.. لشأن يخص وزارته.. فلاقى مسيرة كبرى صامتة.. في مقدمتها المحافظ فمشى معهم مجاملة وهو لا يدري وجهة المسيرة أو اهدافها.. وعندما توقفت المسيرة.. تقدم المحافظ.. ليضع باقة من الزهور على قبر الجندي المجهول.. وكان السيد الوزير ساهما شارداً.. لا يهتم بما يدور حوله.. وفجأة.. تحدث حادي المسيرة.. وقال.. الوزير الثائر (فلان) يخاطب جمعكم الكريم وسلمه المايكرفون فقال الوزير: السلام عليكم ورحمة الله.. وظل بعدها صامتاً.. لا يجد ما يقوله.. لأنه موش عارف الحاصل.. واستمر الصمت برهة طويلة حتى انقذ الموقف أحد النقابيين.. فأخذ المايكرفون من يد السيد الوزير.. وقال: بعد هذه الكلمة الضافية.. يخاطبكم السيد المحافظ!!.
نعود ونقول لقد كانت مايو في بداياتها جادة في محاربة الفساد وإصلاح الحال.. وبذلت المؤسسات والمصالح والهيئات.. جهوداً مقدرة.. لتواكب جهود الحكومة.. وخلال هذه الفترة التي اعقبت الإنقلاب الشيوعي.. حتى غادرت عطبرة.. عام 1973م.. فقد شهدت ولمست كغيري من الناس تقارباً شديداً.. حدث بين (الرأسين) الخدمة.. في السكة الحديد.. والمحافظة والدليل على ذلك أنهما طلبا من رئاسة شرطة الشمالية وربما.. أيضاً من شرطة السكة الحديد.. لرفع مالديها.. من معلومات وتقارير.. تعكس أي حالة من حالات التسيب والإهمال والفساد تخدم الإتجاه الإصلاحي الذي يسعيان لتحقيقه.
ولما كانت الشرطة بحكم مسؤولياتها تراقب وترى وتسمع بعيونها وآذانها.. وعون آخرين.. فقد استطاعت.. أن ترفع ملفاً ضخماً مذهلاً بصور شتى للفساد هناك وهنا.. وقد حوى هذا الملف.. كشفاً طويلاً بالمئات من مستخدمي السكة الحديد.. الذين يتقاضون مرتباتهم وينالون علاواتهم.. وترقياتهم.. وهم ينطلقون في انحاء المدينة.. يبيعون ويشترون.. ويعملون كحلاقين.. وجزارين.. ونقاشين وحناطين.. واصحاب مطاعم ومقاهي وستات شاي ولقيمات!! وكان هناك كشف آخر مماثل.. من أتباع المحافظة.. مضافاً إليه.. اسماء العشرات من الموظفين والمعلمين على وجه الخصوص.. الذين اغتربوا ويعملون في دول الخليج وليبيا.. وغيرها ومرتباتهم يتم صرفها بانتظام لأُسرهم عن طريق التواكيل ومسائل أُخرى محزنة كالذي مات ولازال يباشر عمله.. ويحظى بالترقي كمان!!.
لقد كانت السكة الحديد.. في ذلك الوقت دار واسعة.. للمئات من الخفراء والجنائنية المفرغين للعمل في بيوت.. (الكبارات) من قيادات العمل في الهيئة وغيرها.. والمخصصين لرعاية (صواني الحركة) المتعددة.. داخل المواقع والاحياء والساحات التي تشملها امبراطورية السكة الحديد.. وتتمدد فيها قضبانها حتى تدخل البيوت.. وتحمل ساكنيها من القيادات العليا.. حتى لا يتجشموا عند المأموريات مشقة الحضور إلى المحطة.. والله اعلم.. وكان معظم هؤلاء الخفراء والجنائنية.. يسكنون بيوت المصلحة.. ويستفيدون من خدماتها الإجتماعية.. وقد تجاوزوا سن المعاش ودخلوا في ارزل العمر.. فحصرتهم الشرطة.. وأرسلت كشفاً وافياً باسمائهم لمدير عام هيئة السكة الحديد.. فقام على الفور بتسوية معاشات بعضهم على ضوء شهادات الميلاد أو تقدير العمر.. في ملفاتهم.. وإرسل أكثرهم للكشف الطبي.. لتقدير اعمارهم أو تسنينهم إن كانت لهم سنون..!.
وكان يقوم بالكشف الطبي وتقدير العمر طبيب مصري.. يعمل بمستشفى عطبرة.. وكان جاري الذي تجاوز السبعين.. عن عرضه لهذا الطبيب.. فحلق رأسه صلعة على الزيرو.. وصبغ حواجبه وشاربه وذهب للكشف وعاد وهو يردد.. المصري أذاني عديل.. المصري ما قلعني هدومي.. وقال لي: أيه يا عمي قطن الجزيرة ده؟!.. أنا لو عارفو.. بعمل كده.. كان صبغت أي حاجة.. أو على الأقل.. إتصرفت.. لكن معليش الله يأذى الأذانا!!.
لقد كانت صور الفساد التي اشرنا إليها.. هي لقطة من صورة.. ضخمة مريعة.. أحسب أن النقابات كان لها دور فيها.. لأنها أي النقابات.. كانت قوية جداً.. وبالذات نقابات عمال ومستخدمي السكة الحديد.. والتي يكون رئيسها عادة هو البعبع الذي يخيف مدير الهيئة.. وتعمل له الحكومة نفسها ألف حساب.. لأنه قادر بإشارة منه أن يدخل قاعدته في إضراب يعطل حركة النقل في البلاد.. وقوة هذه النقابات.. كانت لا تخدم إلَّا قاعدتها.. وتحسين شروط خدتها.. والدفاع عن مصالحها.. ونصرة أفرادها ظالمين أو مظلومين.. ولا أكاد أذكر موقفاً للنقابات في ذلك الوقت..
قامت فيه بدور وأضح.. يعير ويفضح ويحاسب الفاسدين والمفسدين في صفوفها أو على الأقل عدم التدخل عند محاسبتهم.. كذلك فإن النقابات بصفة عامة.. ونقابات عمال وموظفي هيئة السكة الحديد بالتحديد.. وقتها لم تكن مهنية بحتة.. ولكنها كانت منتمية لشتى الأحزاب السياسية في الساحة السودانية.. وعلى سبيل المثال.. فان النقابي محمد الحسن عبدالله الذي ترأس إتحاد نقابات عمال السكة الحديد.. كان ينتمي للإتحاد الديمقراطي وعدوه التقليدي.. الذي صرعه عدة مرات.. الراحل موسى متى.. كان من الإسلاميين.. والشيخ النقابي والبرلماني الحالي عباس الخضر.. والذي قاد العمل في أشهر واطول إضراب.. أحسب أنه كان من الإنقاذيين قبل مجئ الإنقاذ..!.
لا أود الخوض كثيراً في بحور العمل النقابي وأنا في الأصل شرطي.. كان يمكن أن يعد مارقاً وخائناً.. لو فكر سراً أو جهراً في تكوين (نقابة للشرطة).. ولكني.. أجزم بأنه لو كانت النقابات.. ساعداً وعيناً لمدير عام الهيئة وحملت معه هم تطويرها وإصلاحها وتطهيرها.. لما آلت السكة الحديد إلى ما آلت إليه الآن.. ولما توقف دبيب قضبانها عند واو والضعين قبل نصف قرن... وكأن الشاعر قد عناها.. بالضل الوقف مازاد!!.
لقد بدأت السكة الحديد حريصة على اموالها وممتلكاتها.. فظلت تدمغ اكوابها وصحونها وملاعقها وحتى ازيارها وكيزانها وكل اشيائها بختم SR ونتعامل.. بالإسلوب الأوربي.. في عملها ونومها وقيامها.. وتأكل بالشوكة والسكين وكانت (تشفق وتحن) على مستخدميها.. وتسعى ... لإعانتهم ومساعدتهم.. لأداء مهامهم بسهولة ويسر ودون عناء.. وإهتمت إهتماماً كبيراً برجالها المنتشرين في الصحاري والفيافي.. والمقيمين في (السندات) وهي المناطق التي يتوقف عندها القطار دقائق معدودات ثم يغادرها.. ويتركهم معزولين عن العالم.. لا جار.. ولا مجير ولا مدرسة ولا طبيب.. ولا أنيس إلَّا الراديو الترانسستر.. وقد سعت الإدارة في تخفيف معاناتهم.. بمدهم بالازيار الفاخرة.. والكيزان الأنيقة.. كما دعمتهم بأغنام (تغزرهم).. وتوفر لهم السنحلان واللبن لشاي الصباح والمساء.. ولما تبين للإدارة.. بأن الأغنام موش مبسوطة.. ولا تحتمل حياة العزوبية.. فقد تفتقت عبقرية السكة الحديد.. عن حل عجيب.. وبدلاً من اضافة تيس عمبلوق لأغنام كل (سندة) رأت أن تحتفظ (بتيس مركزي) واحد وهيات له عربة أو (قمرة) خاصة تليق بفخامته.. في كل قطار.. مزودة.. بالماء.. ومالذ وطاب.. من العلف.. على أن يظل في مامورية دائمة.. يزور خلالها اغنام (السندات) ليبدد وحشتها.. ويسكر ليالي الصمت فيها.. ثم يغادرها بعد أداء مهمته إلى سندة أُخرى مودعاً بمثل ما استقبل به.. من ثغاء وعلف.. ولهذا (التيس الحديدي).. ملف ضخم برئاسة السكة الحديد.. لا يستطيع أحد أن يتمالك نفسه من الضحك.. وهو يطالع ما قيل وما أرسل من برقيات بشأنه.. واخفها.. عجلوا بإرسال التيس.. لأن اغنامنا في حيص بيص.. أو التيس منذ أن جاء غير طبيعي وفي حالة صمت.. نطالب ببقائه حتى فتح الخشم!!.
نواصــــل...
أبوسهيل
10-09-2009, 02:49 PM
أيــــام النمـــيري (10)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
منتهى آمال كل حزب شيوعي.. أن تتحقق.. ديكتاتورية الطبقة العاملة.. في كل ناحية.. ومن ثم.. وبصرخة داوية واحدة.. يا عمال العالم اتحدوا.. تتحول الكرة الأرضية إلى (أنبوبة) غاز لتعمل وفق (المنظم) الشيوعي!!
والحزب الشيوعي السوداني.. مهما اختلفنا حوله.. فهو لم يكن (أي كلام).. بل كان حزباً.. يوقره.. الاتحاد السوفيتي.. ويبني عليه آمالاً عراضاً.. في اكتساح العالم الثالث... وقد بدأ هذا الحزب نشاطه في السودان.. وفق رؤى.. قياداته المستنيرة ونشاطها الدؤوب.. المدعوم بتصورات وخطط الحزب الكبير الأم.... وخالاته في أوربا.. وآسيا.. وأمريكا اللاتينية.. وكان طبيعياً.. أن.. يولد في بلادنا من (نطفة) مستوردة ويجيء أفضل.. ترتيباً.. وتنظيماً وتنسيقاً... وأقدر.. نشاطاً.. وحركة ومناورة.. وأكثر.. توهجاً.. وحماساً وبريقاً.. وأن يتخير مدن السودان جميعاً.. ويرى في محطة عطبرة مدينة الحديد والنار والعمال.. محط آماله.. وينزل محملاً بمنشوراته على تلتوارها... ويقتحم ديارها.. ويعشش في أوكارها.. ويتسقط أخبارها وأسرارها.. ويوسوس في صدور صغارها وكبارها.. و(يُشَيِّع) أفكارها.. ويجوس في ورشها وقطارها.. ليتحكم بالنقابات في مسارها..!!.. وكانت عطبرة بذلك .. مقر أقوى نقابة للعمال في السودان.. أيا كانت قيادتها فإن أصابع الحزب الشيوعي السوداني كانت توقع أهازيجها على أوتارها!! ولولا أننا التزمنا للقارئ الكريم.. في بدايات هذا المسلسل.. أن نكتب.. فقط.. ما يسر الله لنا أن نشاهد.. أو نعيش من المواقف في أيام النيمري.. لاسترسلنا في هذا الحديث.. ولكننا نختصر ونقول.. بأن نشاط الحزب الشيوعي (الدؤوب) وسعيه الجاد.. للتغلغل في مفاصل النقابات.. قد أجج الصراع النقابي.. وجعله أكثر حيوية.. ودفع بالتوجهات السياسية التقليدية الأخرى أن تخوض معاركه.. معتمدة على أغلبيتها.. الميكانيكية الموروثة أصلاً.. وتستطيع أن تفوز.. بقيادة العمل النقابي ورئاسته.. ولكنها في كل الظروف.. كانت (تحت تحت) تنسق مع الشيوعيين وتتيح لهم فرصة المشاركة.. لأن الشيوعيين في هذا المجال.. كملح الطعام أو الفلفل... ولأن النقابة التي تقوم دون علائق معهم.. لابد.. وأن تتعب وتشقى بهم.. وهم المتمرسون.. على خلق المتاعب.. وعلى ذلك فقد ظلوا بحنكتم.. ونشاطهم السري في قلب الحركة النقابية.. يزجون بعناصرهم داخلها.. ويؤثرون على تحركاتها.. ومواقفها بصورة واضحة.. وكانت لهم طرقهم المتعددة والمتنوعة... وبعضها لطيف وطريف.. وعلى سبيل المثال... فإن أحد (المقاهي) في مدينة عطبرة.. وفي موقع استراتيجي منها كان... مكاناً متفقاً عليه.. يوجد فيه الشيوعيون بانتظام ساعات فراغهم.. يتسامرون.. ويتسلون بلعب الورق.. و(الضمنة) وغيرها ويتفاكرون في شؤونهم.. ويستعرضون نشاطهم.. وأدوارهم!! وكان في هذا المقهى (بيك أب) أو بالعربي فوتغراف.. يشغل.. الأسطوانات الغنائية.. بناءً على طلب الزبائن.. مقابل بعض المال عن كل أسطوانة... وحتى هذه استغلها الشيوعيون.. فكانوا يحضرون فجراً مع فتح المقهى.. ويضعون في يد صاحبه مبلغاً من المال.. ويقولون.. شغل لينا عشرة وردي.. وعشرة محمد الأمين.. وبذا ينتهي اليوم ولا تتاح فرصة.. حتى لعشرة بلدي..!!
كذلك فإن رواد هذا المقهى الاستراتيجي من الشيوعيين.. كانوا دائماً على أهبة الاستعداد للمشاركة.. في أي شغب.. أو تظاهرات.. تجتاج المدينة.. لا يترددون في اعتلاء أكتاف بعضهم بعض... وتقدم المظاهرة والهتاف دعماً للتي (تعجبهم).. وإفساداً.. للتي لا تروقهم.. ينحرفون بها ويتسببون في فشلها.. واستعداء الشرطة عليها.. وما أن تحل جحافل الخوذات والعصي والبمبان.. حتى ينسحبوا.. بهدوء.. ويعودوا إلى المقهى.. ولعب الورق.. والصياح.. خمسين.. يا كيشة!!
عندما جئت منقولاً إلى عطبرة.. كان النقابي محمد الحسن عبد الله.. هو رئيس نقابة عمال السكة الحديد... والرجل شايقي وبالتالي فهو ختمي.. ومن باب أولى اتحادي.. وكان يتصعد من فرعية نقابة الكماسرة.. حتى المركزية.. ورئاسة النقابة... وعلى ضوء تقارير إدارة الأمن والمباحث.. التي كنت أقوم بتلخيصها غالباً.. فإن الرجل كان متعاوناً مع النظام المايوي.. واستطاع بذلك أن يحقق مكاسب عديدة.. للعمال.. حتى انتهت دورته وأصبح من الملزم إجراء انتخابات جديدة.. لنقابة جديدة... وهي الفرصة التي ينتظرها العمال بفارغ الصبر.. للتغيير والأتيان بوجوه جديدة.. أكثر حماسة لتأتي بالمزيد من المكاسب... والجديد شديد.. كما يقولون... وأطل في المنافسة للثعلب النقابي محمد الحسن... نقابي فولاذي.... من فرعية عمال البلاط.. اسمه موسى مُتَيْ.. وهو جعلي.. إسلامي.. بل أخو مسلم عديل كده.. ويقال.. إن الرئس أزهري.. أو النميري.. لما اطلع على اسمه قرأه موسى مَتَّى.. فعلق على ذلك بقوله.. السكة الحديد.. كلها أقباط!!.. ولما كان الصراع بين الرجلين في ظاهره نقابي.. إلا أن باطنه حزبي مطعم بالشيوعي.. وأن الامتيازات التي ينالها عضو النقابة المركزية من تفرغ كامل عن العمل.. مع صرف جميع استحقاقته بالكامل.. وعليها (بوسة) كما يقول المصريون.. مضافاً إليها ما تغدقه النقابة عليه من حوافز تحيطه بها من مزايا.. وما تنشره عليه.. من إحترام... وقيمة اجتماعية.. في مدينة مثل عطبرة... ووسط هيئة معتبرة كالسكة الحديد... جعل الصراع بين المتنافسين حاداً.. ومريراً.. تكثر فيه التصريحات النارية.. والملاسنات التي تبلغ أحياناً.. حدود كشف المستور... ولا نود.. الحديث عنها.. ولكن.. محمد الحسن عبد الله.. هدد وتوعد.. موسى متي.. بالهزيمة والسقوط على البلاط!!.. فغضب موسى متي.. وأقسم قسماً غليظاً.. بأن يسقط محمد الحسن عبد الله... سقوطاً مذلاً.. يحرمه التفرغ.. والعودة إلى عمله ككمساري تنأى به القطارات شرقاً وغرباً.. وهو يرفل في (بردلوبه) الكماسرة.. وكان له ما أراد.. وأصبح موسى رئيساً لنقابة عمال السكة الحديد.. وهو معروف جداً بصلابته.. وحرصه اللا متناهي على حقوق العمال ومكتسباتهم... وكان لابد.. من أن ترتعد فرائص.. حكومة الشمالية وحكومة السكة الحديد.. وكان لابد من تململ.. النميري في الخرطوم... وانطلق موسى.. في قيادته للنقابة.. وقد (جرَّ ترس القوة).. مدعوماً بقوة المال وتأييدهم له.. وكان موسى... لا يجيد المراوغة والتراجع.. فظل مطالباً صامداً لا يتراجع (سنتي).. حتى ساءت علاقة النقابة.. بمايو جداً.. وانتهز أعداء متي.. والثعلب على وجه الخصوص هذه الظروف.. فألَّبوا النميري عليه.. وكان مفاجئاً جداً أن اتصل النميري شخصياً برئيس لجنة أمن المديرية.. المرحوم حسين محمد أحمد شرفي.. وأمره بفتح بلاغ تحت قانون أمن الدولة ضد.. رئيس ومركزية نقابة عمال السكة الحديد واعتقالهم جميعاً.. وقد سمعت السيد شرفي.. يحاور النميري تلفونياً.. ويقول له يا رئيس أدينا فرصة.. مفاوضاتنا معاهم ماشة كويس.. والبلاغات والاعتقالات قد تضر ولا تنفع.. واستمر الحوار طويلاً.. ولكن وكما علمت فإن النميري حسم الأمر وقال.. «أنا قلت أفتحوا بلاغات واقبضوهم.. وموش حتراجع من كلامي..» وقفل الخط!!.
اجتمعت لجنة أمن المديرية لساعات طوال.. وأجرت اتصالات عديدة.. لإبطال (قنبلة النميري) ولكن دون جدوى.. وكان حظي أن أُستدعيت.. عند الغروب من بيتي.. وكلفت كتابةً بفتح البلاغ ضد مركزية النقابة.. واعتقال كل أعضائها والتحري معهم توطئة لمحاكمتهم!!
لقد كلفت إبان عملي بالجنوب.. بالعديد من المأموريات الشاقة واحتمال الموت فيها وارد.. ولكن هذا التكليف كان هو الأقسى في حياتي.. لأن موسى وجماعته كانوا محط تقديري واحترامي.. فجلست على كرسي.. في منتصف رئاسة الشرطة بعطبرة ومن حولي.. عدد من رجال الأمن والمباحث نتفاكر في كيفية تنفيذ هذا الأمر الخطير.. مع أمكانياتنا الشحيحة وقوتنا المحدودة.. التي لا يمكن أن تصمد لثوانٍ معدودات أمام جحافل عمال السكة الحديد.. إن هم.. قاوموا.. البلاغ والاعتقالات... وسألت الله.. أن (يجيب العواقب سليمة)... والتفتُ إلى باب الرئاسة.. ورأيت موسى متي بشحمه ولحمه.. يأتي.. ويصافحني بود.. ويقول.. أنحنا عارفين الحاصل وعارفين ظروف البوليس.. عربية ما عندكم.. علشان كده.. جيناكم برانا في عربية النقابة.. معانا غياراتنا.. وبطاطينا.. وأدويتنا... يلا قوم اتوكل على الله.. وابدأ.. تحرياتك!!
وبدأت الإجراءات... مع موسى مُتَيْ وكنت أستجوبه في مكتب صغير.. فقال لي.. شايف المكتب ده.. سنة كام وخمسين كان حراسة.. وكنت معتقلاً فيه.. يعني إحنا يوم في الحراسة.. ويوم في الرئاسة فما تخسرنا.. وتعمل قضيتنا معاك شخصية... إتحرى معانا زي ما عاوز بس.. عاملنا بالقانون.. ولا تعتدي على حقوقنا.. أو تسيء معاملتنا..!!
طمأنت الرجل.. وأكملت التحقيق معهم على جناح السرعة وتم التحفظ عليهم جميعاً بسجن عطبرة.. لأن المواد المفتوحة ضدهم... لا تتيح الضمانة... فظلوا بالسجن مدة تجاوزت العام.. جعلت منهم أصدقاء لي... وكنت أجد الراحة في وجودي والونسة معهم... وعلى امتداد شهر رمضان الكريم.. كنت أجيء بفطوري.. وأشاركهم الإفطار وأقاسمهم السحور أحياناً... وعندما تقرر سفري إلى الخرطوم منقولاً.. ذهبت لوداعهم... وكان وداعاً حزيناً.. أدمعت فيه العيون.. وغادرت وتركتهم.. يقاسون مرارة الحبس الظالم.. ومع ذلك يرفضون كل المساومات لإطلاق سراحهم.. حتى أن.. الرائد أبو القاسم محمد إبراهيم.. جاءهم وزارهم داخل السجن.. وحاورهم.. حول بعض الشروط لإطلاق سراحهم.. ولكنهم آثروا عليها البقاء في السجن... وهذا بالطبع هو موسى متي.. الذي لا يساوم أبداً.. وهو الذي ظل بالسجن لأكثر من عام.. رافضاً كل المحاولات التي بذلت معه.. لتسليم مفاتيح خزانة النقابة وأختامها.. وأموالها.. باعتبارها أمانة وضعها العمال في رقبته.. ولن يفرط فيها!!
لقد فوجئت.. لما جئت عطبرة معزياً في وفاة أحد أقربائي وكان موظفاً بالسكة الحديد وجاءني وفد.. من نقابة عمال السكة الحديد.. يقدم المساهمة لأسرة المرحوم.. مع الموافقة المكتوبة من مدير عام السكة الحديد.. ببقائهم في المنزل الحكومي.. حتى يتدبروا أمرهم... ثم لم يلبثوا أن وجهوا لي دعوة عشاء... بدارهم... وهناك التقاني كل أصدقاء السجن.. ورحبوا بي.. وأكرموني... وقال لي موسى متي... أها.. أنا ما قلت ليك زمان.. أنحنا يوم في الحراسة.. ويقوم في الرئاسة؟!.
نواصـــــل...
أبوسهيل
10-11-2009, 05:54 PM
أيــــام النمـــيري (11)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
ربما أني سرحت.. طوال الحلقات الماضية... في سرد شتى المواقف والمشاهدات ذات الصلة بالأمن... وتجاهلت.. العديد من الأحداث الجنائية.. التي حدثت خلال أيام النميري تلك.. بالشمالية الكبرى.. ولكني رأيت.. أن أستعرض بعض المواقف المسلية.. منها.. والتي لا يمكن فصلها عن الحالة الأمنية.. والحياة السياسية في تلك الحقبة..
لقد كانت العلاقات السودانية الليبية المصرية.. في أوجها.. مع بدايات مايو.. حتى أن اسم مصنع اسمنت عطبرة.. تحول إلى ماسبيو.. «مايو - سبتمبر - يوليو).. وعاش الناس حلم الوحدة الكبرى بين دول الجوار الثلاث.. حتى ضاع الحلم وتبخر برحيل جمال عبد الناصر... المهم.. أن.. شاباً مصرياً.. استغل هذه الحقبة من الانفتاح والتكامل المصري.. السوداني.. الليبي.. فدخل السودان متسللاً.. وسرح في انحائه.. وارتكب سلسلة.. من (الاستهبالات) والاحتيالات التي تثير الضحك.. وكأنه يستمتع بحركاته ويختبر قدراته في الضحك على الدقون.. وكما يقول المصريون.. هات م الآخر... فان قصة هذا الشاب المصري (الألعبان) بلغتني وأنا.. أباشر عملي بمركز شرطة دنقلا.. عندما جاءني مدير إحدى المدارس الوسطى بمنطقة عبري... وقال.. بأن شاباً ـ مصري الملامح.. جاءه.. زاعماً بأنه سوداني وأن اسمه.. محمد أحمد عبد الواحد... وأنه قد تم تعيينه مدرساً.. للتربية الوطنية بالوزارة في الخرطوم.. وأنه نقل للعمل في هذه المدرسة التي أديرها.. وأن أوراقه وآخر صرفيته.. في طريقها إلينا.. فرحبت به.. وهيأت له مكتباً.. واسكنته مع أحد المعلمين.. وشرع.. في تدريس مادة التربية الوطنية.. بصورة رائعة.. جعل بعض الأساتذة.. يحضرون حصته.. ويستمتعون بها.. ومن ثم انهالت.. على الأستاذ السوداني المصري.. الهدايا والعطايا والهبات.. من الطلاب والمعلمين.. وأهل البلد الطيبين.. وأخذ يستلف.. ويقترض من هذا وذاك مبتدئاً بشخصي أنا مدير المدرسة.. ونزولاً حتى الفراشين... وظل يماطل في السداد بذريعة أن أوراقه وآخر صرفيته لم تصل.. وقد انقضت حتى الآن بضعة أشهر وما في أي خبر من وزارة التربية والتعليم!!
عاتبت السيد ناظر المدرسة ولمته على غفلته.. وأرسلت معه شرطياً.. لاحضار هذا المدرس المصرداني... وفي صبيحة اليوم التالي.. جاء به... بكامل ملامحه ولسانه المصري.. ويرتدي جلابية سودانية.. وطاقية حمراء... فحياني.. بتهذيب بالغ.. وأخذ يمثل دوراً درامياً.. يعجز عنه.. أحمد زكي... وقال.. يا بيه.. أنا وحيد أمي وأبوي... جبرتني الظروف للعمل كمدرس.. الوزارة عينتي.. ونقلتني إلى هذه المنطقة النائية.. ولأني وطني مخلص.. نفذت النقل طوالي.. وعلى حسابي كمان.. وأدي آخرتها.. أنا عايش (ستشهر).. بدون ماهية.. لحد ما غرقت في الديون والناس الطيبين.. صابرين عليَّ.. جزاهم الله كل خير.. ولو سمحت يا سعادة البيه.. تساعدني.. أمشي الخرطوم.. لتسوية أموري مع الوزارة.. وأرجع أحصل شغلي في المدرسة.. العيال ما لهمش ذنب!!
أمرت الشرطي بأخذه إلى الحراسة.. وفتح بلاغ ضده.. وقلت له محذراً.. أوعك تكذب.. لأننا أتصلنا بالوزارة.. وقالت بإنها لم تعينك مدرساً.. وأنها لم تدخل مادة التربية الوطنية ضمن مناهجها.. وقبل أن يسحبه الشرطي.. قال.. سيادتك أنا حأقول كل حاجة.. بس لو سمحت.. أنا عاوز كباية (مية) وكباية شاي.. أصلو بعيد عنك.. رأسي عاوز ينفجر بالصداع... ثم حكى.. كلاماً.. كالخيال.. وقال.. يا عمي أنا مصري من القاهرة.. وخريج كلية الزراعة زهجت من (الصرمحة) في مصر.. قلت أجي السودان وأجرب حظي.. واستطعت أن اتسلل من حلايب لبورتسودان.. وعشت فيها كويس أوي.. قام واحد عسكري قصدني وراح قابضني.. باعتبار اني مصري وما عنديش أوراق ثبوتية.. وقابلت السيد القاضي وقلت له.. يا بيه أنا سوداني وأبوي شغال في السكة الحديد.. بوادي حلفا.. ولهجتي مصرية بسبب التكامل.. بين بلدنا.. وبين مصر.. فأمر القاضي بارسال برقية.. لناظر محطة السكة الحديد بحلفا ان كان من بين مستخدميها.. أحمد عبد الواحد وكانت الاجابة.. مفاجئة لي قبل القاضي تصدق يا بيه.. قالوا نعم.. ونقل إلى بابنوسة.. وعلى ذلك أمر القاضي بشطب البلاغ واطلاق سراحي.. فتقدمت للسيد القاضي برجاء لاعطائي مكتوباً بهذا المعنى.. حتى لا اتعرض للقبض والتلتلة مرة أخرى.. ووافق القاضي مشكوراً وسلموني الخطاب.. واخذت اترحل من بلد.. لبلد.. أجرب حظي.. ولما طاب لي المقام.. في كسلا الجميلة.. قبضتني الشرطة مرة ثانية.. بتهمة أني أجنبي بدون أوراق ثبوتية.. وعندما قدموني للمحاكمة.. أبرزت خطاب قاضي بورتسودان فشطب البلاغ.. ومنحت خطاباً آخر يؤكد سودانيتي.. وبراءتي... فسافرت إلى مدني.. ومدن كثيرة.. وجئت إلى الخرطوم.. ومنها إلى عطبرة.. وهناك علمت.. أن هناك منزلاً شاغراً من بيوت السكة الحديد.. مخصصاً لأحد المهندسين.. والذي يتوقع حضوره بعد شهر.. ولما كنت في غاية (الفلس).. توجهت إلى ذلك المنزل.. وقابلت الخفير المسؤول.. وأوضحت له.. بأني شقيق المهندس (فلان).. عاوز أرتب البيت لحين حضوره.. فرحب بي الخفير وفتح لي البيت كله.. وكان بيتاً مريحاً فأقمت فيه عدة أيام.. وكانت الوجبات (على سنجة عشرة) تأتيني من الجيران وذات يوم سمعت طرقاً على الباب.. وظننت ان الجيران قد بعثوا بوجبة الفطور.. فخرجت لأفاجأ.. برجلين من رجال الشرطة يسألاني إن كنت أنا شقيق المهندس (فلان) فقلت لهم... المطلوب.. نايم جوة.. أروح أناديه حالاً.. ودخلت وخرجت من الباب الخلفي وغادرت عطبرة في نفس اليوم بقطار كريمة.. ومن هناك قررت ان أعود إلى مصر عن طريق وادي حلفا.. فداعبته قائلاً.. وكنت حتعمل أيه.. لو قابلك أبوك.. أحمد عبد الواحد؟!.. فضحك.. وقال لي.. يا عم أنا أبوي مات وشبع موت.. وأبوي الثاني نقلوه بابنوسة!!.
المهم يا سعادة البيه.. وصلت عبري.. و(ما حيلتيش) حاجة أروح بيها مصر.. ففكرت في العمل كمدرس تربية وطنية.. أحوش من وراها قرشين حلوين وأرجع مصر بس حضرة الناظر.. ما صبرش عليَّ وبوظ كل حاجة.. الله يسامحه بأه..!
ظل هذا المتهم المصري في انتظار المحاكمة شهوراً.. ولم نجد في مدينة دنقلا كلها من يتحمل ضمانته المصدقة.. حتى ظهر أمامي.. مزارع كبير من مزارعي حوض السليم.. وقام بضمانته.. وكنت أحس بأن الرجل فعل ذلك.. (عشماً) في الاستفادة من خبرات المهندس الزراعي المتهم.. في استصلاح أراضيه الزراعية الوافرة.. وخرج المضمون من الحراسة.. وهو يتأبط ذراع ضامنه.. وذهب ليقيم معه في منزله... وبعد مضي ثلاثة أسابيع جاءني الضامن.. يصرخ.. الحقني يا جنابو المصري.. شرد.. طلع قبال أسبوع وما رجع فقمنا بعمل نشرة جنائية فتمكنت الشرطة من اعتقاله على مشارف الحدود المصرية.. وأعادته إلى دنقلا.. وجاء المزارع الضامن.. وهو يصر على استمرار الضمانة.. فرفضت ذلك لقناعتي.. بأنه ينوي الانتقام.. وسألته عن الكيفية التي هرب بها المضمون فقال وهو يضحك.. ده ما بني آدم.. ده جن مصرم.. تصور الزول ده قعد معانا في أمانة الله.. وكان في كل صباح يذهب.. إلى الحواشات.. ويعود.. بعينات من التربة في (زجاجات المربة) الفارغة.. ويكتب على كل زجاجة أرقام.. لا أعرفها حتى صار عدد العينات خمسين عينة.. ثم أخذني ذات يوم بعيداً عن المنزل وأخرج من جيبه خارطة بخط اليد.. وقال لي.. دي الخارطة البتودي لمحل الكنز.. انا عندي جهاز لفحص التربة.. تمنه.. مليون دولار.. وهو جهاز عجيب.. لو أدخلت (الترابة في خشمه) على طول يوريك المحاصيل التي يمكن أن تنتجها من هذه العينة من التربة.. وان هذا الجهاز.. أنا دفنته في الخلاء.. شرق مدينة عبري.. وعلشان نبدأ العمل ونحصل الشتوي باذن الله.... قوم رجعني الحراسة وخد الخريطة وياك.. وروح هات الجهاز وأعمل حسابك ما حدش يشوفك!!
أحسست ان الرجل صادق.. وطلبت منه ان يذهب لوحده ويأتي به... وسأكون في انتظاره. وبعد تمنع.. سافر المهندس الزراعي إلى عبري وقال.. كلها يومين وأكون عندك.. ولكنه واصل.. وكاد أن يدخل مصر... وعليّ الطلاق يا جنابو.. أنا كنت ناوي أرميه البحر.. علشان يمشي مصر عديل.. لكين إنت عرفتها.. غايتو ربنا ستر!!
وفي ذات الانفتاح والتكامل المصري الليبي السوداني.. حدث في مدينة جنوب عطبرة.. أن أقض مضاجع أهلها.. مجرم يسطو ليلاً على المنازل ويسرقها.. وجأر الناس بالشكوى وتوالت جرائم السطو والكسر المنزلي المتشابهة والمتهم مجهول.. وبذلت الشرطة كل الجهد الممكن.. دون جدوى.. حتى قادت المتهم رجلاه الآثمتان.. فتسور منزل امرأة دلالية موفورة العافية.. تقيم وحدها.. وأراد أن يسرق مقتنياتها الثمينة من غوائش وحلي ذهبية.. ولكنها أحست به.. وهاجمته وأمسكت به بكل قوتها.. وهي تصرخ.. فضربها بفأس حتى شج رأسها شجاً بليغاً فانهارت وسقطت.. وهرب اللص المجرم ولكنه ترك عمامته في يديها.. كأغلى بينة ضده... ولما كانت الشرطة.. لا تملك.. دليلاً آخر يمكن الوصول به إلى المتهم المجهول.. فقد قامت بجمع كل عناصر المدينة من المتعطلين والمتبطلين وأصحاب السوابق.. ومرتادي مجالس الخمر والمخدرات.. وكل المشبوهين.. وأوقفتهم في صف طويل أمام باحة مركز الشرطة.. ثم جئ بالشاهد.. المخلوق العجيب الخطير.. الذي وصل من الخرطوم في عربة مكيفة.. ونزل منها وهو يلهث.. ومعه مدربه.. لقد كان هذا الشاهد الخطير.. كلباً بوليسياً.. جاء لتوه من ألمانيا... عرضت عليه عمامة اللص المجهول.. فشمها.. و(كرف) رائحة الصناح الفائح منها.. فلم يتمالك نفسه وظل يتقافز.. ورفض كليةً.. أن يتجه صوب (المرصوصين) من المشبوهين.. واستطاع أن ينتزع حبله من مدربه.. ويجري في اتجاه مغاير.. والناس يجرون من خلفه... ولما تبين.. أنه يتجه إلى عنبر رجال الشرطة (العزابة).. صعق الجميع.. وخارت قوى.. رئيس القسم... ودخل الشاهد الألماني العنبر.. وعندما وصله الناس كان قد أخرج من العنبر.. رجلاً أسود.. عارياً تماماً بعد أن مزق الكلب ملابسه.. وهدأ بعد ذلك ليسلم قياده لمدربه!!
لقد كان هذا الرجل الأسود هو المتهم الحقيقي الذي ارتكب كل هذه الجرائم... بعد أن ضبطت كل المسروقات في غرفته التي كان ينام فيها.. وضبط الفأس الذي شج به رأس الدلالية ملوثاً بالدماء... وباستجواب رجال الشرطة من ساكني هذا العنبر أوضحوا بأن الرجل من ليبيا.. جاءهم يبحث عن عمل... فوفروا له السكن والمأكل والمشرب.. مقابل كنس ونظافة العنبر ونقل الماء.. إلى الازيار.. ووعدوه بايجاد عمل مناسب له.. سيما والرجل على خلق يحافظ على صلواته!!
نأسف.. للحادثتين تعبيراً عن عهد التكامل السوداني المصري الليبي.. أيام النميري... ولا نستبعد.. أن مصرياً.. فعل شيئاً مماثلاً في ليبيا.. أو أن ليبياً فعل مثل ذلك في مصر.. أو أن سودانياً.. استباح مصر.. وليبيا.. جريمة واحتيالاً.. وتكاملاً.. وآل تكامل.. آل..!!
نواصــــل...
أبوسهيل
10-13-2009, 12:59 AM
أيــــام النمـــيري (12)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
مع اطلالة فجر 25 مايو 1969.. أذاع النميري بيانه الأول منقلباً على النظام الديمقراطي حسب زعم أهله... وإستمر قابضاً على صولجان السلطة.. مسنوداً بقوى الجيش والأمن تارة.. وبالجماهير.. تارات وبدول الجوار.. تارات أخرى.. حتى أكلت السنون منسأته.. واضعفت قوائم كرسيه.. فسقط.. في صبيحة 6 أبريل عام 1985م..
إن السنوات التي قضاها النميري في الحكم تعدل سنوات تلميذ صغير.. تنقل من الإبتدائية إلى الثانوية.. ثم الجامعة.. وتخرج منها.. يحمل درجة البكالريوس... ولكن النميري.. دخل مدرسة الحكم الإبتدائية عام 69.. وظل (يُرَبّت) في الصف الأول... حتى تم فصله منها عام 1985... لأنه لم يجتهد ويبذل ما في وسعه... ليضيف إلى شخصيته العسكرية الفذة.. مظهراً وجوهراً.. بعض (محسنات) الزعامة والقيادة.. فظل يطفو على بحور السياسة.. كمن يتزلج على الماء.. ويأبي أن يبتل بأمواجها.. أو يغوص في أعماقها.. ويسبر أغوارها.. أو حتى يسبح فيها.. مع أو عكس التيار.. وذلك لا يستقيم أو يجوز في حق.. رئيس.. يحكم.. أكبر قطر في قلب أفريقيا والعالم العربي.. كذلك فان النميري ظل على إمتداد السنوات.. التي عاصرها البعض أطفالاً.. حتى صاروا رجالاً.. يحملون الشهادات الجامعية.. عاجزاً عن إتقان فن البيان والخطابة.. الضروري كالهواء والماء.. لكل سياسي طامح في الزعامة والقيادة.. وأحسب أن البيان الأول لثورته.. كان هو الذي لم يأت بأفصح منه..!!.
لقد.. القى النميري عبر هذه السنين من حكمه الذي تجاوز الخمسة آلاف يوماً.. خطابات بالآلاف.. مكتوبة ومرتجلة.. ومع ذلك.. فإن أركان نظامه المايوي ورموزه.. كانوا يرتعدون.. كلما أرتجل كلمة.. أو خطاباً أو أدار مؤتمراً صحفياً على الهواء مباشرة.. مثل ذلك المؤتمر الذي وقف فيه المذيع أيوب صديق... ليسأل باسم هيئة الإذاعة البريطانية.. فهاج النميري وقال له: هيئة الاذاعة البريطانية.. بتاعت أيه.. انت موش معانا هنا في التلفزيون.. انت فاكرني موش عارفك ولا أيه؟!.. وحاول من حوله أن يوضح الأمر.. ولكن دون جدوى!!.. أو ذلك المؤتمر الذي حاول فيه أن يترجم إلى اللغة الإنجليزية حرفياً.. المثل الذي يقول «ضربني بكى وسبقني اشتكى».. وما ينسبه إليه البعض.. بأن مراسلاً صحفياً.. انجليزياً.. سأله.. إن كان الشعب السوداني راضٍ عن بعض قراراته.. فقال.. No body can say kani mani ما تباع ذلك من شمارات.. بأن الصحفي ظل يبحث عن (كأني ماني) في كل القواميس ولم يجدها.. والحديث عن مؤتمرات النميري وتصريحاته وخطبه الهوائية حديث يطول.. ولعل هذا الضعف الواضح في مادتي الخطابة والسياسة.. كان هو السبب الرئيسي.. الذي قَصَّر أجل حكمه.. وليس أدلّ على ذلك.. من لقائه على الهواء.. في برنامجه بين الشعب والقائد.. والذي قال فيه ما قال.. ضارباً بنصائح الخبير الإعلامي.. البرفيسور علي شمو عرض الحائط.. فأشعل بذلك نار الثورة الشعبية التي التهمت مايو.. وتهاوى عرشها..
إذن كيف حكم النميري السودان.. وقد جردناه.. من جلباب السياسة.. وعمامة الخطابة؟! لقد ذكرنا.. أن النميري.. كان رجلاً عسكرياً فذا.. ظاهراً وجوهراً.. وله بطولاته في ميادين القتال.. التي يحفظها له سجله العسكري... كما يحفظ له العالم وكافة الشعب العربي... موقفه الرجولي.. الذي إستطاع به أن ينقذ ياسر عرفات من براثن الموت.. يضاف إلى ذلك بأن النميري.. كان يصغي ويستمع إلى الرجال الخبراء الذين كانوا يحيطون به ويحاورهم.. وإذا بلغ درجة من القناعة بأي أمر.. فإنه لا يتردد في إتخاذ القرار الشجاع والإصرار عليه حتى يصبح حقيقة على أرض الواقع..
بهذه الخاصية العسكرية الفذة.. والقدرة على إتخاذ.. القرار.. حكم النميري ستة عشر عاماً أنجز فيها الكثير.. وجاط.. وخرمج الكثير.. فالنميري.. الذي لم يعرف عنه أي إنتماء لأي حزب.. سوى الإنتماء للوطن.. قاد إنقلاباً هجيناً من الشيوعيين والقوميين العرب وعناصر أُخرى بين هؤلاء.. وأولئك... وعمل بنصائحهم فأمم الصحف.. وكل المؤسسات وتواصل مع دول المعسكر الشرقي.. وإعترف بالمانيا الشرقية... وقطع أشواطاً في التكامل بين ليبيا.. ومصر.. وعندما إنقلب عليه الشيوعيون.. إنقلب عليهم ولم يراع فيهم إلَّا ولا ذمة.. حتى قال شيوعي عجوز.. إن عبدالخالق محجوب.. قرأ ماركس ولينين ولكنه لم يتدبر قول لينين (على الحزب الشيوعي أن لا يصادم أي حركة ثورية... لأنها هي القادرة على تحطيم الحزب وسحقه).. وهذا ما حدث بالضبط.. فقد صادم الحزب حركة مايو الثورية.. (فغطَّست) حجره ولم (يُقَلِّع) ويظهر على السطح... إلَّا في مؤتمره العام الخامس.. بعد كام وأربعين عاماً... متزامناً.. مع أفراح أمريكا.. بعريسها الجديد أوباما.. وبالله شوف!!.
كذلك فان النميري.. الذي إنقلب على الأحزاب الكبرى في البلاد.. هو النميري ذات نفسه الذي حقق مع هذه الأحزاب مصالحة وطنية.. (قرقرت بيته من الداخل) وهو ذات النميري.. الذي بدأ أحمراً.. ثم صاراً أصفراً.. وإنتهى أخضراً.. في أيدي الحركة الإسلامية.. وقد سمعت بأذني (هاتين).. الدكتور حسن الترابي يتحدث في ندوة بنيالا.. وكان وقتها مستشاراً للنميري ومشرفاً سياسياً على دارفور.. لما سأله.. أحد المواطنين.. عن قناعاته بالنميري.. فقال: نحن أصحاب فكرة.. وعاوزين نطبقها.. والنميري.. مع كل مسالبه.. وعيوبه هو من نستطيع أقناعه.. بإتخاذ القرار.. وأضاف ضاحكاً: ومن أجل أهدافنا.. لا نتعاون مع الشيطان.. ولكن مع النميري!!.
لقد نجح الإسلاميون في إحتواء النميري وتطبيق قوانين سبتمبر والمحاكم الناجزة والتي يحسب البعض بأنها.. التجربة التي كانت متسرعة.. وجاءت خصماً على الشريعة الإسلامية السمحاء... وعندما غادر.. النميري.. إلى أمريكا.. كانت السجون تعج بالإسلاميين.. ولو أنه.. عاد بعدها.. لوقعت.. مجزرة أخرى.. ولكن الله قدر.. ولطف!!.
لقد استطاع النميري استناداً إلى شخصيته العسكرية القوية.. المتماسكة وشجاعته المتناهية المتفق عليها.. أن يتخذ أقسى وأصعب القرارات.. التي توالت كركلات الجزاء.. في كرة القدم.. فأحرز بعضها الهدف.. وكاد بعضها أن يحرز الهدف ولكنه دَقَّ في العراضة.. وفشل بعضها وقَلشَ.. وطلع آوت!! ومن أهم هذه القرارات التي احرزت الهدف كان قرار.. الحكم الإقيمي للجنوب ومن القرارات التي طلعت آوت.. كان قرار تقسيم الإقليم إلى ولايات ثلاث.. ولعل قرر تطبيق قوانين سبتبمر.. كان هو الذي دَقَّ في العراضة!!.
إن هذه الصفحات.. لا تكفي.. لإستعراض قرارات النميري صالحها وطالحها.. ولكن قراراً عظيماً وحيداً أتخذه النميري.. لا يكاد الناس يذكرونه.. أو يحسون بأهميته أو يقدرونه حق قدره.. بل ويسقطونه إذا ما عَدَّدوا أنجازاته.. ولا يحسبونه حتى ضمن.. إخفاقاته... والقرار التاريخي الذي إتخذه النميري على ضوء دراسات مضنية متأنية حصيفة.. قام بها خبراء وطنيون على رأسهم.. المرحوم الفريق أول شرطة علي يس.. الأب المؤسس للعمل المروي في السودان.. كان قراراً عظيماً.. وإستباقاً.. إستشرف.. المستقبل.. وما سيطرأ على البلاد من تقدم.. وطفرة.. إنشائية عمرانية كبرى.. تستوجب إتخاذ مثل هذا القرار.. بأعجل ما يمكن.. لأن كل يوم يمر.. سيلقي على كاهل البلاد تكلفة باهظة جديدة.
إن القرار العظيم الذي اتخذه النميري وكان بمثابة الضوء الأخضر.. الذي أباح.. ومكن اللجنة القومية.. برئاسة المهندس.. البروفسير أحمد عبدالرحمن العاقب... أن تعمل وتحقق.. تحويل حركة المرور من اليسار إلى اليمين.. في يوم الجمعة المبارك.. الموافق 19/8/1973.. ليفاجأ الناس يوم السبت.. بأن كل شيء.. قد تعدل على الطريق العام!!.
ولمقابلة هذا الحدث التاريخي الفريد.. والاعداد والاستعداد له.. في مدينة عطبرة.. فقد.. قام السيد.. العميد عصمت معني... بإيجاد مكاتب أحسب انها كانت تتبع لوزارة الزراعة وتمت صيانتها وتجهيزها... لتكون مقراً لإدارة قسم المرور.. وكلفت برئاسة هذا القسم.. والقيام باعباء الترخيص والضبط المروري.. ومن الطريف اللطيف.. أن أول من دخل مكتبي.. كان رجلاً.. ناحلاً دقيق الجسم صارم القسمات... وضع أمامي أوراقاً.. وقال بحزم: عاوزين نرخص التراكتور ده.. تجديد ترخيص يعني!!. فقلت له: وأين هو التراكتور.. فقال لي: في الدمازين!!.. أندهشت جداً لهذا الطلب العجيب.. وطلبت من الرجل أن يجلس.. حتى اتفرغ للحديث معه... ولكن تلفوناً من المرحوم الحكمدار أحمد سعد.. أنقذ الموقف.. وقال لي: عارف القاعد جنبك ده مين.. ده اللواء أحمد عبدالوهاب.. نائب عبود ووزير الداخلية يوماً ما... ده راجل صعب.. شوف طَلَبهُ.. وخليه يروح!!.
ولم أتردد.. في سحب أوراق السيد اللواء الركن والكتابة عليها.. بالتصديق.. واستدعاء أحد الرجال.. لإكمال الإجراء.. فوراً.. وقد كان.. وغادر الرجل المكان بانحناءة لطيفة تعبر عن الشكر والإمتنان.. وكفانا الله.. شر غدر.. الزمان!!.
لقد كانت امكانات.. شرطة الشمالية متواضعة جداً.. ولكنها مع ذلك.. فقد دعمت قسم المرور الجديد.. بعربة كومر نص عمر.. وجيب ويلز قديم وبضعة مواتر.. كما أنها نقلت مجموعة من رجال الشرطة.. لدعم القسم واستيعاب قانون ولوائح المرور.. والتدرب.. على عملية.. ضبط الحركة.. على الشارع العام توطئة.. لاستقبال اليوم التاريخي 19/8/73 وتعديل مسار.. حركة المرور.. من اليسار إلى اليمين واعانة المشاة.. وراكبي الدرجات وسائقي العربات والسيارات.. لإتباع قواعد المرور الجديدة.. وعلامات المرور الدولية.. والعلامات الأرضية.. التي ستظهر على طول الشوارع.. والتقاطعات بصورة أشمل لأول مرة... وبدأت أول ما بدأت.. بتدريس رجال الشرطة.. مواد قانون ولوائح المرور... ثم.. عرضت عليهم علامات المرور الدولية والأرضية.. وشرحت معانيها.. وهي كما نعلم.. لغة عالمية... وقمت.. بالعشرات من المحاضرات والندوات في مختلف المدارس والأندية.. وأحسب أنني نجحت.. في تهيأة.. قطاع عظيم من الطلاب والعمال.. وغيره.. للحدث العظيم.. وابتكرت أسلوباً طريفاً لتدريب رجال الشرطة وتعميق فكرة السير على يمين الشارع في عقولهم فأخترت ميداناً واسعاً ورسمت.. فيه (بالطوب الأحمر) شكل تقاطع شارعين رئيسين.. وصينة حركة أو دوار.. وأوقفت رجال الشرطة.. على يمين كل شارع تماماً كما تقف العربات... وهم في حالة خطوات تنظيم.. عوضاً عن الماكينات المدورة... وعند اطلاق صافرة مني.. يبدأ الجميع في التحرك.. مع الإلتزام بقاعدتين هما.. التزام اليمين.. ومراعاة أولوية.. المرور.. للعربة أو بالأحرى للشرطي القادم من جهة اليسار..!!.
لقد كان هذا التمرين ممتعاً لرجال الشرطة والمتفرجين من المدنيين الذين راقت لهم الفكرة.. فصاروا يتدربون عليها من تلقاء أنفسهم.. بدراجاتهم.. أو كداري.!! وعندما إقترب اليوم المضروب.. كنا في قسم المرور وبالتعاون مع جهات هندسية.. في المجالس.. والسكة الحديد.. قد أكملنا (تأثيث) كل الشواع بعلامات المرور الدولية.. وحجبناها بالجولات.. حتى لا يتعامل أو يتقيد بها شركاء الطريق.. وحتى الأسهم الأرضية كانت جميعها.. بلا رؤوس.. ولا تشير لأي اتجاه... ومع ساعات الفجر الأولى من يوم 19/8/73... زودنا كل سهم برأسه.. ونزعنا القناع عن وجه كل علامة دولية... ومع خيوط الشمس الأولى.. جاء المئات بعرباتهم وسياراتهم.. وفي مقدمتهم.. قيادات العمل.. العسكري.. والمدني.. والسكة الحديد.. ونقابات.. البصات والتاكسي وجيش من الدراجات.. يجوبون المدنية.. من أقصاها.. إلى أقصاها.. وهم متفائلون وقد أصبح الحلم حقيقة.. وصار السودان من أهل اليمين.. مارقاً على دول الكمونويلث.. ومن بين الذين كانوا يجوبون المدينة رجل.. من أصحاب الطرائف والقفشات يقود دراجته الرالي.. ويحمل قدامه.. (عتوداً).. فأستوقفه.. رجل من رجال شرطة المرور.. وقال له بحزم: انت رادف ليه يا زول؟!. فمضى في حاله ولم يتوقف ورد على الشرطي: يا جنابو راجع قانونك.. ده أقلَّ من سطاشر سنة..!!.
نواصـــل...
أبوسهيل
10-14-2009, 04:09 PM
أيــــام النمـــيري (13)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
زيارات النميري.. إلى الشمالية وعطبرة كانت عديدة.. وكانت في معظمها زيارات عادية خالية من المواقف الممتعة التي يتطلبها السرد.. في هذا المسلسل.. غير أن هناك بعض الأحداث المتفرقة والتي سأتعرض لها - درءاً للتكرار - وكأنها قد حدثت ضمن إحدى زياراته.. لأن الحدث يهمني هنا أكثر من الزيارة نفسها.. ولأني أكتب من قاع الذاكرة.. بدون مفكرة أو مذكرة... ولما كنت قد سلمت موقعي في المباحث والأمن لزميلي وصديقي.. المثقف المهذب الملازم أول حسين عثمان صلاح - صاحب الاسم المقلوب - كما يداعبه أصدقاؤه.. تحركت لموقعي الجديد بقسم المرور.. وباشرت عملي فيه.. وذات صباح.. كنت في مطار عطبرة.. النائي عن قلب المدينة.. وقد حَطت طائرة الرئيس النميري.. وصحبه.. وكان عليّ كضابط للمرور.. أن أكون قائداً للتشريفة.. في مقدمة الموكب.. أقوده من باحة المطار البعيد جداً حتى موقع الاحتفال داخل المدينة.. وحسب الحال وقتها.. كنت أقف بعربة جيب ويلز صفراء فاقع لونها لا تسر الناظرين.. في انتظار إشارة التحرك.. ولما جاءت الإشارة.. كانت الفضيحة.. و«حرَنتْ» العربة وأبت أن تستجيب.. لتوسلات (الاستارتر).. ولم يجد الموكب بداً.. من مواصلة مسيرته.. متخطياً حضرتنا.. ضابط التشريفة.. وعربته (المكاره).. وبعد أن أصبحت ساحة المطار قاعاً صفصفاً ولم يبق في المكان.. إلا الغبار العالق الذي خلفته إطارات.. سيارات.. موكب الرئس - ثابت العربة إلى رشدها.. و(الجماعة نزلوا منها).. فدوَّت ماكينتها.. ودخلت المدينة.. وبلغت مكان الاحتفال.. وهناك أحاط بي الزملاء يتندرون.. ويضحكون.. واشتد أوار الضحك.. عندما سألني القومندان.. وقال لي عربيتك مالها.. فقلت له.. أظنها شيوعية!!
وفي المساء أقامت هيئة السكة الحديد إفطاراً رمضانياً فخماً.. للرئيس وصحبه وأعيان المدينة.. وجلس الحضور حول المائدة الطويلة.. الزاخرة بما لذ وطالب من الطعام والدجاج المحمر... الذي كان يزين المائدة.. في خط مستقيم.. وحول المكان.. العشرات من رجال الشرطة الصائمين.. الذين يحلمون بتمرة بلح.. وكوب ماء بارد.. وعندما أذن المؤذن.. نهض النميري.. وأخذ تمرة و(جرح) بها صيامه واحتسى كوب ماء.. ثم تأمل المائدة الرهيبة وقال.. ده فطور شنو.. فطور ما فيهو قراصة.. ده يسموه فطور؟! ثم تحرك نحو المصلى.. لأداء صلاة المغرب وتحرك معه الجميع (فاطرون وصائمون) واختفى العشرات.. من القادة وانطلقوا بسياراتهم الفارهة إلى بيوتهم.. وبعد الصلاة التي تعمد الأمام أن يطيلها.. تحرك الجميع نحو المائدة الطويلة الفخمة.. ولما جلسوا.. كانت هناك.. عشرات الصحون.. الملأى بالقراريص.. والمعطونة بالويكة.. وشتى أنواع المفروكات.. وضحك النميري حتى بانت نواجزه.. وأخذ يتناول من الكابيدة.. بالويكة.. ويشيد بطعمها.. وتحول الجميع عن الدجاج المكرفس والشواءات نحو القراريص... وانتهزت الفرصة وقمت بحمل كم هائل من الدجاج واللحم والبيض.. والعصائر.. وذهبت بها إلى رجال الشرطة وبعض رجال الجيش والأمن.. الذين جلسوا بعيداً على استحياء... في انتظار الفرج... وبدؤوا يأكلون في سعادة.. وحاولت مداعبتهم قائلاً.. أجيب ليكم قراريص.. فقالوا بصوت واحد.. عليك الله.. ما تجيبها.. القراريص راجيانا في السحور!!
انتهت زيارة الرئيس إلى عطبرة.. وغادر بالطائرة التي جاء بها... وعادت عشرات العربات والسيارات التي كانت في وداعه إلى مقارها في المدينة... وكنت.. أسير بعربة المرور المنهكة.. وأمامي.. عربة كومر تيبر.. درج رجال الشرطة على تسميتها (بقميص النوم) ولا أدري إن كانت التسمية مدحاً أو ذماً.. وعندما اقتربنا من المدينة.. كان في طريقها الخط الحديدي وقطار.. يقترب بسرعة... وسائق (التيبر).. منغمس في الحديث مع من يقاسمه المقعد الأمامي.. ولم ينتبه البتة للقطار العابر.. وتفاجأت بان (التيبر) صعد على القضيب.. وفي لمح البصر.. صدمه القطار.. فخرج عن القضيب واستدار في الهواء دورة أو دورتين.. ثم انقلب على جنبه.. وأنا أحملق في دهشة.. لا أصدق بأن ما وقع أمامي.. حادث حركة حقيقي.. وليس خيالاً... وكان على متن (التيبر).. ثلة من ضباط الشرطة.. من رتبة النجمة أو النجمتين ومعظمهم أبناء دفعة واحدة.. ونجوا جميعاً من موت محقق.. إلا أن بعضهم.. أصابته خدوش ورضوض.. كالملازم ونستون سايمون الذي تقاعد على رتبة اللواء.. والملازم فضل الله محمد فضل الله الذي كسرت يده.. وتم علاجه ولكنه غادر موقعه في الشرطة مبكراً.. وأصيب آخرون إصابات مختلفة.. وكان من بينهم الملازم بشير حسن عبد القادر الذي تقاعد على رتبة العميد.. ومن الطرائف.. أن أحد الضباط الذين تعرضوا لهذا الحادث.. فقد أسنانه الأمامية.. فاضطر لاستبدالها بأسنان صناعية (طقم).. وكان عندما يخلد إلى النوم.. يخلع هذا (الطقم).. ويضعه على تربيزة جوار سريره.. وكان كلب (ميس الضباط) جرواً صغيراً.. غريراً.. مستجداً.. فظن وبعض الظن إثم.. أن الطقم لحم يجاور العظم فاقترب منه أمام شهود.. وخطفه وجرى به... ودقش الخلا.. ولا أحد يدري أين ذهب.. أو فعل به.. وعاد سعيداً يتلمظ.. ويلحس فمه.. ولكنه ذهب مبكياً على (جروتيه) رمياً بالرصاص!!
وددت.. لو أكتب.. بلا انقطاع من الشمالية ودنقلا موطن أجدادي ومسقط رأسي.. وأرقو التي دفنت بها (سُرتي). وأن أسترسل في الحديث... عن عطبرة مدينة الحديدة والنار.. والتي قضيت بها أحلى الأيام وربطتني بأهلها أعمق الصلات والصداقات.. والتي مازالت حية ومتينة وقوية حتى الآن... ولكن كشف التنقلات.. (فرَّاق الحبايب).. وبعد أن ترفعت إلى رتبة النقيب.. تقرر تغيير موقعي.. ونقلي إلى شرطة مديرية الخرطوم... فودعت الأحبة.. وغادرت مع زوجتي وطفلتي.. في عربة نوم.. أكرمتني بها السكة الحديد وانطلق القطار.. ويا خرطوم جاك زول.. وكان حظي الجميل.. أن أستاجر منزلاً في حلفاية الملوك.. يقارب الفدان في مساحته.. وأن تكون.. صاحبة هذا الدار السيدة.. (الموسيقار) أسماء حمزة بشير والتي امتدت علاقتي الأسرية بها حتى اليوم، وتوطدت أكثر بعد انتمائي لمنتدى الحلفايا الثقافي.. كيف لا.. وكانت هي أم المنتدى الرؤوم.. وكانت كما قال الشاعر عتيق.. زيارتك.. (أسما) غاياتنا و(همزة) وصل بيناتنا.. وأضاف لها شعراء المنتدى.. و(بشير).. الخير في غنواتنا..!!
قابلت مدير إدارة المرور.. فوجهني بالتحرك إلى الخرطوم بحري رئيساً لقسم المرور فيها... ولما أحس في عيوني سؤالاً عن عربة رئيس القسم.. قال لي.. في طريقك (أغشى) النقل الميكانيكي.. واستلم العربة المخصصة للعمل معك.. فرحت فرحاً.. شديداً.. ودخلت مباني النقل فأخذوا بيدي وفي ركن قصي من الورش.. وجدت كومة من الحديد (المشلع) فقالوا لي دي عربيتك!! حزنت جداً وعلمت.. أنها الصدمة التي يتعمدها (العسكريون) لإحباط صغار الضباط.. وقتل الأحلام الوردية في نفوسهم.. حتى يلزموا الجابرة!! لم أضيع وقتاً وانخرطت في العمل.. مع الميكانيكية والكهربجية والسمكرجية.. وأغدقت عليهم السجائر البنسون والروثمان.. وأخذت أفك وأربط.. وأعينهم على العمل.. حتى خرجت العربة الهيلمان 67.. فانطلقت بها إلى الحلفاية.. لتفرح أم العيال.. ويا فرحة ما تمت.. وقبل أن أصل إلى هناك.. وفي منتصف شارع الطيار الكدرو.. أخذت العربة تلف وتدور حول نفسها.. وكأنها ترغب في رؤية (خطراتها).. ولم تعد عجلة القيادة.. تؤدي دورها التحكمي وصارت.. العربات المندفعة عن يميني وشمالي تتحاشى الاصطدام بالعربة التي تحولت إلى مروحة.. وأخيراً توقفت وخرجت منها وأنا لا أصدق بأني حي أزرق.. وتطوع أحد الميكانيكية.. وفتش العربة.. وقال لي.. صامولة الدركسون مافي.. يظهر عليها ما كانت (مقرطة) فطارت غايتو الله شافك.. وشاف العباد!!
أكملت إجراءات التسليم والتسلم بيني وبين المقدم أحمد هارون عبد المجيد.. والذي يرى البعض أنه خلق ليكون ضابط مرور.. وأحسست من الوهلة الأولى.. أن رجال شرطة القسم (موش مبسوطين).. وغير سعداء بمقدمي.. ظناً منهم بأني أسوأ خلف لخير سلف... وعبروا عن ذلك بانضباط شديد.. ورفضوا تجديد عقود خدمتهم.. فلم أكترث لذلك.. وواصلت العمل في أداء واجبي وتركت الملفات على مكتبي قرابة شهر.. ولما أقبلت عليها.. للبت فيها.. اكتشفت أن الرغبات قد عدلت جميعاً.. وكفى الله المؤمنين القتال... وصار رجال هذا القسم.. هم الأحب إلى نفسي.. أتسنط أخبارهم ويسألون عني.. حتى اليوم وقد غير الزمن ملامحنا ومواقعنا.. وعجز تماماً عن تغيير دواخلنا.
كنت كرئيس لقسم مرور الخرطوم بحري.. أقلب الملفات والمستندات.. واقرأ كل صغيرة وكبيرة.. للاستفادة من خبرات أحمد هارون.. والرجل مدرسة مرورية قائمة بذاتها.. وتوقفت عند خطابات عديدة كان يرسلها للرئاسة عندما كان في موقعي.. يطالب فيها بقرار.. يمنع مرور الشاحنات والبصات الكبيرة.. والعربات الثقيلة من قبيل المجروسات والقلابات.. من دخول كبري النيل الأزرق العتيق.. وتحويلها جميعاً لكبري القوات المسلحة.. بحيث.. يبقى النيل الأزرق خالصاً للسيارات والعربات الصغيرة.. ولكن طلبه كان يقابل بالرفض وعدم الموافقة... فسألت أحد صف الضباط الظرفاء... عن مغزى هذه الخطابات.. فقال.. جنابو أحمد كان على حق نسبة لتعدد الحوادث الشنيعة بسبب هذه العربات الكبيرة.. مر إتنين قلابات اتلاقوا.. واحد ماشي والتاني جاي.. صناديقهم شبكوا مع بعض.. الصناديق وقعوا في نص الكبري.. والقلابات طلعوا (ميطي) بدون صناديق.. والحركة وقفت في الكبري يومين... وفي مرة من المرات احتك بصان كبيران من قبيلة الفورد.. وكان أحد الركاب يطل برأسه.. فانقطعت وسقطت على الأسفلت.. وظلت تنطط زي الكورة.. وتكورك.. الله ينعل البصات.. والبركب باص تاني!!
المهم في الأمر.. فقد قمت بجمع خطابات المقدم أحمد (الكان بوديها) مضافاً إليها خطاباتي.. وأرسلتها لعنايته.. وكان وقته مديراً لإدارة المرور بالإنابة.. فاتصل بي على الفور.. وقال لي.. بكرة الساعة ستة صباحاً ترجاني في مدخل الكبري من جهة بحري.. ومعاك صنف من رجال المرور.. وعندما جئنا وجدناه هناك.. يصرف الحركة بنفسه... ويغير اتجاه.. كل العربات المعنية في اتجاه كبري القوات المسلحة.. وانسابت الحركة انسياباً ووجه رجال المرور.. أن يفعلوا كما فعل وعدت معه إلى المكتب حيث داهمنا جيش جرار من المعترضين.. أصحاب المصالح.. ورؤساء النقابات.. وحتى بعض قادة الجيش والشرطة.. الذين تقع وحداتهم على مقربة من كبري النيل الأزرق... فاستمع إليهم وقال لهم.. أنا معاكم.. لكين الرئيس النميري استدعاني في القصر وقال لي أعمل كده.. أقول لا.. قال الجميع.. طبعاً لا... وانصرفوا.. وانسابت الحركة.. بدون.. ثقالة العربات الثقيلة على كبري النيل الأزرق.. وحتى اليوم.. وسألته ذات يوم عن سر قرار النميري في هذا الشأن.. وما دفعه إليه.. فأشعل سيجارته التي لا تفارقه حتى الآن.. وقال.. يا حلبي إنت مجنون.. النميري فاضي للأمور دي... الكلام ده من رأسي أنا.. كضبة بيضا.. يعني!!
قلت له.. دي كضبة من العيار الثقيل وسيجعلها الله في ميزان حسناتك يا شيخ الحلب أجمعين!!
نواصـــل...
أبوسهيل
10-16-2009, 06:54 PM
أيــــام النمـــيري (14)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
أكتب الآن.. وأهل السودان يعيشون بدايات العام 2009.. وتعود بي الذاكرة إلى أيام النميري في السبعينيات.. وأجري في دواخلي مقارنة لحالات الانضباط.. وتقدير المسؤوليات.. زمان.. وهسع.. وألقى الفرق شاسع.. كما كان يغني المرحوم خلف الله حمد... وأسعى لو أسعفتني الذاكرة في سرد بعض هذه الحالات.. التي تبدو عادية جداً.. ولكنها ذات مغزى عظيم.. فأنا.. مثلاً (خرطومي قِشرة) درست في وادي سيدنا المدرسة.. الكائنة على هامش شمال أم درمان.. وظللت سجيناً بكلية الشرطة حتى تخرجت.. فيها.. وأرسلت بقذيفة إلى الاستوائية.. ثم قذيفة عكسية إلى الشمالية. وفي العام 1974.. جعلتني التنقلات.. رئيساً لشرطة مرور الخرطوم بحري.. فأحسست بالخجل لكوني ضابط المرور.. المحدود المعرفة بشوارع العاصمة المثلثة وأحيائها وأنديتها ومعالمها.. وشتى مواقعها المهمة.. بل وبيوت رموزها.. وقياداتها.. نجومها.. ومناطقها المختلفة.. ولكني طمأنت نفسي.. بالقول حنتعلم من الأيام.. وتجرأت.. وقدت عربة القسم.. في كل أنحاء العاصمة.. وكنت أجد صعوبة في بلوغ أهدافي.. وكثيراً ما ألف وأدور.. في حلقة مفرغة.. و(أُجَلِّي) الشوارع.. وأكاد أن أرتكب حادثاً مرورياً.. وأنجو من الموت أحياناً وأحس بأن شركاء الطريق حولي.. يعبسون في وجهي وينظرون إليّ في ضيق وامتعاض.. وأكاد أسمع نظراتهم تقول.. وده حالتك ضابط حركة.. كمان!!
ويا عيون الناس أشهدي.. على لخمتي وترددي.. وعلى بكاي وتنهدي.. فقررت.. وحزمت أمري أن أقود العربة.. كل يوم.. بعد منتصف الليل.. أتأمل الطرقات.. وعلامات المرور.. والجسور ومعالم المدينة.. وأقرأ اللافتات.. على أبواب وزاراتها.. ومؤسساتها.. وكل الإعلانات والدعايات.. وداومت على هذا التمرين المروري وأحسست بأني (إبتديت أفهم).. وأشعر بالفخر.. وأنا أتحدث.. عن المرر محدداً الطرقات والشوارع بمسمياتها.. ومفصلاً الوزارات والمؤسسات.. بمواقعها (المزبوطة).. بل وأدمنت هذه الجولة يومياً.. لأن العاصمة المثلثة بعد منتصف الليل.... تتعرى وتخلع كل ما يحجب جمالها وروعتها ومفاتنها.. من أستار الحديد.. الهائم على الأرض.. في شكل لواري.. وبصات وتاكسيات وسيارات.. وأرتال من البشر تجري في كل اتجاه تلُفُّها.. الكتاحة والعجاج المضمخ بالدخان المتصاعد من كل عادم.. وتنعبث منها الأصوات والصيحات المزعجة المتداخلة مع.. أزيز الماكينات.. والكلكسات.. فتضيق الصدور.. وتعمى الأبصار ولا تكاد تبصر.. شيئاً في المدينة.. سوى الأسفلت!!
وذات ليلة.. أوقفت العربة.. في موقع مدينة الحجاج الحالي.. ووقفت على حافة الطريق.. محاولاً تثبيت صورة للموقع في خيالي.. فمرت بي عربة المرور الليلي.. ونزل منها (المساعد شرطة) جعفر الهادي وسألني إن كنت في حاجة إلى مساعدة... فقلت لا.. وشكرته على اهتمامه.. ثم عدت إلى داري.. وعندما جئت لمباشرة عملي صباحاً وجدت أمراً بتحركي فوراً لمقابلة.. (الليث الأبيض).. فيصل محمد خليل.. عليه رحمة الله وكان وقتها مسؤولاً.. عن شرطة (منطقة) الخرطوم.. أي أنه لم يكن مسؤولاً عن المرور وكان الرجل ضابطاً مميزاً وعلى درجة عالية من الانضباط.. يمقت التسيب.. وقلَّ ما يفلت من يديه.. مخطئ.. فنفذت الأمر فوراً ودخلت مكتبه وأنا أتوجس خيفةً.. فلم يمهلني.. وقال لي.. أمبارح الساعة الواحدة صباحاً.. سايق عربية الحكومة.. وواقف (تتصرمح) جنب مطار الخرطوم ليه.. وليه رفضت المساعدة من المرور الليلي؟! فشرحت له.. الموقف بهدوء.. فضحك وقال.. خارجت رقبتك.. لكن لو عايز تعمل حاجة زي دي تاني.. سجل قيد في دفتر الأحوال!! حمدت الله أن جات سليمة.. ورجعت إلى مكتبي.. ولم أستمتع مرة أخرى بالخرطوم في الليل.. إلا مع شرحبيل!! ومن عجب.. أنه في نفس هذا اليوم.. المهبب.. اضطررت.. لزيارة القسم الشرقي (سابقاً).. وكان مقره.. موقع الشرطة العسكرية الحالي.. وكان الموقف أمام هذا القسم مرتفعاً ومتدحرجاً في اتجاه شارع الأسفلت.. وبعد أن أوقفت عربتي.. وتحركت لدخول القسم أحسست أن العربة (تتدردق) من تلقائها نحو شارع الزلط.. وتشاء الصدف.. أن تتعالى أصوات (السايرينات) معلنة قدوم موكب الرئيس النميري.. من المطار.. في اتجاه القيادة العامة.. بعد أن ودع ضيفاً من ضيوف البلاد.. أحسب أنه كان بوكاسا.. أو عيدي أمين... وكان الموكب ينطلق بسرعة جنونية.. وقد أكد لي عدد من ضباط التشريفة.. وقتها ومنهم ضابط شرطة المرور السابق صلاح أبو زيد.. المدعي العام الحالي بوزارة العدل.. أن النميري كان كثيراً ما يخاطبهم عن طريق.. الأجهزة المركبة في عربات القصر.. ويحثهم على.. المزيد من السرعة... المهم لم تكن أمامي فرصة.. لمنع عربتي من الاندفاع نحو شارع الأسفلت والاصطدام بأي عربة من عربات الموكب المنطلق.. سوى الإمساك بتصادمها بكل قوة.. وهي تنازع للإفلات مني.. وظللت مشدوداً.. صامداً حتى مضى الموكب له.. وكنت طوال هذه الدقائق.. أسمع (طقَّات) في ظهري.. وعند (الطقَّة) الثالثة تركت العربة.. فتدحرجت وتوقفت في منتصف الشارع.. فحمدت الله على ذلك وقابلت طبيباً مختصاً.. بما حدث لي.. فقال إنها (الموزة) التي تُمكن الذراع من الحركة.. وأن كل (طقَّة) فيها.. تعني (فرتقة) لغة من لفائفها.. ولو أن إمساكي بالعربة استمر لمدة أطول لحدثت.. طقطقات كثيرة.. وتفرتقت (الموزة) كلها وفقدت وظيفتها تماماً.. وأصبح الذراع مدلدلاً ساكت!!
وبهذا ظللت على مدى أكثر من ثلاثين عاماً أعاني الأمرين بسبب الفليتة أو (الملخة المايوية).. التي لا علاج لها.. سوى الدلك.. والذي ملَّته حرمنا المصون.. وقد فكرت مرة أن أرفع مظلمة للنميري بما حدث لي بسبب موكبه عسى أن يكرمني.. بنوط من الأنواط.. أو ترقية استثنائية أو حتى (ظرف) تقيل.. ولكن أحد أصدقائي حبطني وحذرني من فعل ذلك.. لأن (الشمارات) ستكثر في هذا الموضوع.. لأجد نفسي يوماً ما.. متهماً بالشروع في اغتيال الرئيس.. وصحبه الكرام!!
ومن ضمن المواقف.. التي تعبر عن حرص المسؤولين على المال العام.. وتَحركهم الجاد والمسؤول لوضع الأمور في نصابها.. فإن دفعتي.. النقيب عمر ميرغني عشرية (لواء م)، كان ضيفاً عليّ في منزلي المستأجر بالأملاك.. واستمرت (الونسة) حتى منتصف الليل.. ولما كان ضيفي.. بدون سيارة.. أخذته معي بسيارة (هلكانة) بنمرها الحكومية.. لتوصيله إلى مسكنه وقتها في أبي روف.. وفي الطريق شعرنا.. بأن عربة تتبعنا.. تتوقف إذا توقفنا وتسير إذا سرنا.. وأيقنا.. بأنها تقصدنا.. فدخلنا كبري شمبات فدخلته معنا.. وفي نهاية الكبرى اتجهنا.. لشاع النيل.. فتبعتنا وعندما توقفنا.. أمام المنزل.. توقفت العربة على مقربة منا.. ونادانا من بداخلها.. وكانت العربة فارهة.. تدل على أن (شاغلها) زول مهم فذهبنا إليه.. وأقتربنا منه.. فلم يشتم فينا رائحة الخمر.. وأراد أن يستوثق من ذلك أكثر.. فقال.. أنا منو؟! فقلت له.. أنت وزير النقل.. اللواء مصطفى عثمان.. الشهير بمصطفى جيش... ضحك الرجل.. وقال جايين من وين؟! فعرفته بنفسي وزميلي عمر عشرية.. وشرحت له الحاصل.. فانصرف الرجل وعدت إلى بيتي.. وظللنا نتوقع (قنبلة).. موش زي قنبلة طه سليمان.. ولكن الرجل لم يفعل شيئاً ضدنا. بحكم مسؤولياته وقتها عن العربات الحكومية...
لقد كان حول النميري العديد من الرجال الذين.. يقدون المسدودة.. حتى اتسع الخرق على الراتق.. وكان ما كان.. ولكن وللتاريخ.. فقد كان حوله من الأوفياء الذين يسدون المقدودة.. ويحملون الوطن في حدقات العيون... ومن بين هؤلاء الأوفياء كان السيد مهدي مصطفى الهادي.. محافظ مديرية الخرطوم.. الشهير.. الذي يعدل والي الولاية الآن... وكان محافظاً ميدانياً.. له عنقريب هبابي.. يرتاح عليه.. قرب مكتبه بعد ساعات العمل الرسمية.. يصرف أعباءه في حالة انقطاع التيار الكهربائي.. اجتمع مرة بضباط المرور.. وفهم منهم.. أن رخص القيادة.. وترخيص العربات.. يتم بواسطة الضباط الإداريين.. وأن إدارة شرطة المرور.. هي الأحق بهذه المسؤولية. فأصدر قراراً بهذا المعنى فوراً وتم تحويل مسؤولية الترخيص والرخص برمتها لشرطة المرور.. في نفس اليوم... وفي لقاء آخر معه أبدى ضباط المرور.. رغبتهم في شراء عربات.. من البكاسي التايوتا.. التي بدأت في الانتشار موضحين أنها تصلح.. لكل الأغراض.. فسأل عن قيمة أربعة منها.. وكانت حوالي أربعة آلاف جنيه من فئة الجنيه أبو عمة... فما كان من الرجل.. إلا وأن استل دفتر الشيكان من بدلته.. ووقع شيكاً بالمبلغ المطلوب.. وتم شراء البكاسي.. وأرسلت للنقل الميكانيكي.. لضمها ألى أسطول العربات الحكومية.. وتزويدها بالنمر الحكومية.. ولكن مدير النقل الميكانيكي.. هاج وماج وقال.. هذه العربات لا تتطابق مع مواصفات العربات الحكومية.. وأن النقل.. لا يملك قطع غيار لها.. وأن مهندسي النقل الميكانيكي.. لا يفهمون في إصلاحها وصيانتها.. ولكن السيد المحافظ... اتصل به.. تلفونياً.. وقال له.. ضم هذه البكاسي لأسطول العربات الحكومية.. وامنحها النمر المطلوبة.. أو سلم مسؤولية العمل.. لمن هو دونك.. وتعال قابلني!!
وهكذا دخلت أول أربعة بكاسي في أعمال المرور.. وكان لها دور.. وأي دور في تصريف أعباء المرور.! ومن المواقف التي لا أنساها أبداً.. أن السيد المحافظ مهدي مصطفى.. عقد اجتماعاً موسعاً مع قيادات العمل التنفيذي في المديرية.. بالإضافة لبعض القيادات الشعبية.. وذلك لمناقشة أمر البصات التي تأتي إلى الخرطوم.. من أطراف المديرية.. كالسروراب وأبو دليق.. وود رملي.. وغيرها حتى لا تدخل وسط الخرطوم وتم استدعائي.. لكتابة وقائع الاجتماع.. فجلست غير بعيد وظللت أسجل كل ما يقال.. وكل المداخلات.. وبعد ساعتين من الحوار أجمع الحضور على عدد من القرارات.. كان يمليها السيد المحافظ.. وأقوم بتدوينها.. وأنا غير راضٍ عنها.. وقد لمح السيد المحافظ ذلك.. من تعبيرات وجهي وبعض (النقنقات).. فطلب مني الوقوف.. وقال لي.. أنا شايفك ما راضي عن هذه القرارات.. السبب شنو؟!
فاستجمعت قواي.. وعيون القادة المجتمعين تكاد تخترقني.. فتلعثمت وترددت ولكنه ظل يحثني على الكلام.. ففجرت حديثاً خطيراً وكلاماً (كُباراً) وقلت يا سيدي المحافظ.. إن مايو ترفع شعار الانفتاح على الريف.. وهذه القرارات لو تم تنفيذها.. ستعزل الريف وتقفل العاصمة في وجهه.. لأن هذه البصات القادمة من أقاصي الأطراف تحمل ركاباً بعينهم.. ومعهم أمتعتهم وخرافهم ودجاجهم وعيوشهم.. وتظل في انتظارهم لتعود بهم بحاجياتهم ومشترواتهم ودقيقهم وأشيائهم.. وإن مثل هذه البصات.. لا يمكن مقارنتها بمثيلاتها.. التي تتحرك داخل المدينة وتعمل في اليوم (عشرين فردة)!!
أمرني الرجل بالجلوس.. وهمهم الجميع في انتظار نهاية بطل.. ولكن السيد مهدي قال.. لقد نبهنا هذا الضابط الصغير لحقائق لا أدري كيف غابت عنا.. وعلى ذلك يُرجأ العمل بهذه القرارات وينفض الاجتماع.. لتقوم لجنة يتم تشكيلها بدراسة هذا الأمر.. على الطبيعة.. ورفع التوصيات المناسبة.!!
واختم بالحدث عن المسؤول الأول.. النميري وذلك.. عندما اتصل النوبتجي بقسم مرور بحري.. حوالي الساعة السادسة صباحاً وقال منزعجاً.. ألبس تعال يا جنابو.. النميري حايم في بحري.. فلبست وخرجت.. وعلمت أن النميري في حديقة البلدية.. قلت اللهم اجعله خيرا.. وذهبت إلى هناك.. ورأيت بعيني رأسي النميري.. وهو يخطط الأرض بقدميه.. يمشي.. ومن ورائه رتل من المهندسين.. يكتبون ما يقول.. يحددون.. المواقع التي وطأتها قدماه.. يمشون إذا مشى ويقفون إذا وقف.. ويرهفون السمع لكل تعليق أو كلمة تصدر منه.. ولم ألتقط.. فوق ما رأيت إلاّ جملة وحدة.. قالها عدة مرات.. أنا عاوز الواقف هنا يشوف.. المجلس الوطني في أم درمان.. وقاعة الصداقة في الخرطوم.. وكذلك.. ألفي أم درمان ولا الخرطوم يشوف هنا.. ثم انصرف فسألت.. مهندساً كنت أعرفه عن الحاصل.. فقال لي.. تصور الراجل ده عاوز يعمل فندق هنا.. ويلغي البلدية.. طيب خمايسنا نقضيها وين.. والبَفَوِّر اللساتك ده منو؟! وأشار بيده نحو ترابيز الحديقة والتي كانت مصممة على شكل إطارات أو عجلات سيارات!!
نواصـــل...
أبوسهيل
10-17-2009, 01:05 PM
أيــــام النمـــيري (15)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
لعلَّ فكرة (توتو كورة) وتطبيقها بكفاءة عالية.. كانت هي واحدة من إبداعات مايو.. التي شغلت العباد.. وصرفتهم عن السياسة.. ومصادمة النظام.. وكانت.. الفكرة تقوم.. على إجراء إحدى عشرة مباراة في كرة القدم.. بين الفرق الرياضية على امتداد القطر.. ويتبارى أهل السودان جميعهم.. في شراء كبونات (توتو كورة) والتنبؤ بنتائج المباريات، ومن ثمَّ تعلن أسماء أو بالأحرى أرقام الكبونات الفائزة.. والتي تدفع حوافزها من دخل هذه المباريات.. والتي قد تبلغ مبلغاً خرافياً.. أحياناً.. إذا جاء الفائز الأول بدون منافس.
حقيقة.. لقد شغلت (توتو كورة) العباد حتى عن شؤون أسرهم.. وصار مألوفاً أن ترى الناس في كل.. موقع.. داخل الأندية والمكاتب.. وداخل المنازل.. ينكبون على ملء الكبونات وإرسالها.. وكان منظر الصفوف حول أكشاك (توتو كورة) لشراء الكبونات ليلاً ونهاراً.. أو تسليمها.. منظراً عادياً جداً.. وقد ظلّت منافسات (توتو كورة) مشتعلة حتى تم إيقافها بسبب ما أُثير حولها من لغط.. فحزنت الملايين التي كانت تتسلّى بها.. وتنام وتصحو على أمل الفوز بجوائزها.. التي تصلح الأحوال.. وقد نجحت وسائل الإعلام كلها في تعميق الفكرة والترويج لها.. بالإضافة للإثارة.. التي تصحب لحظات.. الجائزة.. وبهرجة الأضواء حولها.. وحول أقاصيصها.. ونوادرها.. والذي فاز وباع الكارو.. واشترى كرولا.. ومَنْ هجر العشوائي.. وسكن الصحافة.. ومَنْ تنبأ بنتائج كل المباريات وتقاعس عن تسليم الكبون.. فأصابته الحسرة.. ومَنْ ضاع رأسماله وهو يشتري الكبونات.. ويعبئها وفق نظريات رياضية لا أساس لها.. دون أن يحقق فوزاً.. ونوادر الذين فازوا.. فقلبوا الترابيز على مديريهم السابقين.. أو العسكر الذين ملّصوا الكاكي.. ودخلوا السوق.. بفلوس (توتو كورة)!!
لم أكن محظوظاً في الأصل.. ولم أنغمس في (توتو كورة).. وإن كنت قد مارستها على خفيف.. ولكنّي والحق يقال كنت سعيداً بهذه الفكرة (الجهنمية) والتي نشطت على إثرها الحركة الرياضية.. واستفادت من ورائها الأندية والحكام والمدربون واللاعبون.. ولو أنها استمرت على عِلاَّتها لكان حال منشط كرة القدم في السودان غير حاله اليوم.
وعلى ذكر (جهنمية) (توتو كورة) تحضرني مواقف لطيفة وظريفة.. منها أنَّ أحد الأصدقاء من المعاشيين.. المفلسين.. لم يتردد في فتح محل داخل بيته والقيام فجر بداية المسابقات أو المراهنات بشراء مئات الكبونات.. ويعكف على ملئها بشتى (الصلايب) مروساً أم الطيور أو الأمل عطبرة مثلاً ويكثر من الدرونات.. ويبيع هذه الكبونات (الملأى) الجاهزة بضعف سعرها.. ويجني من وراء ذلك مصاريف البيت وقُفة الخضار.. وقد خدمته الظروف مرة إذ فازت إحدى كبوناته الجاهزة بالجائزة الأولى. فحفّزه الفائز بمبلغ معتبر وذاع اسمه وأقبل الناس على بيته (محل الكبونات الجاهزة).. بل ومارس عملاً إضافياً (بالمقاولة) تجاه مَنْ يحضرون الكبونات بأنفسهم.. ويعبئونها تحت إشرافه.. ونصائحه.. باعتباره خبيراً (توتو كروياً).. كذلك فإنَّ الأناطين أدلوا بدلائهم وإفكهم بخداع مَنْ يركن إليهم.. في مباريات معيّنة فيُكَتِّفون فريقاً.. أو يَعمُون حارس مرماه أو يطرطشون حكم المباراة.. ويلخبطون رجال الخط.. وهلمجرا.. وحتى ستات الودع.. جلسن على كنبات الاحتياطي.. قريباً من أكشاك (توتو كورة) ويأتي حامل الكبون و(يَضْمُر) على كومين من التراب.. أحدهما على سبيل المثال.. الزومة.. والثاني أبو سعد.. وذلك طبعاً دون علم الوداعية التي تكشح حباتها.. وتقول الودع مُحمِّد الكوم ده.. وهكذا حتى تبيّن نتائج الحداشر مباراة قبل لعبها.. وإذا لم يُحمِّد الودع أحد الكومين أو (سيّح) فإنَّ النتيجة هي التعادل.
وقد قمت ومعي زميل آخر.. بالضحك على ذقن أحد الأنطونات (الكتبلاص) وعرضنا عليه كبوناً لمباريات لُعبت قبل شهرين.. وأخذ الأنطون مسيلمة الكذاب يهزم ويُفوِّز ويُدَرِّن.. ثم طالب بالأتعاب.. بعضها (قيدومة) والباقي بعد (الجايظة).. ولما أوضحنا له المقلب إكفهر وجهه وقال بالطريقة دي.. ظعلتوا الروهانيين وطفشتوهم خلاص!!
إنّ (توتو كورة) التي ابتدعها نظام النميري.. هي نفسها التي وئدت على يديه بعد تطبيق الشريعة باعتبارها مُغامرة يحرمها الدين الحنيف.. وقد كلّفني محافظ المديرية وقتها.. باستلام كل الأكشاك من هيئة (توتو كورة) المحتلة.. وإغلاقها ورفع تقرير بذلك.. وقد أديت هذه المهمة.. ورفعت له طوقاً به عشرات المفاتيح.. فاستلمها وقام بتوزيعها لجهات عديدة منها شرطة الجوازات وشرطة مديرية الخرطوم.. وكما يقول المثل (التسويه كريت في القرض تلقاه في جلدها).. فقد كُلِّفت مرّة بفتح مكتب للجنسية في الكشك الكائن على شارع الأزهري.. تقاطع الكدرو بحري ونفّذتُ الأمر.. وأنا غير راضٍ عنه تماماً، فزارني متفقداً.. الفريق شرطة علي يس.. فقلت له: يا سيادتك أنا في رتبة المقدّم.. زي المقدّم الحمدي بتاع اليمن فكيف يحكم هو جمهورية اليمن.. وأكون أنا رئيساً لهذا الكشك؟! فضحك - عليه رحمة الله - حتى أدمعت عيناه وعالج الأمر.. بأن استأجرنا منزلاً مناسباً لمكتب الجنسية على مقربة من مستشفى بحري.
إنَّ فكرة (توتو كورة) للمراهنات كانت فكرة خطيرة استطاعت أن تشد أهل السودان شداً نحو منشط كرة القدم.. وأن تستقطب الجهد الشعبي وتؤدي دورها في تثوير اللعبة.. على امتداد الوطن.. فتدعم الأندية وتصلح من حال الملاعب.. وتدعم اللاعبين والحكام.. والمدربين.. وفوق هذا وذاك تبعث الأمل في نفوس الجميع لنيل جوائزها المعتبرة.
إنَّ على الحكومة والمعنيين بأمر الرياضة في البلاد.. أن يعيدوا فتح ملف (توتو كورة) مرّة أخرى وإخضاعها لدراسة مستفيضة من منظور إسلامي يؤدي في النهاية إلى (أسلمة توتو كورة).. والأمر في تصوري سهل ومهم للغاية.. والمسألة معادلة واضحة بين أن تدفع الجماهير لتطوير اللعبة بالمراهنات أو أن تدفع الحكومة التي لا تدفع.. وإن دفعت فالبشيكات المرتدة.. وأحسب أنَّ هناك دولاً إسلامية لها تجارب في هذا المجال.. ومنها كما علمت جمهورية إيران الإسلامية.
أما الكارثة الرياضية التي ارتكبها النميري فكانت.. فكرة الرياضة الجماهيرية التي قطعها من رأسه.. أو زيّنها له زين العابدين ومَنْ حوله.. فالرئيس النميري كان من أنصار الأحمر الوهاج.. ولم تجف مريخيته.. حتى قيل إنه بنى مسجداً ووضع على مئذنته.. نجمة بدون هلال.. وقيل إنَّ إدارة المريخ اجتمعت به وطالبته بدعم ناديها.. الذي هو ناديه.. ولكنه اعتذر.. وقال.. أمامكم قريباً مباراة مع الهلال.. على كأس الذهب ولو أنكم انتصرتم وأخذتم الكأس فسأجد المبرر الكافي لدعمكم.. وجرت المباراة في حضوره وكانت مباراة حامية الوطيس حكمها الراحل حمدي محمود واستطاع الهلال فيها أن ينتصر على المريخ بهدف.. اللاعب عز الدين الدحيش.. وظلّت الجماهير الهلالية المنتشية بالنصر تهتف:
رئيسكم مين ** علي قاقارين
فاديكم مين ** علي قاقارين
وتحمّل النميري الهزيمة وأخفى مشاعره.. ولكن الهتاف لرئيس غيره لم يرضِه بالقطع وكانت الطامة الكبرى.. عندما وقف النميري لتسليم كأس الذهب لكابتن الهلال.. ناداه أحد المشجعين المعروفين باسمه فالتفت النميري ويا ليته لم يفعل.. فإنّ المشجع أتى بحركة بذيئة (صورة وصوت) ليغيظ النميري دون مراعاة لمكانته كرئيس للجمهورية.. فخرج النميري من الأستاد.. غاضباً مغتاظاً.. وقد بيّت في نفسه شراً مستطيراً.. وبعد أيام دعا كل قادة الأندية والعمل الرياضي.. في باحة الاتحاد الاشتراكي.. وخاطبهم معدداً مسالب الوسط الرياضي وفاجأ الجميع بحل الأندية الرياضية وإعلان الرياضة الجماهيرية.. بحيث تجري المباريات بين المناطق والمؤسسات.. ثم هتف.. ورددت من خلفه الجموع: (لا هلال.. ولا مريخ.. لا مريخ.. ولا هلال).. وقيل إنَّ أحد قادة فريق التحرير.. قد أبدى سعادته بقرار حل الهلال والمريخ ولكن النميري أحزنه هو الآخر عندما هتف: (ولا موردة.. ولا تحرير)!!
أحسب أنَّ هذا القرار كان من أفدح أخطاء النميري.. الذي استعدى عليه القطاع الرياضي الذي هو أقرب القطاعات إلى نفسه.. ولم يتراجع النميري عن هذا القرار وظلّت الرياضة الجماهيرية (الما معروف راسها من رجليها) مستمرة لمدة عام كامل.. استطاع بعدها المقرّبون منه.. أن (يليّنوا) رأسه.. ويقنعوه بالهداوة.. حتى عادت الرياضة سيرتها الأولى.. ليلتقي الهلال والمريخ مرّة أخرى.
إنَّ قرار حل هيئة المراهنات وإيقاف.. (توتو كورة).. والقرار الأسوأ بإلغاء الهلال والمريخ.. وكافة الأندية.. والاستعاضة عنها بالرياضة الجماهيرية.. التي لا يمكن بأي حال من الأحوال.. أن تستأصل من وجدان أهل السودان عشقاً قديماً.. لأنديتها.. عشش فيها لأكثر من نصف قرن.. وقد أدى هذا القرار الأهوج إلى قطع أرزاق الآلاف من العباد.. الذين عاشوا على مهن شتى مرتبطة بالأندية الرياضية.. وساحات الملاعب والتي أحالتها مراهنات (توتو كورة) إلى مجال واسع للمهن البسيطة.. من بيع الشاي والمبردات.. وترمس كبكبي.. والساندوتشات بأشكالها.. من فول وطعمية.. وحتى كسرة بالملوخية.. وفوق كل هذا وذاك فإنَّ قرارات النميري التي مسّت الوسط الرياضي.. كانت مثل الصقر الذي اقتحم الدوحة الظليلة.. فطارت كل عصافيرها.. وفقد السودان خيرة لاعبيه الذين هاجروا إلى دول الخليج.. والبترول.. والتي كانت وقتها تحلم باللاعب السوداني في ميادينها.
وفي خضم ذلك أيضاً ضاعت مباريات السباق وديربي الخيول في الرجلين. ومنع الرهان عليها.. فأصبحت المسابقات التي تجري (مسيخة) وبدون طعم.. وتلاشت أخيراً.. وهي على أشدها في دول إسلامية كثيرة.. مضافاً إليها سباق الهجن.. وقد رأيت بعيني رأسي في دولة الإمارات العربية المتحدة كيف يتزاحم الناس بالمناكب لدخول ساحات السابق.. والمراهنة على الخيول.. وكسب الجوائز القيّمة.. بل وهالني أن رأيت غالبية مرتادي هذا المجال.. نساءً ورجالاً من أهل السودان.. بثيابهم وعمائمهم وسحناتهم وشلوخهم التي تميّزهم عن الآخرين.
إنَّ على أهل السودان أن لا يسمحوا لرياضتي كرة القدم والخيول بالاندثار.. وعليهم أن يجلسوا جميعاً لدراسة الأمر وأَسلمة هذه المناشط ليرتاح عمنا أبو خضرة.. الذي كان يرفع يديه بالدعاء بعد الصلاة ويقول: اللهم أزرقنا من حلالك وحرامك.. ولما سألته عن الحرام الذي يطلبه.. قال: جائزة الديربي السوداني أو (توتو كورة) أو العقوبتين معاً..!
نواصـــل...
أبوسهيل
10-18-2009, 07:18 PM
أيــــام النمـــيري (16)
لواء «م»/ محيى الدين محمد عل
تحزَّم النميري وتلزَّم.. وانطلق صبيحة الخامس والعشرين من مايو 69.. يقود السفينة في بحر هائج متلاطم الأمواج.. تلفه الأعاصير والأنواء.. وكان من حوله فتيةٌ أوفياء مخلصون متحمسون.. ولكن تنقصهم الخبرات والتجارب.. فأعلاهم رتبة.. كان المقدم بابكر النور.. والآخرون.. في رتبة الرائد.. وهي الرتبة التي قد يصلها الضابط آنذاك في أقل من عشر سنوات... فدخلت السفينة في دوامات من الاعتصامات والإضرابات والمظاهرات.. وكادت تغرق.. لو لا.. حبال النجدة الشعبية التي أنقذتها...
ولم تلبث السفينة المايوية.. طويلاً وهي تمخر في عباب المحيط السياسي.. حتى اصطدمت في مارس 1970 بجبل الجليد الأنصاري العائم في الجزيرة أبا واشتعلت الأحداث الجسام.. وامتد أوارها.. ليبلغ معاقل الأنصار في ود نوباوي.. حيث قتل الأنصار نفراً من رجال السلطة.. وكان من بينهم الملازم.. معاوية سبدرات.. شقيق.. الشاعر الوزير عبد الباسط.. وتصاعدت الأحداث ومات الكثيرون وكان على رأسهم .. الإمام الهادي عبد الرحمن المهدي الذي قتل وهو يحاول الخروج من حدود السودان الشرقية والدكتور محمد صالح عمر.. من قادة الأخوان المسلمين البارزين.. كما اكتظلت السجون بالمعتقلين والمحكومين.. وكان من أبردهم الشيخ/ محمد محمد الصادق الكاروري... لقد انتصرت مايو على الجبل الأنصاري بقوة السلاح وبدعم من الجارة مصر.. وذك استناداً على ما أوردته أقلام مصرية.. وعندما أراد السادات أن يمتن على السودان فكشف المنكور.. المستور.. ولم تهدأ الأمواج حول سفينة مايو كثيراً.. حتى واجه القبطان النميري في 19/7/1971 انقلاب هاشم العطا.. الشيوعي.. وقد كانت الساحة كلها تنبئ بإرهاصات انقلاب.. يحول البلاد من خانة المعسكر الاشتراكي إلى معسكر اليمين أو عدم الانحياز على الأقل.. ولكن.. تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.. نجح الانقلاب... وانطلقت المظاهرات الشيوعية تلوح بأعلامها الحمراء.. وتثير حفيظة الجماهير.. ولكن النميري استطاع أن يفلت من الاعتقال.. وتحرك الشارع.. مضطراً لاستعادة سلطة مايو.. التي كان يرغب في التخلص منها.. ولكن بعض الشر أهون من بعض.. وإيه الجابرك على المُر.. قال الأمَّر منه!!
لقد تحدثنا في مقالات سابقة عن هذه الحركة الانقلابية الشيوعية بتفاصيلها.. ونذكرها الآن فقط.. في عرض مسلسل.. المحن.. والابتلاءات... والمجابهات التي ظلت مايو.. تصارعها.. وتصرعها!! وفي 1/9/1973 واجهت أعتى هياج شعبي.. قاده طلاب الجامعات والمدارس وعرف بأحداث شعبان.. وأشعلت فتيله.. الأحزاب مجتمعة وعلى رأسها الحركة الإسلامية.. وتضامنت نقابات العمال مع تلك الأحداث.. فسارت التظاهرات والاعتصامات والإضرابات.. واشتعلت لساتك العربات في كل ناحية.. وأضرمت النيران في طلمبات البنزين وانهكت دوريات الشرطة.. بالجري ومطاردة المشاغبين والمتظاهرين والمخربين.. وكاد عقد الأمن في البلاد أن ينفرط.. وكادت الأحزاب أن تنتصر.. وتكرر تجربة أكتوبر.. لو لا.. أن النميري.. أحس بالخطر.. فتصدى لها بقوة.. وقمعها بشراسة.. مستعيناً بالقوات المسلحة.. وهدأ الموج.. ومضت سفينة مايو.. تمخر عباب الأحداث في حذر.. وما إن استرد القبطان النميري أنفاسه.. وتمدد في استرخاء بكابينة القيادة.. يستمتع بنسمات أمواج محيطه.. الباردة.. حتى أقض مضجعه راديو غرفة القيادة.. وصوت المقدم حسن حسين عثمان.. يذيع بيانه الانقلابي يوم 5/9/75 معلناً حل مجلس قيادة الثورة.. ومجلس الوزراء.. وجهاز الأمن القومي.. وجهاز توتو كورة... ويقال إن هذا البيان الأول والأخير.. لانقلاب حسن حسين.. قد صاغه.. المحامي كمال الدين عباس.. وهو من قيادات حزب الأمة.. ومن عجب فإن هذا الانقلاب قد تم بصورة.. مثيرة جداً.. لا تصدق إذ أن قائد الانقلاب.. جاء على ظهر دبابة.. ومعه.. جندي واحد فقط.. بخلاف سائق الدبابة.. ودخل الإذاعة.. وقدَّمه المذيع كال محمد الطيب... فألقى بيانه.. ثم خرج.. وترك الدبابة التي جاء بها.. لتحرس الإذاعة.. وذهب إلى القيادة العامة.. ولكن الضابطين شامبي وحماد الإحمير.. وهما من رفقاء حسن حسين.. أخذا الدبابة وذهبا بها إلى سجن كوبر.. لإطلاق سراح المعتقلين والمحكومين السياسيين.. وتمكنا بالفعل من إطلاق سراح بعضهم.. وفي هذه الاثناء.. دخل قائد الانقلاب في محنة مع القيادة العامة... واحتدم الأمر حتى أن الملازم كمال محمد أحمد.. الذي كان يرافقه.. أطلق عليه النار لقتله.. ولكنه أصابه إصابة بليغة تم على إثرها اعتقاله.. وإرساله.. للعلاج.. بحراسه مشددة طبعاً.. واتجهت قوات مايو إلى الإذاعة.. ودخلتها.. بدون مقاومة.. لأنه لم يكن في الأصل ثمة انقلاب بها.. وأذاع الرائد أبو القاسم محمد إبراهيم.. بياناً.. أعلن فيه دحر الحركة الانقلابية.. وقبرها في مهدها في بضعة ساعات... ومن اللطائف.. أن الراحل المذيع الدكتور أبو بكر عوض.. سارع بارتداء الزي العسكري وتسلح ببندقية.. وجاء لنصرة الانقلاب ولكن بعد فوات الأوان.. و(يا فرحة ما تمتش).. ويقال إن المذيع أبو بكر.. كان طالباً حربياً يوماً ما وتم فصله.
إن هذا الانقلاب.. لم يكن معزولاً كما صوره البعض أو عنصرياً.. كما دمغته مايو وأجهزتها.. ولكنه كان مسنوداً بقوى سياسية كبرى وتنظيمات تندرج تحت لافتة الجبهة القومية السودانية.. وهي قوى كانت قادرة على تثبيت دعائمه إذا نجح.. ولكنه فشل فشلاً ذريعاً.. والقيادة العسكرية.. وحدها هي التي تتحمل المسؤولية... وقد دفعت ثمن ذلك.. من أعمارها.. ولو أردنا تحليلاً لأسباب هذا الفشل فإنه يمكن تحديده فيما يلي:-
1- باستثناء المقدم حسن حسين.. والحكمدار الطيب أحمد حسين.. فإن كل العناصر التي شاركت في التنفيذ.. كانت من صغار الضباط وصف الضباط.. الذين لا قبل لهم بالمهمة الجسيمة التي تحركوا من أجلها..
2- فشل بعض المكلفين في تنفيذ بعض المهام عجزاً أو تقاعساً..
3- تحرك المنفذون.. كلٌّ بطريقته دون التقيد.. بالخطة.
4- تسرب المعلومات.. بالدرجة التي جعلت.. النميري.. يهجر بيته.. وينام ليلتها في منزل السيد/ بابتود.. بالخرطوم بحري.. وهو أحد أصدقائه العسكريين.. وبالتالي فشل الانقلابيون في اعتقاله.. أو اعتقال أي من رموز النظام.. أو احتلال أي موقع إستراتيجي من مواقع النظام.. بل وفرطوا في الإذاعة..
5- عدم وضع أي خطة.. للانسحاب والاحتماء في حالة الفشل الذي تعقبه عادة حملة اعتقالات وتصفيات.
6- الأسلوب الذي تم به تنفيذ الانقلاب.. كان سهلاً ومسالماً.. وكأنه لعبة مسلية وليس انقلاباً.. على حكم راسخ قوي له أنصاره داخل الجيش ووسط الشعب.. وحتى في دول الجوار.
7- حصر الانقلابيون.. -عسكريين ومدنيين- أنفسهم في جهوية واحدة.. هي غرب السودان.. (دارفور وكردفان) وما كنت أحسب أن جماهير العاصمة.. وهي قومية تمثل كل أهل السودان.. كانت ستخرج لنصرة الانقلاب.. إذا نجح.. والله أعلم.
8- أن قائد الانقلاب.. حسن حسين.. باشر المهمة بنفسه (برجولة وجسارة) زايدة حبتين.. وكانت النتيجة.. أن أصيب واعتقل بعد ساعة من بيانه الأول والأخير.. وأصبح الانقلاب بلا رأس.. أو رئيس..
غايتو.. أن الفشل السريع الذي مني به انقلاب حسن حسين.. لم يتح لمن خططوا له.. من السياسيين.. فرصة ارتداء جلابيبهم وعمائمهم.. والخروج إلى الشارع.. للتأييد والمناصرة.. وبذا.. انتهت هذه الحركة الانقلابية.. وقُبرت مع قادتها الذين أعدموا.. أسراراً كثيرة.. وربما مثيرة.. وقد أكد لي الحكمدار (مقدم شرطة) الطيب أحمد حسين.. الذي كان شريكاً أصيلاً في هذه المحاولة.. بأنهم لم يفكروا في قيام مجلس للثورة.. أو حتى يشاركوا في الحكم.. وأنهم كانوا بصدد إعادة الديمقراطية.. ومراقبتها بواسطة القوات المسلحة.. على الطريقة التركية دون غيرها.. وأن الأحزاب والتنظيمات السياسية التي كانت من ورائها.. هي (غرباوية) المنشأ والمنبت.. كجبهة غرب السودان.. وقائدها عز الدين المهدي.. واتحاد جبال النوبة.. بقائديه فيليب غبوش المسيحي.. وحسين خرطوم دارفور.. الاسلامي وجبهة نهضة دارفور برئاسة أحمد إبراهيم دريج وحزب وحدة غرب السودان.. بزعامة معتصم التقلاوي.. وهي جميعها تنضوي تحت مسمى الجبهة القومية السودانية.. كما أكد رئسها عبد الرحمن إدريس في بيانه الصادر بالوثيقة رقم (1) عام 1985 من مركز الجبهة القومية السودانية بأم درمان.. والذي أكد فيه أن هذه الجبهة تأسست في مايو 1970.. وأنها المسؤولة عن انقلاب 5/9/75.. حسن حسين.. واعتبرت أن الذين تم إعدامهم هم شهداؤها.. وهم.. بالإضافة لحسن حسين.. الرائد حامد فتح الله.. النقيب محمد محمود التوم.. والملاز أول عبد الرحمن شامبي نواي.. والملازم أول حماد الإحيمر والملازم أول طيار القاسم محمد هارون.. والسيد عباس برشم.. وكان من طلاب جامعة الخرطوم ومحركاً لأحداث شعبان.. بالإضافة إلى ستة عشر آخرين من الرتب الأخرى.. والسيد عبد الرحمن إدريس.. كان شريكاً أصيلاً مع حسن حسين في الإعداد والتخطيط.. ولكنه عندما أحس بفشل الانقلاب آثر الهرب.. وقد ظلت وسائل الإعلام تردد.. وتدعو الناس لاعتقال.. القاضي الهارب أو هكذا أسموه ولم يعد ثانية إلى أرض الوطن.. إلاّ مع المصالحة الوطنية.. حيث عينه النميري.. أميناً مناوباً للاتحاد الاشتراكي.. وقد أسر لي ابن خالي القاضي الشهيد عبد الفتاح محمد عبد الجليل.. الذي قتل في أحداث جامع أنصار السنة بالثورة.. أن عبد الرحمن إدريس.. صديقه.. وأنه بعد فشل الانقلاب.. قد جاءه واستعان به على الهرب..
أحسب أن أجهزة الأمن كانت قد اعتقلت.. كل العسكريين الذين كان لهم ضلع في التخطيط.. أو التنفيذ.. بل وشمل الاعتقال عدداً من المدنيين السياسيين الذين ورد ذكرهم.. وشكلت لمحاكمتهم.. ثلاث محاكم أمن دولة.. شملت (195) متهماً.. أعدم منهم ثلاثة وعشرون رجلاً.. وتحاكم الآخرون بالسجن.. والبراءة... وحكم على الحكمدار الطيب أحمد حسين.. وهو شريك أصيل.. تربطه بالمقدم حسن حسين.. صداقة.. منذ عهد الدراسة بخور طقت.. علاوة على الانتماء لكردفان.. حكم عليه بخمس سنوات قضى منها ثلاثاً وأفرج عنه.
ويروى أن المحاكمات تمت في مدينة عطبرة.. وأن الذين حكموا بالإعدام قد أخذو إلى ساحة الموت.. في منطقة خلوية اسمها وادي الحمار.. وأن الجميع تلقى الموت بشجاعة وبسالة.. بل.. الملازم أول عبد الرحمن شامبي.. استطاع أن ينتزع بندقية أحد الجنود.. ويحاول قتل جلاديه.. لكن البندقية.. كانت خالية من الذخيرة!!
إن الانقلاب العسكري.. لا يعد جريمة إلاّ إذا فشل.. وفي تصوري أن انقلاب حسن حسين.. كان مسالماً ولم يصادم القوات المسلحة أو يخلف ضحايا.. وأن العقوبات كانت قاسية جداً سيما على المشاركين من الرتب الأخرى.. والذين قد ينصاعون للأوامر.. أو يشاركون في الانقلاب وهم (ما عارفين الحاصل)..
ومن طرائف هذه المأساة.. ولما أذاع حسن حسين بيانه.. هلل أحد الضباط الكبار.. وهتف ضد النميري.. وكررها.. حسن حسين أبو شنب.. الراجل الضكر.. صاحبي أنا.. الليلة حأمشي ليهو في القيادة.. العامة.. وكنت شاهداً على الفرح الخرافي لهذا الضابط الكبير.. ولما فشل الانقلاب.. أجلسني في مكتبه إلى جواره.. وصار يكلفني بأعباء كتابية ولا يسمح لي بالخروج.. وكان يأتيني بما لذ.. وطاب من الطعام.. فطوراً وغداءً.. ولم يفرج عني.. إلاّ بعد أن هدأت العاصفة وأيقن بأني لن أضره.. وده ما نابني من حسن حسين!!.
نواصـــل...
أبوسهيل
10-20-2009, 12:51 AM
أيــــام النمـــيري (17)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
لا أحسب أن نظاماً سياسياً قد لاقى.. ما لا قى نظام النميري.. من تأييد جماهيري.. عريض.. ورفض من شتى ألوان الطيف السياسي في السودان شديد.. وقد بادر بهذا الرفض.. في مارس 1970.. حزب الأمة.. وجماعة الأخوان المسلمين.. وكانت أحداث الجزيرة أبا وود نوباوي.. هي أول لكمة يمينية في وجهه وقد تحملها واستطاع أن يصمد.. ويواصل البقاء داخل حلبة الملاكمة السياسية.. ولكن الحزب الشيوي في 19/7/71... عاجله بلكمة يسارية قوية (الضحى الأعلى) أسقطته أرضاً..
ولكنه تحامل على نفسه ونهض.. وهزم اليسار بالضربة القاضية ودق النميري صدره.. وفاخر بأنه هزم اليمين واليسار المتطرفين.. ورأي أن يثبت أركان حكمه.. بتحقيق ما بشر به في بيانه الأول من حل لمشكلة الجنوب.. واستطاع في 3/3/73 أن يوقع اتفاقية أديس أبابا برعاية الأمبراطور هيلاسلاسي.. ودعم مجلس الكنائس العالمي.. وكان السيد أبيل ألير.. هو عراب هذه الاتفاقية وقد فاوض في جانب الوفد الحكومي مع السيد اللواء محمد الباقر أحمد والدكتور منصور خالد.. وآخرين وكان المفاوضون.. من جانب حركة الأنانيا المتمردة برئاسة قائدها جوزيف لاقو.. واحتفلت البلاد جميعاً في الجنوب والشمال بهذه الاتفاقية التي حققت السلام.. وأسكتت صوت المدافع.. وهيأت لأبناء الجنوب حكماً ذاتياً.. أرضى طموحاتهم.
وحسب النميري أنه بعد أن هزم اليمين واليسار وأطفأ نار الحرب ولكنه تفاجا في 1/9/73.. بعصبة من الملاكمين.. تقتحم الحلبة.. ترتدي شعارات الحركة الاسلامية.. فأشبعته.. صفعاً وركلاً.. في الرأس.. وتحت الحزام.. وكاد أن يسقط ميتاً لولا أن تداركه أهله العسكريون.. واستطاع أن يسترد عافيته.. ويعود لحلبة الملاكمة في 5/9/75.. أي بعد عامين. ونازل متحدياً جديداً.. صعد الحلبة من الجهة الغربية.. ليسحقه بالضربة القاضية في الثواني الأولى.. من الجولة الأولى..!!
ولا يحسبن القارئ الكريم.. ان الأحداث الجسام.. التي حدثت في مارس 70.. ويوليو 71.. وسبتمبر 73.. وسبتمبر 75.. هي كل صراعات النميري من اجل البقاء.. ولكن كل حدث كان بمثابة رأس جبل الجليد.. وقد شهدت الساحة السودانية أحداثاً أخرى لا حصر لها.. يضيق المجال عن ذكرها.. كما لا يحسبن القارئ.. ان هذه الأحداث التي وقعت في الثلث الأول من عمر مايو.. هي كل شيء لأن لياليها كانت حبلى تلد كل جديد.. وقد (لاوز) النميري.. بعد هذه الأحداث.. وبدأ يشعر بالخوف.. من السقوط.. وفقدان تاج بطولة الملاكمة السياسية الذي ناله عن جدارة.. بعد أن صرع أفذاذاً من الوزن الثقيل.. كالإمام الهادي المهدي.. والسيدين النقيضين محمد صالح عمر.. وعبد الخالق محجوب.. وأحس أن كل جهوده في استقطاب الجماهير بالعمل السياسي والتنمية.. والانفتاح على الريف وتحقيق السلام بإنهاء الحرب التي قد أرهقت البلاد قرابة العشرين عاماً.. لم تنس الجماهير.. انتماءاتها الحزبية والطائفية.. وتعاطفها مع الجبهة الوطنية.. التي أوجدت لنفسها موطأ قدم في كثير من البلاد.. ودول الجوار على رأسها.. الجماهيرية الليبية.. بعد أن (باظت) العلاقات بين النميري والقذافي وأصبح صوت الشريف حسين الهندي عبر الإذاعات.. يقض مضجع الرجل.. ومع ذلك سرى في الشارع حديث بأن أحد أذرع مايو.. أسرَّ للنميري وقال له بأنه يستطيع تصفية الشريف حسين والتخلص من (وجع رأسه).. ولكن النميري.. انتفض ورفض وقال للرجل.. والله الهندي ده.. يموت موت الله.. أنا ما أخليك!!.. على كل حال.. إن صح هذا القول أو لم يصح.. فإنه يشبه النميري الذي كان سودانياً.. حتى النخاع.
في اليوم المحدد لافتتاح مصنع الصداقة للغزل والنسيج بالحصاحيصا كُلفتُ وقتها وأنا برتبة النقيب.. ومعي الملازم أول مبارك شيخ أدريس لتغطية.. الشارع برجال المرور.. في المنطقة جنوب شوق الخرطوم المركزي.. قبل منعطف الشارع إلى سوبا.. وكان موكب الرئيس النميري.. سيتحرك إلى هناك في تمام الساعة الثامنة صباحاً.. وبالطبع.. كان الجنود وكنا هناك قبل ساعة من الموعد المضروب.. ولكن.. دون إبداء الأسباب.. تأخر موكب الرئيس حتى الساعة العاشرة.. فأخذت معي مبارك وذهبنا لأحد البقالات لشراء.. حاجة باردة.. وقد بلغ منا الظمأ مبلغاً.. ولكن مبارك أخذني من يدي إلى منزل مجاور وقال.. هذا منزل خالي.. نخُش.. نشرب.. بارد.. وشاي.. ودخل هو إلى جناح الأسرة.. ودخلت الصالون.. لأفاجأ بجمع من الناس يقارب العشرين.. وكنت أرتدي الزي الشرطي الأبيض لضباط المرور.. وأحسست أن الجميع قد اندهشوا لمقدمي.. ولكن الأستاذ علي محمود حسنين الذي كان بينهم.. والذي تربطني به صلة القربى.. والانتماء لمدينة أرقو.. قام.. وجاءني وسلم على بالأحضان.. الأمر الذي أراح الجميع وطمأنهم.. بعد ذلك جاء آخر (بجك) ليمون بارد فاضطرب لما رآني.. وظل يدفق الليمون في الكوب تارة.. وخارجه تارات.. وظلت كل أعين الجميع ترمقني وتنظر إلي بريبة.. حتى جاء مبارك من الداخل.. وأخذني.. لنلحق بالشارع.. وقد علت أصوات (السايرين) معلنة قرب وصول النميري وما إن خرجنا.. حتى تفرق الجمع في لحظات وسألت مبارك عن الحاصل.. فقال لي إن ابن صاحب البيت كان معتقلاً وأطلق سراحه بالأمس.. وأن الحضور في الصالون جاءوا يهنئونه بسلامة الخروج.. فقلت له.. هو ذاك.. ولكنه اجتماع سياسي استغل الظرف بذكاء.. وأن من بين الحضور.. الأستاذ علي محمود حسنين وهو من المناوئين للنظام.. والرجل الذي كان يجلس إلى جواره.. هو في اعتقادي الشريف حسين الهندي أو رجل من أسرته قريب الشبه به.. وإنه يتحتم علينا.. أن نتعاهد على الله.. بكتمان هذا السر وعدم البوح به.. حتى لا يضار خالك وأسرته التي أكرمتنا.. ولا يضار الأستاذ علي محمود.. وأنا في مقام خاله وقلت له محذراً.. أعمل حسابك يا مبارك.. فإن هذا الاجتماع سيكون له ما بعده وربنا يستر!!.. وذات يوم.. بعد أسبوع أو أسبوعين من الحدث.. جاءني مبارك شيخ إدريس.. وهو من أبناء منطقة كرمة.. جاءني غاضباً.. وقا لي لقد كشفت السر.. وأبلغت جهاز الأمن.. لأن الجهاز قد استدعاني وأنا ذاهب إليه الآن.. وحيستدعوك إنت كمان!!
فقلت له.. ثق تماماً بأني لم أفعل.. وعليك أن تذهب وأنت ثابت الجنان وسيكون الأمر مختلفاً جداً.... وذهب مبارك وجاء وهو يضحك وقال تصور.. إن جماعة الجهاز فتشوا نفس المنزل بالأمس ولم يجدوا شيئاً سوى كرتونة مكتوب عليها الملازم أول مبارك شيخ إدريس.. وسألوني عن ذلك.. فقلت لهم إن صاحب المنزل خالي.. وإن الأهل أرسلوا لي كرتونة بلح.. بواسطته.. ولكني تنازلت عنها لأسرته.. وانتهى الأمر.. ثم اعتذر لي عن سوء ظنه بي!!
لقد صحت توقعاتنا.. بأن التجمع الذي اقتحمناه.. بزي ضباط المرور الأبيض.. كسلامة نوايانا.. كان اجتماعاً مهماً جداً.. لشيء مها سيحدث بدليل.. أن أجهزة الأمن.. قد قامت بتفتيش مقر الاجتماع بعد فوات الأوان.. وقد سرت في الشارع العام أقاويل.. وإشاعات.. وتخرصات كثيرة تنذر.. بوقوع حدث.. جلل.. غداً أو بعد غدٍ.. ونشطت أجهزة الأمن والاستخبارات تلتقط كل شاردة وواردة.. وتجمع كل الخيوط.. وتراقب كل البيوت.. وتستجوب.. وتعتقل وتصل في رأيي.. إلى نصف الحقيقة.. وقد علموا.. شيئاً.. وغابت عنهم أشياء والحقيقة.. كلها.. قد يجليها الله إلى بعض عباده.. ولكن أحداً.. لن يفهمها إلاّ بعد وقوعها.. وقد كنت رئيساً لقسم مرور بحري.. وكان هناك رجل حبشي مسلم.. يدعى إبراهيم.. يحسبه البعض مختلاً.. وكنت أحسبه من الصالحين لما رأيت.. ورأى كل رجال شرطة المرور من كراماته.. لقد كان المرحوم إبراهيم.. لا يحادث احداً.. إلا نادراً.. يظل يتمتم.. بعبارات هامسة.. لا نفهمها.. ويقوم أحياناً.. برسم مربعات على الجدران.. ويكتب فيها أرقاماً ويمضي عنها.. مشغولاً بتمتماته.. ورغم أن عمره.. كان قد ناهز السبعين إلا أن مجرماً من المعتادين.. حاول مضايقته.. فصفعه صفعة كان لها صوت (الكومبرشن).. جعلت المجرم يجري هارباً.. مذهولاً.. وكان إبراهيم.. بعد (حوامته).. يعود إلى القسم.. وبين (كراكيب) وبراميل وصفائح وغيرها.. يفترش الأرض.. وينام عليها حتى الصباح.. دون ان يمسه سوء.. من عقرب أو حتى نملة.. هذا الرجل الصالح.. انتابته حالة هياج رءاها الجميع.. فظل يقف بالساعات الطوال محدقاً في اتجاه الغرب.. وكأنه يرى شيئاً ما.. فيتمتم.. ويرمي بالحصى.. والحجارة الصغيرة في الاتجاه.. فطلبت من رجال القسم.. أن يتركوه على حاله.. ولا يتدخلوا.. إلا اذا أفرط في الهياج واستمر الشيخ إبراهيم.. يبدأ نشاطه اليومي بالوقوف في نفس المكان.. ومحدقاً في اتجاه الغرب.. ويتحدث وكأنه يخاطب مخلوقات.. لا نراها.. ويقذف نحوها بالحصى.. وكان الرجل رغم حالة الانجذاب التي يعيشها.. يدنو مني ويسعد.. بمداعباتي له.. فجئت ووقفت إلى جواره.. وحدقت كما يحدق في الأفق عسى أن أرى شيئاً.. وقلت له يا حاج إبراهيم.. إن شاء الله خير؟!
فقال.. ما خير.. القبلة من الشرق.. بقت غرب.. القبلة بقت غرب.. وظل بعد ذلك يكررها كل يوم جديد.. حتى وقع الحدث الجلل في 2/7/1976.. وهو الذي شاع بين الناس.. بالغزو الليبي وانصرف من بعده الشيخ إبراهيم.. نحو رسم المربعات.. والتمتمات.. غير مهتم بالأحداث.. وقعقعات السلاح.. ورائحة الموت وكأنه يقول أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر القوم جراها ويختصم.
نواصـــل...
أبوسهيل
10-20-2009, 07:29 PM
أيــــام النمـــيري (18)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
تشكلت الجبهة الوطنية لأول مرة في المملكة العربية السعودية.. من أحزاب الاتحادي الديمقراطي... والأمة.. والإخوان المسلمين.. إلاّ أنها ضعفت جراء الضربات التي تلقتها من نظام النميري.. بعد أحداث شعبان والجزيرة أبا.. ولكنها عادت وتكونت من جديد في 14/11/74 بإثيوبيا برئاسة الشريف حسين الهندي.. وعضوية د. عمر نور الدائم .. وعثمان خالد مضوي.. وآخرين.. وحدث ما لم تكن تحلم به هذه الجبهة.. من قطيعة بين النميري والقذافي، فتمكنت على اثرها من فتح معسكرات التدريب في الكفرة والعوينات.. وكان قوام المتدربين من شباب الانصار والاخوان المسلمين.. وكان الصادق المهدي.. الذي جاء إلى هناك يرى أن يفتح الباب امام القوى السياسية الصغيرة الاخرى لتشارك، ولكن رأيه لم يرضِ الاخوان..
وبعد أن تجمعت القوة الكافية.. وتوافر التسليح المناسب.. كان لابد.. من قائد عسكري .. ذي كفاءة عالية تمكنه من غزو الخرطوم.. والسيطرة علي مقدراتها الأمنية والعسكرية.. وقلب النظام لصالح الجبهة لتحكم البلاد لفترة انتقالية.. عمرها خمس سنوات يتم خلالها تصفية مايو وآثارها ومحوها من ذاكرة الجماهير.. وتدور من بعدها عجلة تداول السلطة ديمقراطياً.. ووقع الاختيار على العميد م. محمد نور سعد المشهود له بالذكاء والكفاءة وهو الحاقد على النظام المايوي .. كما قيل بسبب طرده من القوات المسلحة.. وعزله بقص رتبته العسكرية بالمقص إمعاناً في التشفي.. وعند الاتصال به.. رحب ووافق وباشر مهامه في الإعداد والتخطيط والتنسيق والاستعداد للتنفيذ، وكانت اجهزة الامن والاستخبارات والشرطة كلها تطارد المجهول وتجري وراء كل خيط وتتسقط كل الاخبار.. وتراقب الدور والعناصر المناوئة.. وتلقى حينها الرائد ابو القاسم محمد ابراهيم اول معلومة.. من مصدر ما.. مغزاها أن جماعة كبيرة ستأتي إلى مقابر شرفي.. وكأنها تحمل جنازة ولكنها جماعة مسلحة.. ستنطلق من هناك لقلب نظام الحكم.. وقد كشف المصدر ذاته أسماء كثيرة كان لها دورها الخارجي والداخلي وتم اعتقال معظمها ومن بينهم الأستاذ علي محمود حسنين.. كما أن مجموعة من عناصر الجبهة الوطنية القادمة من معسكرات الحبشة قد وصلت إلى منطقة كبكابية وكتم والفاشر وتم الاشتباه فيهم واحتجازهم وعددهم حوالي 216 فرداً.. فأرسل المقدم أمن وقتها محمد الفاتح عبد الملك.. وكمال علي مختار ونصار للتحقيق معهم.. وقد توصلوا إلى حقيقة هامة هي أن تحركاً سيحدث في الخرطوم.. وهو ما يعضد الأقوال التي بلغت الرائد أبو القاسم ويؤكد صلة الاجتماع الذي اقتحمناه دون قصد.. كما ذكرت في المقال السابق مع ما وقع وسيقع من أحداث.. وكما يقول المثل السوداني.. وقوع البلاء ولا انتظاره.. فإن السلطة بأجهزتها الأمنية مجتمعة كانت تملك الأدلة... على احتمال وقوع الحدث الجلل وتتساءل بقلق متى سيقع وكيف سيقع وهل سيجيء من الشرق أو الغرب.. من السماء.. أو الأرض.. من الجيش أو من غيره؟ ولا احد كان يملك الاجابة القاطعة على هذه الاسئلة.. فوضعت كل قوات الشعب المسلحة.. والشرطة والأمن تحسباً.. في حالة الاستنفار القصوى 100% غير إن استنفار القوات المسلحة في خطوة مثيرة للدهشة خفض الى 50% .. والاقاويل في هذه «الحتة» مختلفة جدا.. بعضها يشير باصابع الاتهام.. نحو قيادات نافذة .. في جهازي الامن والاستخبارات «عليها جميعا رحمة الله» بحسبانها متواطئة مع الجبهة الوطنية.. وبعضها يزعم بان محمد نور سعد كان قد تصرف بذكاء شديد واتصل تلفونياً بالفريق محمد عثمان هاشم.. رئيس هيئة الأركان وقتها وقال له: أنا حأستلم البلاد اليوم.. والقوة التي أعتمد عليها.. هي القوة التي حولك في حالة استعداد.. وبكرة تشوف!!
وأن السيد رئيس هيئة الاركان.. قلب امر هذه المكالمة وعلى حكمة نصفك عاقل ونصفك مجنون.. امر بتخفيض استعداد الجيش الى 50% وكما تشاء الاقدار.. دائما.. ان تكون لي صلة بالكثير من الاحداث ايام النميري.. فان صلتي هذه المرة طريفة مخيفة.. وكان من ورائها.. صديقي النقيب وقتها سعد عابدون.. شقيق اللواء طيار«م» الفاتح عابدون وهو خرطومي المولد والمنشأ.. وكان اكثر ما يضياقه في العمل الشرطي ان يكلف بعمل الضابط.. المناوب.. وبالاخص يوم الجمعة.. الذي يمارس خلاله نشاطات اجتماعية كثيرة وكنت على عكسه افضل العمل مناوبا يوم الجمعة.. فدخل معي في مفاوضات طويلة.. انتهت بان اقوم بسد مناوبة يوم الجمعة عنه.. مقابل.. عشرة جنيهات.. يتم دفعها يوم الخميس.. واستمر الحال وشاع بين الزملاء.. وكنت سعيدا به.. لأنه يكفيني شر «جوطة» يوم الجمعة في المنزل.. ولأن الجنيهات العشرة كانت تكفي لشحنه الثلاجة باللحوم والدجاج والاسماك.. وحق السجائر .. وكنت أحرص على مناوبة سعد اكثر من حرصي على مناوبتي الاصلية .. فأتهيأ واتوجه الى مقر الضباط المناوب برئاسة شرطة المديرية.. لتسديد فاتورة الدفع المقدم..!!
وفي يوم الخميس الفاتح من يوليو.. استلمت المبلغ المتف عليه بيننا» .. وكانت قوات الشرطة كلها في حالة استنفار قصوى في انتظار «بشرى» وهو الاسم الحركي لمحمد نور سعد.. كما اتضح لاحقا.. وسمح لي وحدي بالانصراف حتى اتمكن من «سد النوبتجية» صباح يوم الجمعة.. وبالفعل صحوت باكرا وتهيأت.. وارتديت زي ضباط المرور الابيض.. وتحركت بالعربة البوكس الصفراء.. المزينة .. باجهزة «السابرين» الحمراء على راسها.. ولم اكد اخرج من دائرة المنزل حتى احاطت بي مجموعة من رجال ونساء حي الاملاك يمنعونني من الخروج.. ويوضحون لي ان البلد فيها انقلاب.. فوعدتهم بالذهاب الى قسم المرور بحري .. ولكني وما إن تخلصت منهم.. حتي انطلقت الى الخرطوم .. عبر كبري النيل الازرق.. وعندما دخلت منتصف الكبري.. هز قصف الراجمات.. الكبري حتى تخيلته سيسقط وينهار.. وارتسمت ورقة العشرة جنيهات «العابدونية» امامي وايقنت بانها ستكون سبب هلاكي.. فعبرت الكبري وواصلت السير.. في طريق الجامعة متجها إلى رئاسة شرطة المديرية التي كان مقرها مجلس الوزراء الحالي .. وحرصت علي ان لا تتعدى سرعة العربة التي اقودها بنفسي الخمسة اميال في الساعة. تحسباً لموتة هادية.. طلقة تخُمَّنا!!
وعلى جانبي الطريق.. كانت مجموعات من الرجال ذوي السحنات السوداء والسمراء.. المجللة بالتراب والعرق التي يطل من عيونها العناء والسهاد والرهق.. وكانوا جميعا.. في قمصان ومنطلونات مدنية.. يحملون الكلاشنكوفات وانواعاً اخرى من الاسلحة التي لم ارها من قبل.. كما كانوا جميعهم مزودين بالسلاح الأفريقي الدفاعي.. ماركة Hijabat «حجابات» تطوق اذرعهم.. وتتدلى كالنياشين على صدورهم وطلبت مني اول مجموعة ان أتوقف.. ففعلت ولم اترجل من السيارة.. فاقتربوا مني.. فلاحظت في عيونهم دهشة من هذا البوكس الاصفر ذي العرف الاحمر.. والضابط «الحمريطي» الذي يقوده.. في زيه العسكري الابيض وغطاء راسه الازرق .. فسالوني بتهذيب عن وجهتي.. فتعمدت ان اجيبهم بحزم ورباطة جاش.. انا ماشي استلم المناوبة في رئاسة المديرية... فسمحوا لي بالمرور.. فواصلت سيري وتوقفت عند المجموعة الثانية وقلت لهم .. أنا ماشي أستلم عمل الضابط المناوب في رئاسة شرطة المديرية.. فاذنوا لي بالسير.. فسرت ثم توقفت.. ثم سرت.. وتوقفت وكانوا يسالونني نفس السؤال ولايزيدون واجيبهم.. بنفس الجواب ونفس الحزم.. حتى وصلت المديرية.. فاحاط بي الضباط الموجودون بها منذ الخميس.. يسالون عن الحاصل... وكيف وصلت اليهم من الخرطوم بحري.. وجوانب الخرطوم تهتز باصوات المدافع.. والقوات الغازية.. تنتشر في كل المواقع وحكيت لهم بالتفصيل.. مارايت وتعامل الجماعات المسلحة معي وسماحها لي مواصلة السير.. فعلق احد الضباط ساخرا وقال..الجماعة افتكروك الملحق العسكري الليبي.. وقال اخر.. جايز.. فاكرنك.. قريب غازي صلاح الدين الذي كان يحتل دار الهاتف مع عبدالاله خوجلي.. شقيق حسين- وقد صرع ولاقى ربه وهو يدافع عن موقعه!!
وثم توليت مهمة مناوبة الدفع المقدم.. و«توهطت» وجلست وبدات.. اكتب.. واكتب بلا توقف والانباء والاقاويل تنتشر والتعليمات تتوالى.. وتتضارب احيانا والاخبار.. تجيء من كل صوب وناحية.. والطلقات وهدير المدافع لا يتوقف.. والموتى يتساقطون هنا وهناك والجثث على الطرقات ولا احد يجروء على بلوغها.. وظللت اكتب واكتب.. علي مدي ثلاثة ايام.. فسودت ثلاثة دفاتر احوال.. ولم اتنفس الصعداء.. حتى انقضى الأمر.. وعاد النميري يلعلع من جديد!!
فقد نجح العميد م. محمد نور سعد.. في تنفيذ خطته.. واستطاع الاستيلاء على الاذاعة والتلفزيون والقيادة العامة وسلاح الاسلحة... والمهندسين ودار الهاتف وقد دخلت قواته الخرطوم وأمدرمان بحيلة ذكية.. في عربات كبيرة .. مكتوب عليها هيئة توفير المياه .. والتي اعتاد الناس على رؤيتها تدخل العاصمة وتخرج منها.. ومع كل هذا النصر الذي حققته قوات الجبهة الوطنية بقيادة العميد م.محمد نور.. الا أنها في النهاية... أي بعد ثلاثة ايام بالتقريب.. هزمت شر هزيمة.. واستعاد النميري قبضته على مقاليد الامور.. ودفعت الجبهة الوطنية ثمنا غالياً.. أفلت منه قادتها بالهرب.. ودفن المئات تحت الثرى.. قتلا واعداما.. واكتظت السجون والمعتقلات .. ولكن لماذا هزمت قوات الجبهة الوطنية.. بعد الفوز الكاسح الذي حققته؟!
لقد كانت الاسباب عديدة.. بعضها مسؤولية الجبهة.. وبعضها من تصاديف القدر ومنها:
1/ ان الخيوط التي تجمعت بايدي السلطة واجهزتها الامنية.. والتي كانت تشير بقوة الى وقوع حدث ما.. هيأتها نفسيا.. ولم تؤخذ على حين غرة .. ثم ان الاعتقالات التي تمت على ضوء هذه الخيوط.. قد أضعفت قوة الجبهة الداخلية المساندة للغرور وأربكتها..
2/ ان المجموعة التي كلفت باحتلال .. دار الاذاعة والتلفزيون .. الحقت اضرارا بالجهازين .. ولم يكن من بينها فنيون .. وقد تمكن مهندسو هذه الاجهزة .. من الفرار وبذا عجزت.. قيادة الجبهة الوطنية من اذاعة بيانها ومخاطبة الجماهير والافصاح عن نفسها وهويتها.
3/ نجاح السلطة.. في مخاطبة الجماهير بلسان اللواء الباقر .. عبر اذاعة بثت برامجها من سلاح الاشارة . سمت قوات الجبهة «بالمرتزقة الغزاة» وحرضت الجماهير على مصادمتهم ومقاومتهم.
4/ فشل الجهات المنوط بها .. توفير احتياجات القوة .. من ماكل ومشرب ووسائل نقل واتصال .. في مهمامها .. كما فشلت في توفير الزي العسكري للمحاربين والذي كان سيخلط الحابل بالنابل ويقلب الموازين
5/ وصول طائرة النميري .. الى مطار الخرطوم قبل نصف ساعة من الموعد المضروب لها .. فغادر المطار.. قبل وصول القوة المكلفة تدميرها .. بمن فيها .. فور هبوطها..
6/اخطأت قوات الجبهة في الاتي:
آ- عدم تامين منطقة بحري والقيادات العسكرية فيها.
ب- عدم الاستيلاء على مواقع الامن والشرطة والاستهانة بقدراتها مما جعلها تساهم بفعالية في افشال الغزو
ج- استفزاز القوات المسلحة.. باحتلال القيادة العامة .. وبعض القيادات الاخرى.
د/ تفلت بعض أفرادها .. واطلاقهم النار بلا مبرر .. على المواطنين الابرياء .. فازهقت العديد من الارواح واستعدت المواطنين عليهم
7/لقد كان قادة الجبهة في عجلة من امرهم وفي شوق عارم لكراسي السلطة .. شوق العرسان لـ«الكوشة الزفاف»، ولولا ذلك لما جاءوا غزاة عبر الحدود وده الكلام البجنن «بوبي» السوادني.. ولو انهم صبروا وحشدوا قواتهم بالداخل .. ثم انقضوا على السلطة لانتهي العهد المايوي عام 76.. وهبت ثورة الانقاذ الوطني في اي شهر من شهور 1979م .. وانا ماشي نيالا..!
نواصـــل...
أبوسهيل
10-21-2009, 07:09 PM
أيــــام النمـــيري (19)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
خلصنا في الحلقة الماضية الى أن الغزو المسلح الذي أعد له ونفذته الجبهة الوطنية بقيادة العميد«م» محمد نور سعد.. قد هزم تماماً.. وتفرقت عناصره.. بين هارب أو قتيل .. أو معتقل .. وتعد قادة الجبهة الوطنية جميعهم«وبسلامتهم» بجلودهم ولم يمت او يعتقل منهم احد.. وتلفت القائد العسكري الهمام.. يمينا ويسارا.. ولم يجد حوله الا جنديا واحدا.. وسائق عربته..فانطلق بهما هاربا.. في اتجاه الدويم ولعله.. كان ينوى الانحراف غرباً.. املاً في بلوغ معسكرات الجبهة بليبيا مرة اخرى.. فاخطأ للمرة الثانية .. ولم يتوخَ الحيطة والحذر.. واتصل ببعض المواطنين ربما بحثاً عن مأكل او مشرب او وقود فشكوا في امره.. وابلغوا .. قوة من قوات المطاردة المشتركة.. من الجيش والشرطة والأمن .. فاقتفت اثره.. واعتقلته .. في ضواحي .. الدويم الشمالية ودون مقاومة.. وجئ به يرسف في الاغلال .. واجهزة الاعلام تضج بالتهافات .. احتفالاً بالنصر المبين وتشكلت المحاكم العسكرية في جبل الاولياء وامدرمان.. والخرطوم بحري وغيرها للبت في مصائر قرابة الاربعمائة معتقل.. رماهم الحظ العاثر.. في يد من لا يرحم .. ودفن المئات تحت الثرى .. قتلا واعداما في ساحات المعارك.. وساحات المحاكم ودارت عجلة الزمن.. ونسيهم الناس ونسيهم حتى القادة الذين غرروا بهم وساقوهم دون وعي منهم .. الى الموت الزؤام . ومن ضمن المحاكم العسكرية التي تشكلت كانت المحكمة .. التي نظرت .. قضية العميد.. محمد نور سعد.. وعدد«22» متهماً آخرين.. بالخرطوم بحري.. وباشرت عملها يوم 26/7/76.. وقد حرصت كل الحرص على حضور جلسات هذه المحكمة رغبة مني في معرفة «الحاصل بالضبط».. والتعلم وقد تجبرني الظروف ان اقف في مثلها مدعياً .. او قاضياً .. او ربما لا قدر الله متهماً.. ولما جئ بالمتهمين وعلى رأسهم العميد «م» .. محمد نور.. بهرني باتزانه ورباطة جأشه .. وقد جلس والاغلال في يديه يحمل قلماً واوراقاً .. يكتب .. ويسجل فيها ما يقال .. ويدون فيها ما يود ان يقول وكان أنيقاً جداً في زيه السوداني.. بالجلباب الابيض والعمامة .. وابتسامته الناصعة البياض .. والتي ظلت مرسومة في فيه .. على امتداد الجلسات ..ومع هذا .. فقد غشيتني حالة من الحزن وخنقتني العبرة من اجل المتهمين الآخرين الذين كانوا حوله وآثار اللكمات .. والكدمات .. بادية على وجوههم .. وعيونهم .. وعناء السهر والتحقيقات .. والاعتقال تنضح به.. اجسادهم المتهالكة .. الخائرة فخروا جلوساً على كنبات المحكمة .. ولما ضربهم هواء المكيفات البارد.. راحوا جميعاً .. في سبات عميق .. وشخروا وفندقوا خشومهم اليابسة في اتجاهات شتى كلوحة سريالية تعبر عن اليأس والشقاء .. ولم يكن يعنيهم .. ما ستفعله المحكمة بهم.. او كأنهم اكتفوا من الدنيا بهذه«الصقطة الواقفة» حولهم بفضل المراوح والمكيفات.. والماء البارد.. لمن أراد .. ولم اتصور مطلقاً.. بانهم لم يكونوا على علم بجسامة .. الجريمة .. التي يحاكمون بموجبها والتي غالباً ما تقود للمشنقة .. او الدروة.. ظللت اتابع جلسات المحكمة .. ويزداد اعجابي .. بثبات ..محمد نور .. وحرصه على الاستماع .. والتهيؤ للدفاع عن نفسه ويزداد حزني .. على اليائسين من حوله الذين «قنعوا من خير فيها».. وفضلوا قضاء ما تبقى من اعمارهم.. نوماً.
وخلال احدى الجلسات .. ادخلت ورقة لرئيس المحكمة فاطلع عليها.. وقال ترفع الجلسة .. ويسمح للمتهم .. العميد «م» محمد نور سعد.. بالخروج لمقابلة والدته.. وأخيه اللذين ينتظرانه خارج المحكمة .. وخرج محمد نور مصحوباً بحراسته.. والاغلال في يديه وخرج كل جمهور المحكمة ليشهد اللحظات الانسانية المفعمة بشتى المعاني بين الام والابن في مثل هذه الظروف الاستثنائية.. وجاءت الام تمشي نحو ابنها .. نحيلة ...هزيلة . آثار المعاناة والشقاء.. ومكابدة شظف العيش بادية عليها.. وظاهرة ظهوراً غير مختلق او مفتعل .. وكانت ترتدي ثوب زراق«من الطِرقة» مهترئ.. وتنتعل سفنجة .. مقطوعة .. وموصولة بسير بلاسيتك .. تظهر فيها قدمان .. جافتان مشققتان جراء السعي والعمل.. وكان الاخ.. يرتدي قميصاً .. ومنطلوناً .. عليها آثار اتربة .. وجير وبوهيات .. اقتربا . من المتهم .. ومدا يديهما إليه بالسلام والتحية .. دون حرارة ودون انفعال.. لم يحتضنه احد ولم تصرخ والدته او تبكِ .. بل ولم تدمع.. ووقف الشقيق جامداً يرنو إليه .. ولم يتدخل احد من المحكمة لإنهاء هذا اللقاء ولكنها الوالدة هي التي فعلت.. فأمسكت بيده .. واعتصرتها وهي تقول أها .. ودعتك الله ياوليدي . شد حيلك .. واخذت بيد اخيه او شقيقه .. لست ادري .. وقفلا عائدين وعاد محمد نور .. الى قاعة المحكمة .. وتواصل الاستماع .. الى شهود الاتهام، ظللت واقفاً خارج المحكمة .. وقد غامت الدنيا في وجهي .. واهتزت الصورة التي رسمتها للمتهم في خيالي .. وسمعت صوتا في داخلي يقول.. لقد تمت المحاكمة الفعلية .. خارج المحكمة .. وقررت الذهاب وعدم متابعة اجراءات المحكمة... او حتى الاهتمام بالعقوبات الباطشة التي وقعتها عليهم جميعاً وآثرت البقاء في قسم مرور الخرطوم بحري الذي اديره.. واشرف على قوة الشرطة الموجودة في حالة استعداد استمر .. لقرابة الشهرين.. وعبر رجال من اهالي شرق النيل.. عن فرحتهم بانتصار الرئيس«ابو عاج» على اعدائه.. فتبرعوا لقوة الاستعداد.. بقطيع من الخراف.. وظل رجالنا .. ينحرون بعضها كل صباح .. ويطبخونها.. في «قيزانات» اي حلل كبيرة «اكس لارج».. وكان الرقيب اول حسن سعد عليه رحمة الله.. يشرف على هذا العمل.. ويضبط توزيعها على العاملين بعدالة.. وحتى لا ينفرد البعض .. بالدوش والمطايب ويترك للآخرين.. الكوارع والعكو ورأس النيفة.. وصادف ذلك .. ان جاءت مجموعة من الجعليين الى القسم اثر حادث حركة .. فنظر شيخهم الى المرحوم حسن سعد... وقاله له .. الجنا جعلي؟! فرد عليه .. احمد الله!!.. فقال الشيخ .. علي بالطلاق . جدك عبدالله ود سعد لو حضرك .. وانت مباري القيزانات والحلل كان .. ضبحك .. قبال الخرفان!! فضحك المرحوم حسن سعد.. وقال ياشيخنا علي الحرام .. جدنا عبدالله ود سعد.. لو حضر الزمن ده .. كان حش البصل.. ودقّ التوم!!
المهم.. وبعد ان «خلّص» النميري على كل المتهمين .. الذين تم اعتقالهم من عناصر الجبهة الوطنية.. لم «تبرد بطنه» والاحكام على قسوتها.. لم تشفِ غليله.. وقد أفلت جميع قادة الجبهة من القبض والموت .. فأمر بمحكمة سياسية لمحاكمتهم غيابياً.. ترأسها .. عبدالله الحسن الخضر.. وكان ادارياً ودبلوماسياً.. وكلف بحقيبة الداخلية من بعد ذلك .. ومثل القوات النظامية الراحل الفريق اسماعيل عطية.. وعن المزارعين حسن مصطفى ..وعن العمال جماع شاور.. كما مثل الرأسمالية الوطنية فؤاد مكي عبده.. اي ان المحكمة كانت تمثل تحالف قوى الشعب العامل.. في منظومة الاتحاد الاشتراكي السوداني.. ومثل امام هذه المحكمة الغيابية على «الهواء مباشرة» الصادق المهدي.. والشريف حسين الهندي .. وإبراهيم السنوسي.. والفاضل ومبارك عبدالله الفاضل.. الصادق يعقوب.. ميرغني ضيف الله.. احمد سعد عمر.. والدكتور زكريا بشير امام.. قريب الله خليل.. حسن دندش.. عبدالدائم ابوبكر.. نصر الدين الهادي.. محمد عبدالجواد .. عبدالحميد صالح ..محمد صالح عثمان صالح.. عثمان خالد مضوي .. بابكر كرار.. عمر نورالدايم .. توفيق عثمان صالح.. الصادق بله .. ناصر الدين السيد..وقد اصدرت حكماً بالإعدام والتجريد من الممتلكات على المتهمين الثمانية الاوائل.. واحكاماً اخرى بالسجن على باقي المتهمين..!
وكما يقول المصريون.. ظل النميري خلال النصف الأول.. من حكمه المديد« يطلع من حفرة ليقع في ضحديره» .. او بالسوداني .. يقوم ويقع.. فقبل بعد كل العناد .. ان يستمع للناصحين من العقلاء حوله.. وفهم بان«الاحزاب البائدة» لن تتركه يهنأ بالسلطة.. وقد خبرتها وذاقت حلاوتها من قبله .. والحل الوحيد هو اشراكها في السلطة لتستمتع بنصيبها من «ويكة» وليس «كيكة» السلطة.. فاستجاب واعطى.. الضوء الاخضر.. بذلك.. فتحركت سيارات المصالحة ..!!
وقبل ان يكتمل الحول.. على الجبهة الوطنية.. بعد هزيمتها في يوليو 76 .. تحرك عراب المصالحة الوطنية الاداري المشهود له بالكفاءة.. ورجل الاعمال الناجح الراحل فتح الرحمن البشير.. واستطاع ان يفاتح الصادق المهدي خارج الحدود في فبراير 1977م... ثم كان لقاء الصادق.. مع النميري في يوليو 77 بمدينة بورتسودان والاتفاق فيه على اصدار عفو عام.. وإلغاء المصادرات واطلاق سراح المعتقلين.. ومن ثم تنفيذ برنامج اصلاحي وطني.. عبر فترة انتقالية.. غير ان الشريف حسين .. والاخوان المسلمين لم يرفضوا الفكرة .. ولكنهم رفضوا اسلوب الصادق المهدي.. وعلى نظرية وجوب طرق الحديد ساخناً.. سافر عمر محمد الطيب .. وابو القاسم .. الى لندن .. حيث التقيا بالشريف حسين .. وجاءا منه بخطاب شهير للنميري وعد فيه بالعودة الى السودان .. ودخلت المصالحة الوطنية .. طور التنفيذ.. وعين الصادق المهدي.. والسيد احمد الميرغني.. احمد عبدالرحمن المهدي.. عبدالحميد صالح .. حسن الترابي .. احمد السيد حمد.. جميعاً اعضاء في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي .. الحزب الحاكم .. كما عين بكري عديلا محافظاً.. ويسن عمر الامام عضواً في مجلس الشعب وآخرون في مواقع تنفيذية ... وبقي الشريف حسين كالسيف وحده ولم يصالح ولم يعد للبلاد الا جثمانه الطاهر.. وتعثرت خطوات المصالحة الوطنية.. وقد تنبه الحزبان ..الاتحادي.. والامة بأنهما قد خسرا كل شئ .. وان النظام المايوي قد ازداد منعة وراحة بال بهما. فانسلخا وجمدا نشاطهما.. وبقي الترابي وجماعته يجوسون بين المايويين.. ليس اقتناعاً بفكرهم ..ولكنهم..«كانوا راقدين فوق راي» .. وقد ظفروا بالفعل . بمايو كلها .. وتسربوا في مفاصلها.. وعلى رأي المثل السوداني.. «جداد بره .. طرد جداد جوه».. فإن عناصر الجبهة الاسلامية قد زاحمت الحرس المايوي القديم وحجمته .. وعلا صوتها .. بالحديث عن الشريعة الاسلامية السمحاء ..وعن أشواق اهل السودان لها.. واستطاعوا في نهاية المطاف .. ان يحولوا .. النميري.. الى صفهم.. فطبق قوانين سبتمبر 83 المستمدة من الشريعة تطبيقاً.. ما حصلش قبل كده..!
نواصـــل...
أبوسهيل
10-23-2009, 03:17 PM
أيــــام النمـــيري (20)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
بعد انتقالي من عطبرة.. إلى إدارة المرور بمديرية الخرطوم.. ظللت رئيساً لقسم مرور الخرطوم بحري.. من بدايات العام 74 وحتى نهايات العام 1976م.. وعاصرت كثيراً من الأحداث في العهد المايوي.. وقد استعرضت معظمها في الحلقات الماضية.. وتبقت في الذاكرة بعض الأحداث أو المواقف الطريفة.. والتي لا يربط بينها رابط.. إلا حدوثها.. أثناء قيامي بواجباتي.. كضابط مرور.. ومنها بالتحديد حادثة تلقي ظلالاً من الضوء على شخصية الرئيس الأسبق النميري.. وحرمه السيدة الفضلى بثينة خليل.. لقد كان هناك مؤتمراً.. أو مهرجاناً ضخماً يقيمه.. اتحاد نساء السودان وقد حشدت له جموعهن حشداً.. وشد الشريط التقليدي ووقفت الصبيات الجميلات يحملن الورود.. والمقص.. في انتظار وصول الرئيس.. لقص الشريط.. ايذاناً بافتتاح المهرجان.. والدخول في فقرات البرنامج.. وكنت الضابط المسؤول عن ضبط حركة المرور في النقطة الأخيرة المؤدية إلى سرادق المهرجان.. وكانت التعليمات المستدامة في مثل هذه التغطيات.. أن تجئ إحدى دراجات المرور البخارية.. وهي «تولول» لتعلن لرجال المرور وغيرهم بأن موكب الرئيس سيتحرك فوراً.. وعلينا نحن رجال المرور.. أن نغلق كل التقاطعات ونخلي الشارع.. وأن لا نسمح بدخول أي شخص.. راجلاً كان أم راكباً.. مهما كانت مكانته السياسية أو الاجتماعية ولا يستثنى من ذلك.. إلا قادة معروفين من الأمن والشرطة.. محددة أدوارهم في برنامج المناسبة الصادر.. ونفذت الأمر بحذافيره بعد مرور الموتر الأول وتوقفت الحركة تماماً في انتظار الموكب.. ولكني رأيت عربة السيدة بثينة حرم الرئيس.. وقد أوقفها رجال المرور ومنعوها من بلوغ سرادق المهرجان فلم أتدخل.. باعتبار.. أن الأوامر يجب أن تنفذ وأن على السيدة الفضلى أن تتحمل مسؤولية تأخرها عن الحضور في الموعد المحدد.. ولكن السيدة تصرفت بذكاء.. فتركت عربتها وجاءتني «راجلة» وصافحتني وقالت: يا ولدي.. أنا اتأخرت فعلاً.. وهذا المهرجان للمرأة.. يخصني جداً.. فإن سمحت لي بالدخول.. فلك الشكر.. وإن لم تسمح فهذا من حقك.. ولكن ثق تماماً بأنك ستخلق مشكلة بيني وبين الرئيس.. وإنت عارفه كويس!!
تأثرت جداً لحديث السيدة الفضلى المهذب وسمحت لها بالدخول.. وما أن فعلت.. حتى وصل موكب الرئيس فحمدت الله على ذلك كثيراً.. وقصصت ما حدث لمدير المرور وقتها.. فابتسم وقال: جات سليمة.. ولم أفهم شيئاً.. هل كان راضياً عن تصرفي أم غاضباً على.. عدم تمسكي بالأوامر.!!
لقد كان اللواء الطيب محمود بخاري.. عليه رحمة الله.. طيباً.. اسماً على مسمى.. وقد قضيت تحت إدارته سنوات ذاخرة بالعمل والبذل والعطاء.. وهو يقود دفة العمل بإدارة المرور على مستوى ولاية الخرطوم.. وكان بيننا ود واحترام متبادل.. يحتد معنا.. أحياناً حتى يخرجنا عن طور الانضباط.. ولكنه لا يخلط بين العمل والعلاقات الشخصية.. فما أن تنتهي جولة العمل.. حتى يهدأ.. ويروق.. ويبتسم في وجه الجميع.. وكأن شيئاً لم يكن.. ولما كانت المناسبات في القصر الجمهوري إبان العهد المايوي لا تتوقف درجت إدارة المرور على اصدار كشف أسبوعي.. يحدد المناسبة والضابط المسؤول.. عن تنظيم حركة المرور بشارع النيل.. أمام القصر.. مهمته الأساسية.. هي استقبال عربات الضيوف وتنظيم وقوفها.. حتى وصول موكب الرئيس ومن بعد ذلك لا يسمح لأحد بالوقوف أو حتى المرور.. أمام القصر وبعد انتهاء المناسبة.. أو العشاء غالباً.. يعزف السلام الجمهوري.. وينصرف الجميع.. وهنا تتجلى كفاءة الضابط ورجاله.. في تصريف جميع السيارات بأسرع ما يمكن حتى لا يتصل.. أي من المسؤولين.. بالمدير العام.. أو مدير المرور.. ويقول: الضابط ده جبتوه من وين.. ده عرقل الحركة ولخبطها.. وأنا قعدت ملطوع في عربيتي.. نص ساعة.. حتى قدرت أطلع.. غيروه طوالي!!
مثل هذه الشكاوى من بعض السادة الذين «يدعون الأهمية» ويحسبون.. أنهم مميزون أكثر من النميري ذات نفسه.. كانت تزعجنا كضباط صغار.. وتجعلنا لا نرغب في العمل في هذه المنطقة الحساسة والبتجيب الهوا.. كما يقولون.. وذات يوم كنت قد برمجت فيه برنامجاً للأسرة فوق العادة.. أخطرت بأن السيد المدير.. قد منح الضابط المكلف إذناً.. وأمر بأن أحل محله في تنظيم المرور.. حول القصر حتى ينتهي الاحتفال منتصف الليل.. فأخذت أرنيكاً مرضياً.. فكظم اللواء الطيب غضبه وعالج الأمر بنفسه وتحت إشرافه.. وعندما عاودت عملي بعد الراحه من المرض المفتعل.. شعرت بالخجل من نفسي.. وحزنت لأن مدير الإدارة الطيب.. لم يعاتبني أو يسألني.. وساورني شك.. بأن الرجل.. «سيكشني» بتقرير« يكسرني دنيا وأخرى» كما كان يقول أحد الزملاء الظرفاء.. وفي نهاية الأسبوع جاءني الساعي يحمل مظروفاً سرياً.. ومعنوناً لشخصي وباسمي.. فتوجست خيفة.. وحسبته.. استيضاحاً.. أو مجلس تحقيق.. فما بدر مني يبدو.. تافهاً ولكنه.. في حقيقته أمر خطير.. يهدم كل قواعد الانضباط.. ويهزم الأوامر والتعليمات التي هي عصب العمل الشرطي وفتحت الخطاب.. وفوجئت بمضمونه.. وكما يقول النحويون.. المدح في صيغة الذم.. فقد كان الخطاب عقاباً... في صيغة الاشادة.. إذ جاء فيه: نسبة للأداء المتميز الذي ظل يقوم به النقيب ـ اللي هو أنا ـ في تنظيم وتصريف حركة المرور في مناسبات القصر الجمهوري جمعيها.. فقد تقرر الآتي:-
- على النقيب محي الدين محمد علي.. أن يكون مسؤولاً عن تنظيم وتصريف المرور.. في كل مناسبات رئاسة الجمهورية.. بالقصر.. بصفة مستديمة
- لا يجوز.. أن يحل محله ضابط آخر إلا بموافقتي.
- يستمر العمل بهذا الأمر.. إلا إذا تم الغاؤه..
واستمر العمل بهذا الأمر وباءت كل محاولات إلغائه بالفشل.. مع اصرار اللواء الطيب بخاري عليه.. وأحسب أن الرجل قد لقنني درساً بليغاً.. علمني تقدير المسؤولية.. ودفعني لتطبيق دروس من هذا القبيل على العديد من الضباط.. وصف الضباط الذين عملوا معي.. وكانت النتائج باهرة.. وطيبة جداً..
وقد قيض لي هذا الوضع «الاستثنائي».. بالوجود قريباً.. من القصر الجمهوري.. في كل المناسبات.. أن أسمع .. وأرى.. ما لم يره أو يسمعه أحد.. فقد كنت وبعد أن يكتمل حضور المدعوين في كل مناسبة وتنظيم سياراتهم .. أجلس في عربة المرور.. المزودة بالاجهزة ..لاكون على الاتصال بالرئاسة وغيرها والترفيه بالاستماع لبعض شرائط الكاسيت.. وبينما كنت يوماً على هذا الحال.. رأيت رتبة عسكرية رفيعة جداً.. أوقف عربته بعيداً وجاء راجلاً.. وهو يرتدي ما يعرف بزي السهرة.. بدلة عسكرية كاملة بكرافتة.. وعلى رأسه.. غطاء .. يشبه ما يرتديه الضباط العراقيون ..ولما كان لي شرف العمل مع هذا الرجل .. في منطقة ما .. كان هو قائدها.. وكنت ضابط الشرطة فيها.. اسرعت بالنزول ولحقت به للتحية.. فحياني.. وسأل عن أحوالي.. ثم نظر إلى بعيد وصاح.. صيحة العسكر.. أمشي تمشي بطنك.. ونظرت فاذا هي حرمه المصون وهي تمشي بصعوبة «كالمخرطة» وقد دخلها الما بداوي.. ولما علم ما يدور في رأسي قال: يا ولدي.. ده حكم ابتكرو جعفر النميري.. قال نلبس كده.. وكل واحد يجيب مراته معاه .. لأن الساده الضيوف جايبين «مرتاتهم» معاهم.!!
وكان أخطر ما رأيت.. وأنا كالكاميرا الخفية داخل سيارة المرور.. والقصر يحتفل برئيس جمهورية الهند فخر الدين والوفد المرافق له.. وهو رجل مسلم.. وبدأت مراسم الاحتفال والعشاء.. ولم يمض وقت طويل حتى جاء النميري مسرعاً وحده ووقف في الشارع أمام مدخل القصر.. فوضع شيئاً في فمه ثم نفض يديه بعصبية.. ولحق به رجل جاء بجري.. ووقف أمامه كمن يقول أي خدمة يا ريس .. فقال له: امشي نادي فلان.. الحيوان ده... فذهب الرجل وجاء«فلان» فثار النميري في وجهه.. وقال له: أنا مليون مرة قلت ليكم .. في حالة الضيوف المسلمين.. ما تقدموا خمرة.. ما تقدموا خمرة.. قدمتها ليه.. أنا بهظر معاكم.. أمشي بيتكم طوالي.. وافتح الراديو.. وعاد النميري إلى داخل القصر.. وظل الرجل.. يجري يسرة ويمنة بحثاً عن سيارته.. حتى وجدها وتحرك بها.. بجنون وقمنا في عربة المرور.. بفتح إذاعة هنا أمدرمان التي لم تلبث وقطعت إرسالها لتقول: جاءنا الآن ما يلي.. أصدر السيد رئيس الجمهورية قرار باعفاء «فلان الفلاني» من جميع مناصبه.. ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.. والحوقلة دي.. مني أنا.
نواصـــل...
أبوسهيل
10-24-2009, 10:48 PM
أيــــام النمـــيري (21)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
في 25 مايو 69... قلب النميري الطاولة على الأحزاب التقليدية.. التي كانت.. ولا زالت هي محور الحركة السياسية في السودان.. وتربع على كرسي الرئاسة والقيادة وبدا يدخل في قلوب الناس.. من اتجاهات عديدة.. كان أولها.. الضيق والتبرم من الأحزاب السياسية.. وانشغالها عن قضايا الشعب وانصرافها.. للمكايدات السياسية.. وكثرة الحديث.. والخطب الجوفاء.. كما دخل إلى قلوب الناس بشخصيته العسكرية القوية وشجاعته التي رويت عبر ماضيه العسكري.. والتي عكستها مواقفه.. وهو يدير شؤون البلاد.. ودخلها أيضاً.. بوطنيته الصادقة الخالصة التي أجمع الناس عليها.. ولم يختلفوا حولها.. وأكدتها مواقفه المختلفة.. ولكن النميري.. في تصوري.. قد دخل قلوب الناس.. وتربع فيها.. بشخصيته السودانية الأصيلة.. وبساطته.. وشعبيته.. التي لم يكن يفتعلها.. وقد بلغ الناس.. أن النميري لما دخل القصر الجمهوري لأول مرة.. رئيساً.. ورأى الأطباق الفاخرة تنوء بما تحمل من اللوز والبندق والفستق وعين الجمل.. وغيرها من الحلويات والفواكه القادمة للبلاد عبر المحيطات من شتى أنحاء الدنيا.. لم يتمالك نفسه فأطاح بها وقلبها رأساً على عقب وأمر باستبدالها الفوري بالمنتجات السودانية من القنقليز والتمور.. وفول الحاجات.. وأن تستبدل عصائر التفاح والكمثري.. بأخرى من العرديب والكركدي.. والقريب.. وغيرها من فاكهة الوطن.. ومن اللطائف.. أن لقاء جماهيرياً ضخماً عقد.. بالخرطوم.. في ساحة عامة.. وكانت المنصة دائرة في قلب الجماهير يجلس عليها.. النميري وسط.. أعضاء مجلس قيادة الثورة.. بتشكيلته الأولى.. ومن على البعد.. لمح النميري.. عمنا الرقيب شرطة...أبو خضرة يضع سفة السعوط في فمه ثم يقفل الحقة.. ويضربها كما يفعل الكييفون.. عادة.. ثم يدخلها جيبه فوقف النميري.. وأشار إليه وطلب منه الحضور إلى المنصة.. فتخلص أبو خضرة من السفة بحرفنة واخترق الجماهير حتى وقف أمام النميري فقال له: ساعوطك البتشكر فيهو ده وين؟! فاضطرب أبو خضرة.. وقال: والله العظيم ما شكرته!! فقال النميري: طيب جيب الحقة.. فأخذها.. ودردم منها سفة قوية.. وضعها في فمه وأعاد الحقة إلى صاحبها في لقطة نادرة بين رئيس.. ورقيب تعبر بقوة عن تواضع النميري.. وبساطته وانتمائه القوي .. لعامة الناس.. وتمرده على البرتكولات.. والاتيكيتات التي لا تتواءم في كثير من الحالات.. مع سلوك المواطن السوداني بصفة عامة..
لقد كان النميري مزيجاً.. سودانياً خالصاً يمكن أن ينسب لأي جهة من السودان شكلاً ومسلكاً.. ورغم سنوات الحكم والسلطة والأضواء والهتافات والأناشيد.. فقد ظل النميري على حاله.. يصل أرحامه ويزور أصدقاءه.. ويرتاد بيوت الأفراح مهنئاً ومباركاً ومشاركاً.. ولا يتخلف عن المآتم.. مواسياً ومعزياً ومجاملاً.. وقد رأه الناس يبكي ويدمع ويجأر بالبكاء عند رحيل الزعيم جمال عبد الناصر.. ورأيته كما رويت في مقال سابق وهو يرتمي على جذع نخلة في ودنميري.. ويجعر بالبكاء من فرط تأثره بمشاعر الحب التي أحاطه بها أهله.. وكثيراً ما رأيناه.. يضحك من أعماقه.. ويحزن ويغضب ويطرب.. ويرقص وقد شهدته عن قرب في مدينة جوبا.. وهو يشارك الجميع في حفلات «الترم ترم» والرقص على ايقاعات.. «كيري كيري أفريكا» وأغاني شرق إفريقيا.. بالسواحلي.. وسعدت برؤيته أثناء حفل أقامته فرقة الفنون الشعبية بالمسرح القومي عندما قدمت إحدى قبائل الجنوب المغمورة رقصة نادرة على ايقاع نادر هز مشاعر... الجميع ولكن النميري لم يتمالك نفسه فقفز بقوة وصعد المسرح وشاركهم.. الرقص بصورة أدهشت الجميع.. وأذهلت ناس القبيلة ذاتهم.. لأن الرئيس كان يرقص ببراعة وكأنه نشأ وترعرع وسط هذه القبيلة!!
وللنميري مواقف كثيرة.. تكشف عن معدنه.. السوداني الأصيل.. وتواضعه الذي ظل يلازمه.. على امتداد سنوات حكمه.. وبعدها.. وقد رأيته مرة يشارك في.. مناسبة دينية بدار الأدارسة في أم درمان.. ولما خرج الناس من داخل الصالون.. إلى خارجه كما اقتضت ظروف الاحتفال.. خرج النميري.. يحمل كرسيه بنفسه.. ولم ينتظر أن يقوم أحد بذلك نيابة عنه.. باعتباره رئيساً سابقاً للبلاد.. مع رغبة الكثيرين في حمل الكرسي عنه.. وقد شهدته إبان حكمه.. وفي معيته.. «مظاريف» كثيرة بها.. عطايا من المال.. كان يوزعها بنفسه.. على رجال ونساء عرفهم وعاشرهم إبان عمله بدارفور.. في بدايات عمله بالقوات المسلحة.. وقد حدث أن جاءت امراة عجوز من دارفور إلى الخرطوم بغرض.. اكمال اجراءات سفرها للمملكة العربية السعودية لأداء فريضة الحج.. ولما كانت التصديقات بالخروج والسفر بالنسبة للنساء معقدة.. لمسائل عديدة تتصل بالعمر.. والمرافق.. والفحص فإن هذه العجوز قد رفض طلبها ولما كانت تعرف النميري قبل عقود من الزمان عمل فيها.. بدارفور.. سعت لمقابلته.. ولكنها لم توفق.. فاختارت بذكاء.. أن تقف بشارع النيل.. قريباً من القصر.. عسى أن يبصرها.. النميري فتفاجأت.. عندما أوقف النميري موكبه.. وترجل عن سيارته وجاء إلى السيدة العجوز وحياها بالأحضان ثم أخذ بيدها.. ومشى معها راجلاً حتى أدخلها القصر.. وأكرمها واستمع إليها.. ثم اتصل بالجهات المسؤولة.. وكلفها باكمال اجراءاتها وحتى ركوبها الطائرة إلى الأراضي المقدسة.. ومما يروى في هذا الجانب الشخصي من النميري.. أنه ذهب لزيارة مصلحة ما.. بعربة خاصة.. في زيه القومي.. فاعترضه خفير المصلحة.. فقال له النميري: إنت عرفتني.. فقال الخفير وهو «من عندنا»: طبعاً عرفتك.. إنت النميري.. رئيس السودان.. بس الأوامر من المدير العام ما حدش يخش!! وحسم رجال الأمن المرافقون الأمر.. ودخل الرئيس المصلحة.. وأدخل «الخفير» حراسة الأمن .. وبعد يوم أو يومين.. سأل عنه الرئيس.. وأمر باحضاره أمامه.. وطيب خاطره.. ووضع في يده مظروفاً مريحاً.. فقبضه الخفير اللي من عندنا.. ووضعه في جيبه.. ولم يسكت بل زود الرئيس بنصيحة غالية: شوف يا ريس إنت ما تشوف الفيل.. وتطعن في ضله..!
وعلى امتداد الزيارات المتبادلة بين مصر والسودان.. فقد كان الكتاب.. والصحفيون المصريون.. لا يصدقون ما يرونه ماثلاً أمام أعينهم.. والرئيس يجوب القصر.. يداعب العمال والجناينية.. ويتطلف مع المراسلات والسعاة.. وكانوا يعكسون ذلك على صفحات الجرائد والمجلات المصرية.. بدهشة بالغة.. وقد حكى لي أحد موترجية تشريفة موكب النميري بأن الرجل.. إذا ما أحس بأن العمل كان مرهقاً.. جاءهم بنفسه يحمل إليهم بعض المأكولات والحلوى والكيك.. ويوزعها عليهم.. ولا نكاد نذكر.. أن النميري على امتداد سنوات عمله. كان يهرب من جحيم العمل المتواصل إلى منتجعات العالم السياحية ليتزود بقسط من الراحة والاستجمام.. وعمل chek كما يفعل رؤساء الدول عادة.. بما فيهم الدول النائمة التي لا تملك قوت يومها.. ولكن النميري كان يقتل العمل بمزيد من العمل.. ويجد متعته وراحته النفسية في زيارة مناحي السودان المختلفة والاختلاط بأهلها.. يأكل من أكلها.. ويشرب على القذى من مائها.. وقد شكا له.. أحد المواطنين في منطقة ما جاء يحمل قرعة ملأى بالماء الأخضر.. وقال دي مويتنا يا ريس.. فامسك بها «وقرطعها».. ولم يبق منها سوى القليل.. أعطاه لزوجته فشربته.. حال خادم الفكي!! ولعل المنتجع السوداني الذي كان يركن إليه.. هو قصر متواضع شيده في أرض أجداده.. بود نميري.. وكان يأتيه في كل عام مرة في شكل رحلة ترفيهية.. يرافقه فيها من يختارهم من الأصدقاء والأقرباء.. وبعض الظرفاء والشعراء.. ومداح الرسول صلى الله عليه وسلم .. كما كان يحرص على برنامج.. صباحي للرياضة.. وضرب النار.. وكان ينصب أمام قصره المتواضع.. خيمة ضخمة مهيأة بالمفاريش والكراسي.. مفتوحة للجميع يدخلونها بدون فرز يجلسون حيث شاءوا.. يأكلون من أطباق البلح.. ويشربون الماء المثلج.. والشاي الذي يطوف على الناس بلا توقف.. مثنى وثلاث ورباع.. وأكثر لمن يرغب.. وكان الرئيس يجلس بين الناس يستمع إلى تعليقاتهم وأحاديثهم وقفشاتهم.. ويتحدث كثيراً.. في مواضيع شتى.. بعضها سياسي.. وبعضها أي كلام .. وقد استرسل مرة في الحديث عن أمريكا.. وقال.. إنها قادرة على تغيير أنظمة الحكم في العالم الثالث بالتلفون.. بواسطة عملائها في الداخل.. وهسع أنا.. قاعد معاكم هنا.. جايز واحد ينط فوقها.. فهاج الحضور وقالوا: والله أبو أمريكا.. ما يقدر يشيلك.. واللي ينط فوقها.. والله نقطعوا.. حتت حتت.. ضحك النميري.. وارتاح لحديث ضيوفه.. وقال: على كل حال .. البجي بعدي ودي سنة الحياة.. أنا عملت ليهو خوازيق.. لا بقدر يتحملها.. ولا بقدر يغيرها.. أولها الحكم الذاتي لجنوب السودان.. تاني زول بهبشوا ما في.. والحكم الاقليمي في الولايات الشمالية.. أداهم سلطات.. ومن يحاول انتزاعها منهم.. حيتمردوا عليه.. وتطبيق الشريعة ما يقدر راجل تاني يلغيها.. والبحكم بعدنا حيمشي في نفس سكتنا.. وده المطلوب.. فهل صدق النميري؟!
يبدو أن النميري.. قد فكر في «خازوق» جديد.. لمن يحكم بعده.. فأراد أن يستن سنة.. تلزم كل رئيس بالصلاة.. ولو جمعة واحدة في العمر.. في الجامع الأثري.. الذي شيده المسلمون.. على عهد القائد عبدالله بن أبي السرح في منطقة دنقلا العجوز.. وهو أقدم مسجد في السودان بلا منازع.. وكعادته قرر أن يصلي الجمعة.. مع المواطنين الذين هرعوا إلى هناك في انتظاره.. فنحروا الذبائح .. وهيأوا المسجد.. النائئ.. عن مناطق العمران والسكن.. وصلى النميري الفجر في ود نميري وتحرك ومن معه.. علي ظهر«اللنش عروس» وكان يقوده بنفسه.. وكانت الرحلة عكس التيار.. الذي قوياً وعاتياً.. بفعل «الدميرة».. وظل «اللنش» يمشي خطوة اتنين مستحيل.. أو صار كالطائر الطنان.. الذي يظل يرفرف ثابتاً ليتمص رحيق الزهور.. «فاللنش» كان ثابتاً.. وكذلك الشطئان.. والنيل يجري وحده في اتجاه الشمال.. وعندما وصل النميري.. إلى جامع دنقلا العجوز.. كانت الشمس.. تختفي خلف ذؤابات النخيل ولم يبق.. إلا بضعة رجال.. ظلوا في الانتظار فصلى.. معهم صلاة المغرب.. وعاد.. من طيبة أول جمعة .. للدار.. منكسف..!!
نواصـــل...
أبوسهيل
10-25-2009, 03:24 PM
أيــــام النمـــيري (22)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
بناءً على طلبي .. نقلني اللواء حسين عثمان أبو عفان .. مدير الجوازات وقتها إلى دارفور.. ونفذت أمر النقل بالفعل وعدت للخرطوم.. لمعالجة مشاكل قسم الجوازات والجنسية مع الرئاسة .. فصدر أمر آخر بإلحاقي وتكليفي بفتح مكتب للجنسية بالخرطوم بحري ففعلت .. وبدأت العمل في كشك من أكشاك توتو كورة .. بشارع الزعيم الأزهري.. ثم انتقل العمل إلى مكاتب بالإيجار.. جوار مستشفى الخرطوم بحري.. وظللت ملحقاً هكذا لأكثر من عام .. حتى صدر كشف أخير عام 78 . . تم فيه نقلي مرة أخرى إلى جنوب دارفور.. ولكن في وظيفة الرجل الثاني.. لمدير شرطة محافظة جنوب دارفور.. ولحرصي الأكيد على الخروج من الخرطوم .. كنت أول من نفذ أمر النقل.. مصحوباً بأسرتي وطفلين صغيرين .. وآخر هو الملازم الربيع الآن .. وكان عمره وقتها ثمانية وعشرين يوماً .. فقط لا غير..؟!
وكانت رحلة المعاناة .. مع قطار نيالا الذي .. يتلوي ويتوقف ويحبو حبواً ليقطع الرحلة .. في ثمانية ايام .. ليلها كنهارها.. ونفد الماء والزاد.. من الركاب.. وكان القطار يدخل المحطات.. حسب التساهيل وبلا مواعيد.. فلا نجد فيها من يبيع طعاماً او شراباً .. فصبرنا وتحملنا وسررنا لما علمنا.. باننا على مشارف الضعين.. حاضرة الرزيقات ولكن أصواتاً غريبة .. صكت مسامعنا.. وقبل أن نتيقن منها.. تهاوت على رؤوسنا الحقائب والكراتين.. وسقطت عربتنا على الأرض.. والقطار «يكرها كراً..» ونحن في هذه المحنة .. كان أطفالي ينططون ويصفقون.. ظناً منهم بان الحكاية لعبة مسلية ويا لبراءة الاطفال.. ولما توقف القطار «الحمار» باصرنا النزول الأكروباتي.. وذهلنا لما رأينا عربات أخرى كانت قد خرجت عن القضيب .. ومن حولها موتى ومرضرضين ومجرحين ونجونا نحن بفضل الله .. ربما إكراماً لشفعي الصغار.. ولبسالة أمهم.. التي حمتهم بنفسها.. دخل القطار عصر اليوم الثامن مدينة نيالا الجميلة .. وكنا جميعاً في غاية الرهق والعطش والجوع .. والقرف والندم .. على طلب النقل من الخرطوم.. في عربة نوم .. أحسب انه النوم الملاقي النوم..!!.
ودخل علينا «القمرة» رجل أسمر طويل مشلخ مية وحداشر .. يرتدي جلابية وطاقية وعلى كتفه عمامة .. وصافحنا جميعاً بنبرات تفيض مودة .. وطيبة .. وطفق يحمل أمتعتنا ويخرجها من القطار.. ثم يعتلها إلى عربة حمراء.. فورد بوكس ثم يعود ثانية ليأخذ قطعة أخرى.. حتى نقل كل أمتعتنا وحمل الصغيرين عبير.. وزهير.. معاً وخرجنا جميعاً وركبنا الفورد .. وتحركت بنا يقودها.. بنفسه إلى داخل المدينة وعند بيت جميل.. يقف كالقصر مطلا على وادي نيالا .. نزلنا ودخلنا الصالون.. وقلبي يلهج بالود.. لهذا الرجل الذي حسبته «سواق» القومندان... ولكني لما حدقت في الصورة التي كانت تزين الجدار.. برسم ضابط عظيم في زيه الرسمي .. علمت أن الرجل «زولي زاتو» وانه رئيسي الذي تعامل معي بلطف .. قلما يفعله رئيس لمرؤوس..
إنه العميد هاشم محمد هاشم « اشكوندي» كما يلقبه اصدقاؤه .. الحلفاوي المفعم بالطيبة والمودة .. والتواضع والكرم وحسن الخلق .. وطهارة اليد واللسان .. أحب دارفور حباً.. جعله يخدم فيها في كل الرتب..التي تقلدها .. بل تكاد أن تكون هي جل خدمته حتى رتبة العميد.. وقد تعلق أهل دارفور وتمسكوا به وبادلوه .. حباً بحب.. ووفاءً بوفاء.. وقد عملت .. تحت ادارته .. أجمل سنوات العمر.. لأنها كانت مفعمة بالثقة والمحبة والأخوة والتعاون.. والإحترام.. خالية من المكايدات والمضايقات والمنغصات «والكلتشات».. والناس على دين ملوكهم..!!
ولما كنت أعمل برئاسة الشرطة .. وهاشم سادر في حبه لدارفور.. علمت أن المدير العام .. وقتها.. يسعى لإحالته للصالح العام.. فكسرت كل قواعد الإنضباط .. ودخلت عليه وقلت له أرجوك.. أشطب.. اسم هاشم من هذا الكشف.. فضحك الرجل وقال.. نشطبوا ليه علشان صاحبك..!؟
وتقبل الرجل قرار إحالته بروح المؤمن وظل يكابد قسوة الحياة .. حتى داهمه المرض وغادر دنيانا التي كان زاهداً فيها وفي نفسه غصة .. لأنه لم يتمكن من بناء بيت يأوي أهله من بعده..!!
رحم الله.. الحلفاوي الطيب .. البسيط هاشم .. وأدخله الجنة مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا..
باشرت عملي رئيساً لشرطة نيالا ونائباً لمدير شرطة محافظة جنوب دارفور بعد تقسيم دارفور الكبرى إلى محافظتين وكان محافظ .. المحافظة وقتها.. اللواء الركن محمد عبدالقادر عمر.. وهو رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الأسبق.. وكان رجلاً ورعاً متديناً مثقفاً.. كبحر زاخر بعلوم الدين والدنيا.. يملك ناصية الحديث في كل ما يثار من مواضيع.. عرفه الناس.. محافظاً على محافظة .. كسلا بشرق السودان التي بادر فيها بتطبيق .. قيم الشريعة وحارب الرذيلة .. في شتى أشكالها.. وسار على نفس النهج عندما تولى مهام المحافظ بجنوب دارفور.. فأغلق البارات .. وأصدر القرارات الرامية لأسلمة الحياة .. واستئصال المظاهر السالبة والتي تجافي الشريعة فيها. وسعى .. لإغلاق المواخير والأنادي.. و«طلمبات» العرقي ولاقى ما لاقى في سبيل ذلك .. من «صعاليك» المدينة الذين كانوا يقذفون بيته وسيارته بزجاجات الخمر.. وجركانات المريسة و«موية الكسرة» .. ومن المضحكات المبكيات أن المحافظ محمد عبدالقادر وهو في خضم معاركه لأسلمة سلوك الناس.. واستئصال شافة الإنحرافات السلوكية المجافية للشريعة الاسلامية.. فاذا بكارثة لم يحسب لها أي حساب.. تحط أمامه.. في شكل .. عربة شحن .. من عربات السكة الحديد التي تترنح بحمولتها.. من الخمور« الحرة» جوني ووكر وبلاك ليبل وغيرها من جماعة أبو بت وبيرة أبو جمل .. مرسلة لعنايته بإعتبارها البضاعة المزجاة التي طلبها سلفه ودفع قيمتها من خزينة المحافظة .. وذلك للخدمات الفندقية التابعة للمحافظة وإكرام ضيوفها وفتح شهيتهم لأكل الخراف.. وإدخال البهجة والفرفشة.. في نفوسهم وعصلج محمد عبدالقادر ورفض استلامها فأقترح البعض تكسيرها وأراقتها على الثرى.. فقال ومن يعوض الخزينة ما دفعت؟! وتقدمت محافظة مجاورة وطالبت بتحويل الشحنة «المسكرة» إليها وإلتزمت بتسديد قيمتها.. فرفض وقال نحن لا نحرّض اخواننا على السكر..!!
وأحسب أن الإتفاق قد تم على إعادتها إلى الجهة التي أرسلتها .. واسترداد قيمتها..« مشرومة»..!!.
وسرت في المدينة طرفة .. ظل يتناقلها الناس.. عندما اتصل السيد محمد عبدالقادر المحافظ.. برئيس شرطة نيالا.. وكان رجلا لطيفاً .. فحسب أن المتصل هو أحد زملائه او أصدقاءه فأجابه قائلاً: أيوه معاك حكمدار بوليس مكة!!.
كان اللواء الركن محمد عبدالقادر عليه رحمة الله مهموماً بأسلمة المجتمع.. وأحسب أن ما فعله في محافظتي كسلا وجنوب دارفور.. كان هو« قيدومة» تطبيق الشريعة الاسلامية في السودان .. وأن مبادراته كانت جس نبض واستفتاء للناس.. لاقى القبول وشجع النميري على تطبيق قوانين سبتمبر.. وقد تحاور معنا مرة بشأن الكثير من النساء اللائي امتهن البغاء وصناعة الخمور بسبب ظروف قاهرة وتساءل عن أنجع السبل لتوفير الحياة الكريمة لهن وألمح الى التجربة الناجحة التي أقدم عليها اللواء الراحل روبن ماك .. مدير شرطة الاقليم الجنوبي.. بعد اتفاقية أديس أبابا وقام بتجنيد العديد من أمثالهن.. وتم تدريبهن على تنظيم حركة المرور في مدن الجنوب الرئيسية فاستطعنا إقناعه.. بان الاختلافات الجوهرية بين أهل الجنوب.. وأهل دارفور لا تشجع على تكرار التجربة في أية محافظة من المحافظات الشمالية وقصصت عليه التجربة التي خاضتها مديرية الخرطوم.. على عهد محافظها مهدي مصطفى الهادي.. فاستوعبت عدداً كبيراً من المومسات الشابات اللائي أبدين رغبتهن في عمل شريف ولقمة حلال.. وأفردت لهن معسكراً خاصاً لتدريبهن عسكرياً.. وتنويرهن بالقوانين التي تحكم مهنتهن الجديدة ووعظهن وإرشادهن لطريق الفضيلة والمثل العليا.. والزامهن .. بالتطهر وأداء الصلوات في مواقيتها .. ولكن معلومات تواترت عن أعمال فاضحة ترتكبها المجندات « المومسات» داخل المعسكر.. فتمت المداهمة وضبط الجميع بدون فرز في قعدة حالمة يدخنون السجائر «ماتيني».. ويشربون البيرة ويغنون.. سنة يا ولد.. الحكومة سوت غلد« دي لزوم القافية» والطريف في الأمر.. أن بعض البنات كن يرتدين زي الرجال.. ويجلس كل واحد من هؤلاء الرجال «التبوان» .. مع فتاة حقيقية ولكنها يا هساره.. سكوند هاند..!.
وتم فصل المجندات جميعاً وثبت بالدليل القاطع.. والتجربة ..أن الشرطة والمومسات على طرفي نقيض .. وأن المومس لا تصلح للعمل كشرطية ولو أن التجربة مرت.. ولا أقول نجحت.. لأصاب الشرطة أذى كبير.. وتكاثرت فيها بذرة الفساد حتى غطت وجهها الجميل.. أضحكت هذه القصة.. المحافظ محمد عبدالقادر.. وصرفت نظره تماماً عن معالجة مشاكل.. المومسات وغيرهن على حساب الشرطة.. أنبل المهن.. وأطهرها..
نواصـــل...
أبوسهيل
10-26-2009, 08:10 PM
أيــــام النمـــيري (23)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
كان اليسار هو قبيلة مايو وقبلتها عند اندلاعها.. وسرعان ما توطدت علاقاتها.. بالاتحاد السوفيتي الذي كان.. والصين التي يتعاظم أمرها.. كل يوم.. ودول المعسكر الاشتراكي.. كلها والتي تنكرت الآن لماضيها.. وكان عادياً.. أن تجد صور النميري.. تزين شوارع تلك الدول وصحفها.. سيما بعد أن فجر قنبلته الدبلوماسية واعترف بألمانيا الشرقية.. ولكن بحر السياسة في السودان.. اضطرب بفعل.. الصراع المرير.. بين اليسار واليمين وغيرها على كراسي السلطة.. فجرى قارب مايو في كل الاتجاهات.. وفق إملاءات ونصائح مساعدي (الريس).. وسدنته.. وكان الإعجاز المايوي.. الذي لم يسبقها عليه أحد.. فاحتفظت بشعرة معاوية مع المعسكر الاشتراكي.. ومدت أياديها مستنجدة بأمريكا وأوربا.. وفتحت صدرها لكل العرب.. وتعاملت (بحرفنة) مع كل التناقضات الإفريقية.
خرجت مايو.. بعد معركتها مع الشيوعيين وقد خلعت رداء.. المواقف العقائدية.. والمبادئ التحررية.. وانتهجت خطأ في سياستها الخارجية.. يقوم على المصلحة.. ولا شيء غيرها.. وقد أرضى ذلك الكثيرين.. الذين يفضلون (الإستفادة) بأي ثمن.. ولم يرضَ بالطبع صفوة المثقفين والسياسة من أصحاب المبادئ.. والقيم.. والمواقف..
لقد استطاعت مايو.. بانتهاجها.. السياسة الخارجية (المصلحية).. ان تستفيد من روسيا والصين.. وكوريا.. وألمانيا.. ورومانيا وأوربا.. وأمريكا وسائر الدول العربية.. وعلى رأسها دول النفط.. وتمكنت من تسليح الجيش.. وتطوير الشرطة.. وان تشيد قاعة الصداقة.. وقصر الصداقة.. ومصنع الصداقة وقصر الشباب والاطفال.. وكبري القوات المسلحة.. وأن ترفع كفاءة السكة الحديد.. وتبني دار المجلس الوطني (البرلمان).. وان تعبّد آلاف الكيلومترات من الشوارع والطرق... بل.. واكتشاف البترول واستخراجه.. واستطاعت ان تفتح ابواب الجامعات العالمية.. لطلاب السودان.. فنالوا ارفع الدرجات.. في سائر التخصصات العلمية.. وقائمة (الاستفادة) طويلة جداً.. في شتى المجالات.. واحسب ان مايو في تعاونها المطلق نحو التكامل مع مصر بخبراتها وخبرائها.. وليبيا بمالها ورأسمالها.. والسودان بأرضه وامطاره وانهاره كانت ستحقق (الاستفادة القصوى)..غير ان الرياح لم تأتِ.. كما تشتهي سفن مايو.. لأن ليبيا ومصر.. (على ما أظن) قد ضربا هذا التكامل.. واكتشفا.. ان السودان.. سيكون (المستفيد) الأكبر.. من العملية.. (فزاغا) منها.. وكانت يا عرب!!
إن علاقات مايو الخارجية مع (القطبين) وما بينهما.. ظلت علاقات (مصلحية) عجيبة.. خرج السودان مستفيداً منها.. كالمنشار.. طالع يأكل.. نازل يأكل.. ولا أدل على ذلك من مليارات الدولارات التي خلفتها مايو.. ديوناً على عاتق اهل السودان.. ولكن هنالك.. قائمة اخرى (خفية) من الفوائد.. خدمتها علاقات مايو الخارجية وكانت سبباً اساسياً في كل الهزائم التي لحقت بمسلسل الانقلابات والانتفاضات التي كانت من ورائها.. الاحزاب المعارضة والمتطلعة لكراسي السلطة.. ويكفي مثالاً على ذلك.. مشاركة مصر.. في إخماد التمرد بالجزيرة أبا.. وقيام ليبيا.. باعتقال بعض قادة الانقلاب الشيوعي.. وتسليمهم للنميري.. والطائرة القادمة.. وعلى متنها البعثيون.. من العراق وتفجرت بمن فيها.. والفاعل مجهول.
لقد تجلت براعة مايو (وشيطنتها) في علاقاتها الخارجية.. مع المتناقضات الافريقية ودول الجوار منها على وجه الخصوص.. لأنها.. كانت علاقات في ظاهرها.. تجارية واقتصادية وثقافية.. ولكنها كانت (في ضمير مايو) علاقات ... مصلحة أمنية ترمي لمحاصرة التمرد الذي اشتعل في الجنوب مع ارهاصات الاستقلال واستشرى كالنار في الهشيم.. يحرق الحرث والنسل.. ويرهق كاهل الحزبية العامة المرهق اصلاً.. ويهدد بسقوط عواصم الجنوب في ايدي المتمردين.. وينذر بانفصاله عن الشمال.. ونجحت مايو.. في الاحتفاظ دائماً.. برئيس مايوي في تشاد.. وعلاقات.. ودية وحميمة مع يوغندا.. وتنزانيا.. وكينيا.. والكنغو.. ولكنها حرصت على علاقات متينة وقوية.. ومتميزة مع إثيوبيا.. وامبراطورها العجوز.. هيلا سلاسي ومع افريقيا الوسطى.. ورئيسها (الغريب) بوكاسا.. وقد استطاعت مايو بهذه العلاقة الفريدة بين الدولتين الجارتين.. ان تنهك التمرد وتضعفه وتكسر عظم الظهر منه.. فاثيوبيا.. نظير (التجنيات المايوية الخطيرة) على الثورة الاريترية.. قلبت ظهر المجن.. لحركة الانانيا.. وحدت من نشاطها على اراضيها.. وفتحت افريقيا الوسطى ابوابها.. لقوات الامن السودانية.. فلاحقت قادة التمرد.. واقضت مضاجعهم.. و(فرزعتهم).. وحسم الامر في النهاية.. عندما قام هيلا سلاسي بالتعاون مع مجلس الكنائس العالمي. الذي يوقره ويحترمه ويقدسه.. وعدد من الدول الاوربية بتحقيق اتفاقية اديس ابابا بين مايو.. والانانيا.. ووقع النميري عليها مع جوزيف لاقو.. في وقت كانت حركة التمرد.. تلفظ أنفاسها الاخيرة.. بسبب الضربات التي تلقتها من الداخل والخارج.. وساد السلام في الجنوب بعد عقدين من الحرب الضروس بين ابناء الوطن الواحد.. وسكت صوت المدافع .. وانصرف الناس جميعاً للتنمية.. غير ان (الود الحبشي السوداني) مدفوع الاجر استمر.. وربما كان هو.. الذي قاد النميري لارتكاب اكبر هفواته واسوأ (طبزاته).. عندما قام بترحيل الفلاشا من اثيوبيا.. الى اسرائيل.. وعبر السودان الطاهر.. الذي لم يدنسه اليهود من قبل.. أما علاقة الصداقة والمودة التي ربطت بين النميري.. وبوكاسا.. فتوطدت ولم تنفصم.. لان سياسة مايو الخارجية (المصلحية) كانت توصي لصداقة بوكاسا.. لان بلاده.. جارة لغرب الاستوائية.. واهلها متداخلون مع الزاندي.. ويقال ان بوكاسا نفسه (زانداوي).. كما ان لإفريقيا الوسطى.. حدوداً مشتركة مع جنوب دارفور.. وتبادل تجاري عبر نقطة ام دافوق الجمركية.. وان اهل السودان من قبيلة التعايشة.. يرعون قطعانهم داخل اراضي افريقيا الوسطى.. ويبقون فيها لأكثر من ستة اشهر كل عام.. ثم يعودون.. لمناطقهم في رهيد البردي.. وقد ادت هذه العلاقات عبر السنين الى تداخلات عميقة في مجالات عديدة.. تلزم البلدين بعلاقات حسن الجوار.. وقبول صداقة بوكاسا على علاتها..!!
ظل بوكاسا.. يزور السودان.. كلما (هفّت) له.. ويبقى فيه اياماً طويلة.. تعطل دولاب العمل في البلاد.. ومن طرائف بوكاسا انه بعد.. ان قضى.. قرابة الاسبوع في السودان.. وازمع مغادرة البلاد.. وودعه النميري وداعاً حاراً.. وركب الطائرة التي بدأت.. تتحرك على المدرج.. للإقلاع.. وغادر النميري عائداً إلى مكتبه في القيادة العامة.
إلا ان بوكاسا لما تبين له ان اليوم خميس.. امر الكابتن بالتوقف.. ونزل مرة أخرى.. ومدد الزيارة يومين آخرين ولسان حاله يقول.. هو احنا ورانا حاجة؟!
ان بوكاسا كان على علاقة غرامية بإحدى بنات الهوى المقيمات في الخرطوم.. وكان يزورها.. بلا خجل ولا حياء.. وعينك عينك.. ويبقى معها ساعات الليل وبعض ساعات النهار.. وكانت الاجهزة الامنية..مضطرة.. الى مراقبته وحمايته من طرف خفي.. فالرجل رئيس دولة مهما كان يعني..!!.. وقد حكى لي صديق.. رافق الرئيس النميري في زيارة الى افريقيا الوسطى.. ان بوكاسا.. رحب بالوفد السوداني ترحيباً كبيراً ورائعاً ولكنه.. كان بين الفينة والاخرى.. يقترب من احد اعضاء الوفد.. الذي تربطه به.. مودة خاصة.. ويسأله عن احوال عشيقته.. فقال له.. خلاص كشوها.. فاندهش بوكاسا.. وقال.. زي دي.. بكشوها؟! أحسب ان هذا القول من قبيل الشمارات.. والله أعلم.
ولما كان السودان يعتمد على الهبات والعطايا والقروض.. ودعومات الوفود.. لتسيير أموره.. فإن النميري.. بأنفة السوداني.. كان (يبيض) وجهه.. بالهدايا والعطايا..من خيرات السودان.. وقد رأيت بعيني رأسي هدايا النميري.. من الغزلان والفهود والزراف.. ونحوها.. وقد صارت الآن حدائق للحيوان.. في كثير من البلدان تشد إليها الرحال.. وشهدت في دولة من دول الخليج.. هدية من آلاف الخراف الحمرية.. بعث بها النميري.. والناس يتدافعون بالمناكب لرؤيها.. ثم يعودون.. وهم يرددون.. والله النميري رجال زين.. وخرفانة مليحة.. وقد اهدى الرئيس ملكاً من ملوك العرب.. عدة جوالات من الكركدي.. درجة اولى ونشر الظلال في موقف عرفات.. بزراعة الآلاف من اشجار النيم.. واستضاف رئيس جمهورية اليمن.. المرحوم الحمري وظل.. يطوف به.. وبنفسه ويفسحه حيث شاء نزولاً عند رغبته.. بل وختم زيارته بحفل ساهر.
ومن طرائف الرئيس الراحل بوكاسا.. انه طلب من النميري.. بعضاً من الخراف.. فخاطب.. محافظ جنوب دارفور.. وكلفه بشراء ألف خروف فاخر (خمسة شنكل) وإرسالها لعربات القوات المسلحة.. الى افريقيا الوسطى وتسليمها.. للرئيس بوكاسا شخصياً.. وقام المحافظ بإعداد هذه الكمية المهولة من الخراف النقاوة التي تتطابق اشكالها.. وتجر أذيالها.. ويسر الناظرين حالها ويمتع الآكلين.. لحمها.. واوصالها.. وتحركت بطوف من عربات الجيش.. الى بانقي وتم تسليم الهدية لصاحبها.. فسر بها سروراً عظيماً.. وسعد سعادة غامرة.. واكرم ضيوفه.. وسلمهم خطاب شكر وعرفان لمحافظ جنوب دارفور.. ولما فتح الخطاب.. وضح انه مكتوب باللغة الفرنسية.. فاستعان المحافظ بأحد معلمي البعثة التعليمية المصرية وكان متخصصاً في اللغة الفرنسية.. وبدأ يترجم الخطاب.. وفجأة برقت عينا الاستاذ المصري.. ودخل في هستيريا من الضحك حتى سرت عدواها لمن كانوا حوله.. ثم تمالك نفسه وقال.. يظهر ان الريس بوكاسا عاوز يعمل (قوازه) جماعية.. ده بقول لكم شكراً على الخراف.. والتفضل بإرسال ألف نعجة.. فوراً.. وضحك المحافظ ضحكاً كالبكاء.. واحتفظ بالخطاب!!
نواصـــل...
أبوسهيل
10-28-2009, 05:50 PM
أيــــام النمـــيري (24)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
لقد كان جهاز الامن العام.. الفرع الاصيل.. في شجرة وزارة الداخلية.. والذي لم اتشرف.. بلإنتماء إليه طوال خدمتي بالشرطة والذي لم ألتحق به.. حتى بعد فصله من الوزارة.. كان جهازاً قوياً.. يتمتع بكفاءة عالية في الأداء.. وقد صقلته كل الاحداث والحوادث.. ابان العهد المايوي.. واكسبته خبرة.. ومعرفة.. ودربة.. ولا أود الإسترسال في هذا الجانب باكمله.. ولكنني.. اسلط الضوء فقط.. على المقدرات التي كان يتميز بها الجهاز.. في كبح جماح.. الوسائط الاعلامية.. بالقدر الذي.. لا تضر به أمن البلاد ومصالحها أو تكشف أسرارها لاعداء البلاد.. كما أن هذا الجهاز كان يعمل في تناسق وتعاون وإنسجام مع أجهزة أُخرى في الشرطة والقوات المسلحة.. فلا تفلت من قبضته شائعة.. أو تتسرب أي معلومة يمكن إستغلالها.. في الداخل أو الخارج للإضرار بمصالح البلاد.. وسيتجلى ذلك بوضوح وقد حدث بدارفور.. حدث جلل.. وخطير كان يمكن أن يغير مسيرة الحياة السودانية في السودان بصورة جذرية.. ولكن الحدث مر.. مرور الكرام.. ولم تتناقله الأجهزة.. «جوه.. أو بره».. وكثيرون عاصروا مايو.. ولازالوا على قيد الحياة أو غادروها.. وكانوا من قياداتها.. في مجالات شتى.. ولم يسمعوا بهذا الحدث وربما اندهش البعض.. وفندقوا خشومهم.. وهم يقرأون.. ما اكتب اليوم.. ويستغربون.. كيف استطاعت.. أجهزة.. مايو الأمنية والتي كانت شهوداً عليه برموزها.. ومن بينهم أخي وصديقي العميد أمن «م».. محمد الفاتح عبدالملك.. كيف إستطاعت أن تتكتم على هذا الحدث.. و«تكفي على الخبر ماجور» بلغة أهلنا الصاعيدة؟!.
كانت البلاد.. تحتفل في فبراير من كل عام.. بعيد التعليم.. الذي اصر النميري أن يسميه.. عيدالعلم.. وكان يتم الإحتفال به.. متنقلاً في مدن السودان المختلفة.. وتزينت مدينة نيالا ولبست ابهى حللها.. عام 1979.. للإحتفال بهذا العيد.. وإستطاعت محافظة جنوب دارفور.. بقيادة.. الراحل اللواء.. محمد عبدالقادر عمر.. أن يعد برنامجاً رائعاً.. لهذه المناسبة.. وحلقت طائرتا النميري.. اللتان جاءتا به.. والوفد المرافق له.. وكان الإستقبال في المطار.. هائلاً وخرافياً.. يعج بالآلاف من البشر.. ولما اعتلى النميري.. العربة الاسكاوت العسكرية (حَرَنت).. ورفضت.. أن تفهم بأن على رأسها رئيس البلاد.. فتصرف المقدم أمن محمد الفاتح.. فقاد عربة صديقه.. كعيكاتي.. وهي عربة (صيد مجيهة) فركبها الرئيس.. وطاف بها على الجماهير.. ومن ثم.. واصل الرئيس برنامج الزيارة.. فافتتح القرية التراثية التي تعبر عن ثقافات دارفور المختلفة.. ثم حضر حفلاً ساهراً.. بكلية المعلمات.. كما حضر كرنفالا.. وتلقى التحية من مواكب الاندية وفعاليات المجتمع.. وطوابير الشباب وقام بتوزيع الشهادات على المكرمين من رموز المعلمين.. والمهتمين بقضايا التعليم.. ومن الطرائف.. أن رجلاً (جهامه) يرتدي بدلة فول سوت. شق الصفوف اثناء استدعاء المكرمين.. ووصل إلى النميري وصافحه.. ولكن النميري غضب وزجره لما علم بأن الرجل.. لاعلاقة له.. بالتكريم وأنه أراد فقط.. أن يصافح النميري .. على مرأى من أهل نيالا جميعهم ويحظى بلقطة فوتغرافية.. وحدث أيضاً واثناء مرور طوابير الشباب.. أن انفلت من بينهم.. شاب وجرى نحو المنصه.. وصعدها.. وسلم النميري.. مكتوباً.. (حمده في بطنه).. وكلا الحالتين كانتا.. ملحوظتين امنيتين سالبتين.. وعلى غرارهما قتل رئيس هندي.. وقتل السادات.. بفدائية الإسلامبولي وكان يمكن أن يقتل الشاب.. وهو يجري نحو الرئيس!!.
بعد عناء اليوم الأول من الزيارة.. خلد النميري للراحة.. في غرفة على شكل قطية تقع في اقصى فناء منزل.. قائد المنطقة ومنها يستطيع النميري.. أن يشاهد المنطقة العسكرية.. ويلحظ حركة الجند فيها.. واختار أن يبدأ يومه الختامي.. بمخاطبه الحشد الجماهيري بمناسبة عيد (العلم).. بأن طلب تجهيز.. ثلاثة خيول.. وإعدادها بصورة جيدة.. لتكون رهن إشارته. فجر يوم عيدالتعليم.. ولا أحد يدري من سيكونا.. رفيقيه الفارسين.. وهل كان ينوي أن يأتي للساحة.. حيث الحشد الجماهيري.. ومعه من معه.. على ظهور الجياد.. أم أنه.. كما.. قال.. ناس الأمن.. كان يرغب.. في سياحة.. يستشرف فيها فلق الصباح.. ويستنشق عبيره الفواح ويستمتع بجمال الطبيعة الخلابة في وأدي نيالا الساحر.. أم أن الأمر كما يزعم عامة الناس من قول يدخل في الرأس.. لأنه مبني على أساس.. بأن النميري كان ينوي.. أن يسجل زيارة صباحية مفاجئة للمنطقة العسكرية.. وأن يدخلها فارساً على ظهر جواد.. برفقة.. اللواء الركن«م» محمد عبدالقادر عمر محافظ جنوب دارفور.. والدكتور حسن الترابي المشرف السياسي عليها.. وإن كنت غير واثق.. من قدرة الأخير.. على امتطاء الصافنات الحياد!!.
المهم.. تم الإتصال بالسلطات البيطرية المحلية.. فبذلت أقصى الجهد حتى احضرت ثلاثة من الخيول الماصلة المفصلة حتى أن السائس قال: «دي خيول احر مني.. لانو جدها السابع معروف.. وانا واقف في الجد الثاني».. كذلك فقد احضرت معها السروج الفاخرة.. وركائبها الأنيقة.. واعنتها اللائقة.. وعلفت قريباً جداً من محل إقامة الرئيس.. طوع بنانه!!.
وكان داري.. قريباً من المنطقة العسكرية.. لا يفصله عنها.. إلَّا ميدان صغير يمارس فيه الاطفال كرة القدم.. عادة.. وقررت يومها أن أنام مبكراً.. لاصحو باكراً.. إستعداداً للعمل المضني الذي يصاحب نشاط الرئيس ولقائه الجماهيري.. ومن ثم مغادرته إلى الخرطوم.. وقبل أن اخلد للنوم قرأت.. بعض السور القرآنية الكريمة.. منها سورة الطارق.. وسورة الإنشقاق وسورة الإنفطار.. وتوقفت كثيراً عند معانيها.. والصورة المذهلة التي رسمتها لنهاية الكون.. أو يوم البعث والنشور.. ولما تمكن مني سلطان النوم.. كُنت احلم.. بالنجم الطارق بطرق الأرض ويثقبها.. وأرى السماء تنشق.. وتنفطر.. وتنتثر كواكبها.. مثل كرات النار.. وبينما كُنت.. غارقاً.. في هذا الحلم المرعب.. وعند الساعات الأولى.. من الفجر.. شعرت بأن الأرض تميد بي.. ثم تهتز وترتج.. وأن قوة غريبة مجهولة.. تنتزعني من مرقدي.. وترفعني.. وترمي بي.. واقفاً مرتعداً في منتصف الغرفة.. واصوات مدوية قوية تصم الآن.. لم اسمع بها من قبل.. في الخيال أو حتى افلام الرعب.. فخرجت من الغرفة.. ونظرت إلى السماء.. فكانت كتلة من اللهب الأحمر تضئ الأرض وتكشف تفاصيلها.. ويتوالى الدوي.. وتتقاطع اصوات الإنفجار.. ويتفاقم الإشتعال.. وكأن براكين عدة تقذف حممها نحو سماء.. نيالا.. فايقنت أن السماء انفطرت.. وأن النجم الثاقب.. قد بدأ يثقب الأرض.. فهرعت إلى الداخل.. وتوضأت.. وشرعت اصلي.. عسى.. أن تكون صلاتي.. هي الخاتمة.. ولكن ومع كل ركعة.. كانت الأرض تهتز من تحتي.. بإنفجار أقوى يتردد صداه.. في اركان المدينة.. يتضاءل أمامه.. قصف الرعود.. فأجد نفسي اقفز من مكان.. إلى مكان واصر.. الحاحاً.. على مواصلة الصلاة.. وتجمع اطفالي في حضن أُمهم.. يرتعشون ويصرخون.. ويزداد صراخهم مع كل إنفجار.. يشتعل في السماء.. وإستمرت ثورة الجحيم هذه لغرابة الساعة من الزمن.. ثم بدأت السماء.. تصفو.. إلَّا من اعمدة الدخان.. وإستمرت اصوات إنفجارات صغيرة كثيفة وكأنها الموسيقى التصويرية لهذا الإنفجار العظيم.. وكان أول من طرق بأبي.. هو المقدم أمن.. محمد الفاتح عبدالملك.. الذي جاء في معية الرئيس.. فأطمان علي وعلى أُسرتي.. واطمان على نفسه بوجوده.. معنا.. ونحن.. صديقين.. واولاد دفعة.. وعلمت منه.. أن ما حدث هو إنفجار مخازن الأسلحة والذخائر في المنطقة العسكرية المجاورة لبيتي.. وهذه المخازن عادة ما تكون بناءً مسلحاً.. تحت الأرض.. يحفظ بداخله سائر الذخائر.. والقذائف.. والقنابل الضخمة.. وبعضها من بقايا الحرب العالمية الثانية!!.
وبعد أن خمدت النيران.. وسكنت اصوات الإنفجارات.. هرع الناس نحو (قطية) الرئيس.. فوجدوه.. قد صلى صلاة الصبح.. وجلس على كرسيه.. خارج غرفته وهو في جلابيته.. يداعب حبات مسبحته.. وكان هو الذي يطمئن من جاءوا للاطمئنان عليه.. ويقول لهم: ما في حاجة.. عوجة مافي!!.
التقارير الرسمية والأمنية.. تقول.. إنه إنفجار خطير.. واخطر ما فيه هو تزامنه مع.. وجود الرئيس.. في نيالا.. وفي غرفته التي.. كانت الاقرب من موقع الإنفجار.. أما حديث المدينة فكان الأمر.. خطة مدبرة بليل لتصفية ثلاثي اضواء المسرح السياسي النميري.. ومحمد عبدالقادر.. والترابي.. عندما يدخلون المنطقة العسكري على ظهور الخيول ولكن الحكاية (فرقت بنط).. ووقع الإنفجار قبل ساعة الصفر.. بخطأ من المدبرين وبفضل من مدبر الأمور!.
إن كلماتي بالتأكيد.. قد عجزت عن وصف هذا الحدث الجلل.. ولكن.. وحتى يستطيع القارئ أن يتصور جسامته.. فإن الكتل.. الخرسانية.. التي كانت سقفاً لمخزن السلاح.. قد طارت مسافة عدة كيلو مترات خارج المدينة.. وأن جنوداً كانوا.. يحرسون الموقع.. لم يعثر لهم على أثر.. فبعض الاقاويل ترجح.. هروبهم.. أو احتراقهم بالكامل.. وأُخرى تنفي كل ذلك.. وتقول لا خسائر في الارواح.. ولا أدري كيف.. وقد تكسرت اقفال كل المخازن والغرف المغلقة في المدينة.. وتحطم زجاج النوافذ في كل بيت بل وطال حتى زجاج بعض السيارات.. وتصدعت جدران الكثير من المواقع.. بل أن اقفال وطبل المتاجر كلها تحطمت.. وفتحت ابوابها على مصاريعها.. ولكن ليس ثمة لصوص وقتها.. والخزن الحديدية المتينة كلها.. انفتحت من تلقاء نفسها والقت ما فيها وتخلت.. وسقطت مراوح السقف في كل بيت ومؤسسة.. بعد أن تعوجت وتكعوجت بفعل الفراغ الذي احدثته نيران هذا الإنفجار.. والطريف في الأمر أن سكان المدينة.. اصحاب المنازل المشيدة بالقش والمواد المحلية.. هم الذين.. ناموا.. وقاموا.. وحاموا.. ولم يسمعوا بما حدث!!.
دعوت مرة.. عدداً من ضباط حامية نيالا.. للطعام في منزلي.. وما أن دخلوا.. حتى وضعوا اياديهم على رؤوسهم.. وقالوا: ما هذه.. التي يلعب بها طفلك.. فقلت لهم: هي طلقة (انيرجا) مكضبة.. سقطت في داري زمن الإنفجار.. قبل عدة اشهر.. وتركتها للاطفال يلعبون بها.. فاجروا إتصالاً عاجلاً وجاءت قوة من الحامية.. فأمروها.. بأخذ الطلقة الرهيبة.. وتفجيرها خارج المدينة.. وقال لي اللواء كمال أبشر عليه رحمة الله.. انت عليك كرامتين.. لأن الطلقة عندما سقطت في منزلك لم تنفجر.. وأنها ظلت طوال هذه المدة صابرة ولم تنفجر.. ولما شرعنا في تناول الطعام.. دوى صوت الإنفجار.. واهتزت نوافذ المنزل.. وضحك الجميع.. وقالوا: دي طلقتك المكضبة!!.
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
10-29-2009, 05:06 AM
أيــــام النمـــيري (25)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
قلنا.. لقد قامت القيامة مرتين متلاحقتين في دارفور.. الأولى عندما أعلن النميري تنصيب السيد الطيب المرضي حاكماً على اقليم دارفور.. وهو من أبناء كردفان وثارت ثائرة الجماهير.. وخرجت في مظاهرات عارمة.. تستنكر وتشجب وتطالب بحاكم من الدارفوريين.. وتتنكر في ساعات الثورة والإنفعال.. لكل أحلامها التي رسمها مثقفوها والصورة الزاهية التي بشروا بها عن الاقليم الغربي (الكردفاني الدارفوري) ولولا تراجع النميري السريع ورضوخه لإرادة الجماهير الدارفورية.. لتطورت الأحداث بصورة مخيفة ووقع الصدام الذي تخشى عواقبه بين الجماهير الثائرة.. والقوات النظامية التي كانت على أهبة الإستعداد للدفاع عن أنفسها.. قبل الدفاع عن قرار النميري.. ولكن النميري فعلها.. وأعفى الطيب المرضي وعين الدكتور أحمد ابراهيم دريج.. حاكماً على الاقليم وقامت قيامة أخرى.. لا أحسب أن أحداً من أبناء دارفور.. قد تغيّب عن المشاركة فيها.. وهدأت الأحوال.. وتشكلت حكومة الاقليم.. وتوزعت المناصب برئاسة الدكتور دريج وهو من قبيلة الفور وبعكس ما كان يتصور الجميع.. أن يكون نائبه.. من قبيلة عربية او مستعربة إلا انهم أي العرب زهدوا في المنصب فصار المهندس محمود بشير جماع نائباً للحاكم.. وهو من أبناء الزغاوة.. وقد ظللتُ منذ ذلك اليوم أحس في قرارة نفسي بأن القبائل العربية في دارفور وبعض القبائل الصغيرة الأخرى لا تروقها فكرة الاقليم الواحد.. وليس أدل على ذلك من تشظي الاقليم.. إلى ثلاث ولايات حالياً.. قد يلدن.. ولايات ثلاث أخرى.. في الغد القريب..!!.
بعد أن تقلد د. دريج.. صولجان السلطة في اقليم دارفور.. بالفاشر جاء أبو زكريا لزيارة جنوب دارفور وحاضرتها مدينة نيالا.. وأشهد بأني لم أر أو أشاهد جمعاً من البشر كالذين رأيتهم في استقباله.. قدرهم البعض بالمليون أو أكثر.. من الرجال والنساء والأطفال.. أحاطوا بمطار نيالا.. الذي كان ساحة بلا أسوار.. أحاطه السوار بالمعصم وإنداحت دوائر الجماهير لتغطي كل المساحات المحيطة بالمطار.. ثم تمددت على طول شارع نيالا الوحيد المسفلت الممتد من المطار.. وحتى قاع المدينة .. ورئاسة حكومتها.. ومدينتها الرياضية التي تم فيها اللقاء الجماهيري بين السيد دريج وأهله..
نزل الدكتور دريج من الطائرة التي أقلته إلى نيالا.. وكان وقتها شيقاً وأنيقاً.. وعند سلم الطائرة.. احتضن أحد رجال الشرطة وكأنهما على موعد ثم التفت إلى.. السيد مدير شرطة ج دارفور العميد المرحوم (هاشم محمد هاشم).. وقال له.. الزول ده.. دفعتي في الأولية.. ما معقول أنا أبقى حاكم.. وهو لسع نفر.. كتفه فاضي!! وضحك الجميع.. وقال هاشم عليه رحمة الله.. خلاص سيادتك أنا رقيتو.. وكيل عريف!!.
بعد ذلك تحرك موكب الحاكم دريج ومرافقوه بصعوبة بالغة وسط آلاف الأيدي التي كانت تتشابى نحوه .. حتى بلغ مقره بعد ساعات من الزحف.. وعندما أعلن عن اللقاء الجماهيري بدار الرياضة خفت النساء قبل الرجال والصغار قبل الكبار إلى هناك وازدحم الاستاد ولا تكاد ترى فيه إلا كتلاً متلاحمة من البشر.. غطت ميدانه.. ومقاعده.. وأسواره.. ولم تبق إلا المنصة التي سيتعاقب عليها خطباؤهم.. ويخاطبهم منها دريج ذات نفسه..!!.
لقد كان اللقاء جماهيرياً حاشداً.. يعبر عن تلاحم الجماهير بحكومتها الجديدة.. وقائدها ولكن الخطابات التي القيت كانت في معظمها.. حماسية ومثيرة ومستفزة.. ولا تحفز الجماهير على التماسك والتوحد والتلاحم.. ونبذ القبليات والعنصريات التي أقعدت دارفور وجعلتها تسبح حتى اليوم في دوامة الخلافات.. وكان أكثر ما أحزنني ما تبرع به المتحدث الذي لا أذكره.. وقرأ.. خطاباً طويلاً مملاً وظالماً وقاسياً.. استعرض فيه ما أسماه بالكتاب الاسود.. لم يترك فيه مديراً لأية مصلحة أو مؤسسة في جنوب دارفور.. إلا وكال له من الإتهامات جزافاً.. ونسب إليه من الجرائم ما يكفي لشنقه في ميدان عام.. ولم يفتح الله عليه بكلمة طيبة في حق أحد من الرجال الذين جاءت بهم كشوفات التنقلات إلى هناك رغم أنوفهم.. وأدوا فيها أداءً مميزاً .. لازالت آثاره باقية حتى اليوم..
ومن طرائف هذا الكتاب الاسود.. انه طال بعض ضباط الشرطة ولحق طرف السوط.. بالضابط برعي أحمد عبدالرحيم.. ونسب إليه اتهام لاعلاقة له به.. بل أن مرتكبه أصلاً.. ليس من ضباط الشرطة.. ولكن الاستاد.. الذي درج على الهتاف للضابط برعي.. كان هدافاً مرموقاً في فريق الهلال بنيالا.. هتف هذه المرة مردداً.. يسقط الضابط برعي.. فتدخل مدير الشرطة المرحوم هاشم محمد هاشم وخاطب الجماهير عبر المايكرفون مبرئاً.. برعي وقال إن من فعل ذلك هو ضابط آخر.. فدوي الاستاد بالهتاف.. يسقط ضابط آخر.. يسقط ضابط آخر!!
وكما امتد طرف السوط.. لكل من عملوا بجنوب دارفور فقد لحق بي أيضاً وسماني الكتاب ـ (بطل مهاجرية) سخرية واستخفافاً وقصة مهاجرية تستحق السرد.. ليس لأني بطلها كما جاء في الكتاب.. الذي قرئ على مسامع الدكتور دريج ومائة ألف أو يزيدون من البشر.. ولكن.. لأن الأمر كله محض إفتراء.. وتشهير بالرجال الذين بذلوا الغالي والرخيص من أجل دارفور وسلامتها وأمنها ولأن ما حدث.. كان من ورائه.. سياسة خاطئة إرتكبتها مايو.. وبروقراطية.. قاتلة ساهمت فيها أجهزتها.. ودفع الناس الثمن وكدنا أن نفقد أرواحنا بسببها.. وذلك لما اتخذت مايو قراراً.. ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب.. وأخضعت اختيار أعضاء المحاكم الشعبية.. للانتخاب بواسطة الجماهير في دوائر الإختصاص.. دون مراعاة.. أو اعتبارات لأمور كثيرة.. والتي سنتحدث عنها بإذن الله بإسهاب في حلقة قادمة..
ونواصل حديثنا عن أيام دريج.. والذي أحسبه قد تأثر بما سمعه.. من إتهامات باطلة ومجحفة في حق الكثير من الرجال الذين أعطوا دارفور.. كل جهدهم وفكرهم.. فكان جزاؤهم.. ظلم الكتاب الاسود.. الذي أثر في معنوياتهم.. وجعلهم جميعاً يتلمسون الطريق للخروج من دارفور.. وحتى دريج نفسه.. الذي صار حاكماً .. لم يجد نفسه في اقليمه.. كيف لا.. والرجل الماني.. المصالح والمشارب.. بحكم المصاهرة..!!.
لقد سعى الرجل.. لعمل شئ ما يخدم أهله الذين آزروه.. ونصروه.. واستبشروا بمقدمه فرأى.. أن يخفض تكاليف المعيشة الباهظة عن كاهل العباد.. وكان ذلك أمراً.. في عهد النميري دونه خرط القتاد.. فلجأ.. إلى احتكار النقل برمته من الخرطوم إلى دارفور.. وحصره على شركة نقل.. قيل إنها تخصه.. ظلت تنقل كما يقول الفنانون.. بحق العازفين.. وأشهد بان أسعار الدقيق والسكر والزيوت وغيرها تأثرت بذلك.. وصارت أقل سعراً.. ولكن ذلك صار حديث المدينة.. وونسة.. تجارها وكبارها.. ودار الهمس عن الملايين التي دخلت جيبه بسبب الإحتكار.. ولم يحسب أحد.. حساب الملايين التي رفعت عن كاهل المواطن!!.
لقد كنت أحس بالراحة.. عندما يتحدث د. دريج بلباقة ولطف وتهذيب.. وعندما يتصرف كسياسي مخضرم عاصر المحجوب و(ختوا قرض)..
ولكني ظللتُ طوال المدة التي قضاها حاكماً على قصرها .. أحس بأن الرجل عينه على أهله في دارفور.. وقلبه معلق بألمانيا.. حيث.. المال.. والمجال وراحة البال والعيال.. وانه.. (يفرفص) للتخلص من قيود الحاكم.. والهروب إلى بلاد برة.. وقد فعلها.. وغادر.. مفتعلاً .. سبباً ما مع النميري وترك الجمل بما حمل.. لنائبه المهندس محمود جماع.. ولازلت أعتقد.. بأن السيد دريج.. بما له من مكانة علمية.. وخبرة سياسية.. وما له من مال.. وإنتماء لقبيلة الفور.. التي تنسب إليها دارفور كلها.. كان يمكنه أن يحقق نجاحاً باهراً.. لو شال الصبر.. غير أن ذهابه.. ترك حكومة.. بلا قائد.. رصيد كل فرد فيها.. قبيلة يركن إليها ويحتمي بها.. ولعله من المفيد أن نستعرض بعض المواقف التي.. ما كان يمكن أن تحدث من السيد دريج.. كالذي اتصل بالسيد المحافظ وقتها اللواء فضل الله حماد.. وقال له.. أبقى عشرة على أهلي الـ (...) فرد عليه المحافظ بهدوئه المعهود.. لكن أنا ما عينوني محافظ لقبيلتك!!.
او ذلك.. الذي جاء تحيط به جماعة من أهله.. وأمرني بإطلاق سراح مجموعة من المقبوضين في بلاغات جنائية.. فأعتذرت موضحاً.. انهم قد تم قبضهم بأمر من المحكمة وهي التي تتصرف بشأنهم غداً بإذن الله.. فانتفخ بالغضب.. وأشعل غليونه ونفث دخانه في الهواء وقال.. ما في حل إلا نجيب أولادنا هنا!!
فعلقت على قوله.. أخير يا جنابو.. تودينا لي أهلنا.. بسألوك مننا..!.
وذات هذا الرجل.. رأيته مرة ثائراً وغاضباً يعاتب الباشكاتب المسكين.. ليه سميتوا هذا الملف.. باسم العرب الرحل؟! هو ما في ناس تاني برحلوا.. سموه ملف الرحل فقط.. وما عاوز كلمة عرب تاني.. فتذكرت مثل الجماعة البايخ.. الذين يحسدون القرد.. على ايه.. ما أعرفش!!.
وأختم بأن واحداً من الطاقم الحكومي الذي تركه دريج.. جاء معزياً في وفاة أحد رجال الشرطة.. الذي يقام مأتمه بقشلاق شرطة نيالا.. وكنت قد سبقته إلى هناك.. فقدم لي أهل العزاء.. (كورة مريسة).. فلم أشربها وكشحتها وقلت لهم.. رتلوا القرآن على روح الميت.. ولابد من نبذ هذه العادة.. على الأقل داخل قشلاقات الشرطة.. ووافقني الجميع بقولهم.. صحي.. صحي.. كلامك صحي.. ولكن الوزير الذي جاء بعد أن شال الفاتحة وجلس.. وتحدث لذوي المرحوم قليلا.. نادى على أحدهم.. وقال له.. بصوت قصد أن يصلني.. انتو يا جماعة مريستكم وين؟!
وعلى الفور.. اتجهت نحوه (عدة كواري مريسة) فآثرت.. الإنسحاب والخروج.. قبل أن تصلني كورة أكبر من التي كشحتها..!!.
إن ما أوردناه.. من مسالب.. في عهد دريج لم تسلم منه العهود الأخرى.. ولا يختلف كثيراً عن ما حدث ويحدث في الاقاليم الأخرى من السودان.. من احتماء بالقبيلة.. ومحاباة للاهل والتشبث بأعمال وأفعال من العادات القبيحة منافية للاديان.. والسلوك الحضاري.. بزعم انها من التراث!!.
ترى كم يدفع الانسان الآن.. لإزالة الشلوخ القميئة من خدود زوجته الجميلة.. ومن وجهه وجبهته.. أو يزيل آثار البطان من على ظهره أو يعيد أسنانه البيضاء التي خلعها بيديه.. أو..أو.. ترى كم يدفع كل منّا.. للتخلص من تراث قبيح لحق به وبال بيته؟!.
إننا لا نستطيع أن ندفع لأن (اللي كان كان) ولكن علينا .. أن لا نصمت.. حتى لا نكون شياطيناً خرساً..!!.
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
10-30-2009, 01:10 PM
أيــــام النمـــيري (26)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
الرئيس الراحل جعفر محمد نميري.. كان مثل رب الأسرة.. المجاهد.. المناضل.. الذي يكد.. ويشقى من أجل إسعادها.. وإصلاح حالها.. ويهمبت شرقاً وغرباً ليأتيها بالمال.. ولكنه يصرفه بمزاجه.. ولا يشرك أسرته.. في توزيعه أو تنميته.. والنميري.. لم يترك جهة يمكن أن تدعم السودان بالمال.. إلا وصلها.. فاقترض المليارات التي لازالت (تُسردب) كاهل الوطن.. وطأطأ.. وتلقى الهبات بلا حصر.. نقوداً.. وبترولاً ودقيقاً.. وآليات.. قوَّى عينه.. ومد قرعته.. للأصدقاء فأعطاه بعضهم بلا من.. وبعضهم بالمن والأذى وشيلة الحس حتى ابتدع دمغة لتسديدهم.. وتحصل على معونات في شتى المجالات.. وانهالت عليه العطايا من كل حدب وصوب - والدين في الكتوف والأصل معروف - وأغمض عينيه وقفل الأضنين واحدة بطينة.. والثانية بعجينة.. وتقبل ما جاء به الأوفياء من رجاله.. ناس فايق بيرسنت.. وناس ففتي.. ففتي!! ومع ذلك فإني لا أجرؤ على القول.. بأن الرجل قد لبع هذا المال الوفير.. أو حوله لمنفعته الخاصة.. ولكنه تصرف فيه بإلهامه ومزاجه وحده.. فأصاب وأخطأ كثيراً.. لأن جيش المستشارين والكفاءات والخبرات وأصحاب التخصصات العلمية النادرة الذين احاطوه.. كانوا قادرين على مساعدته لاتخاذ القرار الصحيح.. والمزبوط ولكنهم بالتأكيد لم يُستشاروا.. أو أنهم ضللوه.. وهذا أسوأ الاحتمالات وأضعفها.. وأن ما يدعم رأيي بأنه لم يشاورهم في الأمر.. ما قاله لي.. الخبير الإداري حيدر كبسون وكان مستشاراً برئاسة الجمهورية، عندما سألته عن الكيفية التي يشاورهم بها الرئيس.. هل تجيء المبادأة منهم أم أن الرئيس هو الذي يجمعهم ويستشيرهم.. وما مدى صحة الطرفة التي تقول بأن الرئيس كان يجمع مستشاريه وينصحهم؟!
ضحك السيد حيدر وقال.. لو تصدق فإني لم أتشرف بلقاء الرئيس مباشرة منذ تاريخ تعييني.. ناهيك عن المشاورة أو المناصحة!!
لقد كان النميري شديد الاعتداد بالنفس والرأي.. وربما ازداد اعتداداً.. بفضل الزخم الإعلامي الذي أحاط به وظل يطبل لهفواته.. ويدافع عنها.. والقرارات الخاطئة التي اتخذها النميري عديدة.. وسنتناول منها.. ما عاصرناه وعشناه.. في دارفور وحدها.. ونتحدث عن مصنع النسيج الحديث.. المتطور.. الذي تم تركيبه في نيالا بجنوب دارفور.. وسط دهشة وذهول الجميع.. وسألنا.. فقيل لنا.. إن هذا المصنع واحد من عدة مصانع وزعها الرئيس بنفسه.. على ولايات مختلفة.. والغرض من مصنع نيالا.. هو تغطية السوق المحلي في دارفور.. بالأقمشة الشعبية.. من دمورية وغيرها.. فقلنا يا جماعة.. دارفور فيها الفول والسمسم.. ويمكنها أن تتحمل عشرات المصانع لإنتاج الزيوت.. ولكن دارفور ما فيها قطن «توتلياً»!! فقالوا.. لقد تحوطنا لذلك فإن الخيوط المطلوبة.. ستأتي إلى دارفور من المحلة في جمهورية مصر العربية.. تصوروا!! على كلٍّ هذا المصنع لم يسد حاجة منجدي المراتب في نيالا.. وظل حتى غادرتُ دارفور هاجسي الأمني الأول.. لأن العمالة فيه.. بلا عمل.. ومع ذلك تطالب برواتبها الشهرية.. الأمر الذي كان يجعل مدير المصنع ضيفاً على مركز الشرطة قبل وقت كافٍ.. من مواعيد الصرف!!
أما هاجسي الأمني الثاني.. فقد كان مدبغة نيالا.. التي تم تركيبها أيضاً في ذهول وحيرة.. أهلها الذين جاءوا بها قبل أهل دارفور.. فقلنا ما هذا يا سادة.. فقالوا.. إن دارفور بها.. كذا مليون رأس من الأنعام ولهذا جيء بالمدبغة.. فقلنا يا سادة هل تدبغ الأنعام حية قبل ذبحها وسلخها؟! وهل جيء بالمدبغة الهائلة لمقابلة.. جلود الثيران.. والخراف وجلود عبد الجليل التي تستهلكها دارفور.. لتلتهما في ساعات.. وتبقى طوال العام بلا عمل؟! ثم أيها السادة.. ألا تعلمون مشكلة المياه في دارفور.. وأن جلداً واحداً لن يتم دبغه قبل أن يستهلك ضعف قيمته ماء؟!.. وقد شكى لي مدير المدبغة مرة عن تكلفة المياه.. فقلت له احفر بئراً.. فقال لقد حفرت حتى كدنا نخرق الأرض.. فلم نجد ماء فماذا نفعل؟!.. فقلت له.. توكلوا على الله.. وتيمموا صعيداً طاهراً وضحك الرجل حتى البكاء!!
إن المرء ليحار.. بشأن هذا الأمر ولا يكاد يصدق.. بأن علماء وخبراء هم الذين قرروا تشتيت هذه المدابغ والمصانع بهذه الطريقة العجيبة.. ولو كنت المسؤول لأجريت تحقيقاً في هذا الأمر.. ليعلم الشعب على الأقل.. من الذي ارتكب هذه الجناية في حقه.. وإن كنت على يقين.. بأن قرار الفرد ظاهر وواضح وضوح الشمس.. فالمسألة لا تقتصر على المدبغة والمصنع فقط.. ولكن هناك أخرى غيرها ايضاً.. «بشتنها» قرار الفرد.. ليست موضوع هذا المقال!! ولكن ثالثة الأثافي.. التي لا يمكن لحلَّة هذا المقال أن تستوي طبختها وتنضج كلماتها للقارئين بدونها.. فهي هدية النميري لجنوب دارفور المتمثلة في طريق نيالا.. كاس.. زالنجي.. وبالعكس!!
لقد تفاءل الناس بهذا الطريق الأول من نوعه في دارفور كلها.. وافترّت ثغورهم وظنوا.. وبعد الظن إثم.. أن مدينة نيالا.. سيجوس خلالها شارع فخم يرفع من قدرها.. ويصبح توأماً لشارعها الوحيد الذي يسمونه تندراً بالكرافتة.. ويحيلها إلى مدينة عصرية حديثة.. سيما.. وهي عروس الجبل الرائعة الحسن.. التي زينتها الطبيعة في انتظار الفرح القادم على شارع الأسفلت.. الجميل.. والذي سيعبر بها وادي نيالا.. فوق جسر عالٍ أنيق.. لأن هذا الوادي العظيم كان دائماً سر جمال نيالا.. وروعتها.. كما كان في ذات الوقت مشكلتها الكبرى.. لأنه وادٍ عريض.. و «مزاجاتي» تعبره صباحاً أو مساء.. وقد جف ماؤه.. وأصبحت رماله «النديانه» مرتعاً.. للصبيه والغيد الحسان.. يسعدن بالجري والتمرغ عليها.. وتحولت بعض بؤرة الصغيرة المبتلة.. ملاذاً.. تسترخي فيه الكلاب.. وبعض الحيوانات الأخرى الكسولة فتستجم.. وتستغرق في النوم.. وقبل أن تبارحه.. تسمع دوياً كهدير الرعود.. والكل يجري طالباً النجاة.. الوادي جا.. الواد جا.. ويا لها من لحظات عظيمة.. تنطق بجلال الله وعظمته.. عندما يطل الوادي من على البعد مندفعاً كقاطرة هائلة من الماء الفوار.. يجاوز ارتفاعها عمارة من عدة طوابق.. تمضي مسرعة.. تلتهم الرمال.. وتطبق على الكلاب والحمير الكسولة.. وتأخذها في رحلة.. نحو المجهول.. وقد أخذ هذا الوادي يوماً.. عربة لوري مشحونة بصفائح الجبنه.. ودفعها بعنفوانه عشرات الأميال.. خارج المدينة.. ولم يعثر عليها إلاّ بعد عام.. مدفونة تحت الرمال.. هكذا يجيء هذا الوادي «دُهمة» من المياه فيمتلىء حتى تحسبه.. نيلاً أزرقاً آخر فيفصل نيالا إلى نصفين.. شمالي وجنوبي.. وتتعطل مصالح الناس.. وتزداد معاناتهم.. ولاتجف دموعهم حتى يجف الوادي!!
لقد حسب الناس جميعاً.. أن طريق النميري جاء.. يحمل الحلول الكبيرة.. لنيالا.. وكاس وزالنجي.. في مجالات الطرق.. والمعابر والجسور والتواصل.. علاوة على الأهداف والمقاصد الأساسية.. التي كانت وراء تمويله والشروع في تنفيذه.. وهي أهداف اقتصادية تفتح الباب أمام خيرات دارفور نحو الأسواق المحلية والعالمية.. كما تشرع أبواب دارفور بكاملها.. للسياحة وهي التي تملك كل مقوماتها.. ولكن المؤسف والمحزن حقاً.. هو أن الجهة الهندسية.. الاستشارية التي رسمت مسار هذا الطريق.. بكل تأكيد.. لم تحدده على الطبيعة.. ولكنه «قطعته من رأسها».. لأن الشارع بدأ.. واكتمل.. وتم تسليمه ولم يحقق إلاّ ربط المدن الثلاث بعضها ببعض بشريط طويل من الاسفلت الاسود.. ولكنه لم يحقق غرضاً من الاغراض الأخرى التي أشرنا إليها.. فالكبري الذي يشبه كبري شمبات.. عبر وادي نيالا بعيداً عن المدينة وربط الخلاء.. بالخلاء.. وانطلق الشارع من الكبرى إلى منتهاه.. ولم يقرئ نيالا السلام!!.. ولم يدب في أنحاء جبل مرة.. أو يصعد قمته التي تجاوز ثلاثة عشر ألف قدم فوق سطح البحر، حيث الغيمة تغازل كل زهرة.. ويتراءى خيال الرمانة على المجرى.. في انتظار مرسال الشوق.. وحيث.. لازال الناس يتنادون باسم آدم وحواء اللذين هبطا من جنة السماء.. إلى جنة الجبل.. ولم يكلف نفسه هذا الطريق الطويل.. أن يغتسل من وعثاء السفر.. في قلول.. ويستحم في مرتجلو.. ويتوضأ في نيرتتي.. ولكنه مضى إلى منتهاه.. وكأن الأمر لا يخصه!! لقد تنبهت حكومة دريج.. لكل هذا الذي اوردت.. وتفهمت الفوائد الجمة التي ضاعت على أهل دارفور بسبب مسار الطريق «الأشتر».. وكأن من رسمه.. وقرره.. قد أراد ذلك الضرر.. وقد حاولت حكومة الإقليم تدارك الأمر.. ولكن بعد فوات الأوان.. وقد كنت في معية السيد نائب حاكم دارفور المهندس محمود بشير جماع.. عندما ذهب إلى مدير الشركة المنفذة.. ليقنعه بضرورة تعديل مسار الطريق ليمر بالأماكن السياحية من الجبل.. كالشلالات ولكن «الخواجه» رد ببرود شديد ولغة خالية من العواطف.. وقال نحن شركة منفذة.. لا علاقة لها بدراسة الجدوى.. أو تحديد مسار الطريق.. ولا نستطيع العمل إلاّ وفق خارطة الطريق التي تعاقدنا عليها.. ولكننا تقديراً للسيد نائب الحاكم.. على استعداد لتوقيع عقودات جديدة لأي طرق أخرى وبالجنيه السوداني.. تاني قصرنا معاكم؟!
لقد غادرت دارفور.. ولا علم لي بما تم بعد ذلك.. ولكن الذي أعلمه.. هو أن الحكومة.. قد شيدت كوبري أوجسراً يربط بين شطري نيالا عوضاً عن الجسر الذي ربط الخلاء بالخلاء.. وأسمته كبري مكة.. إذ يبدو أنه قد شيد بدعم من أهل مكة!!
إن «المغسة» التي دخلتني جراء هذا الطريق.. لن تفارقني أبداً.. وقد احتفل الخواجات في الشركة المنفذة يوماً في مدينتهم التي بنوها.. لهم ولأسرهم بشوارعها وإضاءتها.. ومنازلها ومدارسها وميادينها الرياضية المختلفة.. بل وأحواض سباحتها.. وكأن جنود سليمان عليه السلام هي التي أوجدتها.. وكنت ضمن المدعوين بحكم تعاوني معهم كرئيس لشرطة نيالا.. وكانت الأضواء والبالونات الملونة.. والأغاني الراقصة.. والصاخبة والجميع.. في حبور.. يأكلون الشواءات ويشربون الخمور.. وليس ثمة كريسماس أو رأس سنة.. فلماذا الاحتفال.. فقال كبيرهم.. إن تكلفة هذا الطريق التي تعاقدنا عليها.. كانت «محسوبة ومضربة» باعتبار أن مسار الطريق رملي.. ولكن وعندما بدأنا شق المسار.. اتضح لنا أنه.. يقوم على أرض صخرية.. هي أقوى من الأسفلت.. يعني بالعربي كده.. كسبنا ثلث التكلفة ساكت.. وإن شاء الله - دي من عندي - سننتهي من رصف الطريق.. قبل عام كامل.. من الموعد المحدد في الكنتراتو.. تصوروا!!
ومع ذلك.. قام أحد الألمان.. بعد.. أن لعبت «خمرة أبو صره» برأسه.. فبرطم بلغات كثيرة.. شي ألماني.. وشي عربي فالتقطت منه جملة واحدة.. لا زال صداها يطرق.. في أعماقي اليوم وحتى الممات.. This the road from no where to no where ومعناها تقريباً.. هذا الطريق من حيث لا مبتدأ إلى حيث لا منتهى.. أو كما قال.. فهل صدق السكران؟!
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
10-31-2009, 07:40 PM
أيــــام النمـــيري (27)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
كثيرة هي القرارات.. التي اتخذها النميري أو اتخذت في عهده.. وكانت نتائجها وخيمة وجاءت وبالاً على أمن الوطن.. فاثرت على استقراره.. وسلامته.. فعطلت بالتالي عجلة التنمية فيه.. واحدثت شرخاً في نسيجه الإجتماعي.. ظل يتسع.. «حتى استعصى الخرق على الراتق» كما يقولون.. ومن أهم وأخطر هذه القرارات.. كانت الضربة القاتلة تحت الحزام.. التي اجهز بها على الإدارة الأهلية متنكراً لدورها المديد على أمتداد سنوات الإستعمار والإستقلال.. وهاهي الإدارة الأهلية كما نراها الآن.. عاجزة عن الحركة وعن أداء دورها.. رغم التنفس الإصطناعي وقبلات الحياة.. التي يمطرها بها أطباء السياسة.. ورغم الدعومات المالية.. والمعنوية وترفيع قادتها.. إلى أمراء عديل كده.. فالضربة كانت مفاجئة.. وقاتلة.. أماتت من أصابته وشلت من اخطأته.. ولا حول ولا قوة إلَّا بالله..!.
ولعل الخطأ الجسيم الآخر.. والذي احسبه متصلاً.. بقرارات حل الإدارة الأهلية.. كان القرار الغريب العجيب.. بتشكيل محاكم شعبية في كل أنحاء البلاد.. عن طريق الإنتخاب المباشر.. من أهالي دائرة إختصاص المحكمة.. فمثل هذه المحاكم الشعبية أو الأهلية.. قد عرفها السودان.. عبر عشرات العقود.. وكان من يتولون رئاستها وعضويتها.. يتم تعيينهم بعد التمحيص الدقيق.. الذي تشارك فيه السلطات القضائية.. والأمنية والشرطية.. والسلطات الإدارية.. وتقتنع على ضوئه بمستوى ادراكهم.. وفهمم.. ووعيهم وسلوكهم العام.. الخالي من المناقص والمسالب وخلو صحيفتهم من السوابق.. ومظهرهم اللائق لتولي اعباء المحكمة.. والفصل في المنازعات بين الناس بحكمة وروية.. ومن الطرائف التي اذكرها.. في منطقة دنقلا عندما بدأت لجنة مكلفة.. في إختبار قدرات المرشحين لعضوية المحاكم الشعبية.. سأل رئيس اللجنة احدهم.. وقال له: لو أن تمساحاً خطف مواطناً وجرى به نحو النيل.. فقام الشرطي باطلاق النار.. على التمساح ولكنه قتل المواطن.. فماهي جريمة الشرطي.. فقال المرشح: ان الشرطي قد ارتكب جريمة القتل العمد.. وخالف الشريعة.. لأنه حرم التمساح من رزق ساقه الله إليه!!. أفما كان من الممكن أن يفوز مثل هذا المرشح.. لو كان الفيصل هو صندوق الإقتراع.. لاختيار قاضياً.. أو عضواً في مجلس القضاة؟!.
قد يحسب الكثيرون.. أن مجالس القضاة.. أو المحاكم الشعبية هذه.. لا وزن لها.. وفي ذلك خطأ كبير لأن مثل هذه المحاكم.. غالباً ما تنظر ثلثي البلاغات والمخالفات اليومية في دائرة إختصاصها.. وانها بالاضافة لنصوص القوانين التي تتعامل بها.. تحتكم كثيراً للعرف وتنحو منحى واضحاً.. في اصلاح ذات البين وحث الاطراف على الصلح.. والصلح خير!!.
.. غايتو.. لقد حدث ماحدث.. واختارت كل قرية أو منطقة.. محكمتها الشعبية ورئيسها وصاحب ذلك زخم من الافراح.. والأحتفالات وابتهاج كل جماعة بفوز مرشحها.. والذي سيكون سندها وعضدها إذا ما وقفت امامه.. ظالمة أو مظلومة!!.
وقامت السلطات بجمع.. كل اسماء الفائزين لعضوية هذه المحاكم ورؤسائها.. وارسلتها بخطاب إلى السيد رئيس القضاء.. لاعتمادها والتوقيع عليها.. محدداً سلطاتها واختصاصاتها وتخويلها حق مباشرة العمل القضائي.. ولكن هذه الاوراق ظلت قابعة بالخرطوم مدة تجاوزت العام.. لاسباب غائبة عنا.. ثم اعيدت بعد ذلك معتمدة وموقع عليها.. وما أن وصلتنا في جنوب دارفور حتى تسرب خبرها وبلغ القرى والحضر.. ولكن وكما يقولون فان مياهاً كثيرة مرت تحت الجسر خلال العام الذي مضى.. وتراجع الكثيرون عن «خيارهم الديمقراطي» واعلنوا رفضهم لاعضاء المحاكم الذين اختاروهم بالامس.. أي قبل عام!!.
وقد كتب لي الرقيب عثمان احمداي.. وكان وقتها رئيساً لنقطة شرطة مهاجرية.. تقريراً مفصلاً.. بأن هناك اجماع من قبل مواطني المنطقة.. على رفض المحكمة الشعبية المزمع اعلانها ورفض رئيسها بالتحديد وهو من قبيلة البرتي واصلها في شمال دارفور.. وغالبية سكان مهاجرية من قبيلة البرقد.. واوضح التقرير بأن الاهالي ينوون مقاومة اعلان المحكمة بالقوة.. فبادرت واتصلت بالقاضي المقيم في نيالا مولانا مهدي عقيد واخطرته بمضون التقرير.. وخطورة الموقف وطلبت منه.. التريث.. بشأن هذه المحكمة وعدم اعلانها حتى نمهد لذلك ونتحاشى الصدام مع الجماهير.. ولكن.. مولانا مهدي اصر على اعلان المحكمة في مهاجرية نفسها باعتبارها.. امراً من رئيس القضاء واجب التنفيذ.. ولما رايته ينوي التحرك وحده إلى هناك.. تحركت معه بقوة من بضعة جنود.. مسلحين بالبنادق.. والقنابل المسيلة للدموع.. وبعد رحلة تجاوزت الساعتين وصلنا إلى مهاجرية.. ووجدنا اهلها جميعاً.. جلوساً على الارض.. قريباً من نقطة الشرطة.. وقد علمنا.. بانهم يخبئون تحتهم شتي انواع الاسلحة من عصي وعكاكيز.. وفؤوس وغيرها ومع ذلك.. جلسنا القاضي.. وانا.. والرائد وقتها الهلالي سر الختم.. وافتتحنا لقاءنا بالقران الكريم.. واسهبنا في الحديث.. لاقناعهم بضرورة اعلان المحكمة.. ولكن حديثنا لم يجد فتيلاً.. فقد كان المتحدث عنهم.. يردد بعنف.. المحكمة دي ما بتعلنونها ولا بتقوم.. فتشاورت مع مولانا مهدي.. لنجد مخرجاً من هذه الورطة.. فتحركت والتقيت برئيس المحكمة المنتخب.. وطلبت منه معالجة الأمر بالإستقالة.. فوافق مشكوراً.. فخاطبت الحضور.. واوضحت لهم بأن.. رئيس المحكمة.. سيقدم استقالته.. وسيعاد امر المحكمة للنظر فيه.. فقال زعيمهم.. نحن لا نصدق هذا الكلام إلَّا اذا جاء رئيس المحكمة واعلن استقالته امامنا.. فطلبت من الرجل أن يصعد على المنضدة التي أمامنا ويعلن استقالته.. وفعل الرجل ولكنه وقبل أن يقول شيئاً.. انهالت عليه عشرات العصي والعكاكيز.. فاختطفه رجال الشرطة مخضباً بدمائه.. وادخلوه الحراسة واغلقوها عليه.. حفاظاً على حياته.. وجاطت الحكاية بعد ذلك.. إذ هاجم قرابة الالف وخمسمائة شخص.. رجال الشرطة والقاضي وانهالوا عليهم ضرباً.. وامسكوا باسلحتهم يودون انتزاعها منهم.. فاطلقنا القنابل المسيلة للدموع.. فهتف زعيم الجماعة.. الله اكبر ولله الحمد.. الجبخانة بقت دخان!!.
فتحمس الناس في مهاجمتهم للشرطة .. واستطاع احدهم.. أن يكسر على ظهري عدة كراسي من ذلك النوع المصنوع من الحطب.. لا ادري كيف تحملتها.. وجاء آخر.. عجوز.. احسب أنه قد حارب مع المهدي.. يهلل ويكبر ظناً منه بأني هكس باشا ويحاول ضربي بفأس.. كان يحملها ولكن احد المواطنين الغاضبين لما يحدث.. امسك به ونزع منه الفأس.. وصفعه على وجهه.. واطبق مجموعة من المهاجمين على العميد الهلالي سر الختم.. وعصروه.. في ركن ركين محاولين نزع المسدس الذي كان يحمله.. واستطعنا انقاذه.. ولما تفاقم الامر واشتدت محاولات المهاجمين لنزع السلاح من ايادي الشرطة.. اطلق احدهم مجموعتين فقط.. سقط على اثرها ثلاثة عشر رجلاً.. بين قتيل وجريح .. وفر الباقون وبقى رجال الشرطة وحدهم مع المصابين والقتلى .. فتحركت مع القاضي.. إلى نيالا.. للتبليغ وتحريك قوة من الجيش والشرطة.. لتدارك الامر.. تحسباً.. لتطورات الحدث.. فالنقطة تبعد عن نيالا.. ساعتين أو اكثر من الزمن.. وليس ثمة جهاز اتصال أو تلفون أو أي وسيلة اخرى.. والموبايل وقتها في رحم الغيب.. وكان الحدث قد وقع في منتصف النهار.. ولما بلغنا نيالا.. كانت الساعة حوالي الثالثة مساءً.. فقابلنا السيد المحافظ.. اللواء فضل الله حماد.. وقصصنا عليه ماحدث.. وطلبت منه أن يتصل بالخرطوم لارسال من يتولى التحقيق في الحدث.. قبل أن تكثر الاقاويل ويتدخل اصحاب الغرض.. وقبل أن يضيع الشهود.. وتضييع البينات.. ولم اتردد بعد ذلك.. من فتح بلاغ ضد نفسي والقوة التي رافقتني.. والانتظار جميعاً.. حتى يصل المكلف بالتحقيق .. والذي كان.. مولانا الطيب محمد الطيب.. وقد جاء في صبيحة اليوم التالي.. وتفرغ للتحقيق ليلاً ونهاراً حتى اكمله.. تقريباً في اليوم الثالث وخلص.. إلى حقيقة الامر.. وأن الشرطة كانت في حالة دفاع عن النفس تماماً فشطب البلاغ واخلي سبيل الجميع.. بل وأن قاضي المديرية.. اثنى كتابة على كل فرد في المجموعة.. وتواصلت اجراءات البلاغ الثاني ضد الاخرين الذين تسببوا في الاحداث واعتدوا علي رجال الشرطة.. وحاولوا نزع اسلحتهم وكسروا على رؤسهم وظهورهم الكراسي.. والعصي.. والذين..احدثوا دماراً هائلاً بعد ذلك.. بحرائق لم تبق ولم تذر في سوق القرية.. وبيوت السكان.. من غير قبيلتهم.. وظللت بصفة خاصة اتابع التحقيق.. بشأن قناص مجهول.. تربص بنا ونحن نغادر مهاجرية بعد الحدث في طريقنا إلى نيالا.. فقبع داخل قطية مهجورة على قارعة الطريق.. وعند.. مرور عربتنا.. اللاندروفر.. اطلق علينا.. طلقة.. «دقو فيل».. وهي عبارة عن طلقة خرطوش يتم تفريغها وتذويب مافيها من رصاص.. ثم اعادة حشوها بكتلة من الرصاص.. تخترق الفيل إذا اصابته.. وقد اخترقت طلقة هذا القناص الطبقة الاولى من باب اللاندروفر.. وتمددت في الطبقة الثانية حتى كادت أن تخترقها.. ولو أنها فعلت.. لاصابتني والقاضي والسائق جميعاً.. وفي منطقة الكُلى منا.. ولكن الله سلم.. وظل هذا القناص الحاقد مجهولاً حتى اليوم!!.
هذه هي احداث مهاجرية التي حدثت قبل ثلاثين عاماً تقريباً.. والتي زعم المتحدث الخطيب أمام دريج في اللقاء الجماهيري بعد تعينه حاكماً.. في ما اسماه الكتاب الاسود.. وهو سابق للكتاب الاسود الثاني.. المشهور.. واتهمني بانني بطل مهاجرية محاولاً في اقتضاب وعدم امانة.. أن يحملنا.. عواقب.. ماحدث ولكن كل فرد من رجال الشرطة يومها.. كان بطلاً من ابطال مهاجرية.. وقد تم تدوين ذلك ضمن كتاب الشرطة الابيض.. الناصع البياض!!.
ان استجابة الهيئة القضائية وقتها.. وارسالها لمولانا الطيب.. والذي قام بالتحري والتحقيق بكفاءة.. وحيدة.. حتى انتهى إلى قناعة شطب البلاغ في مواجهتنا.. قد قطع قول كل خطيب.. ومرجف.. وسد كل ثغرة يمكن.. استغلالها.. وكما توقعت تماماً فان مجموعة من اعضاء البرلمان.. جاءت بعد عام.. للتحقيق في الامر.. فاوضحت لها.. ان القضاء قد قال كلمته.. وانتهى الامر الذي فيه تستفتيان!!.
ثلاثون عاماً.. مضت على هذه الاحداث التي افرزتها بدعة النميري في اختيار.. قضاة المحاكم الشعبية وما تبعها من بيروقراطية.. وضع القرار على علاته موضع التنفيذ.. وتأخره لمدة عام أو يزيد.. أدت كلها الى دمار القرية وموت وجرح العشرات.. وكدنا أن نفقد جميعاً ارواحنا.. في مسألة لا تستحق.. نعم انها مسألة لا تستحق.. وانه كان وراء الاكمة ما وراءها.. وان موضوع عزل رئيس المحكمة والذي بادر بالاستقالة.. كان ذريعة فقط لاحداث الفوضى.. وانتزاع سلاح الشرطة ومن ثم القيام بتصفيات قبلية أو عرقية استعاضوا عنها.. بحرق مساكنهم.. ومتاجرهم وقد كانت اذاعة البي بي سي.. الاستخبارتية حاضرة.. في جهة ما.. اذ اذاعت النبأ.. بتفاصيله بعد سويعات من حدوثه وفي نشرة الرابعة.. وده موضوع مقال براهو!!.
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
11-01-2009, 04:36 PM
أيــــام النمـــيري (28)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
كان حديثي.. السابق عن أحداث مهاجرية التي وقعت قبل ثلاثين عاماً في هذه القرية النائية عن مدينة نيالا.. والتي كانت مشيدة كلها.. من المواد المحلية.. ولم يكن فيها بناء من الطوب أو الحجر.. سوى نقطة الشرطة.. ومباني أخرى يمكن عدها على أصابع اليد الواحدة.. وذكرت بأن الحدث.. وقع في منتصف النهار.. واستطعنا بعد مسيرة أكثر من ساعتين.. بالعربات أن نبلغ نيالا.. ونقابل السيد المحافظ اللواء فضل الله حماد.. بطريقته.. إن شاء الله النفس طالع ونازل؟! فقلنا له.. هذه المرة.. كاد ان يطلع نهائياً.. وفصلنا له ما حدث.. وأوضحت له رغبتي في فتح بلاغ ضد نفسي.. ورجال الشرطة الذين شاركوا في التصدي.. للأحداث.. في انتظار ان يأتي.. من يتولى التحقيق في البلاغ من الخرطوم.. شريطة أن لا يكون من ضباط الشرطة.. وقد أرسلت الهيئة القضائية مشكورة.. مولانا الطيب محمد الطيب.. فتولى الامر!!
وذكرت في خاتمة الحديث عن مهاجرية.. بان هيئة الاذاعة البريطانية.. بعد سويعات من الحدث.. وقبل ان ترسل تفاصيله كاملة لرئاسة الشرطة في وزارة الداخلية.. اذاعته بالتفصيل.. كما حدث بالضبط وقد اقلقني هذا الامر.. وأكد صحة توجساتي.. ومخاوفي من عناصر.. اجنبية كثيرة.. كانت تجوب دارفور.. بتصاريح وتصاديق من اجهزة الامن المختلفة.. بعضها بدعاوى السياحة.. والاستمتاع بالصيد.. وشلالات جبل مرة.. وبعضها باعذار العبور الى الدول المجاورة.. كافريقيا الوسطى وحالات اخرى عديدة.. تتواجد بما يشبه الاقامة في مواقع عديدة من دارفور.. ولعل هذه العناصر المشبوهة.. ومعظمها من الدول الاوربية هي التي ظلت عبر عقود من الزمان ترسم وتخطط وفق اجندة صهيونية.. استعمارية.. لاحتواء دارفور وعزل انسانها عن محيطه الاسلامي.. والعربي ومن ثم تأليبه على وطنه.. السودان الكبير.. وقد يندهش المرء.. ويتساءل كيف نجحت هذه العناصر المشبوهة في استمالة.. الانسان الدارفوري المسلم القرآني.. صاحب المحمل وكسوة الكعبة.. الذي ناصر المهدي وحمل دعوته على أسنة الرماح.. وجاء من اصلابه اول خلفاء الامام محمد المهدي.. وحقيقة الامر مختلفة جداً.. لأن الاصلاء.. من ابناء دارفور الذين ولدوا من رحمها ورضعوا من ثديها ونشأوا وترعرعوا في احضانها.. اوفياء مخلصين.. لها.. ولوطنهم الكبير.. يستوي في ذلك ابناؤها.. الذين عاشوا فيها منذ امد بعيد.. أو الذين اقاموا فيها قبل قرن أو يزيد.. وانتموا لها.. واتخذوها أماً وأباً.. ولم يعد يربطهم.. بسواها رباط.. فدارفور بحكم وضعها على حدود السودان الغربية كانت عبر الازمان.. طريقاً مفتوحاً للهجرة من اعماق افريقيا.. الى السودان.. بل ان قبائل عربية.. بكاملها.. قد وفدت اليها من شمال ووسط افريقيا.. وآثر بعضها الاقامة فيها.. وتوغل بعضها الى وسط السودان وشرقه وشماله.. وقد خلق ذلك وضعاً فريداً.. اضر بدارفور كثيراً.. وهو ان القبائل العربية وغير العربية.. التي انتمت إلى دارفور واصبحت جزءاً اصيلاً من كيانها وتمكنت عبر عقود من المعايشة ان تخلق بينها وبين اهلها العريقين.. صلات وعادات وثقافات مشتركة.. ظلت كل صباح تستقبل وافدين جدد من غرب افريقيا هاربين من ضنك العيش في بلادهم باحثين عن وطن جديد.. اهله طيبون يمنحون ضيفهم الجنسية بالميلاد.. ويوفرون لهم الاقامة المستقرة المطمئنة.. والحياة الافضل.. ويشملونهم في الخطط الاسكانية.. ويغضون الطرف عنهم وهم.. يسكنون ويأكلون.. ويشربون ويكتبون الحجبات.. عشوائياً.. ويشملونهم في (كوتة) السودان.. لزيارة بلاد الرسول الكريم عمرة وحجاً مبروراً.. وكان أول ما فعلوه فور قدومهم.. هو ارتداء الجلابية والعمامة والشال.. وتلفيح نسائهم بثياب الرسالة.. وأبي قجيجة.. ثم تخيروا قبائل بعينها.. تلتقي معهم في السحنة أو اللهجة أو بعض العادات فالحقوا أنفسهم بها.. وزعموا انهم سودانيين وهم ليسوا كذلك وليس في ضمائرهم ذرة من الولاء للسودان.. ومن عجب فان دولهم التي قدموا منها.. تشجعهم على ذلك وتوصيهم.. (بالسودنة) رجالة وحمرة عين وتعدهم بارسال من تبقوا من اهلهم في القريب العاجل.
واذكر.. ان الرئيس النميري.. تفقد طابوراً للضباط الاداريين السيارة.. فتوقف عند احدهم.. وكان ضابطاً ادارياً بنيالا.. فوضع (عصاته العجيبة) وجلس عليها.. وظل ينظر في وجه هذا الضابط ويتفحصه.. ثم قال له.. يا اخوي انت ما سوداني!! فانزعج الضابط وقال.. انا من مواليد كذا قبيلة كذا.. وقد تخرجت من جامعة الخرطوم و.... وان شقيقي.. هو رئيس اتحاد العمال هنا .. فقال النميري.. اخوك برضوا ما سوداني.. لكين معليش الزيك كتير!!
وكانت المفاجأة.. بعد سنوات.. ان اختفى هذا الضابط.. ليظهر وزيراً في حكومة دولة مجاورة!!
ان العناصر المشبوهة.. الامبريالية الصهيونية قد وجدت ضالتها.. في عناصر (تدرفنت... وتسودنت) في غياب السجل المدني.. والسودان منها براء.. ومن تحت رأسها اشتعلت الفتنة الكبرى في دارفور.. والتي لن تنطفئ.. حتى يتمايز الناس.. ويختفي الطابور الخامس.. الذي حسب المثل.. يكاكي في دارفور.. ويبيض في قفص اعدائها!!
ظللت استعرض في خاطري.. عناصر كثيرة.. بحثاً عن الشخص الذي.. مد هيئة الاذاعة البريطانية.. بتفاصيل احداث مهاجرية ودماء المصابين فيها لم تجف.. وحرائقها.. لا زالت مشتعلة والقوة التي يتم اعدادها للسيطرة على الموقف لم تتحرك بعد.. فهل الشخص هو العجوز الشمطاء.. الالمانية التي تعيش مع قبيلة الفور.. بدعوى انها.. تعد دراسة عليا في لغتهم.. ام ذلك الفرنسي الذي يبحث سر المياه.. المتدفقة من قلب الجبل كما يزعم.. أم ذلك العربي المسيحي المتفرنج.. الذي آثر ان يعيش ويثري.. وسط أمة كلها من المسلمين.. أم يا ترى.. واحسب انه هو.. ذلك الخواجه.. الذي قابلنا عند مدخل مركز الشرطة ونحن قادمون للتو من مهاجرية بعد الاحداث (فحمدل لنا السلامة) وبالعربي كمان!!
فهذا الخواجه الذي يناهز الثلاثين من العمر.. ظل يقيم بدارفور مع زوجته.. وقد استأجرا منزلاً وسط المدينة وخلقا علاقات عديدة مع اهلها.. حتى صارا معروفين ومألوفين للجميع.. ولكني لم ابذل اي جهد للتعرف عليهما.. باعتبار ان.. وجودهما مرصود بواسطة اجهزة امنية اخرى مختصة.. ولكن.. ذات صباح.. دخل هذا الفتى مكتبي.. متأبطاً شراً.. اقصد متابطاً امرأة جاحظة العينين.. تناهز الخامسة والاربعين.. وقال.. انها زوجته.. ثم عرفني بنفسه وقال بالواضح انه يود التعرف علي.. لانه اديب وكاتب وروائي وشاعر.. وزوجته فنانة تشكيلية.. وانه قد علم باهتماماتي المتصلة بهذا الجانب الادبي!! فرحبت به.. وقلت له ان مكتبي وبيتي.. مفتوح.. لزياراته في أي وقت.. ولم يصدق الخواجه هذا الترحيب فسكن.. او كاد (يميز) معي.. وكان كلما جاء.. وضع امامي صحيفة انجليزية وفيها بعض اشعارة.. وبعض كتاباته ولما ناقشته فيما كتب ايقنت.. انه صاحب ملكات ابداعية.. يضاف إلى ذلك.. ان الرجل.. يتحدث العربية الدراجة بطلاقة يستطيع التفاهم مع العامة.. غير ان ما حيرني في الرجل.. وحرك في دواخلي الشكوك تجاهه انه كان يحمل معه في الحل والترحال.. جهاز تسجيل.. وقرابة العشرين شريطاً لمادح الرسول (ص) السماني أحمد عالم.. يستمع اليها كلما خلا الى نفسه.. ويظل منسجماً معها.. مطاطئ الرأس.. وفي حالة من التأدب في حضرة الرسول الكريم.. قلت له هل انت مسلم.. قال لا.. قلت له.. تفهم ما يقول السماني.. قال شوية شوية.. قلت له.. طيب ايه الحكاية؟ فقال ان صوت السماني أحمد عالم.. صوت ملائكي.. لا نظير له.. في اصوات اهل الارض..
فالرجل في نظري جاسوس مؤهل ومدرب.. وشرائط السماني أحمد عالم.. كانت وسيلته في استمالة القلوب.. واختراق الجماعات.. وربما كان جهازه.. للتسجيل اكثر منه.. لبث شرائط المدائح النبوية! وقد سألته مرة عن عن مهمته في دارفور.. سؤالاً مباشرة.. فقال.. انه رجل ثري.. ولا يعمل لحساب احد وانه جاء الى دارفور.. فوجد فيها الهدوء وصفاء الذهن.. الذي سيمكنه من كتابة اشعاره ورواياته.. فقلت له.. ان المبدع هو ابن بيئته.. ولو اردت ان تعبر عن قضايا.. اهلك.. فانه يتحتم عليك ان تكون.. هناك.. موش هنا في قلب افريقيا؟! فتلعثم قليلاً واجاب بذكاء.. ان بلدي في وجداني.. ولكن خيالي هناك لا يستطيع التحليق.. لأنه يصطدم بعماراتها الشاهقة.. كما ان ضوضاءها.. تطرد الافكار.. اما هنا.. فالهدوء وصفاء الذهن.. وان الخيال يسبح كيف شاء في فضائها الفسيح العريض.. وحدق في وجهي.. واقتنع باني لم اصدقه؟!
ومرت الايام.. حتى حلت بالخواجه مصيبة كبرى.. اذ انتحرت زوجته انتحاراً من نوع عجيب.. هز أركان مدينة نيالا.. وطال استقرار اسرها.. فهذه الخواجيه التي اسميتها (تأبط شراً).. كتبت كتاباً ضخماً.. كشفت فيه كل اسرارها الشخصية.. وذكرت ان زوجها.. كان يتأفف منها.. ولا يشعرها بانوثتها.. وبحثاً عن هذه الانوثة.. فانها ظلت تستجيب لكائن من كان يراودها عن نفسها.. وتبرعت بكتابة صفحة أو صفحتين عن كل ضحية من ضحاياها.. الذين تجاوزوا الثمانين رجلاً في مدينة نيالا وحدها.. وقد وضح لها بعد كل هذه التجارب المريرة المجنونة بان.. انوثتها قد عفا عليها الزمن.. فقررت الانتحار.. فقامت أولاً بكتابة ديباجات.. وتعليقها على كل مقتنياتها في الغرفة.. لتسليمها.. للاسماء الموضحة عليها بعد موتها.. وقالت انها اطلعت على شتى وسائل الانتحار لاختيار الوسيلة الاسهل.. ورات ان قطع الشريان والنزيف الذي يدخلها في غيبوبة حتى الموت.. هو الايسر.. واوضحت كتابة بانها احضرت موس ناسيت من الورقة وقطعت شريانها داخل الحمام.. وهي الآن في انتظار الغيبوبة والموت.. ثم عادت لتكتب.. لقد نزف الدم كله وانا الآن في كامل الوعي.. عليه فاني ساقطع شريان اليد الثانية.. وفعلت ثم عادت لتكتب.. لقد امتلأ الحمام بالدماء.. ولم امت.. احسب ان الطريقة السريعة والمريحة.. هي طلقة في الرأس.. انا الآن في حالة استعداد لاطلاق النار على رأسي.. ومع السلامة ورقدت جثة هامدة.. واصبح الامر كله بيد الشرطة.. وقد حاول الخواجه بكل الوسائل.. ان يأخذ الكتاب الفضيحة الذي كتبته المنتحرة ولكني رفضت باعتبار الكتاب.. معروضات هامة جداً تلقى الضوء على اسباب انتحارها كما ان فيه اسرار خاصة جداً.. لابد من التحفظ والتكتم عليها.. حتى لا تنهار اسر بسببها.. وتطمين الذين كانوا يأتون مهرولين على طريقة عادل امام.. انا اسمي مكتوب؟!
بعد حادثة الانتحار هذه.. ايقنت تماماً ان الخواجه والخواجيه.. كان يقومان بعمل خطير.. ضد هذا البلد.. وان سفارتهما.. ظلت على اتصال بنيالا.. خط ساخن.. حتى انتهت اجراءات الشرطة وتم دفن الزوجة.. وسافرزوجها الى الخرطوم.. ثم الى بلده.. ووجه لي دعوة للحاق به هناك.. ولكني لم افعل.. غير ان بلاوي هذه الاسرة.. لحقت بي في الخرطوم.. وكنت وقتها رئيساً لشرطة الشمالي أم درمان.. فجاءني الصديق المقدم وقتها.. واللواء «م» حالياً محمد حسن عبده يحمل يومية تحري.. وقال لي مداعباً انت مقبوض عليك.. في جريمة قتل.. فقلت له.. اللهم اجعله خير.. فقال هناك خواجه اسمه (....) جاء ونزل في فندق (....) الغرفة (....) وجد منتحراً في الغالب الاعم.. وقد كتب مذكرة.. تقول.. ان المقدم (اللي هو انا) يمكن ان يفيد في توضيح اسباب انتحاره.. فاوضحت للاخ محمد.. كل ما جاء في هذا المقال وزيادة.. لأن بعضها لا يصلح للنشر.. وسألته.. ان كان الخواجه قد ذكرني بخير فقال.. الخواجه عنده عربة لاندروفر (رهيبة) جاء بها.. وحقيبة ملأى بالدولارات.. فصلها دولاراً دولاراً وطالب بتسليم العربة والحقيبة بدولاراتها لسفارة بلاده..
فنظرت الى الصديق محمد حسن.. وقلت مغتاظاً من الخواجه (عديم الخوة). خلي سفارة بلاده تنفعه يوم القيامة!!
مع امنياتي بهذه النهاية المؤسفة.. لكل اجنبي.. نفتح له ديارنا.. فيجوس فيها ثم يخون الملح.. والملاح!!
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
11-02-2009, 07:26 PM
أيــــام النمـــيري (29)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
دارفور الكبرى.. قارة صغيرة متنوعة المناخات والقبائل أغدق الله عليها الجمال الطبيعي .. ورزقها من كل الثمرات إلا أنها حُرمت الاستقرار والطمأنينة عبر تاريخها .. بسبب الحروب والصراعات التي شكلت تاريخها.. ثم بسبب النزاعات والاحتكاكات بين القبائل.. في مجالات الزراعة والرعي والحواكير.. والتي تحاول بعض الحركات المسلحة أن تصبغ عليها صبغة صراع القبائل الافريقية مع القبائل العربية التي تقوم بإبادة رجالهم واغتصاب نسائهم.. وتشريدهم كما يزعمون.. أملاً في استمالة الدوائر الغربية الصهيونية .. ودعمها .. وقد روج الاعلام لهذه القرية الكبري.. التي خبا بريقها.. وبدأت الحقيقة تتجلي وتتضح .. ويثبت بما لايدع مجالاً للشك.. إنها صراعات تحدث بين قبليتين عربيتين.. كما تحدث بين قبيلتين غير عربيتين ... تماماً كما تحدث بين قبيلة عربية وأخرى غير عربية.. تتعدد الاسباب وتقع الصراعات الدامية.. التي لا علاقة لها بتحرير دارفور!!.
المهم.. لقد كانت .. الصدامات .. بين القبائل سابقة وقديمة وغير أن إدارات القبائل الاهلية.. كانت تحد من علوائها.. بسطوتها وحكمتها.. وعلاقاتها التي تربطها مع بعضها البعض.. ولكن ما حاق بالإدارة الاهلية على عهد النميري.. انعكس سلباً على أمن دارفور واستقرارها .. بعد أن أصبح قرار القبيلة رهناً.. بأيدي عناصر أخرى.. من الشباب.. المتحمسين لقبائلهم دون وعي أو حكمة .. أو قدرة على معالجة الامور .. فتعددت الصدامات بين القبائل لأسباب تافهة.. وخرجت عناصر كثيرة على قبائلها .. لتمتهن السرقة والسطو وقطع الطريق والنهب المسلح حتى شاع القول«نهب ساعتين.. ولا اغتراب سنتين».. أو لفظة «النهب المصلح» .. كان قدري ابان سنوات عملي برئاسة مركز شرطة نيالا أن أظل مؤرقاً .. بمثل هذه الاحداث التي تكاد تحدث كل يوم.. ولكن الاحداث الدامية التي كانت تقع بين القبائل التي تمتهن الرعي وتلك التي تمتهن الزراعة.. ظلت هي شغلنا الشاغل .. لأن كل حادثة منها كانت تخلف دماراً.. وخرابا.. وتريق دماء العديد من الابرياء .. وتظل البلاغات مفتوحة ضد مجهولين .. وهذه الاحداث كانت «كالافلام» نسخاً كربونية مكررة .. جماعة دخلت بجمالها مزرعة فقضت عليها صاحب المزرعة قتل جملاً.. هرب الجناة .. خرج «الفزع» في مطاردتهم .. ولما لحقوا بهم.. قام الجناة باطلاق النار عليهم من بنادق كلاشنكوف .. فر الجميع أو عاد «الفزع» مخلفاً وراءه .. سبعة من القتلى أو يزيد .. وفي كل مرة تفحصت فيها الاموات وجدت اثر طلقة واحدة فقط في الجبهة ولم يحدث أن رأيت أحداً اصابته أقل من الموت.. علق احد الظرفاء.. بأن هولاء الجناة يتخذون من رأس الجمل «سيبيا» يركزون عليها سلاحهم.. وان جمالهم تقفل عينها لضبط التنشين..!!
لقد بذلنا كل مافي وسعنا.. لمنع وقوع مثل هذه الاحداث المؤسفة بين الرعاة والمزارعين .. ولكن دارفور كما قلت قارة صغيرة يجوبها.. الرعاة.. وينتشر في انحائها المزارعون والشرطة امكاناتها محدودة بل ان الاسلحة التي كانت بايدي القبائل وقطاع الطرق .. اكثر تطوراً من اسلحة الشرطة.. فرأينا ان نبذل كل الجهود.. لجمع الاطراف المتصارعة .. حول مؤتمرات الصلح.. ولكن كل مساعينا باءت بالفشل .. وكانت اجابتهم دائماً.. لماذا لاتقدموا متهمينا للمحاكمات..؟! حاكمونا لوعندكم بينة!! فاجتمعت بعدد من الضباط.. وضباط الصف.. وشاورتهم في الامر.. وقلت لهم إن هذه الاحداث غالبا ما تقع ليلاً.. والبلاغات كلها ضد مجهولين لأن أحداً لم يرَّ.. من استباح المزرعة ورعي فيها ابله .. ولم يرَّ من اطلق النار.. وهم يستندون على قاعدة قانونية .. بأن المتهم من غير بينة برئ.. فماذا نحن فاعلون؟
اقترح احد صف الضباط وهو من ابناء دارفور خطة ذكية جداً.. لايمكنني بعد مرور أكثر من ثلاثين عاما .. أن ابوح بها .. غير أنها تتلخص في مضايقة للطرفين.. بصورة يصعب احتمالها لمدة اطول.. حتى ان جماعة منهم اقتحمت مكتبي وتحرشت بي وتاهبت للاعتداء عليّ .. ولكن الله .. انقذني بدخول رقيب مسلح.. لمكتبي .. ليخطرني بالتحرك الى موقعه .. فتراجعت الجماعة وخرجت مسرعة.. ولم تلبث الاطراف بعدها كثيراً فجاءت تبدي رغبتها في مؤتمرات الصلح حتى يتم سحب البلاغات المفتوحة .. واطلاق سراح المقبوضين.. وعقدت المؤتمرات بالفعل وتصالحت الاطراف ودفعت ديات الموتى وقيمة الخسارات .. وهدأت المنطقة وتوقفت العدائيات بين الاطراف التي ارتضت الصلح.. ولا أحسب أنها اشتعلت من جديد.. ولكن دارفور باكملها .. وجنوب دارفور .. لم تهدأ.. وظلت الحوادث .. تتوالى .. في كل ناحية ولكن الحدث الجلل الذي وقع.. واهتزت له جنوب دارفور.. تحملت ضرواته وقساوته رهيد البردي.. التي غني لها صلاح ابن البادية .. هذه المنطقة الشاسعة .. خالصة لقبيلتين عربيتين .. عاشتا ردحاً من الزمن في ود وصفاء.. ومصاهرة وهما قبيلة التعايشة التي تمتهن الرعي وتسرح بابقارها شهوراً عديدة.. بحثاً عن المرعى والكلأ.. فتتوغل في اعماق افريقيا الوسطي برضاء اهلها.. لارتباط المصالح والمنافع وقبيلة السلامات.. التي يمتهن أهلها الزراعة.. والتجارة والحرف الاخرى.. وبين القبيلتين اواصر وعلائق متينة وتمازج أسري كبير.. ومصالح عديدة لا تنفصم عراها.. ومع ذلك فقد نجح ابليس.. واوغر في صدر قابيل فقتل شقيقه هابيل.. فاشعل نيران الحقد والبغضاء والكراهية بين الطرفين .. ووقعت بينهما الحرب الضروس.. فمات المئات من كل جانب وترملت النساء وتيتم الاطفال.. وافتقدت المنطقة الأمن والاستقرار والطمأنينة .. وتبدل حال الاستقرار والهناء الرغيد الى حال الخوف.. والتشتت والغرار.. والخوف وجفاف الحرث والزرع والضرع.. ولاح شبح الفقر.. والجوع.. ومع ذلك ظل البعض الذين يريدون لها المزيد من التفاقم والاشتعال.. يجهضون كل الجهود التي بذلتها السلطات لوقف نزيف الدم وإعادة الحياة سيرتها الاولى ويرفضون مئات المحاولات التي قام بها الخيرون للجمع بين الطرفين.. من أجل الحوار والمصالحة.. ظناً منهم بأن القوة وحدها هي الفيصل.. وهذا هراء بالطبع لأن العصر.. الذي نحيا فيه .. هو عصر تحكمه القوانين بل يحكمه المجتمع الانساني والذي يمكنه التدخل بالقوة ..أو بالخوة .. ولن يقف متفرجاً يتأمل.. النسخة العصرية الجديدة لحرب داحس والغبراء..!.
في ظل كل هذه الاحداث التي أشرنا لبعضها والتي تنتظم جنوب دارفور وتهدد أمنها وفي ظل معاناة .. سلطات دارفور واهلها جراء ما حدث بين قبيلتي السلامات والتعايشة وما بلغته.. قواتها الأمنية كلها.. من رهق وتعب.. وهي تفصل بين الطرفين.. وتطفئ النيران التي يشعلها البعض هنا وهناك.. واستبقائها في حالة استنفار شهوراً عديدة.. في ظل كل ذلك .. ابلغت رئاسة الجمهورية محافظ جنوب دارفور بأن الرئيس نميري ينوي زيارة لجنوب دارفور تستغرق عدة ايام.. وطالبت بأرسال البرنامج الذي تتصوره المحافظة لهذه الزيارة التاريخية العظيمة..!.
سارعت لجنة أمن المحافظة .. بعقد اجتماع عاجل .. رأت فيه أن الزيارة لايمكن رفضها أو طلب تأجيلها .. فوضعت تصوراً لبرنامج الزيارة استبعدت فيه كل المناطق الملتهبة والمضطربة أمنياً وعلى رأسها رهيد البردي..!!.
أرسل البرنامج على عجل.. لرئاسة الجمهورية مع اتصالات مكثفة.. بالقيادات السياسية النافذة لقبول البرنامج كما هو .. ولكن الرئيس النميري ضرب بالبرنامج عرض حائط القصر «وقطع من رأسه برنامجاً» يبدأ من رهيد البردي.. ومروراً بالمواقع الملتهبة الاخرى.. فأسقط في أيدي لجنة الامن واجتمعت مرة أخرى لمجابهة الأمر الواقع.. فمنطقة .. الرهيد.. والمناطق الأخرى بعيدة عن نيالا حاضرة المحافظة ..والخريف وقد غمر كل الانحاء.. وليس ثمة كبري أو جسر أو حتى شارع معبد ناهيك عن الاسفلت.. والمناطق ملتهبة أمنياً واطراف النزاعات كلها .. تتربص ببعضها البعض.. وانفجار الموقف الامني في أي لحظة.. أكثر من محتمل وبذلك تبقى حياة الريس في خطر مع ضعف قوات الأمن والشرطة التي تنجح بالكاد في الفصل بين الاطراف المتصارعة ولم تجد لجنة أمن المحافظة سبيلاً.. غير مخاطبة القصر.. بمضمونه والمطالبة بدعم بشري.. ومادي .. ولوجستي كمان.. وتقرر ان يقوم مدير شرطة جنوب باعتباره مقرر لجنة الأمن.. بالسفر الى الخرطوم.. وحمل الرسالة وشرح ابعادها.. هناك.. ولكن الرجل في طريقه الى المطار.. داهمته الملاريا «أم رجافة» فقام المحافظ.. دون تردد بتسليمي الخطاب فحلقت به الى الخرطوم.. وأنا لا أدري ماهو مضمونه!! واستسهلت الامر باعتبار أن مهمتي هي تسليم الرسالة.. غير أني لم أصدق نفسي.. وقد أدخلت قاعة فخمة يتوسطها .. الفريق أول عبدالماجد حامد خليل وكان وقتها نائباً لرئيس الجمهورية .. وحوله جمع من القيادات العسكرية .. ذات اللعاليل الحمراء.. كنت بينهم صغيراً برتبة المقدم .. متوترا من هول الموقف وخوفاً من الفضيحة إذا سألوني.. فأنا لا علم لي بمضمون الخطاب وبحركة آلية لم أشعر بها.. وجدتني وقد أشعلت سجارة أمام الجميع وفي حضرة السيد نائب رئيس الجمهورية.. ورمقني السادة اللواءات بنظرات.. فهمتها .. تستهجن السلوك وتلمس في صمت .. راجل ملكي!! ولا غرابة فان قانون الشرطة الذي تأسست بموجبه يقول The Police Force is aCivil force أي الشرطة .. قوة مدنية .. ولاعيب في ذلك!! المهم فتح الخطاب.. وقرأ على مسامع الجميع وكنت أكثر الحضور دهشة .. لأني .. لم أطلع عليه من قبل.. ثم بدأ الحضور في مناقشة ما ورد فيه من مطالب بنداً بنداً .. وكنت«مفندقاً خشمي» لما قيل ويقال.. وأحسب أن السيد النائب.. قد أحس بحالي .. فأراد اشراكي في الحديث.. وسألني عن عدد القوارب المطاطية التي تفي بالغرض .. فأجبت بعفوية وبلا تحفظ.. دارفور مافيها أنهار.. دارفور فيها وديان شديدة الاندفاع .. حتأخذ القوارب المطاطية بمن فيها وتفوت..!! وضع السيد النائب القلم .. وحدق في وجهي ملياً.. وكذلك فعل السادة اللواءات وتحدث السيد النائب لمن كان قريباً منه حديثاً هامساً.. لم اسمعه ولكنه كان بالقطع تساؤلاً عن الكيفية التي جعلتني أحضر الخطاب.. وأعترض على بعض بنوده.. ثم اعتدل في جلسته واصدر العديد من التوجيهات بشأن مطالب دارفور وقد أسعدني جداً أنه تجاوز القوارب المطاطية..!!.
وقبل أن أغادر القاعة الفخمة سمعت السيد نائب الرئيس يوجه بتحرك العميد الركن كمال أبشر على رأس قوة إلى هناك.. وما أدراك ما كمال أبشر!!.
قد يتساءل القارئ .. عن معنى الحديث المسهب بشأن خطاب لجنة أمن جنوب دارفور وقد تعمدت ذلك.. لاوضح بأن الاجهزة في ذلك العهد المايوي.. كانت تؤدي واجباتها.. بكفاءة عالية .. فالرئيس النميري .. تجاوز التحذيرات.. وقرر أن تبدأ زيارته من منطقة رهيد البردي .. المتلهبة أي .. يمشي للعقرب في جحرها!!
ولجنة أمن المحافظة.. لم تترك الزيارة تتم حسب الظروف ولكنها رفعت رأيها الصريح كتابة.. وطالبت بالدعم واصبحت بذلك«خالية مسؤولية».
ورئاسة الجمهورية لم تضيع وقتا.. وقام الرجل الثاني فيها بدراسة الأمر وحسمه والعميد الركن كمال أبشر.. نفذ التوجيهات قبل أن يرتد صداها .. الى سمع الفريق أول..!.
أما أنا فقد استوعبت الدرس وآلبت على نفسي أن .. لا أحمل مظروفاً مختوماً بالشمع .. دون معرفة تفاصيله.. كالحمار يحمل اسفاراً.. وانطبقت عليّ قصة العتالي الذي يعمل في ترحيل العنكوليب .. ولكنه قام مرة بترحيل شنطة مواطن.. فضبطتها الشرطة .. وكانت مليئة بالبنقو فقضى سنوات السجن المريرة .. وعاد يمارس العتالة من جديد.. ويرفض رفضاً باتاً ترحيل أو تعتيل أي شئ آخر ويعتذر قائلاً.. أنا تاني ما نشيل إلا عنكوليب.. بس فقط لاغير..!!.
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
11-03-2009, 12:00 PM
أيــــام النمـــيري (30)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
خلال سنوات الإستعمار.. وفترة الديمقراطية التي إنتهت بإستيلاء الجيش على السلطة في 17/11/58 وحتى سقوط حكم الفريق عبود في 21 أكتوبر 1964م كان النشاط الشيوعي في البلاد بين محظور.. وغير مقبول.. وحرام عديل كده.. وكانت شرطة السودان - هي خادم الفكي - المناط به أمر كبح نشاط الحزب الشيوعي بإعتباره نشاطاً تخريبياً.. ودارت رحى المعركة بين الشيوعيين والشرطة تماماً.. كما نرى في المسلسل الكرتوني.. توم آند جيري!!.
وعلى إمتداد هذه السنوات من المجابهة بين الطرفين «تبرمحت» الشرطة كعدو تقليدي لنشاط الشيوعيين الهدام.. وصار من الممكن إعتبار كلمة الشرطي هي كلمة الشيوعي ولكن معكوسة!!.
وعندما استولى العقيد جعفر النميري على السلطة في مايو 1969.. كان طبيعياً أن تنكمش الشرطة.. ولا تبدي ولاءها وتأييدها.. وقد زحمت الرايات الحمراء كل الأجواء.. وصار «جيري».. الذي طالما طاردته لتظفر به.. يجوس.. في ردهات الشرطة.. عيني عينك.. وتوقع الجميع.. بأن الشرطة ستدفع ثمناً باهظاً على أيدي أعداء الأمس حكام اليوم.. ولكن إنقلاب هاشم العطا.. هزم كل التوقعات والتنبوءات «فرقدت» قلوب رجال الشرطة التي بلغت الحناجر.. وهدأت نفوسهم وأنفاسهم فانبروا يمارسون شوطاً جديداً من لعبة توم آند جيري.. فدكوا معاقل الحزب الشيوعي وأوكاره دكاً.. وضاقت الأرض بما رحبت على مَنْ تبقى حياً من آل جيري وتحوّلت الشرطة.. ما بين عشية انقلاب 19 يوليو.. وضحاها.. إلى قوة من المايويين.. تؤيد النميري وتدافع عن نظامه بشراسة.. ولم يشذ عن هذا الولاء إلاَّ القليل من أصحاب الانتماءات القديمة.. ولكن وكعادة النميري الذي ظلّ ينقض غزله أنكاثاً في كل مرة فانقلب على الشيوعيين الذين أتوا به وتراجع عن إتفاقية اديس ابابا.. وخسر العمال.. والمزارعين.. بل و«فرتق شمل» المصالحة الوطنية.. التي لو قُدّر لها أن تستمر لكان السودان الآن بلداً آخر.. ثمّ «قَبَّل» على الشرطة التي نصرته وآزرته ودافعت عنه.. عندما تكالب عليه الأعداء وبدأ يستخف بها ويستهين بقدراتها وتناسى مراراً.. أنّ الجيش والشرطة.. في السودان على وجه الخصوص.. هما وجهان لعملة واحدة.. وأنه لا معنى للدفاع عن حدود البلاد.. وأمنها الداخلي مهدد ومتصدع وآيل للسقوط.. وارتكب الخطأ الأول والأشنع.. عندما وقّع على إتفاقية أديس أبابا.. ووافق على «جَنْوَبه» الشرطة في الاقليم.. بل ووافق على سحب كل رجال الشرطة من أصول شمالية.. ظلوا يعملون هناك منذ الخمسينيات.. بعد التمرد.. وقد عاشوا هناك.. وتصاهروا وتناسلوا وتكاثروا بل أصبحوا الوشيجة الأولى التي تربط بين أهل الجنوب والشمال وتُطمئن التاجر والمستثمر والموظف الشمالي.. على ماله ونفسه أسوة بشقيقه الجنوبي.
إنّ هؤلاء الرجال.. كانوا قد جاءوا إلى الجنوب بأمر حكومة اسماعيل الأزهري بعد اندلاع حركة التمرد في توريت والتي راح ضحيتها الأبرياء من أبناء الشمال.. كانت مأمورية طارئة.. تحوّلت.. إلى إقامة دائمة في الجنوب ظلوا فيها يعيشون بين أهله ويتشربون بعاداته وثقافاته.. فرقصوا.. رقصاته.. ورطنوا بألسنته ولهجاته.. وعلّموا أهله لغة الشمال ونقلوا العديد من أبنائه.. من ظلام الوثنية إلى نور الإسلام.. واستبسلوا في حماية التراب ووحدته.. وحافظوا على أمنه واستقراره وسلامته.. وظلوا يترقبون حكماً منصفاً في الخرطوم يقدّر دورهم ويكافأهم عليه بكلمة شكراً على الأقل.. ولكن كانت المفاجأة المذهلة.. والرسالة المؤسفة.. والقرارات المجحفة.. التي صدرت جراء إتفاقية أديس أبابا والتي تنكّرت لدورهم وأمرت بإعادتهم للشمال وكان ذلك الشرخ الأول والأخطر في جدارة الوحدة الوطنية.. ومن بعده.. توالت الأحداث عاصفة حتى بلغت حد الاستفتاء على تقرير المصير!!.
إنّ قرار جنوبة الشرطة لم يكن حكيماً البتة وأبناء الجنوب.. يعملون في كل مواقع الشرطة بالشمال ولم يطالب أحد «بشمألتهم»..
والأنكأ والأمرَّ.. هو سحب الرجال الذين أفنوا العمر هناك وارتبطت حيواتهم بالجنوب وكان يمكن أن يستمروا في مواقعهم على أن يتم التجنيد بعد ذلك من أبناء الجنوب.. ولكن هؤلاء الرجال الأشاوس أعيدوا رغماً عنهم إلى.. ولايات الشمال.. وهم يصطحبون زوجاتهم «الجنوبيات» وأبناءهم منهن.. وعاشوا مرارة التأقلم.. والعناء لبناء حياتهم من الصفر وظلوا بقية العمر.. وقلوبهم معلقة بالجنوب.. حيث أملاكهم.. وبعض زوجاتهم وأبنائهم.. وذكرياتهم وأصدقائهم وأذكر وقد كنت رئيساً.. لمركز تدريب الشرطة.. أن جاءني أحدهم.. برتبة الرقيب أول.. وحكى لي بمرارة.. أنه أُعيد من الجنوب.. ولم تحضر معه أسرته.. وأنه لم يجد أثراً لأهله أو حتى أصدقائه بالشمال.. وطلب مساعدتي.. فخصصت له غرفة في عنابر المستجدين.. ظلّ يقيم فيها.. حتى خرج نعشه منها يشيه المستجدون.. فأي ظلم حاق بالرجل.. وآخرين مثله؟!.
إن هذه اللطمة القاسية التي وجّهها النميري للشرطة مستخفاً بواجبها في حماية وحدة الوطن ومستهيناً بدورها الذي كانت تلعبه في حماية ظهر القوات المسلحة.. ومتجاهلاً.. خبراتها وقدراتها المهنية في تطبيق القوانين وحماية أعراض الناس وممتلكاتهم.. كانت لطمة قاسية إرتج لها رأس الشرطة.. ولكن الراحل اللواء شرطة روبن ماك.. الذي عُيّن مديراً لشرطة الاقليم الجنوب.. وهو من خريجي كلية الشرطة المؤهلين.. قد أحسّ بفداحة القرار.. وأيقن بأن انسحاب رجال الشرطة الشماليين الذين تمرّسوا على العمل في الجنوب منذ ثلاثة عقود وأكثر سيؤدي لإنهيار العمل الشرطي في الجنوب تماماً.. فتدارك الأمر.. وخفف أثر اللطمة.. باستقطاب عدد كبير من الضباط والرتب الأخرى وأخذهم للعمل معه.. في جنوب السودان.
لقد خفف ما قام به اللواء روبن.. غضب رجال الشرطة.. فظلوا على عهدهم يؤيدون النظام.. ولكن النميري لم يكن حريصاً البتة على الشرطة.. حرصها عليه.. فظلّ مع كل تعديل في الأجور والمرتبات والعلاوات.. يسقط امتيازاتها ويهضم حقوقها ويقلل من أجرها.. ويستكثر عليها حتى وسائل النقل والإتصال المتقدمة.. التي تعينها على مكافحة الجريمة.. وظلّ كومر الشرطة المعروف في عهد الإستعمار هو كومرها حتى غادر النميري!! كما ظلّ يزيد من الفوارق بين الشرطة ورصفائها في القوات النظامية الأخرى.. والتي كانت في الماضي تحسب بالعلاوات.. ليصبح الفارق قطاعاً كاملاً وقطاعين وانسحب ذلك على فوائد ما بعد الخدمة وبلغ مرتب الشرطي حداً لا يمكن تصوره فأصبحت المهنة طاردة.. وقد أهيلت على عاتقها مهام أخرى لم تكن من صميم واجباتها.. وظلت مراكز التجنيد.. خاوية على عروشها.. بعد أن أحجم الجميع عن العمل في صفوفها.. وقد شرحت ذلك.. لمعتمد الخرطوم وقتها اللواء بابكر علي التوم.. فوافق على علاوة خاصة من خمسة جنيهات لدعم المستجد.. وكانت المفارقة المضحكة.. هي إيقاف علاوة المعتمد بعد التخرج.. ليصير مرتب الشرطي أقل من المستجد!!.
لقد حاولت قيادات الشرطة المتعاقبة أن تعالج ذلك باللقاءات المتكررة.. مع النميري ولكنه لم يستجب.. فرفعوا له لائحة مالية للشرطة لتحفظ بالعلاوات والبدلات.. التوازن في مرتب الشرطي الذي انتقص منه الهيكل الراتبي.. فظلّ يراوغ ولم يوافق عليها حتى انقلبت الجماهير عليه في 6 أبريل.. وقد قام الفريق أول عباس مدني بدور مهم يحفظه له التاريخ.. عندما استطاع أن ينتزع من قلم النميري موافقة بقيام الشرطة الفنية.. والتي كانت جسراً للتواصل بين القاعدة والقمة.. والتي حمت الشرطة من التصدع.. جراء هروب كوادرها المدربة في الرتب الأخرى حتى جاوز النقص في القوة نسبة 50%!!.
لقد أنهك النميري الشرطة بقراراته العديدة المدفوعة.. بعناصر من سدنته.. وعلى عهد الدكتور المرحوم جعفر محمد علي بخيت وجد بعض الإداريين الفرصة سانحة للتشفي من الشرطة.. وتصفية حساباتهم القديمة معها.. منذ أن كان الضابط الإداري وقتها.. يرتدي الاسبلايت المزينة بالشرائط تارة ويرتدي الاسبلايت المزينة بالدبابير تارة أخرى.. وقد ساءهم أنّ الشرطة.. تمكّنت من الخروج عن طوع الإداريين.. وانشأت كليتها الخاصة بها.. وانفردت بواجباتها ومسؤولياتها..
لقد استطاع المرحوم د. جعفر محمد علي بخيت أن يقنع النميري بتصوره للحكم الاقليمي.. الذي يضع كل السلطات عدا السيادية منها في أيدي حاكم الاقليم.. ولا يتورع حتى من المساس بوزارة الداخلية وأجهزتها الشرطية والأمنية.. ولم يخطر بباله.. أنّ بعض الأقاليم كانت عاجزة تماماً عن القيام بالدور الاتحادي في أي جانب من جوانبه.. وأشهد بأن اقليم دارفور وقتها عجز.. عن توفير الملبوسات لرجال الشرطة فجاء بها من ليبيا.. وكسى الجميع بزي لا يتطابق مع الزي الرسمي المعتمد لقوات الشرطة السودانية!!.
لقد استطاع د. بخيت.. أن يقنع النميري بأن الحاكم بلا شرطة لا هيبة له.. وأنه لابدّ وأن تكون الشرطة تحت امرته ورهن بنانه.. ورغم رفض قادة الشرطة.. ورفض العديد من الجهات الوطنية والفكرية.. لأفكار د. بخيت وتركيزهم على ضرورة بقاء وزارة الداخلية وبقاء الشرطة المركزية.. سنداً للقوات المسلحة.. للمحافظة على وحدة السودان وهو الوطن الذي يعج بالقبائل والعناصر والاثنيات والذي تحيط به.. العديد من دول الجوار.. تهدد.. أمنه وسلامته.. وأن الاقاليم بوضعها الحالي أضعف من تحمل النفقات على جنيد وتدريب وتأهيل وتسليح الشرطة.. وإن العلاقة بين الشرطة.. والحاكم.. التي نصت عليها القوانين.. كافية جداً.. لتمضي الأمور مستقرة في تلك المرحلة ولكن النميري لم يكن يستمع لما يقال.. لأنه.. في قرارة نفسه كان قد أعدّ العُدَّة لذلك.. لما اتخذ قراره باقتطاع فرع الأمن من شجرة وزارة الداخلية.. والذي علق عليه اللواء الراحل يحيى حسين علي نور في مقال ممتع اطلعتُ عليه.. اختتمه بقوله.. يجوز للحكومة.. أن تنشيء جهازاً للأمن الوطني.. ولا يجوز لها البتة أن تستحوز على إدارة الأمن العام التي بنتها الشرطة على مر السنوات.. لماذا تصر الدولة أن ترى بعين واحدة.. لماذا لا ترى بعينين؟! وعين الشرطة ستة على ستة.. ودي من عندي..!!.
لقد رفض النظام كل التحذيرات وأصدر النميري قراراته الشهيرة.. التي حلّ بموجبها وزارة الداخلية.. وفرّق الشرطة أيدي سبأ.. وجعل مديرها العام مفتشاً.. لا حولّ له ولا قوّة.. وجعل الشرطة برمتها في كل اقليم.. شرطة للحاكم لتمنحه الصولة والجولة والهيبة... ولصَّق باقي الإدارات المركزية «تلصيقاً» لجهات لا شأن لها بها.. كأن «لصق» إدارة المباحث المركزية.. بكاملها.. لديوان النائب العام.. ولما واجهتهم مشكلة الكلاب الشرطية «الكلاب البوليسية» واحتاروا في أمرها.. اقترح أحد الحريصين على انتزاع المباحث المركزية بكل تاريخها.. بأن تباع الكلاب الشرطية كلها في دلالة.. لِمَنْ يرغبون.. لأنها مكلفة ثمّ حيث كذلك أيضاً أن بيّنتها غير مقبولة أمام المحاكم!!.
بهذا القرار العجيب.. الذي «دردقه» إليه جعفر بخيت وغيره.. خسر النميري الشرطة كلها.. وأصبح اتكاله عليها.. اتكال على حيطة مايلة آيلة للسقوط.. وبدأ عقد الأمن ينفرط في كل ناحية.. وبدأ العد التنازلي!!.
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
11-04-2009, 07:57 PM
أيــــام النمـــيري (31)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
خلصنا في المقال السابق من هذا المسلسل المايوي.. أن النميري.. قد (بوظ) علاقاته مع معظم.. الفئات.. الحزبية.. والنقابية والرياضية.. والاجتماعية وغيرها، فأصبحت تنتظر سقوطه.. أو على الأقل لا تحرص على بقائه رئيساً للبلاد.. وتمادى في تصرفاته.. ففعل بوزارة الداخلية والشرطة.. ما فعل.. وحركها من خانة الولاء له.. إلى خانة العداء والكراهية.. وقد كنت أحد الضباط الموالين بشدة لمايو.. والمدافعين عنها.. بلا مقابل.. فصار ولائي.. يتناقص.. كلما خطا النميري خطوة في الطريق الخطأ.. حتى بلغ ولائي حد الصفر لينقلب إلى عداء سافر.. عندما.. دق المسمار الأخير.. في نعش حكمه فحل وزارة الداخلية.. وشتت شمل شرطتها وهد بنيانها العتيق من القواعد.. وهو بنيان كان قد بدأ قبل سبعين عاماً.. فصار كمن يمشي في الظلام.. وتحت وابل الامطار عارياً. وقد تخلص من سترته الواقية.. ورمى مظلته التي تحميه واطاح بقبعته التي تزينه وتميزه!!
فالنميري لم يكن واثقاً من اجهزته الامنية والشرطية.. ولم يكن مقتنعاً بولاءات النقابات ووثائق العهد الممهورة بالدم.. التي ظلت تقدمها له في كل مناسبة.. ولم يكن كذلك مرتاحاً لحزبه الذي اسسه.. وسماه الاتحاد الاشتراكي.. ولا السدنة الذين كانوا يحيطون به.. من البروفيسرات والرتب وحملة الدرجات العملية الرفيعة.. وكان على ثقة تامة بانه ـ لو الحارة جات ـ فان القوات المسلحة التي ينتمي اليها.. هي وحدها التي ستدافع عنه وتنصره ظالما او مظلوما.. ولكن النميري في تقديري لم يكن موفقاً في تقديره لان العقيدة الوطنية في نفوس.. رجال القوات المسلحة.. تحتم عليهم الوقوف إلى جانب الشعب.. والتصدي للحاكم اذا عجز عن ادارة دفة الحكم.. ثم ان النميري.. لم يحرص على خلق قاعدة منظمة.. من المايويين داخل الجيش.. يمكن استنفارها اذا دعا الامر واكتفى بوضع ضباطه تحت رقابة من الف عين.. تستل من بين صفوفه... الطامحين والمشتبهين بعدم الولاء والتخلص منهم.. باحالتهم للصالح العام كشفاً.. إثر كشف.. وكانت سياسة عقيمة ان تخطب ود.. وتاييد جهة ما عن طريق تخويفها وتهديدها بالكشف ده!! كان من المؤمل ان يفرهد جسد مايو في عامها السادس عشر.. ويتكور صدرها وتتبدى محاسنها.. وتنصح بالنضج ولكنها اعتلت وشحبت.. واصابها الخرف المبكر وهي في عمر الزهور.. وتطاول عليها اعداؤها واحاطوا بها من كل جانب.. يتحرشون بها ويتاهبون لافتراسها.. وتعددت لقاءات النميري.. مع قادة العمل السياسي والتنفيذي والسدنة.. وكل الحادبين على مصلحة الوطن.. وعلى راسهم قادة القوات المسلحة.. واستمع الى اراء عديدة مخلصة وشجاعة منتقدة الفساد الذي استشرى وزكمت رائحته الانوف.. ومعبرة عن حال العباد.. وظروفهم المعيشية في ظل الازمات الطاحنة التي اجتاحت البلاد.. واصبح الوقوف.. في صف من الصفوف.. فرض عين على الكبير والصغير.. حتى ينال ما تيسر.. من ضروريات الحياة.. كالزيت والدقيق والسكر.. ورغيف الخبز.. ووقود السيارات باشكالها.. ولما تكاثرت الأزمات وتفاقمت وطال العناء والشقاء.. الغني والفقير معاً كثرت الاحتجاجات والتعليقات.. وشاعت بين الناس النكات الساخرة واللاذعة.. صار صدر النميري يضيق.. ولا يتقبل الاراء والنصائح المخلصة.. حتى كانت الطامة الكبرى.. عندما تحدثت احدى القيادات النسوية المايوية السامقة.. في لقاء تفاكري.. حول ما يجري في الساحة وعبرت بجراة.. عن ظروف المواطنين المعيشية وعجزهم عن (مباصرة) لقمة العيش.. واثارت حفيظة الرجل بالتعرض.. لثياب زوجته واحذيتها وباقي ملبوساتها.. في ظل ظروف حياة الانسان العادي الضاغطة.. فغضب الرجل وثار وقال كلمات.. كانت هي بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.. وطيب مالو.. دي مازوجة رئيس جمهورية.. موش زوجة نجار.. وعلى الناس أن يتصرفوا.. البياكل ثلاثة وجبات.. يعملهم اثنين والبياكل طقتين.. ياكل طقة واحدة بس!! لا ادري كيف صدر هذا الحديث الغريب.. من رجل حكم البلاد ستة عشر عاماً.. ومع ذلك فانه كان يمكن تداركه وعدم بثه.. والخبير الاعلامي على شمو نصح بذلك.. ولكن النميري اصر على بثه والميتة.. ما بتمسع الصيحة ناهيك عن النصيحة!! وغادر النميري في 26 مارس.. إلى الولايات المتحدة الامريكية لاجراء فحوصات طبية.. بعد ان اصدر قرارات عديدة.. باعتقال قادة الاسلاميين.. وقادة نقابات المصارف والمهندسين والاطباء.. واشعلت جامعة امدرمان الاسلامية شرارة الثورة فتظاهرت.. وهاجمت جمعية ود نميري.. واضرمت فيها النهار.. وامتدت ألسنة المظاهرات في كل اتجاه.. وخرجت الجماهير الغاضبة.. من كل حدب وصوب.. تعبر عن رفضها ضنك العيش المذل الذي أرهقها.. ووجدت لنفسها المبرر والعذر في كلمات النميري التي القاها على عواهنها.. فاحبطها وسد ابواب الامل في وجهها. ثارت الجماهير وملأت الطرقات والافاق وهي تحمل اغصان النيم الخضراء تيمنا.. تلوح بها وتهتف ضد الرئيس الذي طالما هتفت له.. وتحطم باصرار النظام الذي بنته بسواعدها عبر سنوات الصبر فخذلها.. وكانت الجماهير بحسها ووعيها واثقة.. بان القوات الملحة ستنحاز الى جانبها.. وان ارهاصات ذلك قد بدات في سلاح المهندسين ووحدات اخرى.. وكانت قناعتها راسخة بان الشرطة معباة وجاهزة.. بسبب المظالم التي الحقها النيمري بها.. ولم يكن الامر يتطلب سوى هتافات تدق في اوتار حساسة: يا بوليس.. ماهيتك كم؟! ولم يبق في الساحة.. سوى جهاز الان يحاول بشتى السبل.. تهدئة الشارع.. وتثبيت اركان النظام.. ولكن هيهات.. فالتنظيم السياسي بلافتاته ومسمياته الفخيمة ورموزه الشهيرة.. واسمه الجامع الاتحاد الاشتراكي.. قد عجز عجزاً تاما في التصدي للثورة العارمة.. وفشل حتى في اخراج مظاهرة او مسيرة.. تدافع عن النميري.. وتبيض وجهها امامه.. عندما يعود.. إن عاد يعني!! كنت في خضم هذه الاحداث الجسيمة ملحقاً.. بقومندانية امدرمان في رتبة العقيد مع آخرين.. نراقب التطورات ونقبع في مواقعنا.. وكلنا اذان.. نستمع لمكالمات الهواتف التي لا تنقطع.. موجهة او مستفسرة وكنا ننصت باهتمام للتقارير.. التي تصلنا عبر عشرات اجهزة.. الوكي توكي.. المنتشرة في اصقاع الخرطوم.. ونقوم ونوجه بالتعامل مع كل حالة على حده.. وكنا نلزم رجالنا.. بعدم مصادمة الجماهير.. لان المسألة لم تكن مظاهرة او مظاهرتين عدائيتين.. يمكن التصدي لهما.. ولكنها كانت مئات المظاهرات.. تزحف من كل حدب وصوب.. نحو قلب بحري وامدرمان.. لتبلغ مداها في الخرطوم.. ولا أحسب ان السودان على امتداد عمره قد شهد مثل هذه الانتفاضة الشعبية التي شاركت فيها الجماهير عن بكرة ابيها.. ومن طرائف تعاملاتنا. مع محادثات (الووكي توكي)... ان مظاهرة.. اندلعت في منطقة ما.. في تمام الساعة الواحدة صباحاً.. وانها.. اوقفت شاحنة.. تحمل جوالات من الدقيق.. فاخذتها.. وتقاسمتها.. وسالوني ماذا نفعل.. فقلت لهم الحقوا الافران واحرسوها قبل ان يصلوا اليها!! ولما كان الاتصال عن طريق هذه الاجهزة.. سريعاً ومباشراً.. الا انه كان يفتقر الى السرية.. لان ما يقوله اي فرد في اي جهاز يسمعه الجميع.. وقد تورطت ان بسبب ذلك.. عندما كانت مئات الالاف من الجماهير.. تموج في شارع الزعيم الازهري.. بمنطقة امدرمان.. وكنت انقل صورة صادقة.. لما يدور لرئاسة شرطة الخرطوم.. وقلت بلا تحوط مجرد راي.. ان هذه الجماهير.. لا يمكن مجابهتها بامكانيات الشرطة وعدديتها المحدودة.. واحسب ان الامر يتطلب انسحاب الشرطة وتدخل الجيش، او ان تفتح الشوارع والجسور أمام الجماهير لتصل الى القصر الجهوري حتى يستمع الساسة الى اصواتها وهتافاتها.. ومن ثم مخاطبتها وتهدئدتها.. وزودتها بالقول.. دي مسؤولية السياسيين!!
والتقط.. جنرال نافذ في الرئاسة.. كلماتي وامر بايقافي والتحقيق معي... ولكن جنرالاً اخر ارفع منه.. تدخل فحسم الامر لصالحي.. فحرمت بذلك فرصة ذهبية.. كانت ستجعلني بطلاً ثائراً.. وربما.. تسببت في اختياري وزيراً في حكومة الدكتور الجزولي دفع الله .. او ألحقتني بالراحل محمود محمد طه.. اذا عاد.. ابو عاج!! لقد فارق النميري السطة فراق الطريفي لجمله.. لحظة مغادرته السودان الى امريكا.. في 62 مارس.. بل ان الرسالة التي بعث با نائبه اللواء عمر محمد الطيب موضحة تدهور الوضع الامني.. بل وطالبت بعودة الرئيس.. عاجلاً.. كانت قد حجبت عنه.. اهتماماً بصحته وفحوصاته.. ولما عرضت عليه.. كانت الجماهير قد توجت نضالها بالانتصار ف 6 ابريل 1985م، وتولت القوات المسلحة.. برئاسة المشير سوار الدهب مقاليد الامور وتشكلت حكومة.. برئاسة د. الجزولي دفع الله وهدأت ثائرة الجماهير.. وعاد النميري ليبقى في ضيافة.. شمال الوادي.. بعد ان اطلق في الهواء.. عشرات التصريحات.. انا الرئيس الشرعي.. وانا لا احد يستطيع ان يشيلني.. وهو يعلم بان الجماهير.. كانت قد شالت من قبله الفريق عبود.. في ثورة شعبية مماثلة.. في الحادي والعشرين من اكتوبر 4691م، سقوط النظام المايوي لم يرض.. الكثيرين المعجبين بشخصية النميري. الفذة.. ولكن الكثيرين الذين اضر بهم.. ساهموا في اسقاطه.. واحتفلوا بذلك.. وشمتوا.. وقد اثلج سقوطه صدور رجال الشرطة.. ضباطا ورتبا اخرى... وفتحت امامهم ابواب الامل في عهد ينصفهم.. ويلملم شم قبيلتهم الشرطية.. التي تفرقت أيدي سبأ.. وقد عبرت عن ذلك.. باصدارة شعرية سميتها من شرطي إلى الصنم.. ومن بينها.. هذه القصيدة.. التي.. احتفظ بها كل شرطي في ذلك الوقت.. ولا زال البعض يلوك مرارة كلماتها.. واعيد نشر بعض ابياتها خاتمة لهذا المقال.. كما اعدت من قبل.. نشر قصيدة مايوية كتبتها عندما كنت مايوياً. عليك يا الشرطة الف سلام من الرحمن وحصناك بالايات من القران سورة الكرسي والاخلاص.. وسورة الناس انتي الناس.. وكل الناس وانتي الشعب ما برضى الشرف ينداس وما بحمل خداع الساسة والسياس وعاد شنو ليك. يال الهارب بقوت الناس ان شرقت او غربت مافي خلاص سنين بتكوس على الاحرار وجاء اليوم البقيت تتكاس وتسال من جميع الناس واول سين.. سؤال حساس ليه لامن مليت الدنيا بالاحقاد كان للشرطة حقدك خاص؟! مافي عدالة في الاحقاد؟! وناس الشرطة جايين من ضمير الأمة سودانية مية المية ناس من سودري وكسلا وقنتي وكاس وناس من دنقلا وفشلا واويل جلاس سويت البدع فوقهم وبرضك كنت متعشم في ساعة الحارة يبقوا دروع وبفتحوا نار يبيدو جموع ويملوهم دخان قرنيت بصفي دموع هو اصله الشعب.. كان ناقص عذاب ودموع وكان ناقص جري ودخان؟! وكل الدنيا.. ضبط وربط واقفة صفوف ده صف العيش.. وصف الزيت وصف الجاز وصف الفول وباقي الناس يقيفوا صفوف امام بوابة السلطان عشان ما يصرفوا الانفاس وتاخ الفاس وقع في الراس وهبت ثورة ليها زمان وغنت ورقصت الامة وقالت يلا بلا لمه بلاش تضليل بلاش افلاس واتلاقت جموع الثورة كالبركان وكان الشرطي والجياشي والسحان والحماري والعتالي والكناس والطلاب من الاداب وناس الطب ومن كلية المعمار وناس الماس والقانون والدارس مع الدراس والعامل على الزارع مع الرواس وحتى القاضي كان بيعانق الشماس وكانت ثورة حتى النصر والاحزان بقت اعراس فلا عادت ليالي السجن والسجان ويا تاريخ تعال واكتب على وجه الزمن بالماس انا السوداني (بشرب كاس.. وادفق كاس واخلف ساقي فوق تيس الخلا النكاس) وانا أكان قلت.. لازم يتم وانا إن صممت لازم يكون وانا السواي.. وماحداث.. وانا السواي وماحداث.
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
11-05-2009, 07:21 AM
أيــــام النمـــيري (32)
لواء «م»/ محيى الدين محمد علي
كانت الحلقة الخاتمة .. لهذا المسلسل هي«أربعين» أيام النميري.. وهي الحلقات التي وددت أن أقص فيها «حكايات مايو» التي عاصرتها .. أو شاهدتها أو عشتها خلال فترة حكمه .. وقد هيأت لي الظروف أن أرى الرجل قبل أن يتولى زمام السلطة في البلاد.. وأن أكون قريباً بالقدر الذي أعانني على مراقبة نشاطه وحركاته وتحركاته ولكن في ولايات محدودة فقط كالجنوب والشمالية ودارفور والخرطوم.. وهي المواقع التي عملت بها خلال السنوات الستة عشر 69- 85 .. وهي عمر الحكم المايوي الذي أطل على البلاد.. وأنا وقتها شاب في رتبة الملازم شرطة .. وودعها وأنا عقيد كهل تزين صدره بنوط الخدمة الطويلة الممتازة.. الذي قلدني إياه.. النميري قبل عام واحد من ترجله عن كرسي الرئاسة..!!
لقد كان النميري.. انساناً سودانياً وطنياً رفعته الأقدار.. وجعلته حاكماً على القارة السودانية .. بصراعاتها الحزبية والقبلية.. وتعدد ألسنتها وثقافاتها ودياناتها وأثنياتها ومشاكلها المحصورة .. في ثالوث المرض والجهل والفقر.. وبحكم عقليته العسكرية الفذة خاض بحور السياسة وهو لا يملك حنكتها فاستعان ببعض خبرائها ولكنه سرعان ما تنصل من نصائحهم أو أتقلب عليها وعليهم.. فجاءت سنوات حكمه .. أحمر .. أصفر .. وأخضر «زي استوبات المرور» وكان من الطبيعي أن يخسر لونين دفعة واحدة كلما اختار لونه المفضل .. في كل مرحلة.. فصار المرء يمسي مايوياً فيصبح يوليوياً . أو سبتمبرياً وربما أبريلياً.. وسبحانه مقلب القلوب.. وقد كنت مايوياً . عندما عبر النميري عن أشواق اهل السودان في التقدم والمجد والسؤدد ودافعنا عنه بأنيابنا وأظافرنا وارتكبنا العديد من الحماقات في سبيل حارسنا وفارسنا وبيتنا ومدارسنا ثم تراجع الحب إلى الوراء مع خطوات التراجع المايوي.. حتى صار صفراً.. وبلغ حد العداء.. لمّا صار النميري هو القائد الملهم وتجاوز كل مؤسسات الحكم التي بناها وصار يصدر القرارات غير المدروسة .. ويصر عليها بالقول.. الثورة تراجع ولا تتراجع..!!.
لم يكن من المحتمل بالنسبة لي أن أظل في صفوف المايويين بعد الخطأ الماحق الذي ارتكبه في حق الشرطة . ولحقني به السوط كله وليس طرفه .. او بعد بقعة الفلاشا السوداء.. التي طمست وجهه..!!.
وقد بدأت بعد انتصار الثورة الشعبية في أبريل 85 .. أكتب لجريدة الجريدة والتي لم يكتب لها الإستمرار.. مقالات عديدة عن النميري وكان «نفسي حاراً» وسخريتي غير محتملة .. فجاءت جماعة من الرجال وطرقت بابي .. فاستقبلتهم ورحبت بهم وأدخلتهم وأكرمتهم .. ثم سألتهم عن حاجتهم فقالوا والله العظيم انحنا جينا ناس شكل.. ولكنك اطفأت غضبنا باستقبالك الطيب وقصر الكلام.. النميري.. من اهلنا .. وما تكتبه عنه .. لا يروقنا .. سيما والرجل يعاني ظروف البقاء خارج الوطن .. فلو سمحت كفاية لحد هنا.. وشوف ليك موضوع تاني غير النميري!! .. فلم أرغب في اعطائهم حق الإنتصار عليّ فقلت لهم .. إن ما كتبته عن النميري هو كل ما عندي ولن أزيد عليه فانصرفوا.. وهم راضون.. ولمّا عاد النميري الى البلاد عاودتني الرغبة من جديد .. في كتابه ما رسخ في أعماقي من مواقف ومشاهدات يسر الله لي أمر معاصرتها و«شوفها عديل كده» .. وبدأت في الكتابة متأخر جداً.. وفي النفس أمنية .. هي أن يمد الله في أعمارنا فأكتبها .. كلها .. ويقرأها النميري.. فيعلق عليها إن أراد، ولكن المنية عاجلته ومسلسل أيام النميري في حلقاته الأخيرة!!
لقد ذكر ت في بدايات الحلقات التي سطرتها من الذاكرة .. باني لست مؤرخاً .. وليس هدفي هو التاريخ.. لسنوات الحكم المايوي وذلك لأن هذا الجانب من التوثيق له رجاله ولكني كما يعلم القارئ الكريم .. شرطي يهوي الآداب والفنون والإعلام .. ويساهم في هذه المجالات على«قدر قدرته» وبهذه العيون الأدبية والإعلامية والشرطية معاً.. كنت أنظر حولي وأتمعن في مواقف وأحداث كثيرة .. فرسخت في أعماقي صوراً ممتعة .. للنميري.. وهو يدير شؤون البلاد.. ويتصرف أحياناً بتلقائية وعفوية وعلى الطريقة السودانية البحتة .. التي لا تحكمها المحاذير الأمنية .. او تحدها قيود البروتكولات.. وقد حرصت على تسجيل معظم.. هذه المواقف والأحداث التي ساقها الله الىّ .. بتجرد وشفافية لا ابتغي تطبيلاً لمايو وزعيمها وقائدها.. أو تقليلا وتبخيساً لدورها .. وإن كان النميري قد دخل دائرة السلطة بالقوة .. وغادرها بالقوة .. إلا انه استطاع أن يخص نفسه.. ونظامه السياسي بفترة عزيزة .. من عمر البلاد وتاريخها .. ستظل باقية مدى الحياة ولا يمكن تجاوزها بل ويمكن للمؤرخين والمحللين أن يستندوا عليها ... لتبرير ما جنت البلاد من خير بفضلها .. وما حاق بها من شقاء وضرر بسببها .. وهكذا حال الحكم في كل العصور.. عرضه للمدح والقدح طال حتى عهود الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وأرضاهم.
والذين اطّلعوا على الحلقات الاربعين جميعها .. لابد وأن يكونوا قد اقتنعوا باني لم أكتب تاريخاً للنميري.. بقدر ما كتبت تسجيلاً لمواقف وطرائف وأحداث.. مثيرة .. كان بطلها هو .. او بعض« الكومبارس» المايوي.. وأحسوا بان دافعي .. هو .. قول ما عندي بتجرد.. وليس بين يدي دليل مادي .. تسجيلي أو تصويري .. أو خلافه .. غير أمانة الكلمة ومسؤولية القول.. وحتى لا تضيع كل هذه المواقف والصور وتذهب معي للقبر وهي في رأيي .. ألوان لابد منها.. لطلاء أركان التاريخ المايوي المخضب بالدماء .. وحتى لا تذهب سدى .. وتتناقلها الأجيال.. فتزيد عليها .. وتنقص منها فتتلاشى أو تبلغ الناس في نهاية المطاف كالأحاجي والخرافات التي يصدقها عقل..!!
ولا أعد نفسي الوحيد.. الذي رأى وشاهد وسمع .. وأنا على قناعة تامة .. بأن الكثير.. من الساسة والتنفيذيين وعامة الناس.. قد حظيوا بمشاهدات مثلى ولكنهم.. لا يرغبون في كتابتها والبوح عنها.. وقد اتصل بي العديد منهم .. وحكوا لي مفارقات ومواقف أكثر اثارة .. وطلبوا مني أن أكتبها فأعتذرت لهم وطلبت منهم كتابتها بأنفسهم وتعهدت بنشرها على «مسؤولية أربابه» ولكنهم زاغوا ولازال الباب مفتوحاً أمام الجميع كما ذكرني بعض الأصدقاء.. بمواقف عشتها او رأيتها .. كنت قد حدثتهم بها ولكني لم أتعرض لها ضمن المقالات الاربعين .. وأشهد الله بان في قاع الذاكرة عشرات المواقف والصور.. هي الأخرى وأفظع من أن تنشر او تحكى.. كان بطلها النميري.. وفرسان آخرون من حوله.. وهي من هولها وخطورتها لا تصدق وسيكون أهون على القارئ تكذيبي دون تصديقها .. ولو اني ركبت رأسي وكتبتها .. لما وجدت صحيفة .. تنشرها .. وإن وجدتها .. ونشرت فان السقف سينهار على رؤوس الجميع ولكن الله أمر بالستر.. وقد علمتنا الشرطة أن تكون صدورنا .. مقابراً للأسرار.. وإنه ليس كل ما يعلم يقال..!!
اربعون حلقة .. تدور حول النميري وحكمه كتبتها .. تدل وحدها على قيمة الرجل في نظري .. وتقديري لمكانته وشخصه .. بل وتقويمي لتجربته في الحكم والسياسة .. وإن كنت قد عبرت عن رضائي لسقوط نظامه السياسي فان ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال إنكاري.. لمحاسن الرجل .. والذي يتحتم علينا ذكرها بعد رحيله كما أمرنا بذلك الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.. فالنميري كان سودانياً عريق الإنتماء للسودان وتشهد على ذلك قصور أجداده الباقية آثارها حتى يومنا هذا جنوب دنقلا في منطقة ود نميري.. وكان وطنياً مخلصاً لبلاده.. تشرب حبها والولاء لها .. من آبائه وأمهاته.. وتعرف فيه عبر سنوات الكلية الحربية .. ومعارك العمل التي خاضها من أجل وحدة الوطن وبلغ شعوره الوطني ذروته .. عندما قاد حركة انقلابية في مايو 69 يحدوه الأمل في ثورة تعيد الأمور الى نصابها وتجد للسودان مكانته اللائقة به تحت الشمس.. ولاقى في سبيل ذلك ما لاقى.. وصادم من صادم.. واستطاع رغم تكاثر الأعداء عليه وخيانه الأصدقاء له .. وخداع الساسة وتأمرهم عليه.. أن يهزم الجميع وينفرد بمقاليد الأمور.. ويحقق الكثير من المنجزات ولولا أن الرجل كان ينقض غزله كما ذكرت من قبل فانه كان قد حقق السلام في الجنوب وحقن الدماء لعقد كامل من الزمان.. واستطاع أن يخوض تجربة الحكم الاقليمي رغم فشلها والتي أحسب أن السودان.. سيحاولها مرة أخرى على أسس سليمة ومدروسة .. وانه ساهم بشجاعة وجرأة في مشروع التكامل السوداني الليبي المصري.. والذي كان سيصب في صالح البلاد .. لولا تراجع الأخيران عنه.. وانه استطاع أن يستقطب دعما هائلا للسودان.. من القروض والمعونات .. فتمكن من تعبيد طريق الخرطوم بورتسودان.. وهو من أهم الطرق في السودان.. وبناء الصروح المهمة .. كقاعة الصداقة.. ومباني المجلس الوطني«البرلمان» ومسجد النيلين وقصر الشباب والاطفال والعديد من المنشات الاخرى كالجسور والحدائق والملاهي.. كما استطاع ربما بسبب«تلوناته» السياسية أن يخلق علاقات دبلوماسية متينة مع المعسكرين الشرقي والغربي كما كانت علاقاته بالأفارقة والعرب طيبة ومقبولة .. وقد مكنته هذه الصلات الدبلوماسية الحميمة .. مع سائر دول العالم ..أن يستقطبها لاحداث التنمية الزراعية والصناعية والاجتماعية في البلاد.. ولعل من أهم الإنجازات التي أحدثها النميري.. تغيير مسار حركة المرور من الشمال الى اليمين.. لان هذا الإنجاز جاء في وقته بالضبط.. ولو انه تأخر حتى اليوم لأصبح مستحيلا أو كلف بلايين الدولارات .
نعم أن أيام النميري.. لم تكن خواء كلها فعلى عهده ضاق الناس وجأروا بالشكوى وملوا الوقوف في الصفوف.. وعلى عهده عرف الناس المجاعة ونبشوا بيوت النمل بحثاً عن الطعام .. وعلى عهده انفرط عقد الأمن في البلاد.. بعد حله للادارة الاهلية .. ثم تمت الناقصة بحل وزارة الداخلية .. ولكن لا أحد ينكر بان النميري هو .. الذي اكتشف البترول في السودان وبدأ في استخراجه .. وهو الذي اتخذ القرار الشجاع بتطبيق الشريعة الاسلامية وما كنت أحسب أن رجلا غيره كان سيفعلها في ظل الرفض الغربي والشرقي والعربي.. للفكرة من أصلها.. ولن يستطيع كائن من كان أن يلغيها من حياتنا.. وقد مضى الآن قرابة الربع قرن على تطبيقها .. وثبتت تجربة الاقتصاد الاسلامي وبنوكه.. وتعمقت فكرة شعيرة الزكاة بحيث أصبحت تجربة تحتذي في الدول الاسلامية الاخرى.. ولعل شباب اليوم .. لا يعلمون شيئاً عن الأمس قبل تطبيق الشريعة الاسلامية والناس يصطفون صفوفاً لقضاء«الحاجة» في بيوت الرزيلة .. والبارات فاغرة أفواهها ويديرها حتى المسلمون.. والطرقات .. تعج بالسكاري والساقطات.. وأصوات الغناء الفاحش تتعالى في كل ناحية .. وسنة يا ولد والجماعة خربوا البلد!!
لقد أصاب النميري وأخطأ .. كما يفعل البشر عادة .. ولكنه بقرار تطبيق الشريعة قد «فات الكبار والقدرو» .. وستكون بعض أقواله أمام الله .. عسى أن يغفر له ويدخله الجنة .. مع الصديقين الشهداء وحسن اولئك رفيقا.
إنتهت مذكرات اللواء م. محي الدين محمد علي مصدرها صحيفة الوطن ..
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
11-06-2009, 11:03 PM
وثائق امريكية عن نميري :
عزل عشرة وزراء منهم منصور خالد
هل تعمد نميرى عزل "أولاد الغرب"؟
بعض آراء نميري "بسيطة وفيها اضطراب عقلي"
أثرى نميري شخصيا من صفقة خاشقجي
واشنطن: محمد علي صالح
هذه هي الحلقة الاولى من وثائق وزارة الخارجية الامريكية عن سنوات المشير جعفر نميري. بداية بسنة 1975 (اخر سنة كشفت فيها الوثائق).
مع بداية تلك السنة، اجرى نميري تعديلا وزاريا كبيرا، فصل فيه عشرة وزراء، منهم منصور خالد، وزير الخارجية. كان هذا اكبر تعديل وزاري يجريه نميري منذ سنة 1971، بعد ان عاد الى الحكم، بعد فشل الانقلاب العسكري الذي قاده ضده هاشم العطا.
وخلال نفس الفترة ظهرت فضيحة القرض السعودي الذي رتبه المليونير السعودي عدنان خاشفجي. وعمولة خاشفجي. ونصيب نميري. والمشكلة بين نميري في جانب، ومنصور خالد، وزير الخارجية، ومنعم منصور، وزير المالية، في الجانب الآخر. وصله المشكلة بالتعديل الوزاري.
وتجيب هذه الوثائق على الاسئلة الآتية، وغيرها:
- ما هو رأي السفير الامريكي في الخرطوم في التعديل الوزاري؟
- ما هي اسباب عزل منصور خالد، وزير الخارجية؟
- هل تعمد نميري عزل الخمسة وزراء "اولاد الغرب"؟
- ماذا قال نميري في حفل العشاء على شرف ديفيد روكلفر؟
- ما هو دور المليونير السعودي خاشقجي في عزل منصور خالد، ومنعم منصور؟
- هل اثري نميري شخصيا من صفقة خاشقجي؟
- لماذا قال السفير الامريكي ان آراء نميري احيانا فيها "اضطراب عقلي"؟
--------------------------------------------
اريتريا: استقلال او حكم ذاتي؟:
التاريخ: 14-1-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزارة الخارجية
الموضوع: رأي منصور خالد في اريتريا
"اول من امس، قال لي منصور خالد، وزير الخارجية، انه يرى ان حركة جبهة تحرير اريتريا وجبهة التحرير الشعبية تطالبان بالاستقلال الكامل من اثيوبيا كموقف تفاوضي ...
وانه يفضل ان يتفاوض الاريتريون لتحقيق حكم ذاتي داخل اثيوبيا.
لكن، ربما سيرفض ذلك عثمان سبي، قائد الجبهة الشعبية، والذي نعتقد انه يوجد خارج اريتريا.
وقال خالد ان دولا عربية تؤيد سبي، لكن، يريد السودان موقفا اريتريا معتدلا. ويريد المساهمة في الوصول الى حل وسط بين اثيوبيا والاريتريين.
واكد خالد على وحدة القارة الافريقية بدلا من تقسيمها اكثر، مثل فصل اريتريا عن اثيوبيا. وقال ان اغلبية القادة الاريتريين سيقبلون بنوع ما من الحكم الذاتي ...
وانا قلت له ان الولايات المتحدة تراقب الموقف عن قرب. وان السفير الامريكي الجديد الذي سيحل مكاني سيتابع الموقف. وان الولايات المتحدة تأمل في الوصول الى حل معتدل ...
رأينا:
اولا: نعتقد ان خالد يقصد ليبيا عندما قال "دولا عربية".
ثانيا: نوافق خالد في امكانية الوصول الى حل معتدل للمشكلة ... "
مقابلة نميري:
التاريخ: 23-1-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: ملاحظات نميري
"امس، خلال حفل العشاء الذي اقامه على شرف ديفيد روكفلر، رئيس بنك شيس مانهاتان، كان نميري معتدلا حول حل المشكلة الفلسطينية. وقال ان اهمية مصر الاقليمية تنخفض بالمقارنة مع زيادة دور السعودية الاقتصادي. وايضا زيادة دور ايران.
تكشف مثل هذه الأراء، ذات الاحجام الاولمبية، نظرة نميري المبسطة للمواضيع الاقليمية. وتصور ربما نظرة شخص مضطرب العقل (سايكوباثيتيك) لخوفه من النفوذ الشيوعي في المنطقة.
خلال العشاء، تحدث نميري عن مواضيع اقليمية كثيرة، وقال اشياء تدعو للاستغراب.
عن الرئيس المصري السادات، قال ان موقفه صار ضعيفا بعد الاضطرابات الداخلية الاخيرة. واتهم نميرى الروس بأنهم وراءها، انتقاما لطرد السادات للخبراء الروس، وميوله نحو الولايات المتحدة.
وعن عرفات، قال نميري انه مجرد "رمز" لتوحيد المنظمات الفلسطينية التي لا تثق في بعضها. وان سبب عدم الثقة هو وقوف دول عربية متنافرة وراء هذه المنظمات، ماديا وعسكريا وسياسيا. واقترح نميري حكومة فلسطينية في المنفى كحل لهذه المشاكل. حكومة تؤسس مقرا لها في غزة ... "
اسرائيل واليهود:
" ... وعن اسرائيل، قال ان الحل النهائي هو دولتان في فلسطين التاريخية.
وقال نميري ان تصريحاته الاخيرة بالترحيب باليهود السودانيين ليعودو الى السودان وجدت ردودا ايجابية.
هنا تدخل وزير الخارجية خالد، وقال ان نميرى يقصد يهودا اغنياء تركوا السودان الى جنيف ولندن. وان هؤلاء اهتموا بتصريحات نميري، وسالوا السفارة السودانية في لندن عنها. وقال خالد ان نميري لا يقصد اليهود السودانيين الذين هاجروا الى اسرائيل.
وعن الملك حسين، ملك الاردن، قال نميري انه سيظل في الحكم لبعض الوقت. لكن، اذا ازيح من السلطة، سيكون ذلك نهاية الاردن كدولة مستقلة. اما ستقسمها الدول المجاورة لها، او تصير جمهورية فلسطينية. لكن، سينتهي العصر الهاشمي ...
رأينا:
اولا: قال نميري هذه الأراء ردا على اسئلة فضولية من روكفلر. لهذا، يجب ان ننظر اليها كأراء تلقائية، لا اراءا مدروسة.
ثانيا: يظل نميري ينتقد السادات كثيرا، رغم تبادل الوفود وارسال المساعدات الفنية من مصر.
ثالثا: لم نفهم من نميري ان السودان سيقدم مبادرة للتوسط لحل المشكلة الاريترية، او مبادرة للمصالحة بين الرئيس المصري السادات والرئيس الليبي القذافي، بعد ان فشلت جهوده الاولى ... "
تعديل وزاري:
التاريخ: 27-1-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: تعديل وزاري
"اجرى نميري اكبر تعديل وزاري منذ اربع سنوات، عندما عدل وزارته بعد ان انتصر على الانقلاب العسكري المضاد سنة 1971. هذه المرة، عزل عشرة وزراء. وضرب اكثر من عصفور بحجر واحد:
اولا: عزل منصور خالد، ليس فقط من وزارة الخارجية، ولكن، ايضا، من المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي السوداني. وانتشرت اشاعات عن صله عزله بمدى مسئوليته في فساد شركة "وادي النيل". وبمعارضته لتدخل نميري في قرض شركة "تراياد"، وصاحبها المليونير السعودي عدنان خاشقجي. على اي حال، وجد معارضوه اكثر من سبب لعزله.
ثانيا: اختار نميري عبد الله الحسن امينا عاما لرئاسة الجمهورية بدرجة وزير. وجمع امانة الرئاسة مع امانة مجلس الوزراء، بهدف تحسين الاداء الحكومي، وتسهيل تنفيذ اوامره.
ثالثا: تخلص من وزراء ضعفاء: وزير الحكومة المحلية، وزير التربية، وزير الثقافة والاعلام.
رابعا: قوى سلطاته الامنية عندما عين واحدا من المقربين له، نائب الرئيس الباقر ، وزيرا للداخلية.
خامسا: قوى سلطته في الاتحاد الاشتراكي عندما احتفظ بمقرب آخر، ابو القاسم محمد ابراهيم، نائبا للامين العام للاتحاد الاشتراكي ... "
نحو اليسار؟ :
" ... وقال مراقبون ان التعديل الوزاري حول نميرى نحو "اليسار". وذلك لان اربعة وزراء جدد كانوا قادة في الاتحاد الاشتراكي "الاشتراكي الميول."
يقال ان بدر الدين سليمان، واحمد عبد الحليم كانا "شيوعيين" قبل محاولة انقلاب سنة 1971. اذا كان ذلك صحيحا، يبدو انهما قطعا اي صلة بالشيوعية. ولهذا، نحن لا نريد ان نحكم عليهما. لكننا نلاحظ ان اغلبية قادة الاتحاد الاشتراكي موظفون معروفون بقدرتهم على الميل مع الرياح.
وايضا، يقلل من اتهامات "اليسارية" تعيين مأمون بحيرى وزيرا للمالية، وهو معروف بخبرته، وبميوله العام نحو الغرب.
ونلاحظ اهمية التغيير في وزارة الحكومة المحلية، وصلة ذلك بكثير من الشكاوي من مشاكل المعيشة اليومية. والتي لابد انها وصلت الى نميري بصورة مكثفة خلال جولاته في انحاء البلاد.
ونلاحظ رفع مستوى وزارتي الشئون الدينية والشباب والرياضة الى وزارتين كاملتين. يدل هذا على رغبة نميري في نشر الاهداف الاسلامية التقليدية. والاهتمام اكثر بالعناصر الطلابية الغير راضية في الاتحاد الاشتراكي ... "
منصور خالد:
" ... يبدو ان التخلص من منصور خالد كان له اكثر من سبب:
اولا: تأييده لوزير المالية السابق، منعم منصور.
ثانيا: ميوله نحو المجتمع الغربي اكثر من المجتمع العربي. بل سمعنا ان المصريين، في الماضي، كانوا طلبوا من نميرى التخلص منه سريعا.
ثالثا: يريد نميرى ان يشترك هو نفسه مشاركة اكثر في وضع السياسة الخارجية.
على اي حال، نلاحظ ان السياسة الخارجية السودانية، مثل غيرها، تتغير من وقت لآخر. ولننتظر تعيين وزير خارجية جديد. ونتوقع ان يكون ذلك قريبا، لان التعديل الوزاري ترك المنصب شاغرا.
في نفس الوقت، لا نعتقد ان خالد سيبقى طويلا في وزارة التربية. وتوجد اشاعه انه يبحث عن وظيفة في منظمة دولية ... "
" ... نلاحظ ان اربعة من الوزراء الذين عزلوا من غرب السودان: احمد بابكر عيسى، وموسى عوض بلال، وابراهيم منعم منصور، ومحمود حسيب. يزيد هذا من انطباع عام بأن نميري حساس اكثر مما يجب من اولاد الغرب. لكن، ربما كان هذا سببا ثانويا لهدف نميرى الاساسي، وهو التخلص ممن يراهم غير متعاونين معه، وزيادة سيطرته على الحكومة ... "
قائمة التعديل الوزاري:
التاريخ: 27-1-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: قائمة التعديل الوزاري
1. نائب الرئيس محمد الباقر: وزير الداخلية.
2. عبد الله الحسن: نائبه
3. منصور خالد: وزير التربية.
4. سر الختم الخليفة: نائبه.
5. بدر الدين سليمان: وزير الصناعة والمعادن.
6. موسى عوض بلال: نائبه
7. محمد التوم التيجاني: وزير دولة للتعليم العام.
8. محمد خير عثمان: نائبه
9. اوثوان داك: وزير دولة للحكم المحلي الشعبي.
10. صمويل لوباي: نائبه.
11. زين العابدين محمد عبد القادر: وزير الشباب والرياضة.
12. كرار احمد كرار: وزير الحكم الشعبي المحلي.
13. جعفر محمد علي بخيت: نائبه.
14. احمد عبد الحليم: وزير الثقافة والاعلام.
15. عمر الحاج موسى: نائبه.
16. عون الشريف قاسم: وزير الاوقاف والشئون الاسلامية.
17. مصطفى عثمان حسن: وزير الاشغال.
18. مامون بحيري: وزير المالية
19. نائبه: ابراهيم منعم منصور ... "
عدنان خاشقجي:
التاريخ: 28-1-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: عزل وزير المالية
"مؤخرا، تحدثت مع منصور خالد، وزير الخارجية السابق، ومنعم منصور، وزير المالية السابق. وقال الاثنان ان سببا رئيسيا لفصل نميري لهما كان قرض المائتي مليون دولار من صندوق النقد السعودي.
قبل ايام من التعديل الوزاري الذي عزل خالد، قال لى ان نفوذ المليونير السعودي عدنان خاشقجي يزيد كثيرا.
واشار الى نشاطات شركتة "تراياد".
كان خاشقجي هو الذي رتب قرض المائتي مليون دولار من صندوق النقد السعودي. وكانت عمولته مليون دولار.
لكن، عارض نميري معارضة قوية شروط اعادة تمويل القرض. بينما ايدها منصور خالد ومنعم منصور. وقال لنا منعم منصور انه فوجئ بشدة معارضة نميرى. وان ذلك كان من اسباب فصله، وفصل منصور خالد.
حسب معلوماتنا، اتصل خاشقجي امس تلفونيا مع فرع شركة "تراياد" هنا في الخرطوم. وطلب قائمة بالمشاريع التي تريد حكومة السودان تنفيذها بالقرض. وحسب معلوماتنا، يتوقع ان يصل خاشقجي الى الخرطوم اليوم. وكان اجل زيارته من الاسبوع الماضي لانه اصيب بانفلونزا خفيفة.
رأينا:
اولا: تؤكد هذه المعلومات معلومات ارسلناها لكم سابقا بان نميري اثري شخصيا من قرض المائتي مليون دولار.
ثانيا: اعتقد نميري ان مفاوضات اعادة تمويل القرض، التي قادها منصور خالد ومنعم منصور، ليست الا مؤامرة للسيطرة على طريقة تنفيذ القرض.
ثالثا: زاملت هذه التطورات حملة نقد عنيفة في مجلس الشعب ضد منصور خالد، واتهامات له حول شركة "وادي النيل".
نحن نعتقد ان هذه من الاسباب الرئيسية التي جعلت نميري يطرد اثنين من اكثر وزرائه اهمية واستقلالية ... "
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
11-10-2009, 04:39 PM
الوثيقة الأمريكية الأولى عن نميري:
عزل عشرة وزراء منهم منصور خالد
هل تعمد نميرى عزل "اولاد الغرب"؟
بعض آراء نميري "بسيطة وفيها اضطراب عقلي"
اثرى نميري شخصيا من صفقة خاشقجي...
هذه هي الحلقة الاولى من وثائق وزارة الخارجية الامريكية عن سنوات المشير جعفر نميري. بداية بسنة 1975 (اخر سنة كشفت فيها الوثائق).
مع بداية تلك السنة، اجرى نميري تعديلا وزاريا كبيرا، فصل فيه عشرة وزراء، منهم منصور خالد، وزير الخارجية. كان هذا اكبر تعديل وزاري يجريه نميري منذ سنة 1971، بعد ان عاد الى الحكم، بعد فشل الانقلاب العسكري الذي قاده ضده هاشم العطا.
وخلال نفس الفترة ظهرت فضيحة القرض السعودي الذي رتبه المليونير السعودي عدنان خاشفجي. وعمولة خاشفجي. ونصيب نميري. والمشكلة بين نميري في جانب، ومنصور خالد، وزير الخارجية، ومنعم منصور، وزير المالية، في الجانب الآخر. وصله المشكلة بالتعديل الوزاري.
وتجيب هذه الوثائق على الاسئلة الآتية، وغيرها:
- ما هو رأي السفير الامريكي في الخرطوم في التعديل الوزاري؟
- ما هي اسباب عزل منصور خالد، وزير الخارجية؟
- هل تعمد نميري عزل الخمسة وزراء "اولاد الغرب"؟
- ماذا قال نميري في حفل العشاء على شرف ديفيد روكلفر؟
- ما هو دور المليونير السعودي خاشقجي في عزل منصور خالد، ومنعم منصور؟
- هل اثري نميري شخصيا من صفقة خاشقجي؟
- لماذا قال السفير الامريكي ان آراء نميري احيانا فيها "اضطراب عقلي"؟
أريتريا: استقلال او حكم ذاتي؟:
التاريخ: 14-1-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزارة الخارجية
الموضوع: رأي منصور خالد في اريتريا
"اول من امس، قال لي منصور خالد، وزير الخارجية، انه يرى ان حركة جبهة تحرير اريتريا وجبهة التحرير الشعبية تطالبان بالاستقلال الكامل من اثيوبيا كموقف تفاوضي ...
وانه يفضل ان يتفاوض الاريتريون لتحقيق حكم ذاتي داخل اثيوبيا.
لكن، ربما سيرفض ذلك عثمان سبي، قائد الجبهة الشعبية، والذي نعتقد انه يوجد خارج اريتريا.
وقال خالد ان دولا عربية تؤيد سبي، لكن، يريد السودان موقفا اريتريا معتدلا. ويريد المساهمة في الوصول الى حل وسط بين اثيوبيا والاريتريين.
واكد خالد على وحدة القارة الافريقية بدلا من تقسيمها اكثر، مثل فصل اريتريا عن اثيوبيا. وقال ان اغلبية القادة الاريتريين سيقبلون بنوع ما من الحكم الذاتي ...
وانا قلت له ان الولايات المتحدة تراقب الموقف عن قرب. وان السفير الامريكي الجديد الذي سيحل مكاني سيتابع الموقف. وان الولايات المتحدة تأمل في الوصول الى حل معتدل ...
رأينا:
اولا: نعتقد ان خالد يقصد ليبيا عندما قال "دولا عربية".
ثانيا: نوافق خالد في امكانية الوصول الى حل معتدل للمشكلة ... "
مقابلة نميري:
التاريخ: 23-1-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: ملاحظات نميري
"امس، خلال حفل العشاء الذي اقامه على شرف ديفيد روكفلر، رئيس بنك شيس مانهاتان، كان نميري معتدلا حول حل المشكلة الفلسطينية. وقال ان اهمية مصر الاقليمية تنخفض بالمقارنة مع زيادة دور السعودية الاقتصادي. وايضا زيادة دور ايران.
تكشف مثل هذه الأراء، ذات الاحجام الاولمبية، نظرة نميري المبسطة للمواضيع الاقليمية. وتصور ربما نظرة شخص مضطرب العقل (سايكوباثيتيك) لخوفه من النفوذ الشيوعي في المنطقة.
خلال العشاء، تحدث نميري عن مواضيع اقليمية كثيرة، وقال اشياء تدعو للاستغراب.
عن الرئيس المصري السادات، قال ان موقفه صار ضعيفا بعد الاضطرابات الداخلية الاخيرة. واتهم نميرى الروس بأنهم وراءها، انتقاما لطرد السادات للخبراء الروس، وميوله نحو الولايات المتحدة.
وعن عرفات، قال نميري انه مجرد "رمز" لتوحيد المنظمات الفلسطينية التي لا تثق في بعضها. وان سبب عدم الثقة هو وقوف دول عربية متنافرة وراء هذه المنظمات، ماديا وعسكريا وسياسيا. واقترح نميري حكومة فلسطينية في المنفى كحل لهذه المشاكل. حكومة تؤسس مقرا لها في غزة ... "
اسرائيل واليهود:
" ... وعن اسرائيل، قال ان الحل النهائي هو دولتان في فلسطين التاريخية.
وقال نميري ان تصريحاته الاخيرة بالترحيب باليهود السودانيين ليعودو الى السودان وجدت ردودا ايجابية.
هنا تدخل وزير الخارجية خالد، وقال ان نميرى يقصد يهودا اغنياء تركوا السودان الى جنيف ولندن. وان هؤلاء اهتموا بتصريحات نميري، وسالوا السفارة السودانية في لندن عنها. وقال خالد ان نميري لا يقصد اليهود السودانيين الذين هاجروا الى اسرائيل.
وعن الملك حسين، ملك الاردن، قال نميري انه سيظل في الحكم لبعض الوقت. لكن، اذا ازيح من السلطة، سيكون ذلك نهاية الاردن كدولة مستقلة. اما ستقسمها الدول المجاورة لها، او تصير جمهورية فلسطينية. لكن، سينتهي العصر الهاشمي ...
رأينا:
اولا: قال نميري هذه الأراء ردا على اسئلة فضولية من روكفلر. لهذا، يجب ان ننظر اليها كأراء تلقائية، لا اراءا مدروسة.
ثانيا: يظل نميري ينتقد السادات كثيرا، رغم تبادل الوفود وارسال المساعدات الفنية من مصر.
ثالثا: لم نفهم من نميري ان السودان سيقدم مبادرة للتوسط لحل المشكلة الاريترية، او مبادرة للمصالحة بين الرئيس المصري السادات والرئيس الليبي القذافي، بعد ان فشلت جهوده الاولى ... "
تعديل وزاري:
التاريخ: 27-1-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: تعديل وزاري
"اجرى نميري اكبر تعديل وزاري منذ اربع سنوات، عندما عدل وزارته بعد ان انتصر على الانقلاب العسكري المضاد سنة 1971. هذه المرة، عزل عشرة وزراء. وضرب اكثر من عصفور بحجر واحد:
اولا:
اولا: عزل منصور خالد، ليس فقط من وزارة الخارجية، ولكن، ايضا، من المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي السوداني. وانتشرت اشاعات عن صله عزله بمدى مسئوليته في فساد شركة "وادي النيل". وبمعارضته لتدخل نميري في قرض شركة "تراياد"، وصاحبها المليونير السعودي عدنان خاشقجي. على اي حال، وجد معارضوه اكثر من سبب لعزله.
ثانيا: اختار نميري عبد الله الحسن امينا عاما لرئاسة الجمهورية بدرجة وزير. وجمع امانة الرئاسة مع امانة مجلس الوزراء، بهدف تحسين الاداء الحكومي، وتسهيل تنفيذ اوامره.
ثالثا: تخلص من وزراء ضعفاء: وزير الحكومة المحلية، وزير التربية، وزير الثقافة والاعلام.
رابعا: قوى سلطاته الامنية عندما عين واحدا من المقربين له، نائب الرئيس الباقر ، وزيرا للداخلية.
خامسا: قوى سلطته في الاتحاد الاشتراكي عندما احتفظ بمقرب آخر، ابو القاسم محمد ابراهيم، نائبا للامين العام للاتحاد الاشتراكي ... "
نحو اليسار؟ :
" ... وقال مراقبون ان التعديل الوزاري حول نميرى نحو "اليسار". وذلك لان اربعة وزراء جدد كانوا قادة في الاتحاد الاشتراكي "الاشتراكي الميول."
يقال ان بدر الدين سليمان، واحمد عبد الحليم كانا "شيوعيين" قبل محاولة انقلاب سنة 1971. اذا كان ذلك صحيحا، يبدو انهما قطعا اي صلة بالشيوعية. ولهذا، نحن لا نريد ان نحكم عليهما. لكننا نلاحظ ان اغلبية قادة الاتحاد الاشتراكي موظفون معروفون بقدرتهم على الميل مع الرياح.
وايضا، يقلل من اتهامات "اليسارية" تعيين مأمون بحيرى وزيرا للمالية، وهو معروف بخبرته، وبميوله العام نحو الغرب.
ونلاحظ اهمية التغيير في وزارة الحكومة المحلية، وصلة ذلك بكثير من الشكاوي من مشاكل المعيشة اليومية. والتي لابد انها وصلت الى نميري بصورة مكثفة خلال جولاته في انحاء البلاد.
ونلاحظ رفع مستوى وزارتي الشئون الدينية والشباب والرياضة الى وزارتين كاملتين. يدل هذا على رغبة نميري في نشر الاهداف الاسلامية التقليدية. والاهتمام اكثر بالعناصر الطلابية الغير راضية في الاتحاد الاشتراكي ... "
منصور خالد:
" ... يبدو ان التخلص من منصور خالد كان له اكثر من سبب:
اولا: تأييده لوزير المالية السابق، منعم منصور.
ثانيا: ميوله نحو المجتمع الغربي اكثر من المجتمع العربي. بل سمعنا ان المصريين، في الماضي، كانوا طلبوا من نميرى التخلص منه سريعا.
ثالثا: يريد نميرى ان يشترك هو نفسه مشاركة اكثر في وضع السياسة الخارجية.
على اي حال، نلاحظ ان السياسة الخارجية السودانية، مثل غيرها، تتغير من وقت لآخر. ولننتظر تعيين وزير خارجية جديد. ونتوقع ان يكون ذلك قريبا، لان التعديل الوزاري ترك المنصب شاغرا.
في نفس الوقت، لا نعتقد ان خالد سيبقى طويلا في وزارة التربية. وتوجد اشاعه انه يبحث عن وظيفة في منظمة دولية ... "
" ... نلاحظ ان اربعة من الوزراء الذين عزلوا من غرب السودان: احمد بابكر عيسى، وموسى عوض بلال، وابراهيم منعم منصور، ومحمود حسيب. يزيد هذا من انطباع عام بأن نميري حساس اكثر مما يجب من اولاد الغرب. لكن، ربما كان هذا سببا ثانويا لهدف نميرى الاساسي، وهو التخلص ممن يراهم غير متعاونين معه، وزيادة سيطرته على الحكومة ... "
قائمة التعديل الوزاري:
التاريخ: 27-1-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: قائمة التعديل الوزاري
1. نائب الرئيس محمد الباقر: وزير الداخلية.
2. عبد الله الحسن: نائبه
3. منصور خالد: وزير التربية.
4. سر الختم الخليفة: نائبه.
5. بدر الدين سليمان: وزير الصناعة والمعادن.
6. موسى عوض بلال: نائبه
7. محمد التوم التيجاني: وزير دولة للتعليم العام.
8. محمد خير عثمان: نائبه
9. اوثوان داك: وزير دولة للحكم المحلي الشعبي.
10. صمويل لوباي: نائبه.
11. زين العابدين محمد عبد القادر: وزير الشباب والرياضة.
12. كرار احمد كرار: وزير الحكم الشعبي المحلي.
13. جعفر محمد علي بخيت: نائبه.
14. احمد عبد الحليم: وزير الثقافة والاعلام.
15. عمر الحاج موسى: نائبه.
16. عون الشريف قاسم: وزير الاوقاف والشئون الاسلامية.
17. مصطفى عثمان حسن: وزير الاشغال.
18. مامون بحيري: وزير المالية
19. نائبه: ابراهيم منعم منصور ... "
عدنان خاشقجي:
التاريخ: 28-1-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: عزل وزير المالية
"مؤخرا، تحدثت مع منصور خالد، وزير الخارجية السابق، ومنعم منصور، وزير المالية السابق. وقال الاثنان ان سببا رئيسيا لفصل نميري لهما كان قرض المائتي مليون دولار من صندوق النقد السعودي.
قبل ايام من التعديل الوزاري الذي عزل خالد، قال لى ان نفوذ المليونير السعودي عدنان خاشقجي يزيد كثيرا.
واشار الى نشاطات شركتة "تراياد".
كان خاشقجي هو الذي رتب قرض المائتي مليون دولار من صندوق النقد السعودي. وكانت عمولته مليون دولار.
لكن، عارض نميري معارضة قوية شروط اعادة تمويل القرض. بينما ايدها منصور خالد ومنعم منصور. وقال لنا منعم منصور انه فوجئ بشدة معارضة نميرى. وان ذلك كان من اسباب فصله، وفصل منصور خالد.
حسب معلوماتنا، اتصل خاشقجي امس تلفونيا مع فرع شركة "تراياد" هنا في الخرطوم. وطلب قائمة بالمشاريع التي تريد حكومة السودان تنفيذها بالقرض. وحسب معلوماتنا، يتوقع ان يصل خاشقجي الى الخرطوم اليوم. وكان اجل زيارته من الاسبوع الماضي لانه اصيب بانفلونزا خفيفة.
رأينا:
اولا: تؤكد هذه المعلومات معلومات ارسلناها لكم سابقا بان نميري اثري شخصيا من قرض المائتي مليون دولار.
ثانيا: اعتقد نميري ان مفاوضات اعادة تمويل القرض، التي قادها منصور خالد ومنعم منصور، ليست الا مؤامرة للسيطرة على طريقة تنفيذ القرض.
ثالثا: زاملت هذه التطورات حملة نقد عنيفة في مجلس الشعب ضد منصور خالد، واتهامات له حول شركة "وادي النيل".
نحن نعتقد ان هذه من الاسباب الرئيسية التي جعلت نميري يطرد اثنين من اكثر وزرائه اهمية واستقلالية ... "
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
11-11-2009, 08:08 AM
الوثيقة الأمريكية الثانية عن نميري:
دور خاشقجي في قرض "ساما"
دور خاشقجي في هدية البليون ريال
خاشقجي رتب مقابلة كارولين كنيدي ونميري
قوات سودانية الى السعودية في حالة صراع داخل العائلة المالكة؟
هذه هي الحلقة الثانية من وثائق وزارة الخارجية الامريكية عن سنوات حكم المشير جعفر نميري، من سنة 1975 (آخر سنة كشفت وثائقها).
في الحلقة الاولى، اجرى نميري تعديلا وزاريا كبيرا، اخرج فيه عشرة وزراء من بينهم منصور خالد، وزير الخارجية، ومنعم منصور، وزير المالية.
وفي حفل عشاء على شرف ديفيد روكفلر، البليونير الامريكي، تحدث نميري كثيرا عن الاوضاع في الدول العربية، وقال اشياء اعتبرها السفير الامريكي غريبة، ومنها ما يشير الى احتمال "خلل عقلي".
وفي مقابلة خاصة مع السفير الامريكي، شرح منصور خالد وابراهيم منعم منصور اسباب اخراجهما من الوزارة. وقالا ان منها اعتراضهما على دور عدنان خاشقجي، رجل الاعمال السعودي، في قرض مائتي مليون دولار من مؤسسة النقد السعودي (ساما).
تصحيح:
خطأ، وردت في الحلقة الاولى اشارة الى ان نميري عزل الوزيرين لاعتراضهما على دور خاشقجي في منحة بليون ريال سعودي المجانية (مائتين وثلاثين مليون دولار) لتطوير القوات السودانية المسلحة. لكن، الصحيح هو اعتراضهما على دور خاشقجي في قرض "ساما" (مائتي مليون دولار).
بعد عزلهما باربعة شهور، بدأ دور خاشقجي في هدية البليون ريال (مائتين وثلاثين مليون دولار).
وفي خطاب من السفير الامريكي الي هنري كيسنغر، وزير الخارجية الامريكية، كرر السفير اعتقاده ان نميري اثري من قرض "ساما". لكن، لم يحدد الخطاب المبلغ.
وفي هذه الحلقة الثانية، دور خاشقجي في قرض "ساما"، قبل دوره في هدية البليون ريال.
ديفيد روكفلر:
التاريخ: 23-1-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، جدة
الموضوع: تمويل قرض للسودان.
"امس، اقام الرئيس نميري حفل عشاء استمر طويلا على شرف ديفيد روكلفر، رئيس بنك "جيس مانهاتان". وتحدث روكفلر عن قرض مؤسسة النقد السعودي (ساما) الى السودان وقيمته مائتي مليون دولار. وقال ان الملك فيصل كان وافق على ان يعيد بنك "جيس" تمويل القرض. وان الموافقة نقلها الراحل عمر السقاف، وزير الدولة السعودي للشئون الخارجية. وقال روكلفر انه استشار منصور خالد، وزير الخارجية، وابراهيم منعم منصور، وزير المالية، ووافقا على الفكرة. وسال روكفلر نميري عن رايه ...
وفجأة، غضب نميري، وقال انه يشك في القصة التي رواها روكفلر. وانه لا يريد من بنك "جيس" ان يعيد تمويل القرض. وانه سعيد بالترتيبات الراهنة مع "ساما" ...
رأينا:
اولا: لم يكن نميري صادقا مع روكفلر، ولم يقل له السبب الرئيسي، وهو ان عدنان خاشقجي، رجل الاعمال السعودي، هو الذي رتب قرض "ساما".
ثانيا: منذ ان بدأت قصة قرض "ساما" ودور خاشقجي فيه، انقسم بعض وزراء نميري: وقف مع نميري، وجاهد للموافقة على القرض، بهاء الدين محمد ادريس، وزير الشئون الخاصة في رئاسة الجمهورية. وعارض منصور خالد، وزير الخارجية، وابراهيم منعم منصور، وزير المالية ... "
بنت كنيدي وخاشقجي:
التاريخ: 8-2-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: بنت كنيدي تحاور نميري
"قبل يومين، نشرت الصحف السودانية ان كارولين كنيدي، بنت الرئيس الراحل، اجرت مقابلة تلفزيونية مع الرئيس نميري. لكن، لم نعرف نحن ذلك مسبقا.
اجرينا تحرياتنا، وعلمنا ان بهاء الدين محمد ادريس، وزير الشئون الخاصة ورجل نميري الاول، ابلغ الخبر لوكالة الانباء السودانية. وعلمنا ان عدنان خاشقجي، رجل الاعمال السعودي، رتب المقابلة بدون علم المسئولين السودانيين عن الاعلام ... "
راينا:
اولا: لم نعلم بالموضوع، كما قلنا.
ثانيا: نود ان تتابعوا الموضوع، وتنقلوا لنا ماذا قال نميري لكارولين كنيدي ... "
معلومات جديدة:
التاريخ: 13-2-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: كارولين كنيدي
"خلال الاسبوع الماضي، جمعنا معلومات جديدو هن مقابلة نميري التلفزيونية التي اجرتها كارولين كنيدي. وعلمنا ان كارولين، مراسلة شبكة تلفزيون "ان بي سي"، كانت تعد برنامجا كاملا عن خاشقجي، وثروته، وعلاقاته الاقتصادية والتجارية الواسعة، والمنتشرة حول العالم.
وكان جزء من البرنامج عن علاقة خاشقجي مع نميري. ولهذا جاءت كارولين كنيدي، وفريق مصوري تلفزيون "ان بي سي"، الى الخرطوم. وهكذا، رتب خاشقجي مقابلة نميري ... "
"بان اميركان":
التاريخ: 17-3-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: "بان اميركان"
"امس، زارنا وفد من شركة "بان اميركان" الجوية، جاءوا من الولايات المتحدة. وقالوا انهم جاءوا الى الخرطوم لاجراء مباحثات مع المسئولين السودانيين، ووضع دراسة جدوى لتأسيس شركة نقل جوية سودانية.
وقالوا لنا ان عدنان خاشقجي، رجل الاعمال السعودي، وراء الموضوع. وانه مدعوم ماليا من السعودية. لكن، لم يقولوا لنا اي تفاصيل.
رأينا:
بالنسبة لنا، هذا موضوع جديد، ولا نعرف تفاصليه. وسنبحث عن معلومات اكثر ..."
هدية البليون ريال:
التاريخ: 21-5-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: منحة عسكرية سعودية
"حسب معلوماتنا، يوم 19-5، في الصباح، استلم الرئيس نميري رسالة خاصة من الملك السعودي خالد. (كان الملك فيصل توفي قبل شهرين).
وفي وقت لاحق من اليوم، قابل نميري عدنان خاشقجي، الثري السعودي الذي يتجول كثيرا، والذي وصل الى الخرطوم في زيارة سريعة مثل البرق. وحضر الاجتماع سالم جبران عيسى، "المستشار" الخاص لنميري.
حسب معلومات موثوق بها تسلمتها امس، توجد صلة للاجتماع بمنحة من الحكومة السعودية قيمتها مائتين وثلاثين مليون دولار (مائة مليون جنية استرليني تقريبا، وقرابة بليون ريال سعودي) لتطوير القوات السودانية المسلحة، والتي تسمى رسيما قوات الشعب المسلحة.
وحسب معلوماتنا، واذا لم يحدث طارئ، سيعلن نميرى هذه المنحة السعودية الضخمة في احتفال ذكرى ثورة مايو، بعد اربعة ايام.
ستصرف القوات السودانية المسلحة المنحة كالأتي:
اولا: مائة وخمسة عشرة مليون دولار لسيارات وشاحنات ودبابات عسكرية.
ثانيا: خمسة ملايين دولار لاجهزة اتصالات عسكرية.
ثالثا: مائة وعشرة مليون دولار لطائرات عسكرية منها ناقلات جنود ... "
شركة "دويتز" الالمانية:
" ... حسب معلوماتنا، سيعطي عقد السيارات والشاحنات الى شركة "دويتز" الالمانية التي امدت القوات المصرية المسلحة بمثل هذه المعدات. والهدف المعلن هو تشابه معدات البلدين العسكرية.
لكن، هناك هدف اهم غير معلن، وهو ان فرع شركة "تراياند" في الخرطوم يعمل وكيلا للشركة الالمانية. وكما اوضحنا في خطابات سابقة لكم، يملك خاشقجي شركة "تراياند".
وعلمنا ان الشركة الالمانية، فعلا، ارسلت عينات من هذه الشاحنات الى القوات السودانية المسلحة، وانها ستشاهد في العرض العسكري يوم عيد ثورة مايو بعد اربعة ايام.
وفي الموضوع جانب امريكي:
قبل اكثر من سنة عقدت شركة "بيدج" الهندسية الامريكية (في وقت لاحق، اشترتها شركة نورثروب العملاقة) اتفاقية مع القوات السودانية المسلحة لتطوير اتصالاتها اللاسلكية. لكنها لم تتسلم مقدمة المبلغ، كما نصت الاتفاقية.
الآن، بعد المنحة السعودية، توفرت مقدمة المبلغ، وستبدأ شركة "بيدج" في بناء شبكة "ستاتيكية" (تعمل مع الضغط الجوي) لريط قيادة القوات بالقيادات الاخرى ... "
الامراء السعوديون:
" ... حسب معلوماتنا، بدات مفاوضات هذه المنحة العسكرية منذ سنة ونصف سنة. ولها صلة بعلاقة خاشقجي بالامير فهد، الان ولي العهد. وكان، قبل وفاة الملك فيصل قبل شهرين، وزيرا للداخلية.
في ذلك الوقت، اعترض الراحل عمر السقاف، وزير الدولة للشئون الخارجية، على الصفقة. وايضا، اعترض الراحل الملك فيصل. وكان واضحا ان للاعتراض صلة بدور خاشقجي في الموضوع.
الآن، في عهد الملك خالد، وولي العهد الامير فهد الذي، فعليا، يدير البلاد، تجدد الحديث عن المنحة العسكرية. وتجدد دور خشقجي فيها.
حسب معلوماتنا، تقول مصادر ان هناك تفاهما بين الامير فهد والرئيس نميري بان تساعد السعودية تطوير القوات السودانية مقابل ارسال فرق منها الى السعودية في حالة الطوارئ. مثلا: لمواجهة الحرس الوطني السعودي، اذا توتر الموقف بين الامير عبد الله، قائد الحرس الوطني، في جانب، والشقيقين: فهد، ولي العهد، وسلطان، وزير الدفاع، في الجانب الآخر ... "
راينا:
اولا: منذ سنوات، تعاني القوات السودانية المسلحة من اسلحة روسية عتيقة وغير متطورة. وخاصة في مجال الاتصالات اللاسلكية بين قيادات القوات المنتشرة في انحاء كثيرة من السودان.
ثانيا: ستكون هذه اكبر منحة للسودان من دولة بترولية عربية.
ثالثا: للموضوع صلة بعلاقة شخصية قوية، وسعيدة، بين الرئيس نميري، والامير فهد، والامير سلطان، والثري خاشقجي.
رابعا: ستقوي المنحة موقف نميري وسط القوات المسلحة، وخاصة ضمان "اتصالات لاسلكية على مستوى عالى" مع قادة القوات، اذا احتاج لهم سريعا لانقاذه، او اذا يريد ضمان سيطرته عليهم.
لسنا متأكدين من المعلومات التي وصلت الينا عن تفاهم سري بارسال قوات سودانية الى السعودية في حالة الطوارئ. وربما تريدون سؤال سفيرنا في السعودية عن هذا االموضوع.
في الجانب الآخر، نحن متأكدون ان خاشقجي يريد زيادة نفوذه في السودان. وانه انه سيستفيد من المنحة السعودية مرتين:
اولا: سيكسب عمولة (بالاضافة الى عمولته في قرض "ساما").
ثانيا: سيزيد نفوذه ليكسب مشروعات استثمارية اخرى ... "
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
11-12-2009, 07:57 AM
الوثيقة الأمريكية الثالثةعن نميري:
ابو القاسم ابراهيم "الشريك الطموح"
مستشار نميري اللبناني مؤثر ومريب
بدر الدين سليمان يريد "عزل" نميري
هذه هي الحلقة الثالثة من وثائق وزارة الخارجية الامريكية عن سنوات المشير جعفر نميري من سنة 1975 (آخر سنة كشفت وثائقها).
مع بداية السنة، اجرى نميري تعديلا وزاريا كبيرا شمل عشرة وزراء. منهم: منصور خالد، وزير الخارجية، وابراهيم منعم منصور، وزير المالية.
واوضحت الوثائق ان للتعديل صلة برشاوي من شركة "تراياد" التي يملكها رجل الاعمال السعودي عدنان خاشقجي. وصلة بامتيازات حصلت عليها شركة "وادي النيل"، واتهامات ضد ابراهيم منعم منصور
غير ان الوثائق اوضحت ان اساس التعديل الوزاري كان صراعا على الحكم بين الاتحاد الاشتراكي السوداني (الحزب الوحيد) ومجلس الوزراء. وان قادة في الاتحاد الاشتراكي كانوا يريدون ان يعلو الاتحاد الاشتراكي على مجلس الوزراء. وكان وراء ذلك صراع خفي على السلطة بين نميري وابو القاسم محمد ابراهيم، نائب الامين العام للاتحاد الاشتراكي ووزير الزراعة.
وصفته الوثائق بانه "شريك نميري الطموح":
التاريخ: 3-1-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: نائب الرئيس السوداني
"نشرت الصحف المحلية ان ابل الير، نائب الرئيس نميري ورئيس المجلس التنفيذي العالي لجنوب السودان، سافر مع وفد جنوبي لجولة تسعة ايام في الدول العربية …
رأينا:
اولا: اخيرا، اعطى نميري الجنوبيين الضوء الاخضر للبحث عن مساعدات ومعونات من الدول العربية. رغم ان الدستور يعطي الحكومة المركزية حق ادارة الشئون الخارجية.
ثانيا: يمثل هذا تراجعا تكتيكيا من جانب نميري لرفع درجة الجنوبيين، ولزيادة اسهم الير.
ثالثا: يأمل نميري، والجنوبيون، في الحصول على مساعدات عربية لبناء قناة جونقلي في اعالي النيل الابيض …"
الصادق المهدي:
التاريخ: 9-1-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: تقييم نظام نميري
"دخل نظام نميري سنته السادسة، ويبدو مثل رجل على دراجة يكثر من الحديث عن تقدم اقتصادي، بدون استقرار داخلي. ويأمل في ان ياتي يوم، ربما بعد سنة او سنتين، تثمر فيه بعض المشاريع الاقتصادية، وتطمئنه قليلا.
في جانب، نجح نميري في الحصول على مساعدات خارجية كثيرة. ومن وقت لآخر، يتجول في كل المديريات، يضع حجر اساس لمشروع هنا، وحجر اساس لمشروع هناك، ويأمل ان تثمر المشاريع قريبا …
وفي الجانب الآخر، يحاول نميري تخفيف المعارضة الداخلية بخطوات مثل:
اولا: مع بداية السنة، اعطى كل موظف وعامل راتب شهر قرضا يسدده خلال السنة.
ثانيا: اعطي مائة الف جنية لنقابة عمال السكة الحديد، وهو يعرف جيدا ان تأييدها له محدود، وانها، حتى اذا تؤيده، تفعل ذلك على مضض.
ثالثا: يحاول نفخ الحياة في الحزب الوحيد (الاتحاد الاشتراكي السوداني).
رابعا: يتمتع بتاييد الأراء الحماسية في الصحف المحلية التي يسيطر عليها …
لكن، لا تخدع هذه الاشياء السودانيين الواعين. غير ان اغلبيتهم لا ترى بديلا لنميري. وكما قال لي مصدر هام: "جربنا السياسيين، وخيبوا آمالنا. وجربنا العسكريين مرتين. ولم نعد نعرف من اين سيأتي اي شئ جديد."
وخوفا من القوات المسلحة التي يقودها، وفي نوفمبر، تولى نميري وظيفة وزير الدفاع، بعد دعاية كثيرة عن ما قيل انها محاولة انقلاب عسكري، وادانة تسعة من الضباط …
وقال لنا بعض المعارضين للنظام ان الصادق المهدي، رئيس الوزراء السابق من حزب الامة، يمكن ان يكون بديلا لنميري. لكن، ليس سهلا معرفة كيف يصل مدني الى الحكم بدون انقلاب عسكري.
على اي حال، المهدي وسياسيون آخرون، ظلوا في الخارج لفترة طويلة. كما قلت اسهمه لان نميري كسب ابن عمه احمد المهدي …
وهدأ طلاب جامعة الخرطوم الذين ظلوا دائما مصدر حركات الرفض، ربما لأنهم اقتنعوا ان النظام لن يسمح بمظاهرات خارج الحرم الجامعي. ويسيطر الاتحاد الاشتراكي على نقابات العمال. ويظل الناس غاضبون على الوضع الاقتصادي وارتفاع الاسعار، لكنهم لا يفعلون اكثر من الغضب. وفي الشهر الماضي، عندما ضاعف نميري سعر السكر، خرجت مظاهرة واحدة صغيرة …
على اي حال، يبدو ان نظام نميري اقل ثقة بنفسه مما يريد ان يبدو للناس … "
منعم منصور:
التاريخ: 25-1-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: اقالة وزير المالية
"بطريقة "روثليس" (قاسية، بدون رحمة) اشتهر بها الرئيس نميري، اقال اليوم ابراهيم منعم منصور، وزير المالية. ومعه حسن بليل، وزير الدولة للتجارة، وحسب الرسول عرابي، وكيل وزارة المالية.
سبقت ذلك اتهامات بالفساد من داخل مجلس الشعب في قضية "شركة وادي النيل"، وتصويت المجلس بالغاء امتيازات قدمت لها لاحتكار صادرات السودان الى، ووارداته من، غرب اروبا …
كان مقررا ان تقسم ملكية الشركة كالأتي: ستون في المائة لعدد قليل من رجال الاعمال، منهم ثلاثة من كردفان التي ينتمي اليها ابراهيم منعم منصور. وعشرون في المائة لحكومة السودان، وعشرون في المائة لاستكتاب عامة المواطنين.
وبينما قال ابراهيم منعم منصور ان نميري وافق على المشروع، حسب معلوماتنا، سقط الرجل بسبب مشاكل بين مجلس الوزراء في جانب، وقادة الاتحاد الاشتراكي في الجانب الآخر، بقياد بدر الدين سليمان.
ووقف نميرى الى جانب الاتحاد الاشتراكي لأكثر من سبب: ليكسب الاتحاد الاشتراكي. او لأن ابراهيم منعم منصور صار اكثر استقلالية في تلبية رغبات نميري. او للسببين معا.
لكن، جهود الاتحاد الاشتراكي بقيادة سليمان بدات من قبل شهور، وهدفها الرئيسي ليس ابراهيم منعم منصور فقط، ولكن سيادة الاتحاد الاشتراكي على مجلس الوزراء …
وزادت المشاكل بسبب وجود انشقاق داخل مجلس الوزراء نفسه: جناح ابراهيم منعم منصور، وجناح بهاء الدين ادريس، وزير الشئون الخاصة برئاسة الجمهورية. ويبدو ان استهداف ابراهيم منعم منصور خطة حاقدة، لان امتيازات شركة "وادي النيل" ومعارضة كثير من الناس لها، لم تكن سرية.
نتوقع ان يخلفه مأمون بحيري. وبصرف النظر عن آراء بحيري الحزبية والشخصية، يبدو انه يتفق مع نميرى في السياسة الاقتصادية. ونلاحظ ان بحيري صوت ضد امتيازات شركة "وادي النيل" … "
الولايات المتحدة:
التاريخ: 3-2-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: نميري والولايات المتحدة
"اول من امس، افتتح نميري المؤتمر العالمي لمواجهة ازمة الطعام. وتعمد شن نقد عنيف على الولايات المتحدة. وقال انها لا تساعد السودان، كما كانت وعدت. ولا تساعد دول العالم الثالث التي تحتاج الى الطعام، رغم انها "دولة كبرى، وتنتج محاصيل كثيرة."
وايضا، تحدث منصور خالد، وزير التربية، ووزير الخارجية السابق. وكان اقل حدة. لكنه اتفق مع تقرير الخبير الكندي لستر براون بان اساس مشاكل الطعام العالمية هو كثرة استهلاك الامريكيين …
رأينا:
اولا: استغرب الدبلوماسيون هنا لعبارات نميري الاستعراضية والحماسية، وهو ينتقد الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة.
ثانيا: ايضا، استغربنا نحن لان الوفد الامريكي في هذا المؤتمر كان اكبر الوفود.
ثالثا: نعتقد ان حماس نميري سببه الاحساس بالنصر على معارضيه، بعد التعديل الوزاري الكبير الذي اجراه … "
القوات المسلحة:
التاريخ: 5-2-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: نميري والقوات المسلحة
"امس، تحدث نميري في المؤتمر السنوي لقادة القوات المسلحة. واعترف ان القوات المسلحة تواجه نقصا في المعدات. وقال ان دولا "شقيقة وصديقة" وعدت بتقديم مساعدات عسكرية كبيرة.
وقال انه يريد الاستمرار جنديا، ووزيرا للدفاع، وقائدا للقوات المسلحة، ما دام سيظل رئيسا للسودان …
رأينا:
نلاحظ عبارة نميري القوية بأنه "سيظل وزيرا للدفاع، ألخ … " ونعتقد ان للموضوع صلة باخبار ان قادة الاتحاد الاشتراكي، بقيادة بدر الدين سليمان، الذين دخلوا الوزارة بعد التعديل الوزاري الاخر، يريدون تحقيق اهداف اخرى، منها:
أولا: فرض سيادة الاتحاد الاشتراكي على مجلس الوزراء.
ثانيا: ابعاد نميري من وزارة الدفاع، واقناعه بتعيين وزير لها … "
ابو القاسم ابراهيم:
التاريخ: 11-2-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: ما وراء التعديل الوزاري
"صار واضحا ان التعديل الوزاري الكبير الذي اجراه الرئيس نميري يوم 25-1 (عزل عشرة وزراء منهم منصور خالد، وزير الخارجية، وابراهيم منعم منصور، وزير المالية) كان بداية صراع جديد على السلطة.
وهذه المرة، يبدو ان الصراع بين نميري وابو القاسم محمد ابراهيم، نائب الامين العام للاتحاد الاشتراكي ووزير الزراعة. بالاضافة الى زيادة استقلالية عناصر انتهازية اخرى في الاتحاد الاشتراكي وفي مجلس الشعب.
ووصلت الينا معلومات متناقضة بأن ابو القاسم ربما وراء التحركات الاخيرة لفرض سيطرة الاتحاد الاشتراكي على مجلس الوزراء. او انه ربما لا يزال شريك نميري المخلص …
كان واضحا ان وراء تحركات الاتحاد الاشتراكي ضد مجلس الوزراء كل من: ابو القاسم، نائب الامين العام، وبدر الدين سليمان واحمد عبد الحليم، مساعدا الامين العام. كما عاد نجم زين العابدين محمد احمد عبد القادر، الذي صار وزيرا للشباب، والمحسوب على ابو القاسم.
في البداية، نجح سليمان في الاحتفاط بمنصبه القديم في الاتحاد الاشتراكي ومنصبه الجديد في مجلس الوزراء. لكن، طغى علي دوره العقائدي في الاتحاد الاشتراكي جعفر محمد على بخيت الذي صار مساعدا للامين العام. وطغى على دوره التنظيمي في الاتحاد الاشتراكي عمر الحاج موسى في مكتب الامين العام. وطغى على دور احمد عبد الحليم في امانة الشباب في الاتحاد الاشتراكي عبد الله احمد قلندر.
حسب معلوماتنا، ظل قلندر مقربا من نميري منذ انقلاب مايو سنة 1969. ويعتبر بخيت والحاج موسى من انصار نميري.
وهكذا، يبدو واضحا ان نميري، ردا على دخول قادة الاتحاد الاشتراكي الى مجلس الوزراء، زرع انصاره في امانة الاتحاد الاشتراكي، في محاولة واضحة لوقف زيادة نفوذ شريكة المخلص ابو القاسم محمد ابراهيم …
حسب معلوماتنا، نميري مصاب بضغط دم عال، ولا ينام كثيرا. وربما لن يعيش حتى عمر طويل. ولهذا، يبدو طبيعيا ان يفكر منافسوه في مستقبلهم هم انفسهم.
ونحن نقيم الوضع كالآتي:
اولا: لا يرفض ابو القاسم محمد ابراهيم الاستمرار شريكا لنميري. لكنه لن يعمل تحت نائب الرئيس الباقر اذا صار خليفة لنميري.
ثانيا: مؤخرا، ظللنا نسمع معارضة متزايدة من المثقفين في الخرطوم ضد نميري. ونعتقد ان نميري لم يعد قويا كما كان، او كما يعتقد. لكننا نعرف ان شعبية نميري في الاقاليم اكثر، وان معارضة المثقفين والمدنيين لا تؤثر كثيرا … "
زيارة امريكا:
التاريخ: 21-3-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: زيارة نميري لاميركا
"يوم 18-3، قابل صحافيان اميركيان الرئيس نميري، وخلال المقابلة سأله واحد منهما اذا كان سيزور الولايات المتحدة، واجاب بالايجاب، وقال ان ذلك ربما سيحدث في نهاية السنة …
واليوم، جاء الى مقابلتي بهاء الدين ادريس، الرجل الاستعراضي، ووزير الشئون الخاصة للرئيس، وسألني عن "رأيي الشخصي" في زيارة نميري. وانا قلت له ان العلاقات بين بلدينا كانت سيئة لفترة طويلة، وطبعا، تحسنت مؤخرا. لكنها لم تصل مرحلة التطبيع الكامل. وجرت العادة على ان رئيس دولة اجنبية تحسنت علاقاتنا معه لا يزورنا الا قبل اكتمال تطبيع العلاقات. وان وقت ذلك لم يأت بعد.
وطلب ادريس الاسراع بتطبيع العلاقات … "
سليم جبران عيسى:
التاريخ: 4-4-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: سليم عيسي يزورنا
"امس، اعطينا تاشيرة دخول دبلوماسية الى سليم جبران عيسى، المستشار الخاص للرئيس نميري، حسب طلب وزارة الخارجية السودانية بانه يريد اجراء اتصالات مع مسئولين في الحكومة الامريكية.
هنا في الخرطوم، يعتبر عيسى صاحب نفوذ قوي، لكنه شخصية مريبة.
انه لبناني يحمل جواز سفر سوداني. ويقال انه كان سكرتيرا خاصا للامير سلطان بن عبد العزيز، وزير الدفاع السعودي. ولعب دورا كبيرا في صفقة محطة الاتصالات الفضائية، ومشاريع رجل الاعمال السعودي عدنان خاشقجي، وتسليح القوات السودانية المسلحة.
ربما يريد في واشنطن الاتصال بالبنك الدولي وصندوق النقد العالمي، وربما استكشاف الاجواء لزيادة التعاون الامريكي السوداني. نحن نعرف انه مقرب من نميري. ونطلب منكم ان ترسلوا لنا معلومات عن زيارته … "
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
11-15-2009, 05:28 PM
الوثيقة الأمريكية الرابعة عن نميري:
عودة خالد حسن عباس وأخرين
نميري يميل نحو "القدامى" خوفا من "اليساريين"
فجاة، اختفى نجم بدر الدين سليمان "اليساري"
نميري يعاني "ضغط دم عالي جدا"
هذه هي الحلقة السادسة من مقتطفات من وثائق وزارة الخارجية الامريكية عن حكومة المشير جعفر نميري (1969-1985). بداية بسنة 1975 (آخر سنة كشفت وثائقها).
في الحلقة السابقة، اهتمت الوثائق الامريكية بعودة واضحة لنشاطات الشيوعيين في السودان. وبهجوم نميري الشديد عليهم. وقالت الوثائق انها اول عودة واضحة للشيوعيين منذ الانقلاب العسكري الشيوعي الفاشل سنة 1971.
في هذه الحلقة، اهتمت الوثائق بعودة زملاء نميرى القدامى الذين غامروا بارواحهم، وقادوا معه الانقلاب العسكري سنة 1969: خالد حسن عباس، ومأمون عوض ابو زيد، وابو القاسم هاشم.
مع عودتهم، ومرة اخرى، تغييرت موازين القوى والضغوط.
مع بداية هذه السنة (سنة 1975) تغيرت الموازين عندما اجري نميري تعديلا وزاريا كبيرا عزل فيه وزراء "معتدلين"، مثل منصور خالد، وزير الخارجية، وابراهيم منعم منصور، وزير المالية. ورجح كفة "يساريين" في الاتحاد الاشتراكي السوداني، مثل بدر الدين سليمان، واحمد عبد الحليم.
ثم تغيرت الموازين، مرة اخرى، مع صعود نجم ابو القاسم محمد ابراهيم كمنافس كبير لنميري. ووقف "اليساريون" الى جانبه. ووصلت معلومات الى السفارة الامريكية انهم يخططون ليتخلى نميري عن وزارة الدفاع. وان ذلك زاد خوف نميري على نفسه، وعلى نظامه.
والآن، مع وثائق عن "ضغط دم عالي جدا" يعاني منه نميري، عاد زملاء نميري القدامى. وبدأت موازين القوى تتغير، بداية باختفاء نجم بدر الدين سليمان.
وهكذا، خلال سنة واحدة فقط (1975)، تخلص نميري من "المعتدلين"، ثم تحالف مع "اليساريين"، ثم احس بخطرهم، ثم تحالف مع قادة الثورة "القدامى":
صحة نميري (1):
التاريخ: 4-4-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: صحة نميري
"اليوم، قالت صحف سودانية ان الرئيس نميري الغي عدة نشاطات ومقابلات. واليوم، قال لنا مصدر نثق فيه ان السبب هو انه كسر رجله. لكنه لم يعرف كيف حدث ذلك.
وطبعا، لابد ان يؤجل نميري زيارته المقررة الى العراق والكويت.
عن زيارة العراق، قالت صحف سودنية ان سفير العراق في الخرطوم قال انها ستكون عن "بناء اربعة مصانع: للصلب، ولزيت السمسم، وللسكر، وللنسيح، بما جملته مائة مليون جنية استرليني."
وعن زيارة الكويت، قال لنا مصدر نثق فيه انها للتوقيع على قرض كان وعد به امير الكويت عندما زار الخرطوم في الشهر الماضي ... "
صحة نميري (2):
التاريخ: 23-5-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: صحة نميري
"قالت لنا مصادر نثق فيها ان الرئيس نميري، خلال تقديم اوراق اعتماد سفير استراليا، يوم 20-5، كاد ان يغمى عليه. انفتحت عيناه ورفع رأسه الى اعلى، وسلم اوراق السفير الى وزير الخارجية الذي كان يقف الى جواره، واسرع وجلس على كرسي قريب، وشرب ماء من كوب اعطي له. وبعد خمس دقائق تقريبا، عاد طبيعيا.
رأينا:
اولا: يعاني نميري من ضغط دم عال جدا.
ثانيا: في ذلك اليوم، انشغل بتقديم اوراق اعتماد ثلاثة سفراء. ويستمر جدولة مكثفا لأنه سافر الى شرق السودان في جولة لثلاث ايام، ثم سيعود لينشغل باحتفالات عيد ثورة مايو.
ثالثا: حسب معلوماتنا، لا ينام نميري كثيرا، ورغم ان عمره 45 سنة فقط، تبدو عليه آثار المسئوليات والمشاكل … "
عيد ثورة مايو:
التاريخ: 27-5-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: السنة السادسة للنظام
"شملت ثلاثة ايام من احتفالات ثورة مايو بعيدها السادس الخطب الحماسية التقليدية، والعروض العسكرية والجماهيرية، وجلسة خاصة لمجلس الشعب على شرف قائد الثورة، وهو يسجل رقما قياسيا في البقاء في الحكم منذ ان نال السودان استقلاله.
غير ان نميري تعهد بأن يتنحى عن الحكم سنة 1977، بعد نهاية فترة رئاسته الحالية، "الا اذا اعاد الاتحاد الاشتراكي انتخابي ... "
لم تكن للاحتفالات اهمية معينة، وكانت روتينية. غير انها، بالمقارنة مع الاحتفالات قبلها، ركزت هذه المرة على نميري نفسه. لكن، قال معارضون انها اشبه بتقديس رجل ...
وحسب معلومات وصلت الينا كانت هناك حراسات مشددة حول مباني استراتيجية وعلى محطات البنزين، خوفا من اعمال تخريب وانفجارات. بالاضافة الى اعتقال عناصر كان يعتقد انها ستسبب مشاكل. مثل عناصر طلابية اعتقلت في منزل فيه متفجرات، ومعدات عسكرية.
وبالاضافة الى ان النظام عظم نميري، عظم نميري آخرين، وقدم لهم اوسمه وميداليات. وخاصة وزراء، واعضاء المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي. لكننا لاحظنا ان نميرى استثنى ابو القاسم محمد ابراهيم، عضو مجلس قيادة الثورة الاساسي، ووزير الزراعة، وزين العابدين محمد احمد عبد القادر، وزير الشباب والرياضة. او ربما السبب هو انهما منحا ميداليات واوسمة في الماضي …
خلال الاحتفالات، لاحظنا ان نميري كان متعبا، ولم يقرأ كثيرا من فقرات الخطاب الذي اعد له. وفي جلسة مجلس الشعب، خرج بعد وقت قليل من بداية الجلسة، رغم انها كانت على شرفه. وربما لم تكن صدفه انه قال، في خطابه القصير امام المجلس: "الموت ولا التقصير في سبيل السودان."
خالد حسن عباس:
التاريخ: 7-8-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: تحولات سياسية
"مؤخرا، عاد الى السلطة اثنان من اعضاء مجلس قيادة الثورة: خالد حسن عباس، ومأمون عوض ابو زيد. واول من امس، عاد الى الخرطوم ابو القاسم هاشم، عضو مجلس قيادة الثورة. وكان الوحيد منهم الباقي على قيد الحياة، وخارج السلطة.
حسب معلومات حصلنا عليها، سيعينه الرئيس نميري عضوا في المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، و "مستشارا للشئون الرئاسية."
خلال الايام القليلة الماضية، ايضا عاد الى الخرطوم بابكر عوض الله، العضو المدني الوحيد في مجلس قيادة الثورة، ورئيس وزراء سابق. ووصلتنا اشاعات ان نميرى سيعينه في منصب كبير.
وايضا، عاد احمد السيد حمد، من قادة طائفة الختمية المؤيدة كثيرا لمصر. وحسب معلوماتنا، ربما سيعينه نميري وزير دولة للتجارة (كان وزير التجارة في وزارة محمد احمد محجوب، خلال الديمقراطية الثانية، التي سبقت ثورة مايو سنة 1969. وقدمه نميرى الى محاكمة عسكرية بتهمة الفساد عندما كان وزيرا).
وحسب معلوماتنا، ربما سيعين نميري خالد حسن عباس نائبا له، بدلا عن محمد الباقر احمد.
وخلال الاسبوعين الماضيين، لاحظنا اختفاء بدر الدين سليمان، وزير الصناعة، والمساعد الاول للامين العام للاتحاد الاشتراكي. وهناك اشاعات ان نميري فصله، او سيفصله.
ووصلتنا معلومات ان للموضوع صلة بخبر نشرته، مؤخرا، جريدة "الايام" عن تحقيقات يقوم بها الكونغرس الامريكي في رشاوي تسلمها عدنان خاشقجي، رجل الاعمال السعودي، من شركة "نورثروب" للاسلحة مقابل صفقة اسلحة امريكية الى السعودية ...
نشرت "الايام" خبر خاشقجي كخبر خارجي، ولا صلة له بالسودان، وليست فيه اشارة الى السودان. لكن، بدر الدين سليمان، عضو في مجلس ادارة "الايام". وحسب معلوماتنا، ولسوء حظه، حمل عدد "الايام" الى نميري، واطلعه على خبر خاشقجي. وغضب نميري، ورمي الجريدة بعيدا على الارض ... "
(تعليق: كما اوضحت وثائق سابقة، نال خاشقجي عمولة من قرض قدمته مؤسسة النقد السعودي الى السودان. وايضا، نال نميري عمولة. ثم نال خاشقجي عمولة ثانية من "هدية البليون ريال" السعودي لتطوير القوات السودانية المسلحة. لكن، لم توضح الوثائق اذا نال نميري عمولة من الصفقة الثانية او لا).
تعديل وزاري جديد:
" ... بالاضافة الى كل هذه التغييرات والاحتمالات، نتوقع تعديلات وزارية جديدة، ولم يمض على التعديل الضخم في بداية السنة اكثر من سبعة شهور:
اولا: سيفصل نميري منصور خالد، وزير التربية. وكانت ايام خالد صارت معدودة، منذ ان عزله نميري، في التعديل الوزاري في بداية السنة، من وزارة الخارجية.
ثانيا: سيفصل نميري بونا ملوال، الجنوبي ووزير الدولة للاعلام.
ثالثا: فصله نميرى او لم يفصله، اختفى عن الانظار كرار احمد كرار، وزير الحكم المحلي الشعبي ...
وتتحدث مجتمعات الخرطوم عن ما حدث خلال زيارة الرئيس المصري السادات للخرطوم يومي 26، 27-7. اعتقلت الشرطة اكثر من اربعين من اعضاء الحزبين: الوطني الاتحادي، وحزب الامة. كان منهم قادة قدامي، ووزراء سابقين. وكان ذلك بعد توزيع منشورات ضد نميري، وضد مصر، بتوقيع "الجبهة الوطنية".
ووصلت الينا معلومات، لم نقدر على التأكد منها، ان سفارة ليبيا في الخرطوم وزعت، قبيل وصول السادات، منشورات ضد مصر. لكن مسبقا، علم الامن السوداني بذلك، وقبض على السودانيين الذين كانوا سيوزعون المنشورات بمجرد ان استلموها من السفارة.
وبمناسبة ليبيا، وصلتنا معلومات ان الرئيس القذافي، عندما توقف مؤخرا في مطار الخرطوم في طريقة من يوغندا الى ليبيا، لتتزود طائرته بالوقود، غضب لأن نميرى او نائبه لم يقابلاه في المطار، بدلا عن ابو القاسم محمد ابراهيم، وزير الزراعة. ورفض القذافي الخروج من الطائرة، وسمح لابراهيم فقط، بدون بقية مرافقية، بدخول الطائرة لتحيته.
في نفس ذلك الوقت، كان نميري لا يزال في يوغندا. لكننا نعتقد انه كان يقدر على ارسال نائبه الباقر لمقابلة القذافي ... "
السعوديون واليساريون:
" ... زاد الغموض في النظام وفي وضع نميري بسبب هذه التحركات الاخيرة لاعضاء مجلس قيادة الثورة الاوائل، بعد الاعضاء الشيوعيين الثلاثة الذين اعدموا بعد الانقلاب الفاشل سنة 1971 (بابكر النور، وهاشم العطا، وفاروق حمد الله) ...
لكن، صار واضحا ان نميري صار غير مطمئن لزيادة نفوذ اليساريين الذين تحالف معهم، بعد ان مال بعيدا عن المعتدلين. هذا بالاضافة الى زيادة نشاطات ومنشورات الشيوعيين، كما اوضحنا في تقارير سابقة. ونحن لاحظنا، ربما لهذا، ان سياسة نميري الخارجية تحولت نحو المعتدلين:
اولا: وثق علاقته مع مصر، ورحب بالسادات في الخرطوم.
ثانيا: فقد الامل في ان ليبيا ستفيد السودان فائدة حقيقية.
ثالثا: فضل الانضمام الى الدول العربية المعتدلة.
رابعا: يريد التقرب اكثر الى الدول الخليجية، وخاصة السعودية، للحصول على مزيد من المساعدات لمواجهة ارتفاع الاسعار، ومؤخرا، اختفاء السكر والزيت من الاسواق.
ربما يفسر هذا زيارة مأمون بحيري، وزير المالية، وزيارة بهاء الدين محمد ادريس، وزير شئون الرئاسة الخاصة، للسعودية. لكن، لم يذهبا معا. بل، حسب معلوماتنا، لم يعرف بحيري، في البداية، ان بهاء الدين زار السعودية في نفس وقت زيارته هو.
ونحن نعتقد ان نميري هو الذي ارسل بهاء الدين لاستكشاف موقف السعوديين من التعديل الوزاري الذي يخطط له ليتخلص من الوزراء والمستشارين اليساريين الذين تسلقوا مؤخرا الى قمة نظام نميري.
ويأمل نميرى ان يشجع ذلك السعوديين لتقديم مزيد من المساعدات.
لكننا لا نعرف اي فائدة من زيارة بحيرى او من زيارة بهاء الدين ... "
الابتعاد عن اليسارين:
" ... نريد ان نكون حذرين في تقييمنا لاعضاء مجلس قيادة الثورة الذين عادوا مؤخرا: خالد حسن عباس، ومأمون عوض ابو زيد، وبابكر عوض الله، وابو القاسم هاشم. قلنا انهم مؤيدون لمصر. لكن، في نفس الوقت، كل واحد منهم "براقماتيك ناشوناليست" (وطني عملي). ويقدر على ان يتحول الى هنا او هناك، اعتمادا على مصلحة السودان، ومصلحته هو.
نقول ذلك، ونحن نعرف ان تعيينات خالد حسن عباس ومأمون عوض ابو زيد قصد منها ارضاء الرئيس المصري السادات.
ليست تعيينات، اشاعات تعيينات. لكن، حسب تجاربنا في الخرطوم، تصير اغلبية الاشاعات حقيقة.
هل ستنتهي مشاكل نميري بالاستغناء عن اليساريين، واعادة زملائه السابقين في مجلس قيادة الثورة؟
لا نعتقد ذلك. ونتوقع معارضات من شماليين ومن جنوبيين.
تاريخيا، لا ترضى اغلبية الشماليين والجنوبيين انحياز السودان نحو مصر، وتراه سيطرة مصرية. لهذا، سيربطون بين زيارة السادات وعودة المحسوبين على مصر في مجلس قيادة الثورة.
وايضا، نتوقع عودة المشاكل وسط اعضاء مجلس قيادة الثورة انفسهم:
في جانب: خالد حسن عباس، ومأمون عوض ابو زيد، وزين العابدين محمد احمد عبد القادر. منذ الايام الاولى لمجلس قيادة الثورة ، كان الثلاثة اصدقاء ومقربين من بعضهم.
وفي الجانب الآخر: ابو القاسم محمد ابراهيم، وابو القاسم هاشم. ليس الاثنان حليفين فقط، ولكن ايضا من عائلة واحدة ... "
عزل ضباط موالين لعباس:
" ... حسب معلوماتنا، وفي البداية، استغل خالد حسن عباس خروجه من الوزارة ووثق علاقته مع كبار ضباط القوات المسلحة، وضمن ولاء نسبة كبيرة منهم.
وقالت لنا مصادر نثق فيها ان نميري، قبل شهرين، احس بالخطر الجديد عليه، ليس من الشيوعيين، وليس من اليساريين، ولكن من واحد من القدامى المعتدلين، والذي يريد، الآن، الاعتماد عليه: خالد حسن عباس ...
لهذا، قبل شهرين، امر نميري بعزل كثير من الضباط الذين اعتقد انهم يميلون نحو خالد حسن عباس اكثر من ميلهم نحوه هو ...
لكن، ليس امام نميري خيار. ولهذا، مال نحو الاحسن نسبيا، والاكثر ثقة فيهم نسبيا: خالد حسن عباس، ومأمون عوض ابو زيد، وزين العابدين محمد احمد عبد القادر.
نعم، يميل هؤلاء نحو المصريين. في الجانب الآخر، يمكن اعتبار ابو القاسم محمد ابراهيم، وقريبه ابو القاسم هاشم من الذين يميلون نحو اليساريين.
لهذا، ربما يريد نميري الاعتماد على المصريين لمواجهة اليساريين.
وكما اوضحنا في رسائل سابقة، لا يخفي نميري خوفه من اليساريين. ومن احتمال انقلاب يساري آخر ضده. بل وصل هذا القلق الى حالة "اضطراب عقلي".
من بين اليساريين الذين لا يثق فيهم نميرى: أحمد عبد الحليم، وزير الاعلام، وبدر الدين سليمان، وزير الصناعة، وهما من فلاسفة الاتحاد الاشتراكي.
لكن، عندنا تفسير آخر لهذه التطورات المعقدة ولموقف نميري الصعب: ربما يتعمد نميري تخويف نفسه من اليساريين، وايضا تخويف المصريين والخليجيين، وخاصة السعوديين. وذلك ليكسبهم الى جانبه، وليحصل على مزيد من المساعدات منهم.
بل ربما يتعمد نميري تخويفنا نحن ايضا ... "
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
11-17-2009, 07:43 PM
الوثيقة الأمريكية الخامسة عن نميري:
لماذا عين نميري جمال محمد احمد وزيرا للخارجية؟
هل كان الرشيد نور الدين شيوعيا؟
هل كان زكي مصطفى فاسدا؟
ماذا قال السفير الاميركي عن منصور خالد؟
هذه هي الحلقة الخامسة من مقتطفات من وثائق وزارة الخارجية الامريكية عن حكومة المشير جعفر نميري (1969-1985). بداية بسنة 1975 (آخر سنة كشفت وثائقها).
مع بداية السنة، تغيرت الموازين عندما اجري نميري تعديلا وزاريا كبيرا عزل فيه وزراء "معتدلين"، مثل منصور خالد، وزير الخارجية، وابراهيم منعم منصور، وزير المالية. ورجح كفة "يساريين" في الاتحاد الاشتراكي السوداني، مثل بدر الدين سليمان، واحمد عبد الحليم.
وبعد شهور قليلة، تغيرت الموازين، مرة اخرى، مع صعود نجم ابو القاسم محمد ابراهيم كمنافس قوي لنميري. ووقف "اليساريون" الى جانبه. وبدأوا يخططون ليتخلى نميري عن وزارة الدفاع. وخاف نميري من انقلاب عسكري ضده يقوده ابو القاسم.
وفي منتصف السنة، عاد ثلاثة من زملاء نميرى القدامى الذين غامروا بارواحهم، وقادوا معه الانقلاب العسكري سنة 1969: خالد حسن عباس، ومأمون عوض ابو زيد، وابو القاسم هاشم. وبدأت موازين القوى تتغير، بداية باختفاء نجوم "يساريين"، مثل بدر الدين سليمان.
وهكذا، خلال سنة واحدة فقط، تخلص نميري من "المعتدلين"، ثم تحالف مع "اليساريين"، ثم احس بخطرهم، ثم تحالف مع قادة الثورة "القدامى".
في هذه الحلقة وثائق من سنة 1975 عن اثنين من "المعتدلين" وضعهم نميري في وزارة الخارجية: منصور خالد، الذي نقله من الخارجية الى وزارة التربية، وجمال محمد احمد، الذي كان وزير دولة للشئون الخارجية، ثم عينه وزيرا للخارجية:
جمال محمد احمد (1):
التاريخ: 17-4-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: جمال محمد احمد
"اليوم، تحدث معي جمال محمد احمد، وزير الدولة للشئون الخارجية، عن مواضيع كثيرة، ولفترة طويلة. وانقل حديثه هنا، حسب كل نقطة تحدث عنها:
النقطة الاولى: زيارة الرئيس نميري للعراق، والتي اشترك فيها. قال انها كانت "ناجحة بصورة معتدلة". وانه كان يعتقد ان العراقيين "متطرفون وعنيفون". لكنه وجدهم "معتدلين ومسئولين". ويريدون التركيز على بناء وطنهم. ووجد الجانبان موضوع نقاش مشترك: مشكلة الجنوب بالنسبة للسودانيين، ومشكلة الاكراد بالنسبة للعراقيين ...
النقطة الثانية: مساعدة العراق للسودان. عكس ما ارسلنا في رساله سابقة، لم يوافق العراقيون نهائيا على تزويد السودان ببترول خام. وافقوا مبدئيا. وللموضوع صلة بمصفاة بترول ينوي السودانيون، منذ سنتين، ان يبنوها. وكما ارسلنا في رسالة سابقة، وافق السعوديون، ايضا، على امداد السودانيين ببترول خام عندما يبنون المصفاة. لكن يبدو ان بناء المصفاة لن يكون قريبا ...
النقطة الثالثة: يبدو جمال محمد احمد متفائلا بأن العراقيين سيقدمون مساعدات مالية كبيرة الى السودان. لكن، لم بلتزم العراقيون التزاما محددا. ولابد من الانتظار للتاكد من ذلك. ومثل ظاهرة من ظواهر العلاقات العربية، "بروف از ان ذا بودنغ" (لا يمكن التأكد من الحلو الا بعد اكله، ولا يمكن التأكد من الوعد الا بعد تنفيذه).
النقطة الرابعة: العلاقات الامريكية العراقية. قال جمال محمد احمد ان الرئيس العراقي احمد حسن البكر لم يطلب من الرئيس نميري ان يتوسط ويتحدث معنا عن تحسين العلاقات بيننا وبين العراق. هذا عكس ما سمعت من بهاء الدين محمد ادريس، ذلك المتفائل الفطري ..."
(تعليق: كانت العلاقات الاميركية العراقية متوترة جدا بسبب سياسات حزب البعث، وتحالف العراق مع روسيا، واتهام العراق لكسينغر، وزير الخارجية الامريكية، بانه يريد عقد اتفاقية سلام بين مصر واسرائيل لفصل مصر عن الخط العربي).
جمال محمد احمد (2):
التاريخ: 16-5-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: تعيينات جديدة
"امس، اصدر الرئيس نميري قرارا جمهوريا برفع وظيفة جمال محمد احمد من وزير دولة للشئون الخارجية الى وزير للخارجية. وبتعيين عبد المجيد امام، الذي كان قاضيا في المحكمة العليا، ثم صار محاميا، كوزير للعدل. وحل محل زكي مصطفى، الذي كان نميري عزله قبل ثلاثة ايام.
ومن الذين شمتلهم التعينات: امين ابو سنينه، مدير مكتب السودان في جنيف، ليكون نائبا لوزير الصناعة. وعباس احمد السيد، مدير مؤسسة الاصلاح الزراعي، ليكون رئيسا لمؤسسة الانتاج الزراعي. وعلى حسن محمود، مدير الانتاج الحيواني بوزارة الزراعة، ليكون مجيرا لمؤسسة الانتاج الحيواني الجديدة ...
رأينا:
اولا: جمال محمد احمد مهني قدير، وحصل على ثقة نميري عندما كان وزيرا للدولة للشئون الخارجية، بعد عزل وزير الخارجية منصور خالد. ويعنى تعيينه وزيرا رغبة نميري في استمرار سياسته الخارجية العامة، وفي عدم تعيين شخص من الخارج ربما يسبب له مشاكل. اي ان نميري فضل شخصا يعرفه.
ثانيا: عزل زكي مصطفى من وزارة العدل له صلة باتهامات فساد. وايضا لأنه كان مقربا من منصور خالد. لكن اسمه ارتبط باطلاق سراح الارهابيين الفلسطينيين المتورطين في اغتيال السفير اونيل والقائم بالاعمال مور (في الهجوم على السفارة السعودية سنة 1973).
ثالثا: حسب معلوماتنا، لوزير العدل الجديد، عبد المجيد امام، سمعة قانونية محترمة … "
جمال محمد احمد (3):
التاريخ: 24-5-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: وزير الخارجية الجديد
"امس، نقلت رسالة التهنية منكم الى جمال محمد احمد، وزير الخارجية الجديد. وهو يشكركم عليها. وقال انه، في سنة 1956، حضر ندوة تحدثتم فيها، ويريد انتهاز فرصة زيارته لنيويورك، لحضور الدورة الجديدة للجمعية العامة للامم المتحدة، ليجدد معرفته بكم ...
وانا قلت له انك ستكون سعيدا بمقابلته مرة اخرى ...
رأينا بعد المقابلة:
اولا: بدا لى انه يحس بضخامة وظيفته الجديدة، بعد ان كان وزير دولة للشئون الخارجية.
ثانيا: قال لى انه لن يجد مشكلة في التعامل مع العرب ومع "الانجلوساكسون". لكن ليس مع الدول الاسيوية والافريقية والشيوعية.
ثالثا: سيظل ينفذ سياسة الرئيس نميري الخارجية. لكنه سيكون اكثر تفهما واكثر فهما مما عهدنا هنا مؤخرا ... "
جمال محمد احمد (4):
التاريخ: 3-6-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية"
الموضوع: رسالة من وزير الخارجية الجديد
"اليوم، طلب مني جمال محمد احمد، الذي كان وزير دولة للشئون الخارجية، ثم عينه الرئيس نميري وزيرا للخارجية، نقل الرسالة التالية لكم:
في سعادة، تسلمت رسالتكم، ولها وقع خاص لانها جاءت في وقت يعمل فيه بلدانا على فتح صفحة جديدة في العلاقات بينهما، وعلى التعويض عن خسائر الماضي. توجد هنا في السودان عواطف ايجابية كثيرة عن الولايات المتحدة. ومن تجربتي الخاصة، اعرف ان بلدكم يضع للسودان اعتبارا خاصا. لهذا، هناك اساس قوي نقدر على ان نبدأ منه. ونحن نحتاج الى مساعدتكم، وتجارتكم، وفنونكم، وعلومكم. يريد السودان الجديد الاستفادة من تجاربكم وانجازاتكم. وانا متأكد اننا نقدر على ان نجازيكم على ذلك ... "
الرشيد نور الدين:
التاريخ: 7-5-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: سفير السودان الى المغرب
"عندما قاد الرئيس نميري انقلاب سنة 1969، كان الرشيد نور الدين الثاني في قائمة الضباط الآخرين تاييد للرئيس نميري. وفي وقت لاحق، حل محل الرائد مأمون عوض ابو زيد كرئيس لجهاز الامن القومي. لكن، بعد شهرين فقط في المنصب، عين سفيرا في الصومال. ولم نقدر على معرفة سبب ذلك.
حسب معلومات حصلنا عليها من مصادر نثق فيها، كان الرشيد نور الدين، قبل انقلاب سنة 1969، يميل نحو الشيوعيين، ان لم يكن اكثر من ذلك.
وكما تعلمون من معلومات سابقة ارسلناها لكم، انقسم الحزب الشيوعي السوداني في سنة 1970 حول تأييد نميري. استمر من يسمون "الشيوعيين الوطنيين" في تأييد نميري حتى بعد الانقلاب العسكري الفاشل ضده سنة 1971. وفي الجانب الآخر، هناك من يسمون "الشيوعيين الارثودكس".
لهذا، لسنا متأكدين بأن الرشيد نور الدين كان شيوعيا مع هؤلاء، او مع اولئك. والسبب هو انه كانت في السفارة وثائق عنه، وعن غيره، لكن السفارة احرقتها مرتين على الاقل منذ سنة 1967 (عندما قطع السودان علاقته مع الولايات المتحدة بسبب حرب يونيو بين العرب واسرائيل في تلك السنة) ...
لهذا، رغم ان الرشيد نور الدين ايد نميري ضد محاولة الانقلاب الشيوعي في سنة 1971، لا يعنى ذلك انه كان معاديا للشيوعية.
في وقت لاحق، وخلال مقابلة مع دبلوماسي امريكي، قال الرشيد نور الدين انه لم يكن شيوعيا، وان تاييده لنميري في ذلك الوقت كان دليلا على انه كان معاديا للشيوعية … "
منصور خالد (1):
التاريخ: 28-8-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزارة الخارجية
الموضوع: ترشيح منصور خالد
"اليوم، استدعى محمد ميرغني، وكيل وزارة الخارجية، القائم بالاعمال الامريكي، وطلب مساعدة الولايات المتحدة في ترشيح منصور خالد، وزير التربية، ووزير الخارجية السابق، لمنصب المدير العام للتعاون الدولي التابع للامم المتحدة.
مرفقة: مذكرة محمد ميرغني عن منصور خالدـ ونحن ننتظر رأيكم في هذا الموضوع ...
(مقتطفات من المذكرة):
"في الشهر القادم، ستعقد جلسة الجمعية العامة للامم المتحدة الخاصة بالتنمية والتعاون الدولي ... اعدت لجان خاصة اقتراحات للجمعية العامة، منها تأسيس منصب المدير العالم للتعاون الدولي. وان يرشح الامين العام للامم المتحدة الشخص، وتوافق عليه الجمعية العامة ... ايضا، اوصت اللجان ان يكون الشخص من دول العالم النامية ... لهذا، قررت حكومة جمهورية السودان الديمقراطية ترشيح اسم منصور خالد، وزير التربية ... وتأمل تأييد الولايات المتحدة في هذا الموضوع ... منصور خالد من اوائل كبار المسئولين في حكومة السودان منذ ثورة مايو سنة 1969 ... قبل ذلك كانت له تجارب مختلفة في مؤسسات الامم المتحدة، بما في ذلك اليونسكو ... والجدير بالذكر ان الدول الافريقية تعهدت بتأييد هذا الترشيح ... "
منصور خالد (2):
التاريخ: 6-9-1975
من: وزير الخارجية
الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: ترشيح منصور خالد
"ردا على رسالتكم بتاريخ 28-8، نقترح ان تقابلوا مسئولين في وزارة الخارجية بطريقة غير رسمية، وتنقلوا لهم النقاط الآتية:
اولا: كان تأسيس وظيفة مدير عام للتعاون الاقتصادي واحدة من اقتراحات كثيرة ومعقدة قدمتها مجموعة من الخبراء.
ثانيا: لا نتوقع ان يناقش الموضوع نقاشا تفصيليا وكاملا. ولا نتوقع ان يصدر قرار محدد.
ثالثا: نتوقع ان تقرر الجمعية العامة احالة الموضوع الى لجنة العلاقات الحكومية، وهي لجنة جديدة.
رابعا: تؤيد الولايات المتحدة احالة الموضوع الى اللجنة، لأن تقرير الخبراء يحتاج الى نقاش كامل.
رابعا: لان القرار النهائي سيصدر في المستقبل، نرى ان الوقت مبكر لمناقشة هذا الترشيح في الوقت الحالي ... "
منصور خالد (3):
التاريخ: 29-1-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: التعديل الوزاري
"في اول تعليق عام على التعديل الوزاري الذي اجراه مؤخرا، اكد الرئيس نميري على قوته، وقوة الاتحاد الاشتراكي السوداني. وطلب من الشعب ان يؤيده. وحذر اعضاء مجلس الوزراء الجديد من طموحات شخصية. وانتقد وزراء اخرجهم من الوزارة، بدون ان يسميهم باسمائهم ...
واكد نميرى ان الاتحاد الاشتراكي الذي يرأسه هو السلطة الاعلي في البلاد. وقال ان وزراء سابقين لم يكونوا يدينون بالولاء للاتحاد الاشتراكي، وحاولوا تاسيس "امبراطوريات" خاصة بهم. وان هذا كان من اسباب فصله. وقال: "كل الوزراء متساوون"، وانه لن يقبل "الاستعلاء" على الشعب ...
وفي وضوح ولكن بدون ان يذكر اسمه، اشار الى كثرة الرحلات الخارجية التي كان يقوم بها منصور خالد، وزير الخارجية الذي نقله الى وزارة التربية ...
وهو "جانكتير" (يحب الاشياء المجانية) و"كونجينيتال" (ولد على ذلك، وصارت عادة طبيعية بالنسبة له) ... "
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
11-21-2009, 05:45 AM
الوثيقة الأمريكية السادسة عن نميري
انقلاب حسن حسين
لحسن حظ نميري، فشل، ونسي زملاؤه خلافاتهم معه
هذه هي الحلقة السادسة من مقتطفات من وثائق وزارة الخارجية الامريكية عن حكومة المشير جعفر نميري (1969-1985). بداية بسنة 1975 (آخر سنة كشفت وثائقها).
مع بداية السنة، اجري نميري تعديلا وزاريا كبيرا عزل فيه وزراء "معتدلين"، مثل منصور خالد، وزير الخارجية، وابراهيم منعم منصور، وزير المالية. ورجح كفة "يساريين" مثل بدر الدين سليمان، واحمد عبد الحليم.
لكن، بعد شهور قليلة، واجه نميري صعود نجم ابو القاسم محمد ابراهيم كمنافس قوي. ووقف "اليساريون" الى جانب ابو القاسم. وبدأوا يخططون ليتخلى نميري عن وزارة الدفاع. وخاف نميري من انقلاب عسكري داخلي ضده يقوده ابو القاسم واليساريون.
لهذا، في منتصف السنة، اعاد نميري ثلاثة من زملائه القدامى الذين غامروا بارواحهم، وقادوا معه الانقلاب العسكري سنة 1969: خالد حسن عباس، ومأمون عوض ابو زيد، وابو القاسم هاشم. وبدأت موازين القوى تتغير، بداية باختفاء نجوم "يساريين" مثل بدر الدين سليمان.
لكن، عرف نميري ان خالد حسن عباس يحشد ضباطا موالين له في القوات المسلحة. وعزل نميري بعضهم، وشك في نوايا عباس.
ويوم 5-9-1975، قاد حسن حسين انقلابا عسكريا. ولحسن حظ نميري، حدث شيئان: اولا: فشل الانقلاب. ثانيا: التف حول نميري اعضاء مجلس قيادة الثورة، ونسوا خلافاتهم.
وهكذا، ضمن نميري لنفسه سنوات اكثر في الحكم.
انقلاب حسن حسين:
التاريخ: 5-9-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: فشل محاولة انقلاب
"في الصباح الباكر، سمعنا اصوات مدافع وبنادق. وبالقرب من مبنى السفارة. وفي وقت لاحق سمعنا اصواتا مماثلة بالقرب من القصر الجمهوري.
في وقت لاحق، علمنا ان قائد محاولة الانقلاب هو حسن حسين عثمان. وانه قتل. لا نعرف اي شئ عنه. ولا يعرف "أوار كونتاكتز" (الذين يمدوننا بمعلومات) اي شئ عنه. عرفنا انه اخ اللواء بالمعاش عثمان حسين الذي احاله نميري الى المعاش، ثم ارسله سفيرا الى يوغسلافيا. وحسب معلومات في ملفاتنا، نعتقد ان عثمان حسين كانت له علاقات بحزب الامة قبل انقلاب نميري سنة 1969...
هناك معلومات ان حسن حسين واخرين معه لهم صلات بالاخوان المسلمين، او، على الاقل، مع جماعات دينية يمينية. وكان مع الاخوان المسلمين عندما كان طالبا في مدرسة ثانوية في مديرية كردفان. ونعتقد ان لهذه الاشاعات صلة باعلان حسن حسين الغاء لوتري المباريات الرياضية ("توتوكوره") ...
قبل ان ينتصف النهار، سمعنا اصواتا مدافع وبنادق بالقرب من القصر الجمهوري، واعتقدنا، وكان اعتقادنا صحيحا، ان العسكريين المؤيدين لنميري يقاومون الانقلاب. ثم انتقل اهتمامنا الى الاذاعة والتلفزيون. لم يصاب اي امريكي باذى، وسمحنا للموظفين السودانيين، حسب طلبهم، ان يعودوا الى منازلهم ...
ليست هناك شكوك ان الشارع خرج تأييد لنميري. وايضا، ايد نميري القادة العسكريون والوزراء وكبار المسئولين. وقبل ان يعرفوا ان الانقلاب سيفشل، خرج متظاهرون يحملون صور نميري لمواجهة قوات حسن حسين التي كانت سيطرت على القصر الجمهوري. وحتى عندما اطلقت تلك القوات طلقات في الهواء، لم تقدر على ان تفرق المتظاهرين ... "
بداية الاحداث:
... بدأت الاحداث في الصباح الباكر، عندما سمعنا اصوات مدافع وبنادق. وصارت اذاعة امدرمان مصدر المعلومات الرئيسي بالنسبة لنا.
في السادسة والنصف صباحا، قدم راديو امدرمان الضابط حسن حسين عثمان الذي اعلن ان ثورة مايو فشلت، واعلن حل مجلس الوزراء، والاتحاد الاشتراكي السوداني، والامن القومي، ومجلس الشعب، والغي "توتوكوره". واعلن اطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين ...
كان اليوم هادئا لانه يوم جمعة.
في وقت لاحق، اعلن حسن حسين اطلاق الحريات العامة، واكد على حرية الصحافة، واستقلال القضاء، وحرمة الجامعات. كان مقررا ان يسافر نميرى الى كسلا في نفس الصباح. وخلال ساعات الصباح لم يكن يعرف مصيره.
ثم تحدث في الاذاعة محمد الباقر احمد، نائب نميري، وقال: "اسكت الى الابد صوت قائد محاولة الانقلاب." وكانت هناك اشاعات عن قتل نميري، لانه لم يتحدث بدلا عن نائبه. ولان حديثه في الاذاعة والتلفزيون، في الواحدة وخمسة واربعين دقيقة ظهرا، كان مسجلا ...
مما قال نميري: "هزمنا الشيوعيين، سنة 1971، وهزمنا تمرد الاخوان المسلمين سنة 1973، ومعهم نقابات العمال، وجامعة الخرطوم ... لم يكن عدد الضباط الذين اشتركوا في محاولة الانقلاب اليوم كاف لانجاحه ... لم يكن هدفهم الحكم، ولكن هز النظام، ووقف التقدم نحو الاشتراكية ... كانوا يريدون قتل نميري ليسقط النظام. لكن ثورة مايو ليست ثورة رجل واحد ... لم يهزم نميري وزملاؤه هذه المؤامرة، ولكن هزمها الشعب والقوات المسلحة، تأكيدا لتأييدهم لثورة مايو ... "
قبل نميري، كان ذهب الى الاذاعة، وتحدث فيها ضد محاولة الانقلاب زملاوه في انقلاب سنة 1969 الذي جاء بهم الى الحكم: ابو القاسم محمد ابراهيم، وخالد حسن عباس، ومامون عوض ابوزيد. بالاضافة الى احمد عبد الحليم، وزير الاعلام ... "
اليوم التالي:
التاريخ: 6-9-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: الانقلاب الفاشل
"اليوم، صدرت صحف الخرطوم تحمل اخبار الانقلاب الفاشل، وصور القتلى والجرحى وصور مظاهرات التأييد لنميري. وايضا، صورة حسن حسين يتعالج. قلنا امس انه قتل لان الباقر، نائب نميري، قال ذلك. ولأن اذاعة بغداد قالت ان احمد عبد الحليم، وزير الاعلام، قال ذلك ...
وايضا، نقلت الصحف برقيات التأييد من الرئيس المصري السادات، والملك السعودي خالد. وكان هناك ثلاثة وزراء في لندن، وايدوا نميري: منصور خالد، وزير التربية، ومصطفي عثمان حسن، وزير الاشغال، وبونا ملوال، وزير الدولة للاعلام. وفي القاهرة، ذهب السيد محمد عثمان الميرغني الى السفارة السودانية، واعلن تأييده لنميري ...
حسب معلوماتنا، كان نميري وزملاؤه يعرفون وجود اتصالات وتحركات داخل القوات المسلحة، لكنهم لم يعثروا على ادلة واضحة. ونميري نفسه قال: "كان ما حدث معروفا لي وللمؤسسات الامنية." لكنه قال ذلك وكأنه كان ينتظر وقوع الانقلاب. ونحن نعتقد انه بالغ في تصوير مدي معرفته بما كان يخطط ضده حسن حسين والذين تحركوا معه.
وقال نميري ان الجبهة الوطنية وراء الانقلاب، وهي التي تضم الاحزاب التقليدية: حزب الامة، الاتحادي الديمقراطي والاخوان المسلمين.
وعلمنا ان عبد الماجد ابو حسبو، من قادة الاتحادي الديمقراطي، كتب بيان الانقلاب، وساعده زميله احمد زين العابدين. عندما زار الرئيس السادات الخرطوم، كانت الشرطة اعتقلت حسبو وزين العابدين بتهمة توزيع منشورات مضادة ... "
اليوم الثالث:
التاريخ:7-9-1975
من: السفارة، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: نميري يخاطب الشعب
"تحدث نميري لسبعين دقيقة عن تفاصيل الانقلاب العسكري الفاشل. ومرة اخرى، اتهم الجبهة الوطنية. وسمي اسماء، منها:
احمد زين العابدين، وقال انه كان يريد ان يكون رئيسا للوزراء، وعبد الماجد ابو حسبو. وفيليب عباس غبوش الذي وصفه نميري انه عميل لاسرائيل. والشريف الهندي من الاتحادي الديمقراطي، وبابكر كرار من الاخوان المسلمين، والصادق المهدي وعمر نور الدائم من حزب الامة، وعز الدين على عامر من الحزب الشيوعي. وابوبكر العوض، وهو مذيع في الاذاعة السودانية، وحسب معلوماتنا كان بتعاون مع اذاعة "صوت امريكا".
وخاطب نميري القذافي واتهمه بأنه وراء المحاولة، وسأله اذا كان يقبل ان تكون الخرطوم قاعدة لمحاولة انقلاب في ليبيا.
وتحدث نميري عن اسلحة وعملات اجنبية، ومنشورات وزعت في جامعة الخرطوم، وقال انه امر بأغلاق الجامعة، وسيعيد فتحها تحت لواء الاتحاد الاشتراكي ... "
نميري محظوظ:
التاريخ: 17-9-1975
من: السفير ، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: نميري يصير قويا
"صار نظام نميري اكثر قوة بعد فشل الانقلاب العسكري، وذلك لأكثر من سبب:
اولا: فشل الانقلاب، وطبعا كان يمكن ان ينجح ويقضي على نميري.
ثانيا: هبت الجماهير لتأييد نميري، مثل الذين ذهبوا الى القصر الجمهوري وهتفوا ضد قوات حسن حسين قبل ان يعرفوا ان الانقلاب سيفشل.
ثالثا: التف حول نميري زملاؤه في مجلس قيادة الثورة السابق. وتحدث في الاذاعة يوم فشل الانقلاب ابو القاسم محمد ايراهيم الذي كان نميري يشك في تحالفه مع اليساريين. وايضا خالد حسن عباس الذي اعاده نميري لمواجهة ابو القاسم، ثم شك نميري فيه هو نفسه.
وهكذا، زادت ارصده نميري في علاقاته مع الرئيس المصري السادات، والملك السعودي خالد. وصار واضحا انه فقد اي امل في القذافي. وربما كان يشك في نواياه منذ البداية. لكن، كذب نميري عندما قال ان ليبيا ارسلت الاموال لصالح الانقلاب، وذلك لأنه تأكد، في وقت لاحق، ان الاموال من بنك السودان والسوق الحرة. ما تعادل ثمانية وسبعين الف دولار
وايضا، زادت اسهم نميري الداخلية. وصار معارضوه في وضع صعب، وقال لهم في وضوح ان من ليس معه فهو ضده. واعلن حملات تطهير تقضي على معارضيه. ودعا الى تعديل الدستور لمحاربة "اعداء الثورة". وصار واضحا ان السودان دخل مرحلة جديدة، تقل فيها الحرية اقل مما كانت، وتزيد فيها سلطة النظام اقوى مما كانت ... "
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
11-22-2009, 07:18 AM
الوثيقة الأمريكية السابعة عن نميري
انقلاب 25 مايو: هل كان انقلابا شيوعيا؟
هل كان بابكر عوض الله عميلا لمصر؟
بعد سبع حلقات عن نظام نميري من مقتطفات من وثائق وزارة الخارجية الامريكية من سنة 1975 (آخر سنة كشفت وثائقها)، تبدأ هذه الحلقات من البداية. من يوم 25 مايو 1969. يوم قاد نميري انقلابا عسكريا، والغى حكومة ديمقراطية انتخبت انتخابا حرا:
انقلاب شيوعي؟:
التاريخ: 25-5-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: انقلاب يساري
"بعد منتصف الليل بقليل، وقع اليوم انقلاب عسكري يساري بقيادة العقيد جعفر محمد نميري الذي صار رئيسا لمجلس قيادة الثورة ووزيرا للدفاع. وعين اليساري بابكر عوض الله رئيسا للوزراء.
حسب معلومات اولية غير مؤكدة وصلت الينا، يوجد ثلاثة شيوعيون في الوزارة الجديدة: فاروق ابو عيسى، جوزيف قرنق، والشبلي (؟). وهناك يساريون من الجناح اليساري للحزب الاتحادي الديمقراطي، حزب اسماعيل الازهري، رئيس مجلس السيادة الذي الغاه نميري.
اذا تأكد ان الشيوعيين وراء الانقلاب، او يسيطرون عليه، او يؤثرون عليه تأثيرا كبيرا، سيكون السودان اول دولة افريقية وعربية يسيطر عليها الشيوعيون ...
في نفس الوقت، تحرس دبابات ومصفحات القصر الجمهوري ...
حتى الآن، لا نعرف اذا كان الانقلاب يمثل فقط عددا قليلا من ضباط القوات المسلحة من قاعدة الخرطوم وقواعد مجاورة. لكننا عرفنا ان قواعد عسكرية في اماكن بعيدة لم تحدد مواقفها. واعلنت الاذاعة ان اللواء حمد النيل ضيف الله، نائب القائد العام، وينتمي الى حزب الامة، اختفى. وايضا اختفي ضباط كبار آخرون ...
الساعة الآن التاسعة صباحا، ولم يعلن حظر تجول، ولم نسمع باعمال عنف او اشتباكات في الشوارع. نلاحظ ان حركة السيارات في الشوارع عادية. ولم تقطع الكهرباء، لكن، من وقت لآخر، تقطع خطوط التلفونات ... "
تقيم الانقلاب:
التاريخ: 25-5-1969
من: قسم الاستخبارات والبحوث، وزارة الخارجية
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: انقلاب السودان اليساري
"حسب معلوماتنا، يحيط الخوف بالعقيد جعفر نميري وزملائه العسكريين الذين استولوا على الحكم اليوم في السودان. يخافون على ارواحهم، ومن حركة عسكرية مضادة من داخل نفس القوات المسلحة. الآن، هم يهددون بالقتل والسجن كل من يعارضهم، وكل من يمارس نشاطا سياسيا ضد ثورتهم.
نتوقع ان تقاوم الانقلاب، قريبا او بعيدا، طائفة الانصار الاسلامية ...
خلال الاربع سنوات الماضية، منذ نهاية عهد عسكري آخر بقيادة الفريق ابراهيم عبود، ظل النظام السياسي في السودان يتأرجح. وظل عدم الرضا عنه ينتشر. وظل يعتمد على تركيبة تاريخية اجتماعية دينية متوازنة تقريبا، بين طائفة الانصار التي تقودها عائلة المهدي، وطائفة الختمية التي تقودها عائلة الميرغني. مع مناورات ومؤامرات ومخابرات وتحالفات وتكتلات. مسرحها احزاب سياسية، ومحركها عائلات دينية.
خلال الفترة القصيرة الماضية، استطاع محمد احمد محجوب، رئيس الوزراء الذي عزله نميري، ان يحكم وكأنه يسير على سلك معلق في الهواء، متحاشيا القرارات الكبيرة التي ستهز ميزان القوى الديني السياسي. وفي ديسمبر، زادت مشاكل محجوب عندما اصيب بمرض قلب كاد ان يقتله ... "
الحزب الشيوعي:
التاريخ: 25-5-1975
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: طلب معلومات
"اشارة لبرقيتنا السابقة، هناك مؤشرات بان الانقلاب العسكري الذي وقع اليوم انقلاب شيوعي، ان لم يكن الشيوعيون يقفون وراءه، وان لم يكن يسيطرون عليه. نحتفظ نحن بمعلومات قليلة عن الحزب الشيوعي السوداني. وذلك لأن السفارة، في سنة 1967، احرقت كثيرا من وثائقها عندما اعلنت حكومة السودان قطع العلاقات الدبلوماسية معنا خلال حرب يونيو في تلك السنة.
نود ارسال مزيد من المعلومات لنا عن الشيوعيين السودانيين ..."
خليل عثمان:
التاريخ: 26-5-1969
من: السفير، الكويت
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: خليل عثمان
"اليوم وعلى جناح السرعة، طلب مقابلتي د. خليل عثمان، رجل اعمال سوداني يعيش في الكويت، ويدير شركة اسماك الخليج التي يملكها وزير خارجية الكويت. فعل ذلك كصديق قديم، ولأني سفير الولايات المتحدة هنا ...
قال انه سيسافر غدا الى السودان ليعارض الانقلاب العسكري.
وقال انه وقائد الانقلاب درسا معا، وانه يعرفه معرفة قويه، وان قائد الانقلاب وقع ضحية مؤامرة شيوعية منظمة.
وقال خليل عثمان انه غادر الخرطوم الليلة التي سبقت الانقلاب، ولم يكن يعرف انه الانقلاب سيحدث. وقال انه تحدث اليوم لفترة طويلة مع سفير السودان في الكويت، لكنه لم يقل لي تفاصيل الحديث.
وقال خليل عثمان انه لا يريد ان يتصل بالسفارة الامريكية في الخرطوم خوفا من المشاكل. لكنه قال انه مسافر الى هناك لمساعدة الذين يعارضون ما اسماها السيطرة المصرية الشيوعية على السودان. وقال ان الرجل الثاني في الانقلاب، بابكر عوض الله، رئيس الوزراء، شيوعي مصري ... "
عبد الخالق محجوب:
التاريخ: 27-5-1969
من: قسم الاستخبارات والمعلومات، وزارة الخارجية
الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: الحزب الشيوعي السوداني
(مقتطفات من تقرير)
"يوجد في الحزب الشيوعي السوداني ما بين خمسة وعشرة آلاف عضو، "ويل تريند كادر" (مدربون تدريبا جيدا)، ويدعمهم الاتحاد السوفيتي، وعندهم خبرة عشرين سنة، خاصة في العمل السري ...
خلال سنتي 1964 و1965 (خلال وبعد ثورة اكتوبر التي اسقطت حكومة الفريق عبود العسكرية) حاول الشيوعيون السيطرة على الحكم. لكنهم فشلوا. غير انهم استعملوا كل اساليبهم الفعالة في الاغراء، والرشوة، والابتزاز ...
رغم قلة حجمه، يقدر الحزب الشيوعي على كسب تأييد نسبة كبيرة من المثقفين، والعمال، والشباب، الذين يمكن ان يعتمد عليهم انقلاب نميري ...
يقود الحزب قيادة قوية عبد الخالق محجوب، السكرتير العام. وبسببه، حقق الحزب الآتي:
اولا: حافظ على موقف قوي مؤيد للروس ضد الصين في الصراع العقائدي والحدودي بين البلدين.
ثانيا: ايد غزو قوات المعسكر الشيوعي لتشيكوسلوفاكيا (سنة 1968) بعد ان كانت تمردت على سيطرة موسكو.
ثالثا: اسكت نقد اعضائه لروسيا لأنها، خلال الحرب بين العرب واسرائيل (سنة 1967) لم تتدخل لمنع اسرائيل من هزيمة العرب واحتلال اراضي عربية.
في الجانب الآخر، كافأ الروس ولاء الحزب الشيوعي السوداني بتمويل نشاطات الحزب، وتمويل وزيارات قادته للخارج.
لكن، خلال السنوات القليلة الماضية، تنازع قادة الحزب، وتنافسوا للسيطرة عليه. في سنة 1968، ظهر اول تحدي رئيسي لعبد الخالق محجوب من داخل اللجنة المركزية، لسببين:
اولا: زواجه من عاهرة.
ثانيا: اصراره على معارضة حذرة، بدون مواجهة، لحكومة الاحزاب الطائفية.
وقبيل انقلاب نميري، كان اربعة، على الاقل، من اعضاء اللجنة المركزية يريدون عزل عبد الخالق محجوب، وهم:
اولا: الشفيع احمد الشيخ، اكبر قائد نقابي في السودان.
ثانيا: فاروق ابو عيسى، عينه نميري وزير دولة.
ثالثا: احمد سليمان، الآن سفير في موسكو.
رابعا: د. الطاهر عبد الباسط (؟) ...
الآن، يبدو ان جناح عبد الخالق والجناح المعارض تصالحا مؤقتا بهدف زيادة نفوذ الحزب في حكومة نميري. لكن، في المستقبل القريب، يوجد احتمال تحدي جديد لقيادة عبد الخالق محجوب ... "
اندريه ميخالوف:
التاريخ: 28-5-1969
من: وزارة الخارجية، واشنطن
الى: السفير، الخرطوم
صورة الى: السفير، موسكو
الموضوع: انقلاب السودان
"اليوم في زيارة غير متوقعة، جاء الى وزارة الخارجية اندريه ميخالوف، مستشار في السفارة الروسية هنا في واشنطن، وقابل المسئول عن الشرق الادني ومصر. وصار واضحا انه يتلصص للحصول على معلومات عن انقلاب السودان.
قال ان سفارتهم في واشنطن لم تتسلم اي معلومات عن الانقلاب، لا من سفارتهم في الخرطوم، ولا من رئاسة وزارة خارجيتهم في موسكو.
فهمنا منه انه يعتقد اننا نعتقد ان الانقلاب مؤامرة روسية ...
وقال له المسئول الامريكي انه يرى ان نميري، بصورة عامة، شاب سوداني وطني. لكن، يوجد اطباع مؤكد ان الانقلاب يساري، وذلك لسببين:
اولا: بيانات وسياسات الانقلابيين.
ثانيا: يرتبط عدد من الوزراء بالحزب الشيوعى السوداني.
وسأل ميخالوف اذا كان قادة الانقلاب اليساريون يميلون نحو روسيا او نحو الصين. وقال له المسئول انه لا يعرف. لكن، ربما تعرف السفارة الروسية في الخرطوم، ولهذا اقترح عليه الاتصال بسفارتهم في الخرطوم ... "
بابكر عوض الله:
التاريخ: 28-5-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: بابكر عوض الله
"خلال السنتين الماضيتين، عرفت معرفة قوية بابكر عوض الله، الذي صار رئيس وزراء الانقلاب العسكري، وزوجته. قابلتهما كثيرا في مناسبات اجتماعية في منازل اصدقاء مشتركين. وقبل شهر، جاءا الى منزلي للعشاء بدعوة مني. وكان جزءا كبيرا من نقاشي معه عن مشكلة الشرق الاوسط، وخاصة اسرائيل، وخاصة سياستنا نحوها.
يؤيد الفلسطينيين بدون حدود. واتوقع ان يقدم، كرئيس للوزراء، كل دعم للفدائيين الفلسطينيين. وقال امس في تصريح صحافي ان العرب يجب الا يتصالحوا مع اسرائيل. والا يتنازلوا عن شبر واحد من اراضيهم. وان يعيدوا الى الفلسطينيين ارضهم وممتلكاتهم ...
ويتلخص انطباعي عنه في انه سوداني ملخص وقومي عربي. وقبل الانقلاب العسكري، ثم بعده خلال اليومين الماضيين، تحدثت مع اصدقاء له، وكلهم اكدوا انه يساري، لكنه ليس شيوعيا.
احيانا، يصف هو نفسه بوصف "ماركسي"، لكنه يسارع ويقول انه لا ينتمى الى الحزب الشيوعي، ولا يتبع خط موسكو. ربما يمكن وصفه بأنه "يساري جديد." و"معادي للامبريالية". وانتقد كثيرا سياستنا نحو كوبا وفيتنام، وقال اننا لا نملك حق التدخل في شئون الدول الاخرى.
لم اسمعه ينتقد التدخل الروسى في تشيكوسلوفاكيا، لكنى اتوقع انه كان سيعارضه بنفس المستوى.
على اي حال، يؤمن ايمانا قويا بأراء معينة في السياسة الخارجية ...
ليس مناكفا او عنيفا. وعكس كثير من السودانيين، يمكن اجراء نقاش هادئ وعقلاني معه رغم الاختلاف في الآراء.
في الماضي، كانت له علاقات وثيقة مع مصر. وتشبه اغلبية آراؤه اراء الحكومة المصرية ...
ونملك ادلة قوية انه كان عميلا لمصر في السودان ...
رغم ذلك، خلال مناقشاتي معه، كان ينتقد المصريين. واحساسي العام هو انه يؤيد السياسة المصرية في العالم العربي، لكنه لا يريد لمصر ان تسيطر على السودان. ومرة قال لرجل اعمال سوداني شريكه في تجارة، وايضا صديقي، انه لا يريد اقامة علاقات تجارية مع المصريين لأنه يرفض ان يسيطروا عليه ...
انه يقدس العمل، ويحس بالمسئولية. ومرات كثيرة انتقد سياسيين سودانيين، واتهمهم بالفساد، واستغلال مناصبهم للاثراء الشخصي. يقال عنه انه شخصيا نزيه، ولا تشوبه شائبه، ويعيش حياة متواضعة. وحسب معلومات رجل الاعمال صديق الطرفين، ليس ثريا، ولكنه متوسط الحال ...
كصديق، سيكون سهلا علينا الاتصال به والحديث معه. عكس شخصيات مثل الشيخ على عبد الرحمن الذي كان وزيرا في وزارة محمد احمد محجوب التي الغاها انقلاب نميري. لكن، لا يوجد اي شك عندي بأن علاقات الصداقة التي تربط بيننا لم، ولن ، تكن عائقا امامه لتنفيذ مسئولياته، واداء واجبه ... "
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
11-25-2009, 05:30 AM
الوثيقة الأمريكية الثامنة عن نميري:
ردود فعل انقلاب 25 مايو:
السعودية تعارض، وتفضل حزب الامة
عارض السعوديون، وقلق الامريكيون، وفرح الروس، وتردد المصريون، وخاف الكونغوليون، وحذر الاثيوبيون، واستعد حلف الناتو
في الحلقة السابقة من هذه المقتطفات من الوثائق الامريكية، تابعت السفارة الامريكية في الخرطوم انقلاب 25 مايو سنة 1969، بقيادة العقيد جعفر نميري، منذ اول يوم. وقالت ان الانقلاب يساري. وهناك مؤشرات انه اما شيوعي، او سيطر عليه الشيوعيون، او اثروا عليه.
وفي اول يوم، ارسل قسم الاستخبارات والبحوث في وزارة الخارجية تقريرا الى السفارة عن معلومات في ملفاته عن قادة الانقلاب، وعن الحزب الشيوعي السوداني، وعن تمرد داخل الحزب ضد عبد الخالق محجوب، الامين العام لأنه هادن الاحزاب التقليدية التي كانت تحكم السودان.
قبل انقلاب نميري، كان هناك تحالف بين الحزب الاتحادي وحزب الامة. وكان اسماعيل الازهري، رئيس الحزب الاتحادي، رئيسا لمجلس السيادة، ومحمد احمد محجوب، من قادة حزب الامة، رئيسا للوزراء.
كانت حكومة ديمقراطية، انتخبها السودانيون انتخابا حرا. لكن، تأمر ضدها نميري وزملاؤه، وحلفاؤه ...
في هذه الحلقة، ردود فعل اجنبية لانقلاب نميري:
قلق الامريكيون، وعارض السعوديون، وفرح الروس، وتردد المصريون، وخاف الكونغوليون، وحذر الاثيوبيون، وتنبأ حلف الناتو بأن نميري سيبقى في الحكم فترة طويلة.
قلق الامريكيون:
التاريخ: 28-5-1969
من: قسم الاستخبارات والبحوث، رئاسة الخارجية
الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: انقلاب يساري
"حسب معلوماتنا، يبلغ عمر العقيد (الآن اللواء) جعفر محمد نميري الذي قاد الانقلاب العسكري في السودان، 39 سنة.
عزل حكومة برلمانية ديمقراطية، لكنها لم تكن فعالة. واستفاد من تذمر عام ضد الحكومة في المدن وداخل القوات المسلحة. وربما سيقدر نميري على كسب مزيد من التأييد لانه وعد بتغييرات "راديكالية" (جذرية) في الداخل، وقومية عربية "اكستريم" (متطرفة) في الخارج.
وحسب معلوماتنا، لابد ان تعارض نميري الاحزاب التقليدية التي كانت تحكم السودان، وخاصة الانصار، وهم "سترونقلي ناشوناليست" (وطنيون جدا). لكنهم، حتى الآن، لم يفيقوا من مفاجاة الانقلاب، وتنفيذه الدقيق، وترتيبه المنظم.
على اي حال، ولأول مرة في تاريخ السودان، تولى الحكم جيل جديد وحديث، غير جيل القادة السياسيين والعسكريين التقليديين، ذوي الميول الاسلامية.
بالاضافة الى نميري، يوجد في مجلس قيادة الثورة سبعة عسكريون، ومدني واحد، هو بابكر عوض الله، رئيس الوزراء ووزير الخارجية. ومنذ البداية ظهر عوض الله، وعمره 51 سنة، كمتحدث بأسم الانقلاب. وقال ان الانقلابيين يريدون اصلاحات اقتصادية جذرية، والقضاء على الفساد، وسياسة عربية متطرفة.
وفعلا، اعلن عوض الله تأسيس اول علاقة دبلوماسية بين السودان والمانيا الشرقية (الشيوعية)، وقال ان سبب ذلك هو تأييدها للقضية العربية.
داخل مجلس الوزراء، بالاضافة الى عوض الله، صار نميري وزيرا للدفاع، وفاروق حمد الله وزيرا للداخية. وغيرهم، هناك 18 وزيرا يساريا وشيوعيا. لا يزال، او كان، سبعة منهم اعضاء في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي. وينتمي الباقون الى اقصى يسار التركيبة السياسية في السودان.
وسيضمن الوزراء الشيوعيون تأييد الحكومة لما بين خمسة وعشرة آلاف عضو شيوعي. بالاضافة الى كثيرين يعطفون عليهم في المدن، ووسط نقابات العمال واتحادات الطلاب والشباب.
ولانه لا يوجد مسئول في النظام الجديد يتمتع بتأييد قبلي او طائفي، مثل اغلبية السودانيين، يجب على النظام الجديد الاعتماد على ولاء القوات المسلحة (ستة وعشرين الف جندي) ... "
عارض السعوديون:
التاريخ: 31-5-1969
من: السفير، جدة
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: انقلاب السودان
"امس، قابلت عمر السقاف، وزير دولة للشئون الخارجية، وتحدثنا عن انقلاب السودان. وهو قال ان السعودية حذرت الحكومة الامريكية مرات كثيرة بأن عدم حل المشكلة بين العرب واسرائيل، وعدم الضغط على اسرائيل لتنسحب من الاراضي العربية المحتلة، سوف يكونا سبب توترات، وانقلابات، واهتزازات في كثير من الدول العربية.
وقال، لهذا السبب، سقطت حكومات معتدلة في دول عربية كثيرة، وجاءت بدلا عنها حكومات يسارية. وقال: "حتى شاه ايران ربما لن يقدر على مواجهة هذه الموجة اذا استمرت هكذا."
وقال ان الملك فيصل شخصيا غاضب جدا على انقلاب نميري. وان الملك، خلال السنوات القليلة الماضية، كان يساند حزب الامة مساندة قوية، وهو حزب تقليدي في السودان. ومرات كثيرة، توسط الملك لانهاء الخلاف داخل الحزب بين الصادق المهدي وعمه الامام الهادي المهدي ...
وقال ان السعوديين استخدموا نفوذهم واموالهم لتحقيق هذا الهدف. وحتى قبل اسابيع قليلة، كانوا يتوقعون انتهاء الخلاف، وتوحيد كلمة الحزب، وسيطرة الحزب على الحكم دستوريا. لكن، بعد انقلاب نميري، تغير كل شئ ...
ويبدو واضحا ان السعوديين يفرقون بين حزب تقليدي وحزب تقليدي، اي انهم يؤيدون حزب الامة، لكنهم لا يتحمسون للحزب الاتحادي. يرونه قريبا من المصريين، ولا يرتاح السعوديون للمصريين.
وقال السقاف ان السفير السعودي في الخرطوم ارسل، قبل يوم واحد، تقريرا بان انقلاب نميري لا يتمتع بتأييد قوي. وان قواعد عسكرية خارج الخرطوم، وخاصة في الجنوب، لم تؤيد الانقلاب.
وقال ان تسعة من الوزراء الذين عينهم نميري شيوعيون. والباقون يساريون. وان كل الوزراء السابقين اعتقلوا، ما عدا ثلاثة هربوا (الشريف الهندي، وعبد الحميد صالح، والرشيد الطاهر).
وان الصادق المهدي اعتقل، لكن الهادي المهدي، عمه وامام الانصار، موجود في جزيرة ابا. ويخطط لتحدي حكومة نميري العسكرية ...
وسألت انا السقاف اذا كانت اخطاء حكومة الاحزاب التقليدية هي التي سببت عدم رضى في الشارع السوداني، ومهدت لانقلاب نميري. واجاب: قال هذا صحيح. لكنه عاد الى رأيه الاول بأن عدم حل المشكلة بين العرب واسرائيل تهدد كل الحكومات العربية المعتدلة ...
رأينا:
اولا: نعتقد ان السعوديين يأملون ان تتحرك الاحزاب التقليدية سريعا، وتوحد كلمتها، وتسقط حكومة نميري.
ثانيا: لكن، يعرف السعوديون انه كلما بقى نميري في الحكم مدة اطول، كلما رسخ قدميه، وكلما صار تغييره صعبا ... "
فرح الروس:
التاريخ: 27-5-1969
من: السفير، موسكو
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: ردود الفعل لانقلاب السودان
"نشرت الصحف الرئيسية هنا اخبار انقلاب السودان، لكن بدون تعليقات. وركزت وكالة "تاس" على تصريحات بابكر عوض الله، رئيس الوزراء ووزير الخارجية، عن سوء الوضع الاقتصادي في السودان. وعن "خطة علمية" لحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية. وعن "النضال ضد الامبريالية."
رأينا:
اولا: رغم ان ردود فعل الروس حذرة، واضح انهم سعداء بتصريحات عوض الله عن "الامبريالية" و "الخطط العلمية".
ثانيا: تعمد الروس عدم التركيز على تصريحات عوض الله المتشددة حول القضية الفلسطينية، ربما لأنهم لا يريدون مزيدا من المزايدات العربية ... "
اهتم البلغار:
التاريخ: 29-5-1969
من: السفير، صوفيا
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، موسكو، السفير، الخرطوم
الموضوع: انقلاب السودان
"اهتم البلغار بانقلاب السودان ربما ليس لسبب آخر غير ان رئيسهم كان زار السودان في يناير، وذلك ردا على زيارة لبلغاريا كان قام بها، قبل سنتين، الرئيس السوداني السابق اسماعيل الازهري ...
وركز الاعلام البلغاري على ثلاث نقاط اعلنها نميري: اولا: اعترف بالمانيا الشرقية الشيوعية. ثانيا: غير اسم بلده الى "جمهورية السودان الديمقراطية". ثالثا: ايد القضية العربية الفلسطينية ... "
اهتم البلغار:
التاريخ: 29-5-1969
من: السفير، صوفيا
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، موسكو، السفير، الخرطوم
الموضوع: انقلاب السودان
"اهتم البلغار بانقلاب السودان ربما ليس لسبب آخر غير ان رئيسهم كان زار السودان في يناير، وذلك ردا على زيارة لبلغاريا كان قام بها، قبل سنتين، الرئيس السوداني السابق اسماعيل الازهري ...
وركز الاعلام البلغاري على ثلاث نقاط اعلنها نميري: اولا: اعترف بالمانيا الشرقية الشيوعية. ثانيا: غير اسم بلده الى "جمهورية السودان الديمقراطية". ثالثا: ايد القضية العربية الفلسطينية ... "
خاف الكونغوليون:
التاريخ: 29-5-1969
من: السفير، كنشاسا
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: انقلاب السودان
"اليوم، قابلت وزير خارجية الكونغو كينشاسا، وهو قال لى انهم لا يعرفون كثيرا عن الانقلاب العسكري في السودان. وانه قابل سفير اسرائيل في الكونغو، وطلب منه معلومات عن الانقلاب ...
وقال الوزير ان الرئيس الكونغولي موبوتو قلق بسبب انقلاب السودان. وخائف من توتر على الحدود بين البلدين، وخاصة لوجود متمردين ولاجئين وسط "السمبا" الكونغولين في جنوب السودان، وعددهم ستة آلاف شخص ...
وقال الوزير ان الرئيس موبوتو لن يستغرب اذا تدهورت العلاقات مع السودان مع انقلاب نميري ...
رأينا:
اولا: هناك سبب آخر له صلة بشخصية الرئيس موبوتو وكبريائه، وهو غضبه على عزل الرئيس السوداني الازهري بعد ايام قليلة من عودته من الكونغو، حيث كان ضيفا خاصا على موبوتو ... "
حذر الاثيوبيون:
التاريخ: 28-5-1969
من: السفير، اديس ابابا
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: انقلاب السودان
"امس، قابلت كيتيما، وزير خارجية اثيوبيا، وقال ان بلاده قلقة على اللون الشيوعي المتزايد لانقلاب السودان. واشار الى اعتراف الانقلاب بالمانيا الشرقية (الشيوعية)، وموافقة هذه على مساعدة السودان في المجالين العسكري والامني.
وقال انه يبدو ان اقلية في السودان هي التي سيطرت على الحكم، وانها، لهذا، ستعمل على زيادة قوتها العسكرية والامنية. وان حشد اي حكومة سودانية لقواها العسكرية يهدد الدول المجاورة لها، مثل اثيوبيا.
لهذا، قال ان اثيوبيا ستنظر في حذر لما يحدث في السودان.
ولاحظ ان حكومة الاحزاب التقليدية في السودان لم تكن حاسمة، ولهذا لم تحل كثير من المشاكل المعلقة بين البلدين. وان حكومة نميري، رغم كل شئ، عسكرية ويسهل التعامل معها.
وتوقع الا تسكت الاحزاب التفليدية، وخاصة حزب الامة. وتوقع انقلابا مضادا. وقال ان اعتقال الصادق المهدي سيؤجل اي حركة مضادة في الوقت الحالي، لكن، في المستقبل البعيد، لابد ان يحدث ذلك ... "
حلل اللبنانيون:
التاريخ: 29-5-1975
من: السفير، بيروت
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: انقلاب السودان
"خلال الايام القليلة الماضية، اهتمت الصحف اللبنانية اهتماما كبيرا جدا بانقلاب السودان. وابرزت تصريحات نميري وبابكر عوض الله عن الميول اليسارية للانقلاب. والاعتراف بالمانيا الشرقية (الشيوعية). ووصف سوريا انها "قائدة المعسكرة العربي الثوري التقدمي." وتأييد الفلسطينيين تأييدا قويا ...
وجاءت التعليقات حسب الميول العقائدية لكل صحيفة: اشادت صحف اليسار بالانقلاب، وقالت انه سيقوي المعسكر العربي التقدمي. لكن، انتقدت الانقلاب صحف اليمين، وخاصة المسيحية، وقالت انه يضعف الدول العربية ..."
تنبأ حلف الناتو:
التاريخ: 29-5-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: حلف الناتو
"امس، اجتمع هنا سفراء دول حلف الناتو في الخرطوم، وناقشوا الانقلاب العسكري، واتفقوا على ان حكومة نميري يسارية، وفيها نفوذ شيوعي. وان الاعتراف بالمانيا الشرقية يزيد اهتمام حلف الناتو، ويجعله يحرص على متابعة الموقف متابعة دقيقة. لكن، اتفق السفراء على ان حكومة نميري تسيطر سيطرة كاملة على الوضع. وانها ستقدر على حكم السودان لفترة طويلة ... "
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
11-26-2009, 07:52 AM
الوثيقة الأمريكية التاسعة عن نميري:
فلسفة نميري:
"لست اشتراكيا متطرفا. انا تقدمي وقومي عربي"
غندور: نميري ليس ذكيا، وزملاؤه "رؤوسهم فارغة"
خليل عثمان: رشاوي الشريف الهندي
في الحلقة السابقة، عرضت هذه المقتطفات من وثائق وزارة الخارجية الامريكية ردود فعل اجنبية للانقلاب العسكري يوم 25 مايو سنة 1969، والذي قاده العقيد جعفر نميري، واسقط حكومة ديمقراطية انتخبها السودانيون انتخابا حرا:
خاف الاميركيون من ان الانقلاب شيوعي او يسيطر عليه الشيوعيون. وعارضه السعوديون، وقالوا انهم يفضلون حكومة حزب الامة. وتردد المصريون لانهم وجدوه خليطا من قومية عربية وشيوعية. وحذر الاثيوبيون من حكومة يسارية على حدودهم. وخاف الكونغوليون من تأييد ثوار "السمبا" اليساريين. وفرح الروس، وايضا فرحت دول في شرق اروبا لان نميري اعترف بحكومة المانيا الشرقية (الشيوعية)، الخ ..
خليل عثمان:
التاريخ: 6-6-1969
من: السفير، بيروت
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم، السفير، الكويت
الموضوع: خليل عثمان
"اليوم، جاء لزيارتنا للحديث عن انقلاب السودان د. خليل عثمان. يرجي المحافظة على سرية اسمه. انه رجل اعمال سودني مرموق، ويدير شركة "قولف انترناشونال" في الكويت.
قال انه عاد امس من السودان، وقابل بعض قادة الانقلاب، واشترك في مناقشات خاصة عن سياساتهم. وقال انهم خططوا للانقلاب تخطيطا مبكرا، ومحكما. وقاد التخطيط شيوعيون استغلوا عدم رضى كثير من العسكريين والمثقفين عن حكومة الاحزاب التقليدية، وشللها، وفسادها. وخاصة"فيناليتي" (رشاوي) الشريف الهندي، وزير المالية السابق.
وقال خليل عثمان ان قادة الانقلاب قالوا له انهم ليسوا شيوعيين، ولكن وطنيين اشتراكيين. لكنه يعتقد ان اغلبيتهم تأثرت بالشيوعيين. وان الشيوعيين منظمون، وعندهم اقوى حزب شيوعي في افريقيا وفي الشرق الاوسط. ولهذا، سيستغلون الانقلاب لزيادة نفوذههم.
وقسم خليل عثمان قادة الانقلاب الى ثلاثة اقسام: العسكريين (مثل نميري)، والمؤيديين لمصر (مثل بابكر عوض الله)، والشيوعيين (مثل هاشم العطا وبابكر النور). وقال ان العسكريين يسيطرون الأن على الباقين. لكن، يزيد الشيوعيون نفوذهم في سرعة هائلة، وقريبا سيقدرون على السيطرة على النظام.
ونصحنا خليل عثمان ان نتابع الخطر الشيوعي في السودان. وقال: "اذا كنتم تعتقدون ان جمال عبد الناصر يسبب لكم مشاكل، انتظروا لتروا ماذا سيفعل الشيوعيون السودانيون عملاء روسيا." وقال ان هناك عسكريين لا يريدون الشيوعيين، واشار الى اجتماعات بعضهم مع الصادق المهدي، زعيم حزب الامة، الذي ذهب الى الخرطوم، ولكن، بعد اجتماعات استمرت يومين، اعتقل، ووضع في السجن ... "
الصادق المهدي:
التاريخ: 9-6-1969
من: قسم الاستخبارات والابحاث، وزارة الخارجية
الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: الصادق المهدي
"يوم 5-6، وبعد اسبوعين في الحكم، اعتقل قادة انقلاب السودان الصادق المهدي، زعيم حزب الامة، وكان رئيس وزراء خلال سنتي 1966-67. يوضح هذا تصميم هؤلاء الضباط الشباب على انهاء سيطرة الاحزاب التقليدية الدينية، وتاسيس مجتمع علماني حديث. وعلى الاعتماد على الحزب الشيوعي، المنظم تنظيما جيدا، لمساعدتهم في تحقيق ذلك ...
نرسل لكم معلومات عن الصادق المهدي ...
لابد من التركيز على اعمار هؤلاء الضباط الشباب. اقل من خمسين منهم هم الذين خططوا ونفذوا الانقلاب. وسارعوا بعزل كل ضابط اعلى منهم مرتبة ...
ويوم 2-6- نظم لهم الشيوعيون واليساريون موكبا كبيرا في الخرطوم، اوضح تاييد سكان المدن في شمال السودان لهم. واشترك في الموكب مهنيون وطلاب ونقابات عمالية ...
حتى الأن، يبدو ان المعارضة الظاهرة جاءت من حزب عقائدي صغير، هو الاخوان المسلمين. لكن، سارع النظام واعتقل قادتهم ... "
عبد الله غندور:
التاريخ: 12-6-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: عبد الله غندور
"امس، قابلنا عبد الله غندور، وكيل سابق لوزارة المالية، ومدير شركة الاستثمارات والاستشارات السودانية ...
سألناه عن دور الشيوعيين في انقلاب نميري.
اصر، وكرر، بأن الحزب الشيوعي السوداني لم يشترك في الانقلاب. ولم يؤيده. بل ناقش امكانية اصدار بيان يعارضه. لكن، ايد الحزب الانقلاب لسببين:
اولا: لاحظ تاييد اعضائه وجماهيره المتحمس له.
ثانيا: خاف من ان فشله سيكون كارثة عليه، على الحزب ...
وسألنا غندور عن اشتراك وزراء شيوعيين في وزارة نميري.
كرر بانهم لم يشتركوا في تخطيط وتنفيذ الانقلاب. ولكن اختارهم بابكر عوض الله رئيس الوزراء. بدون تخطيط مسبق، وبدون دراسة تفصيلية مع قادة الانقلاب. ربما لأنهم كانوا اشتركوا في قيادة ثورة اكتوبر التي عزلت حكومة الفريق عبود العسكرية (سنة 1964). وكان عوض الله تعاون معهم في ذلك الوقت، ويراهم تقدميين، ويريد العودة الى سياسات ثورة اكتوبر التقدمية، قبل ان تسيطر عليها الاحزاب التقليدية والدينية ...
وسألنا غندور عن بابكر عوض الله نفسه.
قال انه ليس شيوعيا. ولن يسمح للشيوعيين بالسيطرة على الوزارة. وانه ناصري، واكثر ناصرية من الرئيس المصري عبد الناصر نفسه. لكن، اذا زاد نفوذ الشيوعيين في الوزارة، سيتخلصون منه ...
وسألنا غندور اذا كان عوض الله سيريد من الاحزاب التقليدية تأييد للانقلاب.
قال ان ذلك مستحيل، لان الانقلاب يساري، ولأن الشيوعيين اقوياء جدا ومنظمون جدا.
وسألنا غندور عن الضباط العسكريين الذين قادوا الانقلاب.
قال ان اغلبيتهم "امتي هيديد" (رؤوسهم فارغة). ولم ينل اي واحد منهم شهادة جامعية. ولا يملكون خبرات مفيدة. ورغم ان اغلبيتهم من الشباب الذين يميلون نحو اليسارية والتقدمية، ليسوا شيوعيين منتظمين ...
وسالنا غندور عن نميري نفسه.
قال انه ربما يملك خبرات اكثر من الباقين. لكن، ليس ذكاؤه عاليا. وخلفيته انصارية، وتميل نحو اليمين. ولو كان الامر بيده، ربما كان تفاوض وتحالف مع الصادق المهدي ... "
نميري:
التاريخ: 11-6-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: مقابلة صحافية مع نميري
"اليوم، نشرت جريدة "الصحافة" نص المقابلة التي اجرتها مع نميري جريدة "الجمهورية" المصرية. وتحدث فيها عن تنظيم الضباط الاحرار، وتخطيط وتنفيذ الانقلاب. وفي سؤال عن فلسفته السياسية، قال، وكانه يستهزأ، انه تاثر بالثقافة الاميركية، عندما درس في مدرسة الاركانحرب في قاعدة فورت ليفنويرث (في ولاية كنساس) سنة 1965.
وقال ان "لونه السياسي" هو انه "ليس ليبراليا" ولكن "تقدميا". وانه "اشتراكي لكن ليس متطرفا" و "قومي عربي."
نرسل لكم نص المقابلة كما ترجمتها "يو اس آي اس" (المكتبة الامريكية).
(مقتطفات):
س: يبدو لى انك تأثرت بميول معينة في فلسفتك السياسية. ما هي؟
ج: لم افهم السؤال.
س: هل فلسفتك فلسفة اشتراكية؟
ج: لا.
س: ما هي اذن؟
ج: امريكية.
س: قلت له بصوت عال وفي دهشة: هل قلت ان فلسفتك امريكية؟
ج: نعم. درست في اكاديمية عسكرية في امريكا. لكن، لا تقدم المدارس فلسفات كاملة. انا اؤمن بان الحياة هي الجامعة الاولى. لهذا، كونت قراءاتي في الكتب الغربية والشرقية فلسفتي في الحياة.
س: ما هو لونك السياسي؟
ج: لم افهم السؤال.
س: ما هي آراؤك السياسة. احسست من هذه المقابلة معك انك لست ليبراليا. هل هذا صحيح؟
ج: لست ليبراليا.
س: ماذا اذن؟
ج: ليس عندي لون سياسي. اريد اتباع سياسة تعطي الناس حقوقهم. يمكن ان تصفني باني "تقدمي".
س: تعني "تقدمي" اشياء كثيرة. هل اقدر على وصفك بانك "اشتراكي"؟
ج: "اشتراكي ليس متطرفا".
س: هل انت اشتراكي عربي؟
ج: ليس مثل ما في "الاتحاد الاشتراكي العربي" (المصري). انا عربي، قومي عربي ... "
خليل عثمان، مرة اخرى:
التاريخ: 11-6-1969
من: السفير، الكويت
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم، السفير، بيروت
الموضوع: خليل عثمان
"امس، جاء لزيارتي رجل الاعمال السوداني الذي يعمل هنا، في الكويت، د. خليل عثمان. الرجاء المحافظة على سرية اسمه.
كان زارني بعد انقلاب السودان، وقدم لي معلومات عنه. ثم سافر الى السودان. ثم الى بيروت حيث قابل السفير الامريكي هناك (الرسالة اعلاه).
هذه المرة، قال لى انه تحدث مع نميري، زميله في الدراسة. وكسب ثقته، واثر عليه تأثيرا كثيرا. ويريد منه ان يطور السودان بالتعاون مع الغرب، وليس بالتعاون مع الشرق.
وقال انه واجه نميري وتسعة من اعضاء مجلس قيادة الثورة. وسألهم في تحدي: لماذا اعترفتم بالمانيا الشرقية؟ ماذا ستقدم لكم دولة شيوعية فقيرة؟ لماذا لا تتعاونون مع اميركا كما يتعاون معها الكويتيون والسعوديون؟ وكما اتعاون معها انا نفسي ا؟ لماذا كل هذا الهجوم على الامبريالية؟ الا اتعاون انا الآن مع هذه الامبريالية؟ هل تعلمون ان الامبرياليين هم الذين يمولون مشاريعي في الكويت وفي السودان؟ ماذا سيقدم لكم المصريون؟ انهم انفسهم يحتاجون الى الامريكيين؟ لماذا سمحتم لبابكر عوض الله بتشكيل وزارة من الشيوعيين والموالين لمصر؟ من اين سياتون برؤوس اموال لتطوير السودان؟
وقال خليل عثمان انه، بعد ساعة ونصف ساعة من النقاش، طلب منه نميري ان يتحدث الى اجتماع مشترك لمجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء. وفعلا، بعد يومين قابلهم، وكرر لهم نفس الأراء السابقة. وقال ان نميري طلب منه ان يجرى اتصالات مع البنك الدولي لتمويل مشاريع استثمارية في السودان.
وقال لي خليل عثمان انه سيسافر، بعد اسبوع، الى نيويورك وواشنطن ليحاول مقابلة ماكنمارا، مدير البنك الدولي، لكسب تاييد البنك لدعم السودان. مثل: قرض 157 مليون دولار لمشروع شرق النيل الازرق. وطائرات "بوينق" للخطوط الجوية السودانية. ومشاريع سكة حديد، ودواجن، واسماك. وقال ان الكويتيين سيكونون مستعدين للمساعدة والمساهمة لتنمية هذه الدولة الهامة في افريقيا ...
اقترحت عليه، عندما يزور واشنطن، ان يقابل جون قاتش، مسئول الشرق الادني في الخارجية، الذي يعرفه ويثق فيه ... "
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
12-05-2009, 12:09 PM
الوثيقة الأمريكية العاشرة عن نميري:
الميرغني: ايدت نميري بشروط
ويريد تحسين علاقة الختمية مع امريكا
السفير الامريكي: "ولدا الميرغني ليسا من الاذكياء "
منصور خالد: حكومة قادرة وملتزمة
في الحلقة السابقة من هذه الوثائق الاميركية، وردت ردود فعل، بعد ايام قليلة من الانقلاب العسكري، يوم 25 مايو سنة 1969، الذي قاده العقيد جعفر نميري، واسقط حكومة ديمقراطية انتخبها السودانيون انتخابا حرا:
نقلت الوثائق مقابلة، بعد اسبوعين من الانقلاب، اجراها صحافي مصري مع نميري، وساله عن فلسفته السياسية. وتلعثم نميري. مرة قال انها امريكية (لانه كان درس في كلية عسكرية في امريكا). ثم قال انه ليس ليبراليا. ثم قال انه اشتراكي، لكن ليس متطرفا. ثم قال انه تقدمي، وقومي عربي.
ونقلت الوثائق قول خليل عثمان، رجل اعمال سوداني كان يعمل في الكويت، ان الشريف الهندي، وزير المالية في الحكومة التي اسقطها نميري، كان يرتشي. وقول عبد الله غندور، وكيل سابق لوزارة المالية، ان نميري لم يكن ذكيا، وان زملاءه في مجلس قيادة الثورة لم يدرسوا الجامعة، و"رؤوسهم فارغة".
في هذه الحلقة وثائق عن السيد محمد عثمان الميرغني، زعيم طائفة الختمية، ومنصور خالد، وزير الشباب في حكومة الانقلاب، وغيرهما:
محمد عثمان الميرغني:
التاريخ: 21-6-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
لللعلم: السفير، لاهاي
الموضوع: مقابلة الميرغني
"ليلة امس، دعاني السيد محمد عثمان الميرغني، زعيم طائفة الختمية، لعشاء خاص في بيته، وكان هناك اخوه احمد الميرغني. ولاكثر من ساعتين، تحدثنا عن الانقلاب العسكري الذي قاده نميري، والذي مضى عليه شهر تقريبا.
قال محمد عثمان انه يريد ان يبلغني، ويبلغ الحكومة الامريكية، انه ايد انقلاب نميري تأييدا مشروطا، لكنه سيعارض، بكل طريقة ممكنة، اي زيادة للنفوذ الشيوعي في السودان عن طريق حكومة نميري ...
وقال انه قال ذلك لبابكر عوض الله، رئيس الوزراء، عندم زاره في بيته، بيت الميرغني، وطلب منه تأييد الانقلاب. وان بابكر عوض الله نفى ان الحكومة شيوعية، او يسيطر عليها الشيوعيون. وتعهد ان يبذل كلما يقدر لمنع الشيوعيين من السيطرة على الحكم في السودان. واشار الى "علاقة الاب والابن" التي كانت تربطه مع السيد على، والد السيدين محمد عثمان واحمد ...
وقال محمد عثمان انه يعرف ان حكومة نميري فيها عدد من الشيوعيين. لكنه ايدها على شرط ان تكون اتجاهاتها عربية واسلامية.
وشن هجوما عنيفا على الشفيع احمد الشيخ، الرئيس الشيوعي لنقابة عمال السكة الحديد، وقال انه سيبذل كل ما يستطيع لمواجهته. وانه، فعلا، اصدر اوامر لقادة الختمية في كل من عطبرة وبورتسودان لمواجهة النفوذ الشيوعي المتزايد في المدينتين.
حسب معلوماتنا، توجد في كل من عطبرة وبورتسودان نقابات عمال يقودها شيوعيون: الاولى لعمال السكة الحديد، والثانية لعمال الميناء. وفي نفس الوقت، يوجد في المدينتين نفوذ كبير للختمية، ونعتقد ان السيد محمد عثمان كان يقصدهم عندما اشار الى هذه النقطة ...
وحسب مصادرنا الخاصة، قبل ايام، زار عطبرة وزير المواصلات الجديد (تعليق: هل كان بدر الدين سليمان؟). وتحدث في مظاهرة نظمتها نقابة عمال السكة الحديد. وكان هناك عمال ليسوا شيوعيين. ورغم انهم استمعوا الى خطاب الوزير وصفقوا له، لكنهم، بعد نهاية الخطاب، هتفوا: "لا شيوعية، ولا الحاد." وبعد مغادرة الوزير، تعارك الشيوعيون مع غير الشيوعيين.
وقال لنا د. نور (تعليق: لا توضح الوثيقة من هو د. نور) ان الاخوين محمد عثمان واحمد الميرغني، حقيقة، قلقان على زيادة نفوذ الشيوعيين، خاصة في مدن الشمال والشرق حيث لطائفة الختمية نفوذ كبير.
وقال د. نور ان محمد عثمان قابل، مؤخرا، جعفر نميري، رئيس مجلس قيادة الثورة، وذلك "بعد ان تاكد للسيد، من اتصالات كثيرة مع عدد من المستشارين والمصادر، ان نميري ليس شيوعيا." وان محمد عثمان قال، بعد المقابلة: "تأكد لنا ان نميري، وآخرين في مجلس قيادة الثورة، وبعضهم ينتمون الى طائفة الختمية، سيقدرون على وقف زيادة النفوذ الشيوعي في السودان."
راينا في ولدي السيد على الميرغني، محمد عثمان واحمد، كالآتي:
اولا: لا نقدر على وصفهما بأنهما من الاذكياء، ومن الذين يمكن ان يكونوا قادة اقوياء.
ثانيا: نحن متأكدون من انهما، طبعا، وطنيان، ومخلصان، ويتمتعان بتاييد الختمية.
ثالثا: بسبب العامل الديني، يعارضان في صدق النفوذ الشيوعي في السودان.
رابعا: يمكن الاعتماد عليهما في حملة شاملة ضد الشيوعيين، اذا تأكد لهما ان الشيوعيين يريدون السيطرة على السودان.
خامسا: يريدان، في صدق، تقوية علاقة الختمية مع الولايات المتحدة.
سادسا: نحن، طبعا، لم نكن ابدا قريبين من الختمية، منذ قبل استقلال السودان (قبل خمس عشرة سنة تقريبا). وذلك لان والدهما، السيد على الميرغني، كان يميل كثيرا نحو مصر. وايضا قادة ختمية آخرون، مثل الشيخ على عبد الرحمن (من قادة الحزب الاتحادي الديمقراطي، وكان وزير داخلية في حكومة محمد احمد محجوب التي عزلها انقلاب نميري) ...
منصور خالد (1):
التاريخ: 18-6-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
للعلم: السفير، لاهاي
الموضوع: منصور خالد
"صباح اليوم، جاء لزيارتي منصور خالد، موظف سابق في الخدمة المدنية في السودان، والآن، ومنذ سنوات، مع منظمة "اليونسكو" في باريس. قال انه جاء الى الخرطوم في اجازة. وقريبا، سيسافر الى الولايات المتحدة، محاضرا، لعدة اسابيع، في جامعة كولورادو. ومن هناك، الى اديس ابابا، مديرا لبرنامج "اليونسكو" في افريقيا.
قال انه "مايلدلي اوبتمستيك" (متفائل في اعتدال) نحو الحكومة الجديدة. في جانب، الحكومة "كومبيتنت" (قادرة) و "ديديكيتد" (ملتزمة). وفي الجانب الآخر، مشكلتها الرئيسية اقتصادية، وحل هذه ربما مستحيل.
وقال انه لا يقلق كثيرا لنفوذ الشيوعيين داخل الحكومة، لانهم مؤهلون، ولأن نميري يقدر على السيطرة عليهم. وان نميري قال له ان القرارات التي اصدرها مجلس قيادة الثورة، مؤخرا، ومنعت تنظيمات معينة، استهدف منظمات شيوعية ومنظمات موالية لمصر، بهدف تقليص نفوذها.
وقال انه ونميري كانا زميلي دراسة، وصديقين لفترة طويلة. وان نميري "قود مان" (رجل جيد)، لكنه لا يملك خلفية وتجربة في حكم البلاد.
وقال ان نميري قال له ان مجلس قيادة الثورة يقدر على السيطرة على البلاد، لكنه لاحظ ان المجلس، في الوقت الحاضر "يعمل في فراغ"، بسبب قلة الكفاءة والخبرة العملية.
وقال ان نميري طلب منه ان ينضم الى مجلس استشاري لمجلس قيادة الثورة. وانه، منصور، سيفكر في الموضوع. وسيقرر فيه بعد ان يعود من جامعة كولورادو في الولايات المتحدة ... "
منصور خالد (2):
التاريخ: 21-6-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
للعلم: السفير، لاهاي
الموضوع: منصور خالد
"عين نميري منصور خالد وزيرا للشباب والرياضة.
(تعليق: تاريخ هذه الوثيقة بعد ثلاثة ايام فقط من تاريخ الوثيقة السابقة، يوم قابل خالد السفير الامريكي. هل كان خالد يعلم ان نميري سيختاره وزيرا؟)
مؤخرا، قابل خالد مسئول "يو اس آي اس" (المكتب الاعلامي الامريكي) في الخرطوم. واكد له تعيينه وزيرا.
وقال خالد له ان نميري، رئيس مجلس قيادة الثورة، رفض اقتراحا من بابكر عوض الله، رئيس الوزراء، بتعيين وزيرين شيوعيين جديدين في الحكومة. وان نميري قال انه يريد وزراء غير شيوعيين.
وقال خالد ان واحدا من الوزيرين اللذين رفضهما نميري كان محمد سليمان، اخ احمد سليمان، شيوعي قديم، ومؤخرا عين سفيرا في موسكو.
وقال خالد انه لا يزال يريد السفر الى جامعة كولورادو، لانه التزم بقضاء خمسة اسابيع هناك للتدريس خلال فترة الصيف. ثم يعود ليتسلم منصبه الجديد ... "
المصريون:
التاريخ: 12-6-1969
من: السفير، القاهرة
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: انقلاب السودان
"صباح اليوم، قابلت حسن صبري الخولي، مستشار الرئيس المصري السادات. وقال انه كان قابل، قبيل مقابلتي، سفير مصر في السودان. وتحدثا عن الانقلاب العسكري في السودان هناك.
وكان واضحا من كلام الخولي انه مرتاح للانقلاب. وانه ليس قلقا على نفوذ الشيوعيين في الحكومة الجديدة. بل قال انه لا يوجد شيوعيين في مجلس قيادة الثورة. ويوجد اثنان فقط في مجلس الوزراء. وان المصريين يعرفون بابكر عوض الله، رئيس الوزراء الجديد، معرفة جيدة. وانه ليس شيوعيا. وان نظام نميري قومي عربي، ولا يعادي الغرب. ويزيد تأييد الشعب السوداني للنظام يوما بعد يوم. رغم ان المثقفين والطبقة الوسطى يفضلون الانتظار، قبل اصدار حكم نهائي.
لكن، انتقد الخولي قرار نميري بالاعتراف بالمانيا الشرقية (الشيوعية). وقال انه خطأ كبير، واتخذ لاسباب "جايلدش" (صبيانية).
وقلت انا له انني لم اقرأ تحليلات صحافية او حكومية متكاملة لانقلاب السودان. ويبدو لى ان المصريين ليسوا متاكدين كيف يقيمون نميري، وماذا سيفعلون معه. وانني قرأت تحليلات تشبه نميري بعبد الكريم قاسم ...
(تعليق: في سنة 1958، قاد قاسم ثورة العراق التي قضت على العائلة الهاشمية الماكلة. وسحبت العراق من حلف عسكري مع تركيا واميركا وبريطانيا. وتحالف مع روسيا).
وقالت له ان قاسم، في البداية، تحالف مع المصريين. ثم تحول نحو الشيوعيين. وكان حاكما دمويا. وان نميري لا يبدو متطرفا ودمويا مثل قاسم.
لفترة قصيرة، فكر الخولى في كلامي، ثم قال انه يتفق معي. وان الحقيقة هي ان المصريين لا يعرفون اي شئ عن نميري. وانه، الخولي، رغم خلفيته العسكرية، لا يؤيد سيطرة العسكريين على الحكم، لان مشاكل الحكم كثيرة ومعقدة ... "
الروس:
التاريخ: 11-6-1969
من: قسم الاستخبارات والمعلومات، وزارة الخارجية
الى: وزير الخارجية
(صور الى السفراء في دول المنطقة)
الموضوع: النفوذ الشيوعي في القرن الافريقي
"يهتم الروس بالدول الاربعة التي تقع جنوب مصر، السودان واثيوبيا والصومال وكينيا، دول القرن الافريقي، لانها في موقع استراتيجي هام بين المحيط الهندي والبحر الابيض المتوسط.
ويقسم الروس هذه الدول الى موالية للغرب، اثيوبيا وكينيا، والى مسلمة، السودان والصومال. وبالنسبة لاثيوبيا وكينيا، ينتظرون وفاة او عزل الامبراطور هيلاسلاسي والزعيم جومو كنياتا. ويتوقعون تغييرات كثيرة بعد ذلك. وبالنسبة للسودان والصومال، يستغلون كل فرصة لزيادة نفوذهم ...
لهذا، يمكن القول ان الانقلاب العسكري اليساري في السودان، بقيادة نميري، يجب ان يثير قلقنا ...
اذا صار السودان شيوعيا، او انحاز نحو روسيا، ستنقلب موازين القوى في القرن الافريقي. وسيحقق الروس خبطة لم يكونوا حتى يحلمون بها. وفي هذه الحالة، يجب ان نهتم بمصير حليفتنا اثيوبيا ... "
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
12-11-2009, 03:25 PM
الوثيقة الأمريكية عن نميري:
بابكر عوض الله: مؤامرة امريكية
ومؤامرة سعودية اثيوبية
الامام المهدي: نحن ضد نميري
واشنطن: محمد علي صالح
تصحيحان من الحلقة السابقة:
في الحلقة السابقة من هذه المقتطفات من وثائق وزارة الخارجية الامريكية عن انقلاب 25 مايو سنة 1969، كتب السفير الامريكي في الخرطوم:
"دعاني السيد محمد عثمان الميرغني، زعيم طائفة الختمية، لعشاء خاص في بيته، وكان هناك اخوه احمد الميرغني. ولاكثر من ساعتين، تحدثنا عن الانقلاب العسكري الذي قاده نميري، والذي مضى عليه شهر تقريبا ... قال محمد عثمان انه يريد ان يبلغني، ويبلغ الحكومة الامريكية، انه ايد انقلاب نميري تأييدا مشروطا. وانه سيعارض، بكل طريقة ممكنة، اي زيادة للنفوذ الشيوعي في السودان عن طريق حكومة نميري ..."
وفي تقرير آخر، كتب السفير: "جاء لزيارتي منصور خالد ... قال انه "مايلدلي اوبتمستيك" (متفائل في اعتدال) نحو الحكومة الجديدة. في جانب، الحكومة "كومبيتنت" (قادرة) و "ديديكيتد" (ملتزمة). وفي الجانب الآخر، مشكلتها الرئيسية اقتصادية، وحل هذه ربما مستحيل ... وقال انه ونميري كانا زميلي دراسة، وصديقين لفترة طويلة. وان نميري "قود مان" (رجل جيد)، لكنه لا يملك خلفية وتجربة في حكم البلاد ... وان نميري طلب منه ان ينضم الى مجلس استشاري لمجلس قيادة الثورة. وانه، منصور، سيفكر في الموضوع. وسيقرر فيه بعد ان يعود من جامعة كولورادو في الولايات المتحدة ... " وبعد ثلاثة ايام من هذه المقابلة بين السفير الامريكي ومنصور خالد، اعلن تعيينه وزيرا للرياضة والشباب.
عبد الخالق محجوب:
التاريخ: 20-6-1969
من: وزارة الخارجية، قسم الاستخبارات والبحوث
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: هل يعود السودان نحو الوسط؟
(مقتطفات من تقرير):
"امس، اختار نميري ضابطا عسكريا وطنيا محترما (خالد حسن عباس، عضو مجلس قيادة الثورة) وزيرا للدفاع. ويدل هذا على ان نميري يريد مواجهة النفوذ الشيوعي المتزايد في حكومته. ويريد تاسيس توازن بين ثلاث مجموعات: الشيوعيين، والوطنيين، والمؤيدين لمصر. لكن، لان الشيوعيين اقوياء ومنظمون، يتفوقون على المجموعتين الاخريتين. ولهذا، يبدو انهم هم الذين يوجهون حكومة نميري. يوجد في الوزارة تسعة او عشرة وزراء شيوعيون، ويؤثرون تاثيرا واضحا على حكومة نميري ...
ولاحظنا ان هناك تشابها كبيرا بين سياسة الحزب الشيوعي وبين خطة نميري ليفعل الآتي:
اولا: ليؤسس حزبا حاكما، واحدا، علمانيا، جماهيريا.
ثانيا: ليمنح جنوب السودان حكما ذاتيا.
يتولى مهمة الجنوب في الحكومة الجديدة جوزيف قرنق، اهم شيوعي جنوبي في السودان ...
في نفس الوقت، لاحظنا ان قادة الحزب الشيوعي السوداني "ريسترينت" (يضبطون انفسهم)، على الاقل في تصريحاتهم العامة. مثلا: يوم 12-6، خاطب عبد الخالق محجوب، سكرتير الحزب الشيوعي السوداني، مؤتمر الحزب الشيوعي السوفيتي في موسكو، وقال ان "الثورة السودانية دخلت المرحلة الوطنية الديمقراطية. وان تقدمها نحو مرحلة تالية يعتمد على استمرار ثورية الحزب الشيوعي" ...
رأينا:
اولا: عبد الخالق محجوب محق في اعلان هذه النقطة الحذرة، وهي ان الطريق لا يزال طويلا امام سيطرة شيوعية كاملة على السودان.
ثانيا: لعب الحزب الشيوعي السوداني دورا صغيرا، وربما لم يلعب اي دور، في انقلاب 25 مايو. وانه كان "هيزيتيتد" (متردد) قبل ان يؤيد الانقلاب.
ثالثا: يخاف الشيوعيون السودانيون من تكرار تجربة ما حدث بعد ثورة اكتوبر سنة 1964، عندما واجهوا حملة شعواء ضد الشيوعية والشيوعيين ... "
نميري في "برافدا":
التاريخ: 3-7-1969
من: السفير، موسكو
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: نميري في "برافدا"
"يوم 28-6، نشرت جريدة "برافدا"، الناطقة بلسان الحزب الشيوعي السوفيتي، مقابلة مع جعفر نميري، رئيس مجلس قيادة الثورة في السودان. قال ان السودان يسير على طريق "بروقريسيف" (تقدمي). وانه، نميري، "مستعد لضرب كل القوى التي تعارض رغبات الشعب السوداني". وان "الامبرياليين" يخافون من "القوى التقدمية في السودان". وانهم ربما سيستعملون "العناصر المضادة للثورة" التي تعيش في الدول المجاورة لمعارضة حكومته ...
وقال نميري انه لا يريد فقط ادارة السودان حسب الطرق التقليدية. لكنه يريد "توحيد كل القوى التقدمية، بما فيها الحزب الشيوعي" ...
واضاف انه خفض اسعار الملح والشاي والقهوة. ويخطط لاعادة تنظيم مشروع الجزيرة لانتاج القطن. ويلغي ديون المزارعين الذين سيزرعون القطن ... "
مؤامرة امريكية؟:
التاريخ: 20-7-1969
من: وزارة الخارجية
الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: اتهامات سودانية
"اليوم، نقل "فيبس" (قسم الاستماع للاذاعات الاجنبية، التابع لوزارة الخارجية الامريكية) الخبر الآتي من اذاعة امدرمان في السودان:
"في تصريح خاص لوكالة الانباء السودانية، قال بابكر عوض الله، رئيس الوزراء، ان حكومة الثورة اثبتت بما لا يدع مجالا للشك ان دبلوماسيين امريكيين كانوا يتصلون مع عناصر رجعية. ولهذا، تقرر طرد الدبلوماسيين من السودان. واضاف رئيس الوزراء ان حكومة الثورة كشفت وافشلت كل المؤامرات التي دبرها الرجعيون والامبرياليون."
بعد اذاعة هذا الخبر، اتصل بنا صحافيون امريكيون يريدون التأكد منه. ونحن وزعنا عليهم بيانا قلنا فيه ان حكومة السودان قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع السودان سنة 1967، مباشرة بعد بداية الحرب بين العرب واسرائيل. واليوم، يوجد في الخرطوم مكتب لرعاية المصالح الاميركية، وفيه دبلوماسيون امريكيون. وانهم لا يتدخلون في الشئون الداخلية للسودان ...
نرفق مع هذا نص البيان. ونرجو اتباع ما فيه عند الرد على اتهامات رئيس وزراء السودان ..."
اتهامات روسية:
التاريخ: 22-7-1969
من: السفير، موسكو
الى: وزير الخارجية
صورة: الى السفير (القائم بالاعمال)، الخرطوم
الموضوع: اتهامات السودان
"اليوم، نشرت جريدة "برافدا"، الناطقة بلسان الحزب الشيوعي السوفيتي، افتتاحية اشادت فيها بما اسمته فشل محاولة انقلاب امبريالية.
وقالت ان الفشل يؤكد عمق وقوة "العملية التقدمية" في السودان. وان "المتامرين"، بمساعدة "سفارات اجنبية كثيرة في الخرطوم"، اجتمعوا في "دولة مجاورة" مع ابا ايبان، وزير خارجية اسرائيل، والذي تعهد بتقديم المساعدات لهم لاسقاط الحكومة التقدمية في السودان. وان المتأمرين استعجلوا محاولة الانقلاب لان الحكومة التقدمية استعجلت تنفيذ قرارات ثورية بتخفيض الاستثمارات الاجنبية، وتأميم المؤسسات الاقتصادية، وزيادة التخطيط الحكومي، وتوثيق العلاقات مع الحكومات الثورية ...
رأينا:
اولا: تبدو ان هناك صلة بين الافتتاحية والاخبار من السودان بأن حكومة نميري اكتشفت محاولة لاسقاطها. وانها طردت ثلاث دبلوماسيين اميركيين من السودان.
ثانيا: كالعادة، ربط الروس بين ما يسمونهم "الامبرباليين" و ما يسمونهم "الرجعيين".
ثالثا: بالاضافة الى الافتتاحية، نشرت الجريدة اخبارا قالت ان "عناصر عسكرية رجعية داخل القوات المسلحة تعاونت مع حزب الامة، والاخوان المسلمين، وسفارات اجنبية كثيرة، خاصة السفارة الامريكية" كانت وراء محاولة الانقلاب ...
الهادي المهدي:
التاريخ: 22-7-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، لاهاي
الموضوع: الامام المهدي
"يوم 8-7-، زار السفارة عبد المنعم حسن معني، سابقا السكرتير الخاص للامام الهادي المهدي، زعيم طائفة الانصار. وقال لنا انه جاء بناء على تعليمات من الامام، ليبلغنا معارضة الامام لانقلاب الجنرال نميري. وطلب منا مساعدة الامام في نشر معارضته في الولايات المتحدة وفي دول خارجية اخرى ...
وقال معني ان الامام يعارض الانقلاب العسكري، ويعارض سيطرة الشيوعيين عليه، ويعارض التغيير بالقوة في نظام الحكم في السودان ...
وانا كررت له سياستنا المعلنة باننا لا نتدخل في الشئون الداخلية لاي بلد. وفي هذه الحالة، لا نتدخل في شئون السودان الداخلية.
رأينا:
اولا: وصلت الينا معلومات ان الامام الهادي المهدي يحشد قوات في الجزيرة ابا لمواجهة نميري.
ثانيا: في نفس الوقت، قالت لنا مصادر سودانية انها لا تتوقع ان يعلن المهدي تمردا مسلحا ضد نميري.
ثالثا: هذه اول مرة اقابل فيها معني. لكن، قال لي سودانيون يعملون في السفارة هنا انهم يعرفونه، ويعرفون صلته بالامام المهدي ..."
جمال محمد احمد:
التاريخ: 30-8-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: طرد دبلوماسيين امريكيين
"امس، قابلت جمال محمد احمد، وكيل وزارة الخارجية. وتحدثنا عن قرار الحكومة بتقليص عدد الدبلوماسيين في مكتب رعاية المصالح هنا (السفارة). وبدا معتذرا، وقال ان لكل دبلوماسي جانب رسمي وجانب شخصي. وانه نفذ قرارا رسميا. وانه يقدر المصاعب التي تواجه الذين امروا بمغادرة البلاد سريعا ...
وقال انني يمكن ان اعتمد عليه. وان اتصل به، اذا احتجت الى اي مساعدة او توضيح. وانه، شخصيا، لا يعرف لماذا قرر مجلس الوزراء تخفيض عدد الدبلوماسيين الامريكيين. وسألني اذا كنت اعرف.
انا قلت له انني، ايضا، لا اعرف. لكني اعتقد ان الحكومة اعتقدت ان السفارة الامريكية تتعاون مع المعارضة لاسقاطها. وقلت له ان الحكومة الامريكية لا تفعل ذلك. ولا تتدخل في الشئون الداخلية للدول الاخرى. وحاولت ان اطمئنه في هذا الموضوع ... "
مؤامرة سعودية اثيوبية:
التاريخ: 7-11-1969
من: وزير الخارجية
الى: السفير، جدة
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: انقلاب السودان
"اتفق معك فيما نقلت الى رشاد فرعون، مستشار الملك، حول انقلاب السودان.
اذا قابلته مرة اخرى، كرر له الآتي:
اولا: تقوم سياسة الحكومة الاميركية على عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الاخرى، وفي هذه الحالة، في انقلاب السودان.
ثانيأ: اطلب منه الا يشركنا في اي مخطط سري، اشارة الى ما قلتم بان هناك مخططا سعوديا اثيوبيا مشتركا ضد انقلاب السودان.
ثالثا: ذكره ان مثل هذه العمليات السرية لا تنجح، ويمكن ان تؤدي الى عكس الهدف منها.
رابعا: قل له: نعم، يوجد نفوذ شيوعي كبير في حكومة الجنرال نميري، لكنه ليس "بيرفيسيف" (مسيطرا) ......
ربما تريدون الاطلاع على برقيات سفيرنا في الخرطوم حول هذا الموضوع:
قال فيها ان هناك مشاكل داخل مجلس قيادة الثورة ومجلس الوزراء، وان الهدف العام للانقلاب يبدو وطنيا اكثر منه شيوعيا.
وقال فيها ان قدرة الانصار والختمية وغيرهم من التقليديين على مواجهة انقلاب نميري ليست كبيرة، وذلك لان هؤلاء التقليديين، خلال السنوات القليلة الماضية التي حكموا فيها السودان، تركوا سجلا طويلا من الفساد والعجز السياسي ... "
(تعليق: لا توضح الوثائق حجم وخطورة محاولة الانقلاب هذه ضد نميري. لكن، توضح الوثيقة الاخيرة ان اتهامات نميري وبابكر عوض الله لم تات من فراغ. وذلك لأن الوثيقة اكدت وجود اتصالات بين السعودية واثيوبيا ضد حكومة نميري، خوفا من الشيوعية. رغم ان الوثيقة اوضحت ان الامريكيين انفسهم اكدوا النفوذ الشيوعي، لكنهم قالوا انه لا يسيطر على الحكومة).
أبوسهيل
12-13-2009, 09:30 PM
الوثيقة الأمريكية عن نميري:
عداء عوض الله الشديد لامريكا
كان السوداني الوحيد في حفل، فاحس بالاهمال
هل جامل عبد الكريم ميرغني اصهاره آل عثمان صالح؟
زوجة عوض الله خافت ان يقتل في نيويورك.
في الحلقة السابقة من هذه المقتطفات من وثائق وزارة الخارجية الامريكية عن انقلاب 25 مايو سنة 1969، ارسلت وزارة الخارجية الى السفير الامريكي في الخرطوم الآتي:
" نقل "فيبس" (قسم الاستماع للاذاعات الاجنبية، التابع لوزارة الخارجية الامريكية) الخبر الآتي من اذاعة امدرمان في السودان:
"في تصريح خاص لوكالة الانباء السودانية، قال بابكر عوض الله، رئيس الوزراء، ان حكومة الثورة اثبتت بما لا يدع مجالا للشك ان دبلوماسيين امريكيين كانوا يتصلون مع عناصر رجعية. ولهذا، تقرر طرد الدبلوماسيين من السودان. واضاف رئيس الوزراء ان حكومة الثورة كشفت وافشلت كل المؤامرات التي دبرها الرجعيون والامبرياليون."
بعد اذاعة هذا الخبر، اتصل بنا صحافيون امريكيون يريدون التأكد منه. ونحن وزعنا عليهم بيانا قلنا فيه ان حكومة السودان قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع السودان سنة 1967، مباشرة بعد بداية الحرب بين العرب واسرائيل. واليوم، يوجد في الخرطوم مكتب لرعاية المصالح الاميركية، وفيه دبلوماسيون امريكيون. وانهم لا يتدخلون في الشئون الداخلية للسودان ...
نرفق مع هذا نص البيان. ونرجو اتباع ما فيه عند الرد على اتهامات رئيس وزراء السودان."
في هذه الحلقة وثائق عن عداء بابكر عوض الله لامريكا:
وليام شميك:
التاريخ: 13-8-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
صور الى: السفير، اثينا، السفير، لاهاي
الموضوع: رئيس وزراء السودان
"اليوم، قابلنا وليام شميك، مراسل جريدة "بولتيمور صن" الامريكية، والذي جاء الى السودان للكتابة عن انقلاب نميري. ولساعة كاملة، قابل بابكر عوض الله، رئيس الوزراء ...
قال لنا شميك ان عداء عوض الله لنا لا حدود له. وانه قضى معظم الوقت ينتقد السياسة الاميريكية. وانه امر بطرد ستة دبلوماسيين في السفارة الامريكية في الخرطوم لانهم عملاء لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي ايه) ...
وان عوض الله قال ان في الولايات المتحدة حكومتين: ظاهرة وباطنة. الظاهرة هي الحكومة الشرعية القانونية. والخفية هي حكومة الاستخبارات التي تدير السياسة الامريكية الخارجية ...
وان عوض الله انتقد السياسة الامريكية نحو اسرائيل، وطالبنا بالضغط على اسرائيل لقبول قرار مجلس الامن رقم 242 (بالانسحاب من الاراضي العربية التي احتلتها في حرب سنة 1967) ...
وان عوض الله قال انه لن يعيد العلاقات الدبلوماسية الكاملة معنا، وذلك بسبب موقفنا من القضية الفلسطينية. (قطعت العلاقات بسبب حرب 1967، ويوجد في الخرطوم مكتب لرعاية المصالح) ... "
ادوارد جيرجيان:
التاريخ: 6-9-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: رئيس وزراء السودان
"امس، قابلت ادوراد جيرجيان، رجل الاعمال السوداني، وصديق بابكر عوض الله، رئيس الوزراء. وكان شريكة في اعمال تجارية قبل ان يصبح رئيسا للوزراء ...
وقال جيرجيان ان عوض الله حكى له عن مشاكل داخل مجلس الوزراء. واشتكى من مرتضى احمد ابراهيم، وزير الري. وان مرتضى وزير من الدرجة الثانية، ولن يقدر على الانتصار على عوض الله.
لكن، قال جيرجيان ان عوض الله، احيانا، متقلب المزاج، ومناكف، وغريب التصرفات:
مثلا: بعد ان صار رئيسا للوزراء، رفض مقابلة سفير اليابان، لان السفير، قبل ان يصبح عوض الله رئيسا للوزراء، قابله مرات كثيرة في مكتب او منزل جيرجيان. واهمله. ويبدو ان عوض الله لم ينسى ذلك.
مثلا: قبل ان يصير رئيسا للوزراء، وفي حفل اقامه جيرجيان، ودعا له اربعين شخصا تقريبا، كان عوض الله هو السوداني الوحيد. ولم يهتم به احد. واغضبه ذلك كثيرا. لم يهتم به احد غير كلو نويل، السفير الامريكي. ويبدو انه قدر ذلك. رغم شكوكه الكثيرة في الامريكيين ...
وانا سألت جيرجيان عن خطة نميري لتأميم شركات التصدير والتوريد. وعن قرار نميري بتجميد رخص هذه الشركات. وقال جيرجيان انه حذر بابكر عوض الله. وقال له ان شركة جيرجيان ستكون اول الضحايا. لكن، طمأنه عوض الله بان تجميد الرخص سينتهي بعد شهر ...
وانا سالت جيرجيان عن تاسيس شركة الصمغ العربي الحكومية. واذا كان الهدف هو انقاذ شركة عثمان صالح التي تتاجر في الصمغ، لكنها تواجه خسارة كبيرة. وقال جرجيان ان ذلك غير مستغرب، خاصة لأن هناك علاقة مصاهرة بين آل عثمان صالح وعبد الكريم ميرغني، وزير التجارة الخارجية ...
واقترح جيرجيان ان ارسل له فيلم "يو اس آى اس" (وكالة المعلومات الامريكية) عن ارسال اول انسان الى القمر. وذلك حتى يعرضه على بابكر عوض الله، رئيس الوزراء، بهدف تخفيض عدائه لنا.
وانا قلت لجيرجيان انني لا افهم شدة عداء الرجل لنا. وانه يبدو ذكيا، ومخلصا. لكنه يستغل كل فرصة ليتهمنا بالتدخل في شئون السودان الداخلية. وبالتآمر ضد حكومة نميري. رغم اننا كررنا، بكل الطرق الرسمية والخاصة، ان هذا غير صحيح ... "
عوض الله في نيويورك:
التاريخ: 11-9-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الامم المتحدة
الموضوع: رئيس وزراء السودان
"حسب معلوماتنا، سيقود بابكر عوض الله، رئيس الوزراء، وفد السودان الى جلسات الجمعية العامة للامم المتحدة. ونود ان تلاحظوا الآتي:
اولا: نريد التقرب الى عوض الله، واقناعه اننا لا نتأمر ضده، او ضد حكومته.
ثانيا: نقترح ان تقوموا بمبادرات لمقابلة عوض الله، والتودد له.
ثانيا: يعتقد عوض الله اعتقادا جازما ان ما يسميها "الحكومة الامريكية الخفية" او "حكومة الاستخبارات المركزية" تخطط لاسقاط حكومة السودان بقيادة نميري.
ثالثا: يخاف عوض الله على نفسه شخصيا. وقال لنا جيرجيان، رجل اعمال وصديق وشريك لعوض الله، ان زوجة عوض الله سألت اذا كان زوجها سيعود سالما من نيويورك. وانها تخاف ان نتأمر عليه، وان نقتله ...
السؤال هو: هل مثل هذه الاشياء التي لا تصدق افتعالية؟ او انها تصور شعورا حقيقيا، سواء من رئيس وزراء السودان، أو من غيره؟
طبعا، كما تعلمون، احيانا تتناقض السياسة مع العواطف.
واحيانا، لا نكاد نفرق بين الدراما والواقع.
وخاصة في دول العالم الثالث، كما تعلمون، يوجد اعتقاد عام بأن الامريكيين لا عمل لهم سوى التأمر والتدخل في شئونهم الداخلية ...
هذا شئ لا يصدق.
حتى قادة متعلمون ومثقفون ومنفتحون، يتحدثون عن مخططات امريكية خيالية ضدهم او ضد شعوبهم. خاصة من وكالة الاستخبارات المركزية ...
انه شئ يمكن ان نسميه "فرايتند سمبلسيتي" (بساطة خائفة، خوف البسطاء) ... "
الرئيس نيكسون:
التاريخ: 19-9-1969
من: السفير، الامم المتحدة
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: رئيس وزراء السودان
"يقود بابكر عوض الله، رئيس وزراء السودان، وفد بلاده لجلسات الجمعية العامة للامم المتحدة. لكنه يبدو معاديا لنا في تشدد:
اولا، رفض كل مبادراتنا، ليس فقط لتحسين علاقاتنا معه، ومع السودان، ولكن، ايضا، لمجرد الحديث معه.
ثانيا: رفض حضور الحفل السنوي التقليدي الذي يقيمه الرئيس الامريكي لرؤساء الوفود الذين جاءوا الى اجتماعات الامم المتحدة. وكان الرئيس نيكسون جاء الى هنا، وخاطب الجمعية العامة للامم المتحدة.
ثالثا: رفض مقابلة ديفيد نيوصم، مساعد وزير الخارجية للشئون الافريقية. والذي، ايضا حسب عادة سنوية، جاء الى هنا لمقابلة رؤساء الوفود الافريقية ...
رابعا: وزعنا بطاقات الدعوة لحفل يوم 24-9، وهو الحفل التقليدي السنوي الذي يقيمه وزير الخارجية لرؤساء الوفود. ويبدو ان عوض الله سيرفض ...
وامس، قال لنا محمد المصباح، القائم باعمال سفير السودان في واشنطن، ان عوض الله رفض كل محاولاته لتقليل تشدده، ولقبول، على الاقل، دعوات المسئولين الامريكيين ... "
محمد ميرغني:
التاريخ: 27-9-1969
من: السفير، الامم المتحدة
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: رئيس وزراء السودان
"قابلنا مساء امس الاول، محمد ميرغني، صحافي سوداني (تعليق: ربما يقصد مراسل وكالة "رويتر" في الخرطوم في ذلك الوقت).
جاء الى هنا ليتابع زيارة وفد السودان للجمعية العامة للامم المتحدة بقيادة بابكر عوض الله، رئيس الوزراء. وقال لنا ان عوض الله يجرى اتصالات كثيرة، لكن قليلا جدا منها مع الامريكيين. وان عوض الله احس بالسعادة لأن اونيل، السفير الامريكي في الخرطوم، قابله هنا، وكان وديا نحوه ...
لكن، قال محمد ميرغني ان عوض الله لم يتنازل عن عدائه الشديد للدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة ...
وان عوض الله رفض مقابلة نيوصم، مساعد وزير الخارجية للشئون الافريقية. وقال: "قلت ما اريد ان اقوله في خطبي وخطاباتي الرسمية." رفض عوض الله رغم ان السفير اونيل والصحافي محمد ميرغني الحا عليه.
وقال محمد ميرغني ان سفير دولة شيوعية شرق اروبية في الامم المتحدة قدم الى فخر الدين محمد، سفير السودان في الامم المتحدة، قائمة سميت "عملاء الاستخبارات الامريكية في الخرطوم". وان فخر الدين سلمها الى بابكر عوض الله. وان ذلك زاد من عداء الرجل لنا ...
وقال محمد ميرغني ان اعضاء وفد السودان الى الامم المتحدة كلهم "يس مين" (رجال لا يقولون الا "نعم"). وانهم لا يقولون لبابكر عوض الله الا ما يريد ان يسمع، ولا يملكون الشجاعة ليقولوا له غير ذلك ..."
منصور خالد وفاروق ابو عيسي:
التاريخ: 28-9-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الامم المتحدة
الموضوع: رئيس وزراء السودان
"الحاقا ببرقية سابقة عن طرق التودد نحو بابكر عوض الله، رئيس وزراء السودان، نقدم هذه المعلومات عن بعض اعضاء الوفد المرافق له، والوفد الذي سيذهب الى واشنطن للاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد العالمي:
اولا: منصور خالد: يستحق ان نقابله، وسيرحب بذلك. ليبرالي، و"ديديكيتد" (متفاني)، ومتعلم جدا، واكثر معرفة بشئون العالم من بقية المسئولين في الحكومة. وقضى وقتا مع منظمة "اليونسكو" في الجزائر وفي باريس. ومن المقربين جدا للرئيس نميري.
ثانيا: فاروق ابو عيسى: شيوعي "هارد شيل" (قوي). ولا نتوقع اي فائدة من الاتصال به.
ثالثا: ابوبكر عثمان محمد صالح: ظلت تربطنا معه علاقات "كورديال" (ودية). ونتوقع ان يبقى كوزير دائم في بعثة السودان في الامم المتحدة.
رابعا: مكاوي مصطفى، وزير المالية: "ليفتست، اونست، هاردويركنق" (يساري ونزيه ويعمل في تفاني).
خامسا: مهدي احمد، وكيل وزارة التخطيط: نال شهادة دراسات عليا في جامعة سيراكيوز سنة 1964، ويرحب بالحديث معنا.
سادسا: اسماعيل المكي، وكيل وزراة الخزانة، نال ماجستير اقتصاد من جامعة ميشيقان ستيت خلال نفس الفترة، وايضا يرحب بالحديث معنا ... "
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
12-18-2009, 07:20 PM
الوثيقة الأمريكية عن نميري:
عداء عوض الله الشديد لامريكا
كان السوداني الوحيد في حفل، فاحس بالاهمال
هل جامل عبد الكريم ميرغني اصهاره آل عثمان صالح؟
زوجة عوض الله خافت ان يقتل في نيويورك.
في الحلقة السابقة من هذه المقتطفات من وثائق وزارة الخارجية الامريكية عن انقلاب 25 مايو سنة 1969، ارسلت وزارة الخارجية الى السفير الامريكي في الخرطوم الآتي:
" نقل "فيبس" (قسم الاستماع للاذاعات الاجنبية، التابع لوزارة الخارجية الامريكية) الخبر الآتي من اذاعة امدرمان في السودان:
"في تصريح خاص لوكالة الانباء السودانية، قال بابكر عوض الله، رئيس الوزراء، ان حكومة الثورة اثبتت بما لا يدع مجالا للشك ان دبلوماسيين امريكيين كانوا يتصلون مع عناصر رجعية. ولهذا، تقرر طرد الدبلوماسيين من السودان. واضاف رئيس الوزراء ان حكومة الثورة كشفت وافشلت كل المؤامرات التي دبرها الرجعيون والامبرياليون."
بعد اذاعة هذا الخبر، اتصل بنا صحافيون امريكيون يريدون التأكد منه. ونحن وزعنا عليهم بيانا قلنا فيه ان حكومة السودان قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع السودان سنة 1967، مباشرة بعد بداية الحرب بين العرب واسرائيل. واليوم، يوجد في الخرطوم مكتب لرعاية المصالح الاميركية، وفيه دبلوماسيون امريكيون. وانهم لا يتدخلون في الشئون الداخلية للسودان ...
نرفق مع هذا نص البيان. ونرجو اتباع ما فيه عند الرد على اتهامات رئيس وزراء السودان."
في هذه الحلقة وثائق عن عداء بابكر عوض الله لامريكا:
وليام شميك:
التاريخ: 13-8-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
صور الى: السفير، اثينا، السفير، لاهاي
الموضوع: رئيس وزراء السودان
"اليوم، قابلنا وليام شميك، مراسل جريدة "بولتيمور صن" الامريكية، والذي جاء الى السودان للكتابة عن انقلاب نميري. ولساعة كاملة، قابل بابكر عوض الله، رئيس الوزراء ...
قال لنا شميك ان عداء عوض الله لنا لا حدود له. وانه قضى معظم الوقت ينتقد السياسة الاميريكية. وانه امر بطرد ستة دبلوماسيين في السفارة الامريكية في الخرطوم لانهم عملاء لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي ايه) ...
وان عوض الله قال ان في الولايات المتحدة حكومتين: ظاهرة وباطنة. الظاهرة هي الحكومة الشرعية القانونية. والخفية هي حكومة الاستخبارات التي تدير السياسة الامريكية الخارجية ...
وان عوض الله انتقد السياسة الامريكية نحو اسرائيل، وطالبنا بالضغط على اسرائيل لقبول قرار مجلس الامن رقم 242 (بالانسحاب من الاراضي العربية التي احتلتها في حرب سنة 1967) ...
وان عوض الله قال انه لن يعيد العلاقات الدبلوماسية الكاملة معنا، وذلك بسبب موقفنا من القضية الفلسطينية. (قطعت العلاقات بسبب حرب 1967، ويوجد في الخرطوم مكتب لرعاية المصالح) ... "
ادوارد جيرجيان:
التاريخ: 6-9-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: رئيس وزراء السودان
"امس، قابلت ادوراد جيرجيان، رجل الاعمال السوداني، وصديق بابكر عوض الله، رئيس الوزراء. وكان شريكة في اعمال تجارية قبل ان يصبح رئيسا للوزراء ...
وقال جيرجيان ان عوض الله حكى له عن مشاكل داخل مجلس الوزراء. واشتكى من مرتضى احمد ابراهيم، وزير الري. وان مرتضى وزير من الدرجة الثانية، ولن يقدر على الانتصار على عوض الله.
لكن، قال جيرجيان ان عوض الله، احيانا، متقلب المزاج، ومناكف، وغريب التصرفات:
مثلا: بعد ان صار رئيسا للوزراء، رفض مقابلة سفير اليابان، لان السفير، قبل ان يصبح عوض الله رئيسا للوزراء، قابله مرات كثيرة في مكتب او منزل جيرجيان. واهمله. ويبدو ان عوض الله لم ينسى ذلك.
مثلا: قبل ان يصير رئيسا للوزراء، وفي حفل اقامه جيرجيان، ودعا له اربعين شخصا تقريبا، كان عوض الله هو السوداني الوحيد. ولم يهتم به احد. واغضبه ذلك كثيرا. لم يهتم به احد غير كلو نويل، السفير الامريكي. ويبدو انه قدر ذلك. رغم شكوكه الكثيرة في الامريكيين ...
وانا سألت جيرجيان عن خطة نميري لتأميم شركات التصدير والتوريد. وعن قرار نميري بتجميد رخص هذه الشركات. وقال جيرجيان انه حذر بابكر عوض الله. وقال له ان شركة جيرجيان ستكون اول الضحايا. لكن، طمأنه عوض الله بان تجميد الرخص سينتهي بعد شهر ...
وانا سالت جيرجيان عن تاسيس شركة الصمغ العربي الحكومية. واذا كان الهدف هو انقاذ شركة عثمان صالح التي تتاجر في الصمغ، لكنها تواجه خسارة كبيرة. وقال جرجيان ان ذلك غير مستغرب، خاصة لأن هناك علاقة مصاهرة بين آل عثمان صالح وعبد الكريم ميرغني، وزير التجارة الخارجية ...
واقترح جيرجيان ان ارسل له فيلم "يو اس آى اس" (وكالة المعلومات الامريكية) عن ارسال اول انسان الى القمر. وذلك حتى يعرضه على بابكر عوض الله، رئيس الوزراء، بهدف تخفيض عدائه لنا.
وانا قلت لجيرجيان انني لا افهم شدة عداء الرجل لنا. وانه يبدو ذكيا، ومخلصا. لكنه يستغل كل فرصة ليتهمنا بالتدخل في شئون السودان الداخلية. وبالتآمر ضد حكومة نميري. رغم اننا كررنا، بكل الطرق الرسمية والخاصة، ان هذا غير صحيح ... "
عوض الله في نيويورك:
التاريخ: 11-9-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الامم المتحدة
الموضوع: رئيس وزراء السودان
"حسب معلوماتنا، سيقود بابكر عوض الله، رئيس الوزراء، وفد السودان الى جلسات الجمعية العامة للامم المتحدة. ونود ان تلاحظوا الآتي:
اولا: نريد التقرب الى عوض الله، واقناعه اننا لا نتأمر ضده، او ضد حكومته.
ثانيا: نقترح ان تقوموا بمبادرات لمقابلة عوض الله، والتودد له.
ثانيا: يعتقد عوض الله اعتقادا جازما ان ما يسميها "الحكومة الامريكية الخفية" او "حكومة الاستخبارات المركزية" تخطط لاسقاط حكومة السودان بقيادة نميري.
ثالثا: يخاف عوض الله على نفسه شخصيا. وقال لنا جيرجيان، رجل اعمال وصديق وشريك لعوض الله، ان زوجة عوض الله سألت اذا كان زوجها سيعود سالما من نيويورك. وانها تخاف ان نتأمر عليه، وان نقتله ...
السؤال هو: هل مثل هذه الاشياء التي لا تصدق افتعالية؟ او انها تصور شعورا حقيقيا، سواء من رئيس وزراء السودان، أو من غيره؟
طبعا، كما تعلمون، احيانا تتناقض السياسة مع العواطف.
واحيانا، لا نكاد نفرق بين الدراما والواقع.
وخاصة في دول العالم الثالث، كما تعلمون، يوجد اعتقاد عام بأن الامريكيين لا عمل لهم سوى التأمر والتدخل في شئونهم الداخلية ...
هذا شئ لا يصدق.
حتى قادة متعلمون ومثقفون ومنفتحون، يتحدثون عن مخططات امريكية خيالية ضدهم او ضد شعوبهم. خاصة من وكالة الاستخبارات المركزية ...
انه شئ يمكن ان نسميه "فرايتند سمبلسيتي" (بساطة خائفة، خوف البسطاء) ... "
الرئيس نيكسون:
التاريخ: 19-9-1969
من: السفير، الامم المتحدة
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: رئيس وزراء السودان
"يقود بابكر عوض الله، رئيس وزراء السودان، وفد بلاده لجلسات الجمعية العامة للامم المتحدة. لكنه يبدو معاديا لنا في تشدد:
اولا، رفض كل مبادراتنا، ليس فقط لتحسين علاقاتنا معه، ومع السودان، ولكن، ايضا، لمجرد الحديث معه.
ثانيا: رفض حضور الحفل السنوي التقليدي الذي يقيمه الرئيس الامريكي لرؤساء الوفود الذين جاءوا الى اجتماعات الامم المتحدة. وكان الرئيس نيكسون جاء الى هنا، وخاطب الجمعية العامة للامم المتحدة.
ثالثا: رفض مقابلة ديفيد نيوصم، مساعد وزير الخارجية للشئون الافريقية. والذي، ايضا حسب عادة سنوية، جاء الى هنا لمقابلة رؤساء الوفود الافريقية ...
رابعا: وزعنا بطاقات الدعوة لحفل يوم 24-9، وهو الحفل التقليدي السنوي الذي يقيمه وزير الخارجية لرؤساء الوفود. ويبدو ان عوض الله سيرفض ...
وامس، قال لنا محمد المصباح، القائم باعمال سفير السودان في واشنطن، ان عوض الله رفض كل محاولاته لتقليل تشدده، ولقبول، على الاقل، دعوات المسئولين الامريكيين ... "
محمد ميرغني:
التاريخ: 27-9-1969
من: السفير، الامم المتحدة
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: رئيس وزراء السودان
"قابلنا مساء امس الاول، محمد ميرغني، صحافي سوداني (تعليق: ربما يقصد مراسل وكالة "رويتر" في الخرطوم في ذلك الوقت).
جاء الى هنا ليتابع زيارة وفد السودان للجمعية العامة للامم المتحدة بقيادة بابكر عوض الله، رئيس الوزراء. وقال لنا ان عوض الله يجرى اتصالات كثيرة، لكن قليلا جدا منها مع الامريكيين. وان عوض الله احس بالسعادة لأن اونيل، السفير الامريكي في الخرطوم، قابله هنا، وكان وديا نحوه ...
لكن، قال محمد ميرغني ان عوض الله لم يتنازل عن عدائه الشديد للدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة ...
وان عوض الله رفض مقابلة نيوصم، مساعد وزير الخارجية للشئون الافريقية. وقال: "قلت ما اريد ان اقوله في خطبي وخطاباتي الرسمية." رفض عوض الله رغم ان السفير اونيل والصحافي محمد ميرغني الحا عليه.
وقال محمد ميرغني ان سفير دولة شيوعية شرق اروبية في الامم المتحدة قدم الى فخر الدين محمد، سفير السودان في الامم المتحدة، قائمة سميت "عملاء الاستخبارات الامريكية في الخرطوم". وان فخر الدين سلمها الى بابكر عوض الله. وان ذلك زاد من عداء الرجل لنا ...
وقال محمد ميرغني ان اعضاء وفد السودان الى الامم المتحدة كلهم "يس مين" (رجال لا يقولون الا "نعم"). وانهم لا يقولون لبابكر عوض الله الا ما يريد ان يسمع، ولا يملكون الشجاعة ليقولوا له غير ذلك ..."
منصور خالد وفاروق ابو عيسي:
التاريخ: 28-9-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الامم المتحدة
الموضوع: رئيس وزراء السودان
"الحاقا ببرقية سابقة عن طرق التودد نحو بابكر عوض الله، رئيس وزراء السودان، نقدم هذه المعلومات عن بعض اعضاء الوفد المرافق له، والوفد الذي سيذهب الى واشنطن للاجتماعات السنوية للبنك الدولي وصندوق النقد العالمي:
اولا: منصور خالد: يستحق ان نقابله، وسيرحب بذلك. ليبرالي، و"ديديكيتد" (متفاني)، ومتعلم جدا، واكثر معرفة بشئون العالم من بقية المسئولين في الحكومة. وقضى وقتا مع منظمة "اليونسكو" في الجزائر وفي باريس. ومن المقربين جدا للرئيس نميري.
ثانيا: فاروق ابو عيسى: شيوعي "هارد شيل" (قوي). ولا نتوقع اي فائدة من الاتصال به.
ثالثا: ابوبكر عثمان محمد صالح: ظلت تربطنا معه علاقات "كورديال" (ودية). ونتوقع ان يبقى كوزير دائم في بعثة السودان في الامم المتحدة.
رابعا: مكاوي مصطفى، وزير المالية: "ليفتست، اونست، هاردويركنق" (يساري ونزيه ويعمل في تفاني).
خامسا: مهدي احمد، وكيل وزارة التخطيط: نال شهادة دراسات عليا في جامعة سيراكيوز سنة 1964، ويرحب بالحديث معنا.
سادسا: اسماعيل المكي، وكيل وزراة الخزانة، نال ماجستير اقتصاد من جامعة ميشيقان ستيت خلال نفس الفترة، وايضا يرحب بالحديث معنا ... "
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
12-21-2009, 06:56 AM
الوثيقة الأمريكية عن نميري:
محمد صالح عمر يطلب المساعدة في جده
وصالح فرح يطلب المساعدة في البحرين
يحى الفضلي واللجوء السياسي في السفارة الامريكية
في الحلقة السابقة من هذه المقتطفات من وثائق وزارة الخارجية الامريكية عن انقلاب 25 مايو سنة 1969، الذي قاده الرئيس جعفر نميري، ارسل السفير الامريكي في الخرطوم البرقية الآتية الى وزير الخارجية في واشنطن:
"امس، قابلت ادوراد جيرجيان، رجل الاعمال السوداني، وصديق بابكر عوض الله، رئيس الوزراء. وكان شريكة في اعمال تجارية قبل ان يصبح رئيسا للوزراء ...
وقال جيرجيان ان عوض الله حكى له عن مشاكل داخل مجلس الوزراء. واشتكى من مرتضى احمد ابراهيم، وزير الري. وان مرتضى وزير من الدرجة الثانية، ولن يقدر على الانتصار على عوض الله.
لكن، قال جيرجيان ان عوض الله، احيانا، متقلب المزاج، ومناكف، وغريب التصرفات:
مثلا: بعد ان صار رئيسا للوزراء، رفض مقابلة سفير اليابان، لان السفير، قبل ان يصبح عوض الله رئيسا للوزراء، قابله مرات كثيرة في مكتب او منزل جيرجيان. واهمله. ويبدو ان عوض الله لم ينسى ذلك.
مثلا: قبل ان يصير رئيسا للوزراء، وفي حفل اقامه جيرجيان، ودعا له اربعين شخصا تقريبا، كان عوض الله هو السوداني الوحيد. ولم يهتم به احد. واغضبه ذلك كثيرا. لم يهتم به احد غير كلو نويل، السفير الامريكي. ويبدو انه قدر ذلك. رغم شكوكه الكثيرة في الامريكيين ...
واقترح جيرجيان ان ارسل له فيلم "يو اس آى اس" (وكالة المعلومات الامريكية) عن ارسال اول انسان الى القمر. وذلك حتى يعرضه على بابكر عوض الله، رئيس الوزراء، بهدف تخفيض عدائه لنا.
وانا قلت لجيرجيان انني لا افهم شدة عداء الرجل لنا. وانه يبدو ذكيا، ومخلصا. لكنه يستغل كل فرصة ليتهمنا بالتدخل في شئون السودان الداخلية. وبالتآمر ضد حكومة نميري. رغم اننا كررنا، بكل الطرق الرسمية والخاصة، ان هذا غير صحيح ... "
وهذه مجموعة اخرى من هذه الوثائق عن اتصالات مع قادة من الاخوان المسلمين مع دبلوماسيين امريكيين طلبا للمساعدة لاسقاط حكومة نميري؟
محمد صالح عمر:
التاريخ: 11-9-1969
من: السفير، جده
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: السودان
"قبل ايام، طلب محمد صالح عمر، من قادة الاخوان المسلمين في السودان، مقابلتنا ليتحدث معنا عن التطورات الاخيرة في السودان، وخاصة بعد انقلاب مايو الذي قاده ، قبل اربعة شهور، جعفر نميري، رئيس مجلس قيادة الثورة.
ونحن لا نحتاج لنقول ان الاخوان المسلمين على الجانب الآخر من الشيوعيين في ميزان القوى في السودان. لكنهما، دون غيرهما، اكثر الاحزاب عقائدية في السودان وفي بقية دول المنطقة ...
يعتبر عمر من اكثر السودانيين تعليما، ومن الاخوان المسلمين المعتدلين. نال بكالريوس في القانون من جامعة الخرطوم، وماجستير في القانون الاسلامي من مدرسة لندن للدراسات الشرقية. يتكلم لغة انجليزية ممتازة، ويعرف كثيرا عن التطورات السياسية في الشرق الاوسط ...
اول ما قال لنا عمر هو انه موجود الآن في السعودية. وانه جاء الى السفارة ليتكلم عن الحكومة "اليسارية" التي يقودها جعفر نميري. وعن تاثيراتها على الوضع السياسي في السودان. واضاف بان الشيوعيين يسيطرون على الحكومة. وانها لا تتمتع بتأييد قوي وسط الشعب السوداني. وانها تتخذ سياسات تعسفية نحو الاحزاب والجماعات "المعتدلة"، كما قال.
وقال عمر ان الاحزاب والجماعات التي تعارض الحكومة تنسق جهودها، وتجمع قواها لاسقاط الحكومة. لكن المشكلة هي ان هذه الاحزاب لا تقدر على الاتفاق على سياسة واحدة معينة ...
وقال ان هذه الاحزاب والجماعات تريد تأييدنا السياسي، ومناصرتنا الاخلاقية، ودعمنا المالي. وذلك لأنه، خلال السنوات الماضية، اوضحت التطورات في الشرق الاوسط زيادة نفوذ الاحزاب والمنظمات اليسارية والشيوعية. وان هذا يهدد المصالح الامريكي، ويزيد الخطر في المنطقة. وان على الولايات المتحدة ان تلاحظ هذه التطورات، وان تعمل على المحافظة على مصالحها.
وسالنا عمر عن رأيه في المشكلة بين العرب واسرائيل. واجاب انه يفهم الخطوط العربضة لسياستنا في المنطقة. لكنه يؤمن بان تأييدنا لاسرائيل لا يقل خطورة بالنسبة للمنطقة عن زيادة نفوذ اليساريين والشيوعيين.
وقلنا نحن له اننا لا نزال نريد كسب الدول العربية الى صفنا، ونريد زيادة علاقات الصداقة والتعاون معها.
وقال انه لا يقلق على التحالف بيننا واسرائيل، بقدرما يقلق لأن اليساريين والشيوعيين في المنطقة يستغلون هذا التحالف لمصالحهم ولمصالح المعسكر الشيوعي ...
واضاف انه، في الوقت الحالي، سيبقى في السعودية، وذلك حتى لا يعتقله اليساريون والشيوعيون اذا عاد الى السودان. وانه يجرى اتصالات مع قادة المعارضة في الخارج. ويريد منا الا نقدم اي دعم اخلاقي او سياسي او اقتصادي او عسكري لحكومة نميري.
وقلنا له اننا سنتصل برئاسة الخارجية للحصول على تعليمات عن سياستنا نحو حكومة نميري ... "
صالح فرح:
التاريخ: 20-10-1969
من: القنصل، الظهران
الى: وزير الخارجية
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: السودان
"امس، اتصل بنا يوسف الشيراوي، مسئول التنمية والبترول في البحرين، والرجاء المحافظة على سرية اسمه.
قال انه يحمل رسالة من صالح فرح، سوداني يعمل مستشارا قانونيا للشيخ زايد آل نهيان، شيخ ابو ظبي. وله صلة قرابة بعائلة المهدي في السودان. ومن قادة الاخوان المسلمين هناك، او، على الاقل، من الذين يعطفون عليهم عطفا قويا.
قال فرح للشيراوي ان الاخوان المسملين يخططون لاسقاط حكومة نميري. وانهم يريدون المساعدة. وانهم يقدرون على الحصول على مساعدات من السعودية. لكنهم، ايضا، يريدون مساعدتنا، واشتراكنا في المحاولة.
وقال الشيراوي انه لا يريد التدخل في هذا الموضوع. لكن، لان فرح صديقه، وافق على نقل رسالته لنا. وان فرح مستعد لمقابلتي او اي دبلوماسي امريكي في اي مكان، او في مكتب الشيراوي في البحرين ...
وقلت انا للشيراوي ان ينقل لفرح ان الحكومة الامريكية لا تتدخل في الشئون الداخلية للدول الاخرى ... "
بشير محمد سعيد (1):
التاريخ: 8-9-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: بشير محمد سعيد
"اول امس، دعاني الى العشاء بمنزله بشير محمد سعيد، رئيس تحرير جريدة "الايام"، ورئيس اتحاد الصحافيين السودانيين.
سألته عن رايه في فاروق حمد الله، وزير الداخلية. وقال انه يعرفه شخصيا، وانه ليس شيوعيا، لكنه "وطني حقيقي يريد مصلحة الوطن." وانه اقوى شخص في حكومة نميري ...
في نهاية اللقاء، سألني سعيد سؤالا غريبا. قال: ماذا سيحدث لو طلب يحى الفضلي اللجوء السياسي في السفارة الامريكية؟ كان الفضلي وزيرا في حكومة الاحزاب قبل نميري، وهو واحد من ثلاثة سيقدمهم نميرى الى المحاكمة بتهمة الفساد. وقال سعيد انه سيقابل الفضلي في نفس الليلة، وسأل اذا جاء في اليوم التالي الى باب السفارة الامريكية، وطلب اللجوء السياسي.
استغربت انا للسؤال، وقلت له ان الموضوع معقد. وذلك لان العلاقات الدبلوماسية بيننا والسودان مقطوعة، واننا، قانونيا، مجرد قسم لرعاية المصالح الامريكية، وان سفارة هولندا هي التي تحمي المصالح الاميركية، وافضل ان يسأل يحى الفضلي الهولنديين.
وقلت انني آمل الا يأتي الفضلي الى سفارتنا، لأن ذلك سيسبب حرجا كبيرا لنا، خاصة لان حكومة نميري تتهمنا بمساعدة الاحزاب السياسية التي كانت تسيطر على الحكم قبله. وايضا، سيسبب حرجا كبيرا للفضلي نفسه ... "
بشير محمد سعيد (2):
التاريخ: 11-10-1969
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: افتتاحية بشير محمد سعيد
"يوم الاول من هذا الشهر نشر بشير محمد سعيد، رئيس تحرير جريدة "الايام"، كلمة انتقد فيها سيطرة الحزب الشيوعي على حكومة نميري. ويوم الخامس من الشهر، انذر فاروق حمد الله، وزير الداخلية، "الايام" من الهجوم على ما اسماهم "المؤيدين للثورة."
وكانت كلمة سعيد اثارت جدلا كبيرا في الخرطوم. وعلقت نسخ منها في بعض المساجد يوم الجمعة، وفي الاندية الثقافية، مثل نادي اتحاد طلاب جامعة الخرطوم. لم تكن هذه اول مرة ينتقد فيها سعيد الشيوعيين، لكنها كانت اول نقد مباشر من صحافي كبير في جريدة كبيرة.
نرفق لكم ترجمة كلمة سعيد ... "
جمال عبد الناصر:
التاريخ: 17-9-1969
من: قسم الاستخبارات والابحاث، الخارجية
الى: السفير، القاهرة
صورة الى: السفير، الخرطوم
الموضوع: السودان
"وصلت الينا معلومات من الخرطوم ان الرئيس المصري جمال عبد الناصر حذر الرئيس السوداني جعفر نميري من الخطر الشيوعي، وذلك عندما تقابلا في مؤتمر قمة مصغر. وان عبد الناصر قال لنميرى ان الشيوعيين يخططون للسيطرة على حكومته سيطرة كاملة ...
الرجاء جمع معلومات اضافية عن هذا الموضوع، وارسالها لنا ... "
الامام الهادي المهدي:
التاريخ: 11-9-1959
من: السفير، الخرطوم
الى: وزير الخارجية
الموضوع: امام طائفة الانصار
"خلال الايام القليلة الماضية، جمعنا معلومات بان حكومة نميري جددت محاولاتها لكسب تاييد كل من السيد محمد عثمان الميرغني، زعيم طائفة الختمية، والسيد الهادي المهدي، زعيم طائفة الانصار ...
في الاسبوع الماضي، كانت الاذاعة السودانية اذاعت ان فاروق حمد الله، وزير الداخلية، وخالد حسن عباس، عضو مجلس قيادة الثورة، زارا الامام المهدي.
وحسب معلوماتنا، توسط لزيارة الرجلين اللواء بالمعاش احمد عبد الوهاب، الذي كان من كبار العسكريين تأييدا لحزب الامة.
وعلمنا ان المهدي وضع ثلاثة شروط:
اولا: طرد جميع الوزراء الشيوعيين من الوزارة.
ثانيا: اطلاق سراح السجناء السياسيين.
ثالثا: بدء خطوات لكتابة دستور دائم للسودان ...
وعلمنا ان فاروق حمد الله غير راضي عن هذه الشروط، لكنه لم يرفضها نهائيا،. وفضل الانتظار حتى يعود الرئيس نميري من مؤتمر القمة الافريقية الذي بدأ جلساته امس ...
وعلمنا ان هذه الشروط تشبه الشروط التي قدمها السيد الميرغني، عندما قابل نميري في بداية هذا الشهر. وان الصادق المهدي، من قادة حزب الامة، قدم شروطا مماثلة.
ويوضح هذا ان هناك محاولات تنسيق بين قادة الاحزاب التي كانت تحكم السودان قبل نميري لمواجهة حكومة نميري ... "
نواصـــل... إن شاء الله
أبوسهيل
02-07-2010, 12:07 PM
شاهد عيان على عصر مايو النقيب أمن «م» ابراهيم زين العابدين
أسرار ضربة الجزيرة أبا وقصة المرتزقة فى عهد الرئيس الراحل جعفر نميرى
حقيقة اشاعة اغتيال جعفر نميري امام قصر الشباب والاطفال بام درمان والقتيل الحقيقي
ابو القاسم محمد ابراهيم : المفترض المحافظة على سلامة الامام الهادي ان وجدتموه فلا تأذوه
سلاح الطيران لم يضرب الجزيرة أبا .. لانه لا توجد اهداف تستحق ضربة الطيران
إعداد: الفـــــــــوال
اليوم في هذه الحلقة نلتقي بشاهد عيان لعصر الرئيس السابق جعفر نميري احد مساعدي عضو مجلس قيادة الثورة ابو القاسم محمد ابراهيم شارك معه في المنظمات الجماهيرية للثورة في اخطر مراحل الثورة وشهد معه الاحداث الكبرى .. مايسمى بالمرتزقة .. احداث الجزيرة ابا .. الى ان اختلف عند نقطة المصالحة الوطنية فماذا يحمل من اسرار وذكريات هذا ما سنراه في هذا اللقاء.
دار العجزة والمسنين
?{? الرحلة غريبة هذه المرة ومن خلفها قصة شددنا الرحال الى دار المسنين ببحري لنلتقي بضيفنا النقيب امن معاش ابراهيم حيث استقر به المقام هناك بعد رحلة طويلة كان يجلس وحيداً على كرسي منعزل في صبيحة الجمعة والدار هادئة من الداخل يغلفها الصمت والحركة البطيئة والهدوء الكامل السكون الذي يلف المكان والوحشة والانعزال تلمسها في اركان الدار التي تتوسط
الحي ورغم ذلك تحس بالاطمئنان في المكان اتجهت الى ضيفنا اليوم وبدأت الرواية.
البطاقة الشخصية
?{? إنا ابراهيم من مواليد ام درمان 1949 درست بمدرسة الموردة وام درمان الاميرية والمؤتمر وخور طقت الثانوية وقد كنت قدمت لكلية ام درمان الاسلامية (جامعة ام درمان الاسلامية) ولكني لم التحق بالجامعة وفي تلك الفترة التقيت بالاخ ابراهيم ابوزيد هلال وهو كان نقيب في سلاح الطيران وكان يلاحقني للانضمام للقوات المسلحة وصادف في تلك الفترة ان سافرت الى الابيض والتقينا هناك في مناسبة زواج اخته وكرر الحاحه ان انضم للجيش فاختمرت الفكرة وبعدها سافرت لبورتسودان في مهمة خاصة وهناك التقيت بالزميل سوركتي عليه الرحمة وكان بمدرسة المشاة بجبت وعرفني بالرئيس نميري وكان حينها استاذ بمدرسة جبيبت والتقينا بمكتب حسن مشرف مختار ببورتسودان وتحدثنا في هذا اللقاء عن مسائل وطنية وتواعدنا للقاء مرة ثانية وحينها قامت ثورة مايو فاختاروني للجهاز المركزي للرقابة العامة تصفية المؤسسات وكان معي الاخ الاستاذ عبدالرؤوف محمد عبده وكان معنا على بابكر (حكم الكورة المعروف في بورتسودان) وكنا مسؤولين عن تصفية الشركات الموجودة في بورتسودان ومنها انتقلت مع الاخ محمود حسيب لشركة سودان لاين حيث تم تعينه مدير عام للخطوط البحرية.
الدخول لجهاز الامن
?{? ثم عدت للخرطوم وكان الاخ احمد عبدالحليم وبركات موسى الحواتي كانوا يعملوا في الجهاز المركزي للرقابة العامة وقابلت الاخ زين العابدين وكان هو الرقيب العام وكان معه المقدم سيد المبارك الطيب وطلب مني المقدم سيد المبارك ان اذهب مع منير عبدالقادر وعبدالله عشري الصديق طلبوا ان ننشئ مكتبة كبيرة لجهاز الامن وهكذا دخلت الامن وعملت به.
?{? في تلك المرحلة كان ارتباطكم وثيقا مع ابوالقاسم محمد ابراهيم عضو مجلس قيادة الثورة والرجل الابرز في نظام نميري؟
?{? عملت مع ابوالقاسم محمد ابراهيم عبر التنظيمات والعلاقات الشخصية فقد كنت ماسك العمل الميداني وكنت اوصل له شكاوي المواطنين ورسائلهم وكان سريعا في استجابته لهذه الشكاوي والمظالم واشهر القضايا في هذا الجانب هي قصة شارع العودة في بانت الفتيحاب وقبلها شارع بيكة مدني ثم توطدت العلاقات وبدأنا نلتقي كثيرا خاصة اننا ابناء منطقة واحدة وعلاقتنا قديمة وكان معي ايضا الاخوان حيدر عبدالحميد وجاء بعدنا المدير التنفيذي لمكتب ابوالقاسم محمد احمد الطيب البلولة والزبير احمد على وكانت في تلك الفترة تجمعنا امانة المكاسب الثورية وهكذا كانت علاقتي وطيدة جدا بالاخ ابوالقاسم محمد ابراهيم خاصة في الظروف الصعبة التي كانت تواجه الثورة في ذلك الحين.
?{? ماهي الوظيفة المحددة التي تربطكم بالسيد ابوالقاسم في ذلك الحين؟
العمل الجماهيري كان هو العمل الاساسي لي مع الاخ ابوالقاسم.
احداث ابا
?{? من الاحداث الهامة في تلك المرحلة احداث المرتزقة واحداث الجزيرة أبا وكان لابي القاسم دورا كبيرا في هذه القضية وانت كنت من اللصيقين به في تلك الفترة؟
قصة الجزيرة ابا قصة طويلة واصلا هذه القضية كانت في يد العميد التاج حمد وبعده جاء العميد ابو الدهب وكان هو مندوب الحكومة في التفاوض مع الامام وفشلت هذه الحكاية فتدخل صلاح الدين حامد صالح المك فالتعبئة من قبل الانصار كانت كبيرة شوية. مما تطلب ان تكون هناك قيادة ميدانية اكبر من عضو مجلس الثورة فطلبوا من ابوالقاسم ابراهيم ان يتوجه الى الجزيرة ابا لحل المشكلة وقد كان.
?{?حينما ذهب ابوالقاسم ابراهيم الى الجزيرة ابا لحل المشكلة هل طلب منك الذهاب معه ولا ذهبت لوحدك؟
لا .. ذهبت لوحدي.
?{? يعني هو ما طلب منك الذهاب للجزيرة ابا معه؟
لا لم يطلب مني ذلك
?{? لماذا ذهبت اذن للجزيرة ابا؟
ذهبت لان هذا عمل ممكن الواحد يساهم بايقاف العملية الجارية والتصعيد الحادث في القضية ولاقناع الشباب انه ما في نسبة وانت حامل سلاح ابيض يمكن لك من محاربة جيش مسلح.
?{? ذكرت انك ذهبت الى الجزيرة ابا باختيارك فهل ذهبت معه في نفس العربات التي غادر بها للجزيرة؟
لا .. انا ذهبت قبل ذهاب ابوالقاسم للجزيرة.
?{?هل حدث ان قابلته هناك أو حدث بينكم أي اتصال ما؟
لا ابداً لم يحدث ذلك
?{? ما الذي حدث بالضبط بعد وصول ابوالقاسم للجزيرة؟
في الحقيقة كانوا قد اعطوا انذارا للامام وانه ما في داعي لهذه الاشياء ويمكن الناس تجلس للتفاوض السلمي لحل الاشكالية وطلعوا منشورات رموها بالطائرات وحينما لم يستجب الامام لهذا الانذار طلبوا من الناس ان يخرجوا من الجزيرة النساء والاطفال وكبار السن حتى لا يتعرضوا لأي ضرب وهذه كانت من وسائل الضغط التي مورست على مجموعة الامام لكي يستجيب لنداء التفاوض.
?{? اين كنت في الجزيرة ابا في تلك اللحظات؟
كنت موجود خارجا مع القوات المدرعة.
وفي النهاية لم تكن هناك أية استجابة من جهة الامام فحدث ما حدث من احداث دامية وذلك بعد مدة من الانذار حيث كانت حشود الانصار تأتي بكمية رهيبة الى الجزيرة.
?{? هذا كله كان يمكن ان يحتوى بالتفاوض ولكن القرارات المتسرعة التي كانت تأتي من الداخل وحتى ان المندوب الحكومي الذي ذهب للتفاوض عومل معاملة غير كريمة وهو رجل في رتبة عميد في القوات المسلحة.
موقف ابوالقاسم
?{? بصلتكم الحميمة مع ابوالقاسم ابراهيم ما هو موقف ابوالقاسم الشخصي في هذه القضية؟
ابوالقاسم تحدث وقال مفروض تحافظوا على الامام واذا وجدتموه لا تأذوه وطلب من الناس ان لا يستخدموا العنف الا في حالة الدفاع عن النفس وظل متابعا الى رجوعه للخرطوم ثم علم ان الامام خرج بعربات من الجزيرة ابا وضرب في الكرمك من قبل حرس الحدود لانه لم يستجب للحرس فتأثروا جدا لمقتل الامام الذي لم يكن عمدا.
?{? في ايام هذه الاحداث كنت مع القوات المدرعة في الجزيرة ابا ما هي الرتبة التي كنت تحملها آنذاك؟
رتبة نقيب
?{?بما انك كنت شاهدا على تلك الاحداث عن قرب هل قام سلاح الطيران بضرب الجزيرة ابا؟
لا لم يضربها كل دور الطيران هو في انزال المنشورات عبره ثم ليس هناك شئ يمكن ضربه بالطائرات بمعنى ليس هناك شئ يستحق ان يضرب بالطيران من اهداف لان السلاح اغلبيته كان سلاح ابيض وهذا لا يتطلب مقاومته بالطائرات.
?{? حينما وصل خبر وفاة الامام ماذا كان تعليق ابوالقاسم ابراهيم؟
علق بان طلب اجراء تحقيق في هذه الحكاية.
?{?هل تعلم نتيجة هذه اللجنة التي شكلت للتحقيق؟
لا ادري ماذا تم بعد ذلك من نتائج.
المرتزقة
?{? الحدث الاخر المهم في تلك الفترة هي عملية المرتزقة كيف كانت الزاوية التي تنظرون بها لهذه الاحداث؟
تلك قصة طويلة ومثيرة في نفس الوقت وكانت من الايام الصعبة في تاريخ مايو بدأت كالآتي : كان عندنا اجتماع في اللجنة المركزية لاتحاد شباب السودان وجاءنا الرائد زين العابدين عبدالقادر واخبرنا بانه يتوقع حدوث غزو خارجي وان نكون في حالة تعبئة كاملة ومستمرة وكان ان جاءت زيارة لابوالقاسم وزين العابدين عبدالقادر لمدني رفقناهما لود مدني.
?{?رافقتهما بصفتك شنو؟
قمت بمرافقتهما لانه كنت مسؤول عن العمل الميداني انا ومعاي الزبير لدينا تنسيق مع اخونا صلاح النور مطر مسؤول الامن في مدني وكان عملنا محدود وليس مرتبط بشئ معين وذهبنا لمدني وفي ثاني يوم بدأت الحادثة فرجعنا انا والزبير واول ما رجعنا ذهبنا للاخت آمال عباس على اساس ان منزلي بالقرب من الاذاعة وجوار منزل السيد الصادق المهدي وقبلها كنا قد ذهبنا لمنزل مهدي مصطفى الهادي المحافظ فلم نجده.
سألنا آمال عن الشئ الحصل؟
فقالت : إنا ذاتي ما عارفة حاجة لكن في ناس لابسين مدني حاملين سلاح هم محتلين الاذاعة في هذا الوقت فاتجهنا انا والزبير على الاذاعة فلم نجد طريقة لدخول الاذاعة لكن شاهدنا ناس محتلين الاذاعة وهناك دخاخيين طالعة من داخل الاذاعة فاتجهنا الى مركز ام درمان الاوسط فوجدنا الحكمدار في ذاك الوقت محمد عبدالجبار وكان كمندان بوليس ام درمان حسن ميرغني.
قابلنا حسن ميرغني فقال لنا : الحكاية دي حتنتهي بعد ساعات لان الناس ديل ما عندهم حاجة الا انهم انتهزوا انه اليوم جمعة واحتلوا القيادات من الخارج فقط.
فسألناه عن الحاصل شنو؟
فقال لنا : انتو عاوزين شنو بالضبط؟
فقلنا له : نحن دايرين نجمع معلومات عن قوة هؤلاء الناس عددهم .. ومناطق تمركزهم.
فقال لنا : إنا دلوقت ما عندي أي معلومات ولكن اللي بعرفه ان اذاعة امدرمان محتلينها من الخارج وقافلين الكبرى وقاعدين في قصر الشباب والاطفال و(كان قصر الشباب بيبنوا فيه جديد) فاتجهنا اليه.
اشاعة اغتيال نميري
حينما وصلنا الى قصر الشباب والاطفال وجدنا سائق تاكسي وحاجناه في الذهاب بنا الى مشوار ولكنه رفض بعد قليل جاءنا واحد وقال ان المرتزقة قتلوا نميري؟
سألناه قتلوا النميري فين؟
قال لنا : اهو داك واقع جنب قصر الشباب والاطفال وحينما اتجهنا للموقع واتضح ان احد هؤلاء المرتزقة فوق مركب مدفع 42 وكان يضرب في كل الاتجاهات فاتضح من المواطنين الساكنين في الاشلاق القريب قالوا لينا المات ما نميري لانهم اعتقدوا هذا الشخص نميري لانه شكله نفس شكل وحجم النميري ولونه ورتبته لواء والذي مات هو اللواء الشلالي قائد السلاح الطبي.
?{? ثم رجعنا لجوار مدرسة المؤتمر وسمعنا ضرب نار واتجهنا الى الاذاعة قابلنا واحد نقيب اسمه محجوب ابراهيم تقريبا افادنا انهم من القيادة الشمالية وان الضرب كان شديدا في الاذاعة وبعدها وصل زين العابدين بالهجانة ثم بدأت المطاردات لكثير من الوقت وكانت النتيجة ان مات عدد من الناس الابرياء مثل قائد الاستخبارات الذي مات امام مكتبة مامون منور ومحمد عثمان هاشم اخ رئيس الاركان وكان جاي من لندن ويبدو انهم (شبهوه على اخوه)
الاختلاف مع مايو
ظللت تعمل ضمن ثورة مايو وبجوار قائد من قوادها الكبار ماهي قصة اختلافكم مع مايو وترك العمل في الجهاز الأمني؟
كان في عام 77 حدث اتفاق في بورتسودان بين جعفر نميري والصادق المهدي فيما عرف بالمصالحة الوطنية انذاك وكان حينها النائب الاول لرئيس الجمهورية محمد الباقر احمد وقدم اللواء الباقر استقالته في الليل وثاني يوم جئنا سألنا الباقر استقال ليه؟
قالوا لينا : حصل اتفاقية في بورتسودان بين نميري والصادق وسبب استقالته لانه ما كان عنده علم بيها وغير موافق عليها فاستقلنا نحن مجموعة ومن الغريب هذه الاستقالة لم يقبلوها ولم يقولوا لنا عنها شيئا فقام علي عبد الرحمن النميري الله يرحمه المدير التنفيذي لجهاز الامن قال لي بعد ذلك انهم اختاروه اول سفير لايران وطلب مني الذهاب معه الى طهران لتأسيس اول سفارة فوافقت على هذا العرض وفعلا ذهبت معه الى ايران ولكن بعد شهرين قامت ثورة الخميني وكنت عند وصولي لطهران قدمت للدراسة في الجامعة هناك جامعة طهران كلية الهندسة وفعلا قبلت فيها ولكن اغلقت الجامعة فاتجهت الى فرنسا للتقديم للجامعة هناك وحينما لم اتمكن من الالتحاق بالجامعة في فرنسا اتجهت الى لبنان واستمريت في الدراسة الى ان تخرجت في كلية العلوم السياسية وظللت هناك في لبنان.
ابراهيم شمس الدين
في تلك الفترة وانا في لبنان حدث ان زار الراحل ابراهيم شمس الدين لبنان وكانت دعوته لنا بالعودة للمشاركة في بناء الوطن وان البلاد محتاجة لكل ابنائها وكانت زيارته تلك مع عضو مجلس قيادة الثورة صلاح كرار وفعلا جئت الى السودان عائدا.
?{? معارضتكم لنميري ما هي الاسباب التي اعتمدوها في ذلك قناعات ام لان اللواء الباقر قد استقال؟
لا .. طبعا الاتفاقية كانت مرفوضة بالنسبة لي عن قناعات حقيقية.
?{? ماهي القناعات؟
لان المصالحة سوف تعيد الاحزاب مرة اخرى والاحزاب اقولها اليوم وغدا ولخمسين عاما قادمة الاحزاب ليس لها أية فائدة للسودان الاحزاب ليس لديها أي افكار تطرحها من اجل بناء السودان وافكارهم الموجودة محدودة وافكار مصلحية وافكار طائفية وليس لديها شخص مؤهل يمكن ان تقدمه كزعيم وقائد وملهم هذه قناعات حقيقية لدي يسندها الواقع القائم والتاريخ فالاحزاب لا تفكر ان السودان لكل السودانيين ليس ملك لطائفة معينة أو قبيلة محددة أو عنصر بعينه لذا انا كنت ضد المصالحة الوطنية التي تمت بين ثورة مايو ممثلة في رئيسها جعفر نميري وبين الصادق المهدي فأثرت الابتعاد ولازال الرأى قائما في الاحزاب عامة.
لماذا هنا في هذا الدار
?{? بعد عودتي للسودان من لبنان حاولت الاتصال بالراحل ابراهيم شمس الدين ولكنني لم اوفق في لقائه لانه كان علي ان ابدا حياة جديدة بعد عودتي من الاغتراب في لبنان وعملت في احدى الشركات وانا لي اخت تعمل وزوجها متوفي ولديها اولاد في مرحلة العمل تعرضت لوعكة صحية الزمتني سرير المستشفى وبعدها اجريت عملية جراحية وفي نهاية المطاف استقريت هنا على امل العودة الى لبنان مرة اخرى خلال الفترة القادمة حيث انني متزوج من لبنانية هناك.
اضاءة اخيرة
?{? في اثناء اجراء هذا الحوار في دار المسنين لفت نظري دخول ثلاثة من الشباب الهنود يحملون معهم هدايا عبارة عن فاكهة وبسكويت قاموا بتوزيعها على المسنين في الدار وقاموا بمغادرة الدار بعد ذلك وكان لابد من تسجيل هذا الموقف الانساني الرائع لهؤلاء الشباب الذي يحمل اكثر من معنى انساني رفيع كان لابد من تسجيله في نهاية هذا اللقاء بالصورة والقلم.
أبوسهيل
09-21-2010, 12:29 AM
في حديث مثير جداً، بمقر إقامته بالقاهرة
اللواء خالد حسن عباس... أبرز ضباط مايو.. ونائب نميري:
الكارثة بدأت بتكريس نميري للسلطات بيده.. وإنهاء دور الاتحاد الاشتراكي
الأنصار ذبحوا الجنود والضباط.. لذلك كانت أحداث أبا وودنوباوي
توقيت المصالحة كان خاطئاً.. حيث لم تجف الدماء. وهم أنفسهم كانوا يائسين..!
http://www.alwatansudan.com/topicimg.php?id=19321 حوار: عادل سيدأحمد: اللواء خالد حسن عباس.. من أبرز ضباط 25 مايو.. وقد تبوأ في تلك السنوات، مواقع متعددة، سواء أكان في «مجلس قيادة الثورة» أو الوزارات المختلفة حتى وصل الرجل لموقع «نائب رئيس الجمهورية» وقد عُرف عنه المواقف الصلبة بيد أنه «عارض» الرئيس الراحل نميري في عدة محطات ومحكات.. وقد انزوى لفترة ... كما عاد مجدداً واستمر مع مايو حتى آخر يوم من عمرها في 6 أبريل 1985م
والحقيقة أنني زرته مؤخراً وهو يستشفى بالقاهرة.. وفي طريقه لألمانيا الزيارة كانت بمنزله بـ«مدينة مصر» الحفاوة الشديدة من أسرته ثم استقباله الحميم لشخصي الضعيف .. شجعاني على أن «أجتر» معه محطات مهمة في حقبة مايو وقد كان السؤال المحوري ماذا لو عاد بك التأريخ إلى الوراء..؟؟!
٭ نميري .. لماذا اخترتوه رئيساً لمجلس قيادة الثورة؟
ـ الحقيقة التاريخية التي يجب أن تقال إن نميري لم يكن هو الرجل الأول في مجلس قيادة الثورة.. وإن فرضته معايير معينة، وشكليات محددة. وأصلاً نحن لم نعين نميري وإنما كان القرار جماعياً.. هذا ما اتفقنا عليه..
٭ النكسة
٭ الأمورإذن كانت ماشة كويس.. متى بدأت النكسة والإنتكاسات؟
ـ فكرة التنظيم، وأعني الإتحاد الإشتراكي كان مخططاً لها أن تكون تطوروتطوير سياسي حتى تتاح الفرصة للمؤسسات أن تستغل ولكن للأسف الشديد بعد فترة قام نميري بإفراغ التنظيم من مضامينه وأهدافه نميري كرس السلطة في يده فأصبح هو الإتحاد الإشتراكي والإتحاد الإشتراكي هو.
الكارثة الأولى بدأها نميري بتكوين سلطة الإتحاد الإشتراكي في يده وكانت تلك بداية النكسة.
٭ مسؤولية الأجهزة
٭ ولكن أليست من مسؤولية لقيادات الأجهزة الموجودة .. لماذافرطوا في سلطاتهم؟
ـ من هنا بدأت المشكلة فقد فوضوا نميري، ووضعوا كل خيوط السياسة والسلطات في يده وقد كان هذا التفويض هو الخطأ الكبير الذي أسس لإنهيار مايو
* تكديس السلطة بيد نميري كان الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه مايو.
ـ بلا شك..!
٭إذن أنت تحمل نميري المقدمة الأولى في سقوط مايو؟؟
ـ بلا شك
٭ هل كنت تناقشه وتتصدى له؟؟
ـ طبعاً.. طبعاً . لم أكن أجامل وبطبعي.. فإنني لا أخشى في الحق لومة لائم..
كنت دائماً ما أتحدث معه، وأنتقده ، وأذكره بأهداف الثورة ، والتي من أجلها تحدثنا وحققنا مايو.
٭لماذا ابتعدت لفترة.. هل هناك حيثيات محددة، للابتعاد إبان فترة حكم مايو؟
ـ بالطبع هناك أسباب.. ولم يحن وقت البوح بها.. وسأقولها لك أنت شخصياً في الوقت المناسب..
أعدك والتزم لك بذلك.. وربما بعد عودتي من المانيا..
هذا سر كبير، سأكشفه في الوقت المناسب..
أبا ود نوباوي
٭لو رجع بك التاريخ للوراء ، هل كنتم ستقومون بمواجهة الأنصار، في أبا وودنوباوي..؟؟
ـ الناس ديل هم الذين دفعوا مايو للدفاع عن نفسها..
تسلحوا في ود نوباوي وكذلك في الجزيرة أبا... وقتلوا مجموعات من القوات المسلحة، وروعوا المواطنين.
إذن هم الذين بدأوا بالعدوان لقد قاموا بذبح ضباط وقتل جنود.! واستمروا في حمل السلاح، وإطلاق النار.. ومايو كانت دولة ، مطالبة بحفظ النظام
* هل الذين ماتوا من جانب الحكومة كانوا يهوداً..؟!
ـ لقد كانوا سودانيين. فكان من الطبيعي ، أن تحفظ مايو النظام
المصالحة
٭ أنت كنت معترضاً على المصالحة الوطنية، مع الجبهة المعادية لنظام نميري؟؟
ـ ليس بهذا المعنى.. ولكني كنت أرى أن دماء أفراد القوات المسلحة والناس الذين استشهدوا بسبب تلك الأحداث ..دماؤهم لم تجف بعد.. دم الناس، مانشف في 76..! * فهل التوقيت كان مناسباً لعقد مصالحة بالشكل الذي تم..؟!
ـ هذه كانت الإشكالية وأيضاً هنا يجب أن أقول إن المسألة دي تمت، ضمن الكارثة المتعلقة بـ«تفويض نميري»
إن المعارضة نفسها كانت في لندن آنذاك وقد ذكر لنا ذلك الدكتور شريف التهامي فيما بعد، أنه حينما اجتمعوا في لندن، بعد فشل «حركة المرتزقة» في يوليو 76 إنهم اجتمعوا في لندن وقال«إن هذا النظام لن يسقط بالسلاح» إذن كانوا يائسين..
فمن الذي نفخ فيهم الروح .. ومن الذي أعطاهم المساحة إلى أن أتوا واستغلوها فيما بعد، ضد مايو.. نميري هو المسؤول عن ذلك .. فلقد استخدم المعارضون مساحة المصالحة لتقويض مايو. وكانت هذه الكارثة الثانية، لجعفر نميري..
خالد حسن عباس يكشف أسراراً، لأول مرة:
الشيوعيون انتحروا في يوليو 1971.. وقد قابلت بابكر النور بعد فشلهم
اختلفنا أنا ونميري في حكاية نعمات مـالك، لهــــــذه الأسـباب..
هذا السؤال، لايجوز معه أسلوب«خُدْ وهات»
اللواء خالد حسن عباس.. من أبرز ضباط 25 مايو.. وقد تبوأ في تلك السنوات، مواقع متعددة، سواء أكان في «مجلس قيادة الثورة» أو الوزارات المختلفة حتى وصل الرجل لموقع «نائب رئيس الجمهورية» وقد عُرف عنه المواقف الصلبة بيد أنه «عارض» الرئيس الراحل نميري في عدة محطات ومحكات.. وقد انزوى لفترة ... كما عاد مجدداً واستمر مع مايو حتى آخر يوم من عمرها في 6 أبريل 1985م والحقيقة أنني زرته مؤخراً وهو يستشفى بالقاهرة.. وفي طريقه لألمانيا الزيارة كانت بمنزله بـ«مدينة مصر» الحفاوة الشديدة من أسرته ثم استقباله الحميم لشخصي الضعيف .. شجعاني على أن «أجتر» معه محطات مهمة في حقبة مايو وقد كان السؤال المحوري ماذا لو عاد بك التأريخ إلى الوراء..؟؟!
٭ متى أحسست بأنّ مايو تراجعت.. وما سبب هذا الإحساس؟؟.
- منذ أنْ تم تكريس السلطات بيد نميري.. لقد كان التفويض، خطأً كبيراً، هو الذي قاد إلى المشكلات التي ترتب عليها، ضمن أسباب أخرى، سقوط مايو..
انسحاب
لقد بدأت عناصر مهمة وأساسية في الانسحاب من مسرح العمل العام.. مثل السيد مامون عوض أبوزيد، وبابكر عوض، وآخرين. لقد تقلّص دور مجلس قيادة الثورة، واتجهت الأمور إلى سياسة التفويض .. مما دفع بالبعض إلى الابتعاد والانزواء.
انقلاب هاشم العطا
٭ لو عاد بك التاريخ، هل كنتم ستعدمون «رفاق السلاح».. زملاء الانقلاب.. وعلى رأسهم هاشم العطا وفاروق حمد الله وبابكر النور؟؟.
- هؤلاء انتحروا، ولم ننحرهم نحن.. فقد وجدوا جزاءهم العادل.. فماذا لو استولوا هم على السلطة.. لكانوا قد حاكمونا نحن وأعدمونا.. الانقلاب«يا كاتل.. يا مكتول».
٭ هل التقيت بأيٍّ منهم، بعد فشل الانقلاب؟؟.
- نعم.. التقيت ببابكر النور.
٭أوع تكون ضربتو.. هل كنت قاسياً معه؟؟.
- أبداً.. أبداً.. بل على العكس، تحدثتُ معه باحترام.. وذكّرته برفقتنا، وإننا زملاء مهنة واحدة.. وبالطبع، فإنّ التوبيخ وارد، بحسبان إنهم قاموا بعمل خطير.
عبد الخالق
٭ وعبدالخالق محجوب.. هل التقيته أو قابلت الشفيع أحمد الشيخ؟؟.
- لا.. لم ألتقِ بأحد، غير بابكر النور.. ولكني اعتبرهما ارتكبا جريمة، ونالا العقاب.
٭ ما ذنب السيدة نعمات مالك، حرم عبدالخالق محجوب، حيث منعتوها من العمل لـ«سستر»، بعد إعدام زوجها عام 1971م؟؟.
- بالعكس.. وأنا وزير للصحة، حدثني بعض العاملين معي، أنّ السيدة نعمات مالك، تقدمت لوظيفة«مترون» بإحدى المستشفيات.. فوجهتهم بأنْ يقبلوها، إذا كانت مستوفية للمعايير المهنية.. بعض الناس أخبروا نميري، برأيي وموقفي.. فطلب مني الحضور.. فذهبتُ إليه.. سألني مستنكراً.. فقلت له:نعم.. أنا موافق على أنْ تتقدم هذه السيدة، كأيّ مواطن سوداني..ولايمكن أن نحجر عليها، لمجرد أنها زوجة عبدالخالق محجوب.. كان هذا موقفي الذي لم أتزحزح عنه، قيد أُنملة..
مواجهة نميري
٭إذن أنت كنت من القلائل الذين، يواجهون نميري؟؟
- نعم..لأنني شريك أساسي في مايو.. وليس لدي مصالح خاصة.
خُدْ وهات
٭ أريد منك تعليقات«خُد وهات» سريعة.. قرار انقلاب مايو، هل كان صائباً؟؟.
- نعم.. بنسبة100%.
٭الجزيرة أبا وودنوباوي والمذابح.. هل لو رجع التاريخ، كنتم ستتخذون تلك القرارات؟؟.
- نعم.. كان لابد من ذلك.
٭ يوليو 71...وإعدامات الشجرة؟؟.
- ما كان هناك خيار آخر.. والأجواء نفسها لم تكن تسمح، بغير تلك الأحكام..
٭ الانتفاضة في 6 أبريل.. هل كان من الممكن تفاديها؟؟.
- تلك قصة أخرى.. لايجوز فيها السؤال على طريقة«خُد وهات».
٭إذن سنتحدث حولها بالتفصيل.. بدون مجاملات؟؟.
- نعم.. نعم.. تفضل.
أبوسهيل
09-25-2010, 12:13 AM
في ذكري (25) مايو الوطن تنشر حلقات من كتاب
(أيام مع جعفر نميري أسرار ومواقف) (الحلقة الأولي)
الشيوعيون روجوا لمايو في أول عهدها وفشل انقلاب يوليوم 71 قرب الثورة من الشعب
إعدام المقدم حسن حسين أبعدني عن مايو.. واهتزاز قناعتي بالفكر الجمهوري قادني للأخوان المسلمين
الترابي كان له دور كبير في إقناع الأخوان بالمصالحة والمشاركة في مايو والتعايش معها
للكاتب الصحفي جمال عنقرة
(لم يكن في تقديري في يوم من الأيام أن أصدر كتاباً حول علاقتي مع الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري، ذلك أن صلتي المباشرة معه لم تتجاوز بضع مئات محدودة من الأيام قضيتها معه مستشاراً إعلامياً له في بعض فترة منفاه في العاصمة المصرية القاهرة.وهذه الأيام رغم قلتها مقارنة بتاريخ الرجل الطويل في الحكم وخارجه، إلا أنها حفلت بالعديد من الأحداث المثيرة، ليس في تاريخ الرجل فحسب ولكن في تاريخ وطننا السودان أيضاً.. هذا فضلاً عن أن وجودي اللصيق معه قد أتاح لي أن أعرف منه أسرار أحداث وقعت في حياته قبل أن ألقاه.وشملت هذه الأحداث محطات في مسيرة حياة الرجل منذ نشأته وعلاقات أسرته، وحياته الطلابية وزملاء دراسته، ثم دخوله الكلية الحربية وتخرجه فيها، وتدرجه في الرتب العسكرية إلي أن صار رئيساً للجمهورية. وتلك ستة عشر عاماً حافلات بالمواقف والأسرار... كيف دبر للانقلاب وكيف نفذه، ومن كان معه، وماهي علاقته بالحزب الشيوعي السوداني وعلاقة الشيوعيين بمايو، وهل كان نميري شيوعياً.. وووقفت علي الكثير من التفاصيل والحكايات والأحداث الجسام مثل أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي، ومحاولات الإنقلاب علي نميري، فشلها ونجاحها. وعلاقاته مع الرؤساء والزعماء العرب والأفارقة وغيرهم..
أما ما كنت شاهداً عليه ومشاركاً في صناعته فهو أولاً المعركة مع الديمقراطية الثالثة التي كان يقود حكوماتها السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي. ولقد احتوت علي محاولات انقلابية عديدة لهدف إعادة نميري للحكم.. وفي ذلك أسرار عديدة ومثيرة لاسيما في ما يخص حوارات بعض القيادات الحزبية مع الرئيس نميري من وراء ظهور أحزابهم التي كان نميري يعمل علي إسقاط حكوماتها، وكان بعض القياديين في تلك الأحزاب يشجعونه علي ذلك.ووقفت كذلك خلال هذه الفترة علي حوارات صحفية كانت غطاء لغيرها مما كان يضمره أصحابها، الذين كانت لهم أجندة خفية ستروها بالحوار أو المقابلة الصحفية.وشاركت في تلك الفترة في الحوار بين مايو والإسلاميين قبل الإنقاذ وبعدها. وشارك في ذلك إسلاميون ومايويون كثر. بعض كان يبني، وبعض كان يهدم، وبعض ينطبق عليه المثل السوداني (يدي الحلة عيطة والنقارة عصاة)
كل تلك الأحداث ما كان يمكن أن أتركها دون توثيق فجمعت ما يجوز نشره في كتاب أسميته (أيام مع جعفر نميري ــ أسرار ومواقف) وأحاول في هذه المساحة في (الوطن)أن أستعرض بعض ملامحه عبر حلقات متتابعة بإذن الله تعالي.
أيام قبل الأيام
فجر الخامس والعشرين من مايو عام 1969م لم تكن شخصيتي السياسية قد نضجت بعد لكنني كنت بالأصل والتاريخ أنصارياً. وكنت جناح السيد الصادق المهدي ـ وبالطبع لم يكن هذا الانتماء مسنوداً بفكر ولا رأي ــ ولكن في الأنصارية كانت تتجسد أمجاد الأجداد، وفي السيد الصادق المهدي تطلعات الشباب وطموحاته.
ولأن ارتباطنا بالسيد الصادق المهدي وبحزب الأمة لم يكن قد نضج بعد، فعندما تحركت مجموعة مايو من خور عمر كانت فتنتنا بشباب القادة الجدد أكثر منها بفكرهم وبرنامجهم السياسي. وكان للزى العسكري في ذلك الوقت سحر عجيب علي قلوب الشيب والشباب معاً، وكنا نتطلع لدخول الكلية الحربية.بل البنات علي ذلك العهد كان الضابط عندهن أجذب من الطبيب والمهندس وغيرهما.ومع أيام مايو الأولي تفجرت لجان تطوير الريف وتفجرت فيها طاقاتنا وانفجر فيها الشباب.وجاءت رحلات الرئيس نميري لكل أقاليم السودان علي عكس رحلات الساسة والزعماء قبله.التحم بالجماهير والتحمت به.وكنا نجده أسداً علي الأرض ونمراً علي ظهر السيارة المكشوفة التي يمتطيها.وكانت لأناشيد مايو التي صاغها شعراء الحزب الشيوعي السوداني دور كبير في ربط الشباب بالنظام الجديد. يا حارسنا وفارسنا يا بيتنا ومدارسنا ... أنت يا مايو الخلاص يا جداراً من رصاص يا حبالاً للقصاص من عدو الشعب في كل مكان .... جبت المويه للعطشان وجبت اللقمة للجيعان.
فظل ارتباطنا بالرجل وبالثورة وبأدبها حتي جاءت أحداث ودنوباوي والجزيرة أبا.وبرغم أن ضرب الأنصار آذانا نحن أبناءهم وأحفادهم، إلا أن إعلام مايو آنذاك استطاع أن يصور لنا الإمام الشهيد الهادي المهدي وأصحابه المجاهدين علي أنهم مجموعة من الدجالين.ولعل الناس يذكرون تلك الصور الفاضحة التي قالوا أنهم التقطوها في الجزيرة أبا، فازددنا بعداً عن التاريخ والجذور، وازداد ارتباطنا بالثورة وبزعيمها الشاب القائد جعفر نميري.
وفي التاسع عشر من يوليو 1971م عندما استولي الشيوعيون علي السلطة ملأت الأحاديث والحكاوي أطراف المدينة وأوساطها.الكافرون حكموا البلاد، المساجد تتحول إلي مراقص ومواخير، والكنائس إلي ملاهي، والآذان سوف ينقطع صوته في السودان إلي الأبد، الرزيلة تشاع في الأسواق.فامتلأت النفوس ثورة وانفجر البركان في الثاني والعشرين من نفس الشهر لذات العام..فنزلنا في ذلك اليوم شعب وجيش ندافع عن مايو وعن قائد مايو حتي عادت الثورة وعاد الرجل، فصرنا أكثر ارتباطاً به من ذي قبل.وفي تلك الفترة كنت قد ارتبطت بحركة الأخوان الجمهوريين ــ جماعة محمود محمد طه ــ وكانت الجماعة في خط النظام، فصرت أكثر التصاقاً بمايو وأشد تعلقاً بالرجل.
وعلي أيام حركة المقدم حسن حسين في سبتمبر عام 1975م كانت قناعتي بالفكر الجمهوري قد بدأت في الاهتزاز، وكنت قد دخلت في مواجهة مع النفس والفكر. وعندما حدث صدام المقدم حسن حسين لنظام مايو وأجهضت حركته وأعدم علي إثر ذلك تحركت في نفوسنا نحن المرتبطين بغرب السودان عموماً، وبكردفان بصفة خاصة، وبصفة أخص بأبناء الهواري ـ وهو نسب تلتقي فيه والدتنا الحاجة التومة جبارة عليها الرحمة في بعض تكوينها مع الشهيد المقدم حسن حسين ــ تحركت في نفوسنا نوازع العنصر والدم. فأبعدني دم الشهيد عن مايو، وقربني اهتزاز الفكر الجمهوري إلي حركة الأخوان المسلمين.
وفي يوليو 1976م وعندما اختلط دم الأخوان المسلمين بدم الأنصار، واختلط ذلك بدم ابن خالنا المقدم حسن حسين، واختلط ذلك بأدب الأخوان المسلمين الجهادي صار عداؤنا لمايو عداء ثأر ومواجهة. ولذلك عندما حدثت المصالحة الوطنية عام 1977م لم نكن قادرين علي استيعابها بادئ الأمر ولكن سرعان ما تجاوزنا ذلك، ولقد كان لقادة الأخوان دور كبير في ذلك لاسيما الدكتور حسن الترابي، وكنت كثير التواصل معه وأنا مازلت طالباً في الجامعات المصرية.واستيقنت بعد ذلك أن جو المصالحة هو خير مناخ لنمو العمل الإسلامي.ولقد أتاحت لنا المشاركة في مايو فرصة لم نكن لنجدها لولا تلك الظروف.فجئنا لمايو بهمة وصدق من أجل السودان.ومن أجل تحكيم الشريعة الإسلامية. وانخرطنا في أجهزة النظام السياسية والشعبية والتنفيذية. وعملت في صحافة مايو أبشر مع المبشرين بفجر عهد سعيد.
وفي سبتمبر 1983م عندما أعلن الرئيس نميري الشريعة الإسلامية حاكمة للبلاد، ازددنا ارتباطاً بمايو وصرنا أكثر دفاعاً عنها وعن منهجها الجديد. ولم يكن قتالنا في مايو ضد أعداء النظام وحدهم، ولكن كان علينا أيضاً أن نقاتل أعداء التوجه داخل النظام، وكذلك أعداءنا التاريخيين في مايو.ومع ذلك كانت جسوري ممتدة مع كل المايويين بلا استثناء، فكانت قناعتي أن جسور التواصل تتحطم عندها سهام التخاصم.وهي قناعة أيضاً أن السودان وطن قام علي التعايش والمحبة رغم الخلاف والاختلاف.ولذلك كانت صلتي بالجميع في مايو، وكانت محبتي للمايويين جميعاً.
وفي أكتوبر 1984م نزلت كردفان عريساً.وكردفان هي أرض الأهل والنشأة الأولي ومراتع الطفولة.وكانت أول زيارة لـ (ام خالد) إلي ديار كردفان الغراء ام خيراً بره وجوه. وكنت أحدثها كثيراً عن خير كردفان وفضل أهلها. وكان الظن أن تلتقينا بالخير والترحاب كما تفعل دوماً. ولكن وجدنا الأمر مختلفاً جداً.جموع من النازحين من القري إلي أطراف مدينة أم روابة في غير أوان نزوحهم. ووجدنا المتسولين بلا حساب ولا عدد، وهم يسألون الطعام والشراب ولا شيء غيرهما. فكانت الفاجعة أليمة فعدت إلي العاصمة وكتبت خواطر مبعثرة في باب اليوميات بصحيفة الأيام عن رحلتي لكردفان ومشاهدها الحزينة.وكان عنوان المقال (وتوالت الأحداث عاصفة) فلم يعجب المقال حاكم كردفان آنذاك المرحوم الفريق الفاتح بشارة، فحاول إثنائي عن الحديث عن الجفاف والتصحر والمجاعة في كردفان باعتبار أنها مجرد ظواهر عارضة تزول سريعاً، فرفضت ذلك لأن قناعتي كانت أن هذه مقدمة لحالة خطيرة يمكن أن يدخل فيها الإقليم لو لم يتم تداركها عاجلاً. فلم يعجب منهجي السيد الحاكم فدخل معي في معركة لم تكن عادلة استخدم فيها كل أسلحته.ولأنه لم يكن في مقدوري مواجهة حاكم في قوة السيد الفاتح بشارة، قررت الانسحاب التكتيكي من أرض المعركة فخرجت من السودان وقصدت المملكة العربية السعودية.
بعد خروجي ازداد غضب حاكم كردفان، فشن علي هجوماً إعلامياً عنيفاً، ثم دخل في معركة مع الإسلاميين في الإقليم وكانت معركته الأشهر مع مستشار حكومته القانوني الأستاذ أحمد إبراهيم الطاهر الذي أقاله واعتقله.فلم يكن من الميسور في تلك الظروف العودة فطال بقائي في المملكة العربية السعودية وحاولت تدبير عمل، ولقد أحسن صديقنا الأستاذ سيد أحمد خليفة استقبالي رغم الخلاف السياسي وقدمني لرئيس تحرير جريدة المدينة الأستاذ أحمد محمود الذي تربطه صلات حميمة بالسودان، وأحسب أنه من مواليده. وأتاح لي سيد أحمد فرصة للعمل في قسم الملاحق والأعداد الخاصة الذي كان يترأسه. وفي هذه الأثناء دخل نميري في معركة شاملة مع الأخوان المسلمين، واعتقل زعيم التنظيم الدكتور الترابي وكثيرين معه من القيادات في العاشر من مارس 1985م، وطلب آخرين للإعتقال، وكنت من ضمن المطلوب اعتقالهم.
وفي السادس والعشرين من ذات الشهر انطلقت مظاهرات عارمة ضد مايو قادها إتحاد طلاب جامعة امدرمان الإسلامية. وبدأت المظاهرات تشتعل في كل أنحاء السودان. وعلي الرغم من مشاركة الأخوان المسلمين لم تكن فاعلة في تلك المظاهرات إلا أن الرئيس نميري وأعوانه حملوهم أوزار كل ما يجري، وصاروا يهيئون الأجواء لضربة قاضية للأخوان المسلمين في السودان. وأذكر أن أخي وصديقي وزميل الصبا قبل المهنة الأستاذ معاوية حسن يسن قال لي في جدة حيث كان يعمل في جريدة المدينة، أن نميري سوف يسقيكم من ذات الكأس التي سقي منها الشيوعيين في يوليو 71، فقلت له، Too late ، وكانت قناعتي أن حكم نميري قد انتهي وأنه لم يعد قادراً علي فعل شيء ينقذ به حكمه من السقوط. وراهنت علي أن نميري لن يعود من رحلة أمريكا حاكماً للسودان.
قناعتي كانت تختلف عن قناعة التنظيم الذي كان يري ألا تشارك قواعد الحركة في المظاهرات مشاركة فاعلة حتي لا يستغل نميري ذلك ذريعة لضرب الأخوان المسلمين. وكانت قناعتي أن نميري إذا عاد إلي السودان حاكما سوف يضرب الأخوان المسلمين سواء شاركوا في المظاهرات ضده أو لم يشاركوا، لذلك يجب المشاركة بفاعلية حتي يسقط وتسقط حكومته ونأمن شره.وكنا بالفعل قد بدأنا المواجهة عبر المعركة الصحفية.فكنت مع أخي عبدالله التجاني عثمان ننشر في الصحافة العربية أكثر الأخبار عن الثورة ضد مايو.وكان نشرنا الأكثر في جريدتي الشرق الأوسط اللندنية والسياسة الكويتية.
وجاء إلي السعودية مندوب عن التنظيم من السودان ليحدث الناس عن الأوضاع في الداخل، وأخبرنا أن منهج التنظيم في التعامل مع نميري هو منهج (اذهبا إلي فرعون أنه طغي وقولا له قولاً لينا) فلم أقتنع بهذا المنهج ورفضه أيضاً الأخوة عبد الله التجاني وبابكر حنين. وقال عبد الله لمندوب التنظيم أنكم تودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم.فخرج ثلاثتنا من الإجتماع رافضين.
وبعد يومين انتصرت الإنتفاضة وسقطت مايو وعادت الأحزاب إلي الساحة، وعاد الذين كانوا في الخارج، وعدت مع العائدين. وتمحور برنامج كل الأحزاب حول إزالة آثار مايو، وكان برنامج الإزالة يحوي بين طياته إزالة موروث مايو في التشريع والتقنين، وهذا يعني الإرتداد عن النظام الإسلامي وعودة العلمانية للحياة السياسية السودانية.
تكونت الجبهة الإسلامية للدفاع عن الشريعة الإسلامية باعتبارها كسباً للشعب وللثورة الإسلامية في السودان، وكانت تلك قناعتنا جميعاً. فتخندق في صف الجبهة كل الرافعين لراية الشريعة الإسلامية عدا منسوبي حزبي الأمة والإتحادي، فهؤلاء كانوا مع الشريعة في عمومها ولكنهم كانوا يعارضون الشريعة التي أقرها نميري لأنهم يرونها غير مشروعة، فنادوا بإلغائها وسن أخري مكانها مبرأة مما يرونه فيها من عيوب، وكنا نري الإلغاء باباً للفتنة، فرفعنا شعار لا تبديل ولا تغيير لشرع الله.
كانت حركة المطالبة بالإلغاء تسير بلا وعي، وبانفعال شديد، وكانت في أغلبها نتيجة مواقف وأحقاد شخصية، أكثر منه مبادئ وأفكار. وأذكر مرة كنت أتحاور مع الزعيم الإتحادي علي محمود حسنين وكان الحوار حول الشريعة الإسلامية. فقال الأستاذ حسنين أنه مع الشريعة الإسلامية ولكنه ضد شريعة مايو. بل ذهب أكثر من ذلك ونادي بإلغاء كل القوانين التي صدرت في مايو بما في ذلك القوانين المتفق عليها ويعاد إصدارها مرة ثانية حتي تكتسب الشرعية الدستورية، وضرب مثالاً لذلك قانون المرور. فلم يعجبني هذا المنهج المدمر وكتبت مقالاً في جريدة (الأيام) أسميته (الإلغاء الثوري) وسخرت في المقال من دعوة الإلغاء بغير وعي، ولغير سبب غير أن ما يطالب بإلغائه جاءت به حكومة مايو التي سقطت. وقلت للمطالبين بكنس آثار مايو ماذا سوف تفعلون مع المصانع والجسور والإنجازات المايوية العديدة.. وماذا سوف تفعلون مع أحياء مايو في كثير من المدن، ومع مايو الشهر الذي يأتي مرة كل عام، ومايو (الذرة) التي يقتات عليه كثير من أهل السودان.ثم سألت عن مصير الشهادات والإجازات العلمية التي أصدرتها مؤسسات مايوية، وعن النياشين والأنواط التي يحملها العسكريون بمن فيهم أعضاء مجلس قيادة الثورة الحاكم، وعن عقود الزواج الي أبرمها مأذونون مايويون ووثقتها سلطات مايو، وعن الأبناء الذين نتجوا عن هذه الزيجات وعن مشروعية وجودهم.
انقضت الفترة الانتقالية وأجريت الانتخابات النيابية وتشكلت أول حكومة ائتلافية بين حزبي الأمة والإتحادي الديمقراطي التي لم تصمد طويلاً فأسقطتها خلافات الشريكين ومكايدات غيرهم، فقامت غيرها ثم سقطت، وهكذا لم يكتب الإستقرار لأية حكومة ائتلافية كانت أو ثلاثية، أو بقاعدة حزبية أكبر من ذلك.
وخلال الحكومة الحزبية الثالثة التي كانت سمتها التشاحن والبغضاء وتغليب الذات الشخصية والحزبية علي الوطن ضاعت كثيراً من قضايا الوطن ومصالح المواطنين، وازدادت حرب الجنوب اشتعالاً، وأصبحت مسألة الشريعة الإسلامية سلعة للمتاجرة السياسية. فأيقنت لحظتها أن النظام الليبرالي الغربي بشكله المنقول حرفاً لا يمكن أن يحقق استقراراً للسودان. فالأحزاب وجدت أنفسها في مواجهة الحكم وقضاياه وهي غير مؤهلة لذلك، فتشتت القوى الوطنية وتنازع الناس الولاء الطائفي والقبلي، وبدأت الصراعات بين القوي السياسية تأخذ أبعاداً أخري خطيرة لم يعهدها المجتمع السوداني.وانفتحت أبواب واسعة للتدخلات الأجنبية والعربية، وانتقل بعض الصراع العربي والأفريقي للسودان الذي صار ساحة لتصفية خصومات لا ناقة لنا فيها ولا جمل. وصار الوطن قاب قوسين أو أدني من التمزق.
ساعتها صار المخرج عندي خيار واحد لا ثاني له. نظام يجمع بعد فرقة، ويوحد بعد شتات. وكان الخيار الذي رأيته كياناً جامعاً يتداعي له كل أهل السودان من أجل السودان. إنه نظام الكيان الجامع، أو التنظيم الشامل.ودائماً كنت أقول لأصدقائي ولغيرهم أن نظام الكيان الواحد الجامع غير نظام الحزب الواحد، فالحزب تتجمع عضويته حول فكرة واحدة وهدف واحد وبرنامج واحد ورأي واحد كذلك، وهو لا يتيح فرصة للإختلاف في داخله، والاختلاف يحسم دائما لصالح الحزب.ونظام الحزب الواحد يقوم علي صفوة قليلة تحكم الغالبية بقوة الحزب وسلطانه.أما الكيان الواحد فهو بناء جامع يلتقي عنده كل أهل العصر بمختلف انتماءاتهم الفكرية والسياسية والعقائدية. وفي داخله تكون الفرصة متاحة للجميع للتعبير عن ذواتهم دون حجر أو وصاية. وفي تلك اللحظة صعدت تجربة الإتحاد الاشتراكي إلي الأذهان، وكان صعودها هذه المرة بايجابياتها لا بسلبياتها. بالنظرية لا بالتطبيق. وصعد معها اسم الرئيس جعفر نميري بتاريخه في قيادة الشعب السوداني موحداً، وليس بنهايته مخلوعاً بالشعب كله متحداًُ. ولقد انتابت هذه الحالة أكثر قطاعات الشعب السوداني. وما أدل علي ذلك إلا هتافهم عندما يخرجون ضائقين بالحكم الحزبي (عائد عائد يا نميري)
تعلقي بنميري في تلك المرة لم يكن عفوياً غير ناضج مثل سابقه أول عهد مايو في العام 1969م، ففي الرجل تجسدت صورة القائد الذي وحد شعبه، وفيه تجسدت التنمية والتعمير. وفوق ذلك كنت أري فيه الإنجاز الأكبر لحركة الإسلام في السودان من خلال تجربته في تأصيل التشريعات والقوانين في السودان.
لم تكن علاقتي بالمايويين قد فترت بعد أبريل .. فأصدقاء الأمس ظلوا هم ذاتهم أصدقاء اليوم، فقط تطور الحوار بيننا بشأن قضايا الحكم في السودان.وكنت أكثر تواصلاً بالصديقة أمال عباس وبشيخنا الراحل مولانا الرشيد الطاهر بكر، وأستاذنا المرحوم أحمد عبد الحليم وبالأصدقاء صلاح عبد العال مبروك، اللواء بابكر علي التوم واللواء بابكر عبد الرحيم والدكتور إسماعيل الحاج موسي، والريس عزالدين السيد، والأخ الياس الأمين، والأخ عثمان مجذوب بابكر، وغيرهم ممن لم تسعف الذاكرة والمساحة لذكرهم.
كانت قناعتي أن نطرح مايو بديلاً، وأن ندافع عن صيغة التحالف باعتبارها الصيغة المثلي لحكم السودان.ورأيت أن نلج الحلبة وأن نعرض وسط الزفة.وحاولت أن أشرع في ذلك عملياً، فبدأت الكتابة علي صفحات جريدة الغد لصديقي الأستاذ أسامة سيد عبد العزيز.وكانت كتاباتي نقداً لاذعاً للنظام الليبرالي الغربي، وطرحاً للنظام الوحدوي بديلاً له.وكنت أكتب باسم (أبو خالد) وخالد هو ابني الأكبر وبه أعرف وسط كثير من الأهل والأصدقاء.وكانت تكفيني في تلك المرحلة معرفة هؤلاء إلي حين يجئ وقت المواجهة الشاملة.
وفي ذات الوقت كنت أجمع في مادة كتاب عن تاريخ الثورة السودانية بعنوان (حوار من أجل الثورة)حاولت من خلاله أن أجد تعريفاً نرتضيه لمعني الثورة.ثم نسطر تاريخها ونصنف أحداثها إلي ثورة وثورة مضادة.وبعد أن فرغت من إعداد الكتاب واجهتني مشكلة الطباعة فأوصتني الأخت الأستاذة أمال عباس العجب بالاستعانة بالرئيس نميري، فراقت لي الفكرة ووجدت فيها أيضاً الفرصة للقاء المباشر مع الرئيس والتفاكر معه حول الوضع السياسي بالسودان ورؤانا للعمل في المرحلة القادمة، فاتصلت بالأخ الياس الأمين الذي شجعني علي ذلك وأجري اتصالاً بالقاهرة بالرئيس نميري عبر سكرتيره الخاص ابن خاله الأخ الواثق عبد الله صالح. فدبرت حالي وأخذت معي نسخة الكتاب المعدة للطباعة ونزلت أرض الكنانة وكان ذلك في الرابع وعشرين من أبريل 1989م.
أبوسهيل
09-27-2010, 12:07 AM
في ذكري (25) مايو الوطن تنشر حلقات من كتاب
(أيام مع جعفر نميري أسرار ومواقف) (الحلقة الثانية)
لهذه الأسباب أعجب النميري بما كتبته عن الزبير باشا في كتابي حوار من أجل الثورة
الأحزاب السودانية هاجمت مصر واتهمتها بالوقوف خلف حملة نميري ضد الديمقراطية الثالثة
أحمد سليمان المحامي قاد تنسيق بين الإسلاميين والمايويين طرفه الترابي والرشيد الطاهر
هل جاء محجوب عروة لنميري للتنسيق مع الإسلاميين أم لاختراق انقلاب المايويين
للكاتب الصحفي/ جمال عنقرة
(لم يكن في تقديري في يوم من الأيام أن أصدر كتاباً حول علاقتي مع الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري، ذلك أن صلتي المباشرة معه لم تتجاوز بضع مئات محدودة من الأيام قضيتها معه مستشاراً إعلامياً له في بعض فترة منفاه في العاصمة المصرية القاهرة. وهذه الأيام رغم قلتها مقارنة بتاريخ الرجل الطويل في الحكم وخارجه، إلا أنها حفلت بالعديد من الأحداث المثيرة، ليس في تاريخ الرجل فحسب ولكن في تاريخ وطننا السودان أيضاً.. هذا فضلاً عن أن وجودي اللصيق معه قد أتاح لي أن أعرف منه أسرار أحداث وقعت في حياته قبل أن ألقاه. وشملت هذه الأحداث محطات في مسيرة حياة الرجل منذ نشأته وعلاقات أسرته، وحياته الطلابية وزملاء دراسته، ثم دخوله الكلية الحربية وتخرجه فيها، وتدرجه في الرتب العسكرية إلي أن صار رئيساً للجمهورية. وتلك ستة عشر عاماً حافلات بالمواقف والأسرار... كيف دبر للانقلاب وكيف نفذه، ومن كان معه، وماهي علاقته بالحزب الشيوعي السوداني وعلاقة الشيوعيين بمايو، وهل كان نميري شيوعياً.. وووقفت علي الكثير من التفاصيل والحكايات والأحداث الجسام مثل أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي، ومحاولات الإنقلاب علي نميري، فشلها ونجاحها. وعلاقاته مع الرؤساء والزعماء العرب والأفارقة وغيرهم..
أما ما كنت شاهداً عليه ومشاركاً في صناعته فهو أولاً المعركة مع الديمقراطية الثالثة التي كان يقود حكوماتها السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي. ولقد احتوت علي محاولات انقلابية عديدة لهدف إعادة نميري للحكم.. وفي ذلك أسرار عديدة ومثيرة لاسيما في ما يخص حوارات بعض القيادات الحزبية مع الرئيس نميري من وراء ظهور أحزابهم التي كان نميري يعمل علي إسقاط حكوماتها، وكان بعض القياديين في تلك الأحزاب يشجعونه علي ذلك. ووقفت كذلك خلال هذه الفترة علي حوارات صحفية كانت غطاء لغيرها مما كان يضمره أصحابها، الذين كانت لهم أجندة خفيه ستروها بالحوار أو المقابلة الصحفية. وشاركت في تلك الفترة في الحوار بين مايو والإسلاميين قبل الإنقاذ وبعدها. وشارك في ذلك إسلاميون ومايويون كثر. بعض كان يبني، وبعض كان يهدم، وبعض ينطبق عليه المثل السوداني (يدي الحلة عيطة والنقارة عصاة)
كل تلك الأحداث ما كان يمكن أن أتركها دون توثيق فجمعت ما يجوز نشره في كتاب أسميته (أيام مع جعفر نميري ــ أسرار ومواقف) وأحاول في هذه المساحة في (الوطن) أن أستعرض بعض ملامحه عبر حلقات متتابعة بإذن الله تعالي.
أخذت الرسالة التي كتبها الأخ الياس الأمين للرئيس نميري وسافرت القاهرة، ونزلت بفندق أمية في شارع 26يوليو بوسط البلد ثم اتصلت بالأخ الواثق عبد الله صالح ابن خال الرئيس نميري وسكرتيره الخاص فجاءني في الفندق وأخذ رسالة الياس الأمين للرئيس نميري ومعها الكتاب وذهب. وفي اليوم التالي اتصل بي الواثق وأخبرني أن الرئيس في انتظاري نهار الغد.
ذهبت إلي اللقاء في الوقت المحدد إلي قصر النصر الواقع في تقاطع شارع الثورة مع شارع العروبة بمصر الجديدة وهو المكان الذي خصصته الحكومة المصرية لسكن الرئيس الراحل جعفر نميري، فاستقبلني الحرس بقدر يسير من الإجراءات ثم أخذوني للطابق الأعلي حيث يوجد مكتب النميري وصالون استقبال ضيوفه. صعدت عتبات السلم فوجدت المكان خالياً .. ولم تمض سوي لحظات محدودة حتي أتي الرجل بهمة ونشاط وحيوية ظاهرة واستقبلني استقبالاً خاراً، ثم بدأ يتحدث عن الكتاب دون مقدمات.
كان إعجاب نميري بالكتاب شديداً وكان إعجابه الأكبر بالباب الذي خصصته للحديث عن الزبير ود رحمة. ولقد حاولت في ذلك الباب إنصاف الرجل باعتباره رائداً من رواد الثورة السودانية الأوائل، وأن إسهامه كان كبيراً في تطوير العسكرية في السودان، وكان سابقاً للإمام المهدي في محاولة تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان. وهو رائد كذلك في مسألة الوحدة، ومع ذلك ظلمه التاريخ والمؤرخون وصوروه نخاساً وتاجر رقيق، علي الرغم من أنه لم يكن كذلك أبداً. فكان إعجاب نميري بكلامي عن الزبير أكبر من إعجابه بما كتبت عن مايو. ويبدو أنه قد وجد شبهاً بينه وبين الرجل. وأذكر أنه استشارني في وقت لاحق عن إنتاج فيلم عن الزبير باشا، وهو يعتقد أن الرجل مثله تماماً. قدم لوطنه كثيراً إلا أن بعض أهله ظلموه. وكلاهما قادته الأحداث إلي الإقامة في مصر لاجئاً.
تحدثنا بعد ذلك عن الكتاب، وقلت له أني كتبت هذا الكتاب (حوار من أجل الثورة) لأجل تصعيد المواجهة مع الثورة المضادة لتطور السودان واستقراره. ثم تحدثنا عن طباعته، فاتصل بصديقه الناشر المصري المعروف المرحوم الأستاذ أحمد يحيي صاحب المكتب المصري الحديث الذي نشر كتابي نميري النهج الإسلامي لماذا، والنهج الإسلامي كيف. واتفق معه علي طباعة الكتاب.
عدت بعد ذلك إلي السوداني وفي ذهني بحث كيفية تصعيد المواجهة الإعلامية. وقررت أن أخرج من دائرة جريدة الغد التي كان انتشارها محدوداً لحد ما وهي جريدة أسبوعية، وأن أكتب باسمي وليس باسم مستعار كما كنت أفعل في مقالات (الغد) فاخترت صحيفة الوطن. ورغم يقيني علي مخالفة موقف ناشرها ورئيس تحريرها الأستاذ سيد أحمد خليفة للذي أود كتابته لكنني كنت موقناً أن مهنية أبو السيد سوف تتيح لي مساحة لن أجدها عند غيره، وهو رجل يحب المعارك. فكتبت له مقالاً بعنوان (كشف حساب مايو وأبريل) وكان ذلك بمناسبة الذكري العشرين لثورة مايو. وعددت في المقال بعض إنجازات مايو في مقابل إخفاقات أبريل. ولم يخيب أبو السيد ظني فنشر المقال كما هو دون حذف أو تبديل وفي صفحة كاملة، وبطريقة مثيرة، وجعل للمقال مقدمة مشوقة. وجاء في مقدمة الأستاذ سيد أحمد خليفة (الأستاذ جمال عنقرة صحفي مايوي أباً وأماً في اعتقادنا، ليس لكونه من جيل صحافة مايو فحسب، ولكن لأنه ما زال يدافع عن التجربة الشمولية في مقالته هذه وفي حواراته وونسته معنا، ومع غيرنا من أصدقائه ومعارفه...... عقب الإنتفاضة التقيت الأستاذ جمال عنقرة وكان حديثه يوحي بانتمائه للجبهة الإسلامية القومية، حيث اعتبرنا ذلك أمراً طبيعياً، إذ أن معظم الفارين من مخاوف التأييد لمايو احتموا بعد الإنتفاضة بالجبهة الإسلامية ورفعوا معها شعار لا ولاء ولا تبديل، حيث أن القصد هو البحث عن أمان وعدت الجبهة بتوفيره للمحتمين بها من الخائفين من الحساب والعقاب. ..... الآن ومن خلال هذا المقال الذي يمارس فيه الأستاذ جمال عنقرة حقه المشروع في التعبير عن وجهة نظره، يعود الرجل مايوياً خالصاً بعد أن امتطي جواد الجبهة الإسلامية لفترة. وعملاً بحرية النشر نعطيه الفرصة والمنبر ليقول ما عنده، ولكن نذكره بأن هذا الحق الذي ناله الآن ــ وهو حق دستوري ــ ما كانت مايو تعطيه للناس. وهذه كانت أكبر أخطائها الكبيرة والخطيرة، والتي جرت بعدها العديد من المآسي والكوارث حيث ما زال شعبنا يدفع ثمن أخطاء مايو ومصائبها، ومع ذلك فالحرية لنا ولسوانا في ظل الديمقراطية)
نشر المقال في صحيفة الوطن التي صدرت في السابع والعشرين من مايو 1989م، وأثار ضجة كبيرة وسعد به المايويون سعادة بالغة. ولم تكد تهدأ نار المقال حتي تسرب إلي الدوائر السياسية خطاب من النميري بمناسبة مرور عشرين عاماً علي ثورة مايو. وكان الخطاب وعداً للشعب بالعودة، ووعيداً للحزبية والطائفية في السودان بالثبور. فعلت همة المايويين بالسودان وجن جنون ساسة الأحزاب وقادتها، وبدأت التصريحات والصيحات تتعالي هنا وهناك تقلل من قيمة حديث الرجل وتهاجمه وتهاجم أعوانه وكذلك الذين يروجون لتحركاته وأقواله. وقدموا اتهاماً واضحاً للحكومة المصرية واتهموها بأنها تقف وراء حملة مايو ضدها. فأخذت نسخة من الكاسيت الذي يحمل الخطاب بصوت النميري وذهبت به للأستاذ سيد أحمد خليفة الذي وعدني بالاستماع إليه فإذا وجد فيه شيئاً يستحق نشره. وبعد يومين وجدت في مانشيت الوطن استخفافً بالخطاب وبالرجل. وجاء في تفاصيل الخبر علي لسان الأستاذ سيد أحمد خليفة أن المخلوع جعفر نميري أرسل خطاباً وجاءته نسخة منه من أحد أعوانه، ولكنه وجده مجموعة تخاريف وخطرفات لا تستحق النشر.
لم يستفزني حديث سيد أحمد خليفة، وكنت قد تهيأت لذلك. فذهبت إليه في مكاتب جريدة الوطن ولم أذكر له شيئاً عن الخطاب ولا عن الذي كتب بشأنه. وكان في ذلك اليوم قد نشرت جريدة (الراية) القطرية حواراً مع نميري نقلته عنها جريدة الأسبوع السودانية وعلقت عليه في كلمتها اليومية تحت عنوان (أحلام الطغاة) وشبهت نميري بشاه إيران. فلقد لسيد أحمد أعتقد أنه من العيب أن تنقل الصحافة السودانية أحاديث جعفر نميري رئيس السودان السابق من الصحف العربية والأجنبية، وهي عاجزة عن الوصول إليه والذي بينها وبينه ــ مهما كان الخلاف والإختلاف ـــ أكبر وأعمق مما بين الرجل وبين الصحافة العربية الأخري. واقترحت عليه أن يسجل سبقاً صحفياً سودانياً بالوصول إلي نميري وإجراء حوار صحفي معه في القاهرة. ووعدته أن أرتب له ذلك إذا وافق. فلم يتردد سيد أحمد بل أبدى حماساً شديداً. فأجرينا مع الأخ الياس الأمين بالرئيس نميري في القاهرة فرحب بالحوار، فجئت إلي سيد أحمد وأخبرته بذلك ثم غادرت في نفس اليوم للقاهرة لترتيب استقباله والحوار.
وصلت القاهرة ونزلت بفندق (نيو اوتيل) في شارع عدلي بوسط القاهرة جوار معبد اليهود، واتصلت بالأخ الواثق فأخبرني أن الأستاذ محجوب عروة رئيس تحرير صحيفة السوداني موجود في القاهرة واتصل بهم يطلب مقابلة الرئيس نميري وهو ينزل في فندق شبرد. فذهبت إلي محجوب في الفندق فاستقبلني استقبالاً حاراً. والصلات بيني وبين محجوب عديدة وعميقة. فسأني إن كنت قد قرأت خطاب نميري في الذكري العشرين لمايو فأخرجت له نسخة منه وأخبرته أنني عرفت اتصاله بالواثق، وأخبرته كذلك بصلتي بنميري. فقال لي أنه آت من لندن، وكان قد وجد خطاب نميري هناك، ويري أن أسهم نميري ارتفعت وصار الأقرب للعودة لحكم السودان. فوعدت محجوب أن أرتب له لقاء مع النميري. فذهبت إلي مكتب الواثق في شارع علي عبد اللطيف بحي عابدين ووجدت معه الأخ عبد المطلب بابكر (طلب) وطلب كان من الإسلاميين وشارك في أحداث الجزيرة أبا وودنوباوى مع الشهيد محمد صالح عمر والمرحوم الشيخ محمد محمد الصادق الكاروري والاستاذ مهدي إبراهيم، وألقي القبض عليه وحكم عليه بالإعدام ثم خفف إلي المؤبد لصغر سنه، ثم أطلق سراحه بعد المصالحة الوطنية في عام 1977م فضعفت صلته بعد ذلك بالأخوان وقويت مع المايويين وكان في تلك الفترة من القريبين من النميري في القاهرة. فأخبرتهما بما سمعت من الأخ محجوب عروة وقلت لهما أن رأيه إيجابياً في نميري وحركته، ولذلك أري أن نحدد له لقاء مع الرئيس.
جاء محجوب عروة مساء إلي نميري في قصر النصر وكان يحمل معه لفافة لم نكن نعلم ما بها وكان يحرص عليها بشدة، وعلمنا في الأخير أنها تحوي قارورة عطر ماركة (Boss) أهداه إلي نميري وقال له لحظة الإهداء (Boss for Boss)
استصحب نميري في فكره وخياله وهو يحادث محجوب عروة انتماء الأخير لحركة الأخوان المسلمين ومشاركتهم في نظام الأحزاب وتباطئهم في تطبيق الشريعة الإسلامية أثناء مشاركتهم في الحكومة القومية مع حزب الأمة بقيادة السيد الصادق المهدي، فشن هجوماً عنيفاً علي الأخوان. ولم يكن محجوب عروة أقل حدة من جعفر نميري، بل كان نداً قوياً له في الحوار للدرجة التي جعلت نميري يعجب منه ويشيد به. ونميري عادة يعجب بالأقوياء حتي لو كانت قوتهم في مواجهته. فانتهي اللقاء ودوداً علي عكس ما بدأ، وتناولنا العشاء معاً علي مائدة النميري، ودعا نميري عروة للعشاء معه اليوم التالي. واتفق الاثنان علي إجراء حوار صحفي علي هامش العشاء.
ذهبت إلي محجوب عروة في فندق شبرد واتفقنا علي محاور اللقاء الصحفي، ثم حدثني محجوب عن نيته في تطوير وتنشيط الحوار بين الإسلاميين وجعفر نميري لصالح تغيير ثوري في البلاد. وكان هناك تنسيق قديم قد نشأ بين الجبهة الإسلامية والمايويين قاده المرحوم الأستاذ أحمد سليمان المحامي وكان طرفاه الدكتور حسن الترابي الأمين العام للجبهة الإسلامية القومية، ومولانا الرشيد الطاهر بكر رئيس تحالف قوي الشعب العاملة. وتوقف التنسيق بعد وفاة مولانا الرشيد الطاهر. فجئنا مساء لنميري وأجرينا الحوار الصحفي الذي نشر في صحيفة السوداني، وأعاد نميري في الحوار تهديده للأحزاب وبشر الشعب بعودته القريبة. وجاء في الكلمة الأخيرة التي وجهها النميري للشعب السوداني عبر صحيفة (السوداني) ((أريدك أن تعلم ويعلم كل الناس أنني عندما أتحدث عن فترة مايو لا أتحدث عن أمجاد شخصية، لكنني أتحدث عن قصة ثورة شعب بأكمله، ضحي من أجلها ولن يتركها توأد.. وعندما أدافع عن جعفر نميري لا أدافع عن جعفر نميري الشخص، لأن جعفر نميري الشخص قد احتسب أمره لله، وما أصابني من ساقط القول احتسبته لله تعالي زكاة للبدن وتكفيراً للذنوب. كما أريدك أن تعلم أيضاً وتنقل عني كل أهل السودان وللناس جميعاً أنني عندما أبشر بالعودة إلي حكم السودان لا أبشر بذلك لتحقيق حلم في نفسي، أو لإشباع رغبة في الحكم، ولكنني عائد لحكم السودان لاستكمال مسيرة الثورة التي أراد زعماء الطائفية والحزبية لها أن تضيع . وأكررها وأقولها صراحة، وبأعلي صوت لكل الذين ينتظرون عالم الصحوة والنور، أني عائد .... عائد ... عائد.
جلس ثلاثتنا بعد ذلك، نميري وعروة وشخصي لبحث سبل التنسيق بين مايو والجبهة الإسلامية للعمل الثوري، فسأل محجوب نميري عن ممثل المايويين في السودان للترتيب معه، فأخبره نميري أن المسئول عن العمل في السودان هو الأستاذ عوض الجيد محمد أحمد. فودعنا عروة وعاد إلي السودان لبداية الحملة الإعلامية ضد حكومة الديمقراطية الثالثة التي كان يقودها السيد الصادق المهدي ولقيادة التنسيق بيم المايويين والجبهة الإسلامية.
وأذكر عندما نشرت هذا الكلام في وقت سابق في مناسبة مماثلة اجتررت فيها بعض ذكرياتي مع الرئيس الرحل جعفر نميري، أثبت الأستاذ محجوب عروة ما ذكرت وشهد بما قلت، وكتب في صحيفة (الرأي العام) مقالاً بعنوان (نعم فعلتها أخي عنقرة وكنت من الظالمين) وأكد في المقال صحة ما ذكرت وقال أنه فعلاً شارك في تنسيق العملية الإنقلابية التي كان مفروض أن يقوم بها الإسلاميون مع المايويين، إلا أن ذلك كان علي أيام التزامه بالحركة الإسلامية قبل أن يطلقها، وقال أن ذلك كان من الظلم والخطأ الذي رجع عنه. ولكن عندما نشرت بعضاً من ذلك في مناسبة مشابهة لاحقة، أثبته أـيضاً ولكنه قال أنه عندما علم بتحرك للمايويين ذهب إلي الدكتور الترابي وأخبره به، فطلب منه الترابي أن يستمر معهم وينقل له أخبارهم حتي يتغدون بهم قبل أن يتعشوا بهم. ولقد ذكرت هذين الموقفين لأمانة النقل والتوثيق، ولأن الحقيقة هنا قد تاهت، فلم أعد أعرف إن كان الأستاذ عروة منسقاً بين المايويين والإسلاميين، أم اخترقاً لهم لصالح الجبهة الإسلامية.
أبوسهيل
09-28-2010, 12:25 AM
في ذكري (25) مايو الوطن تنشر حلقات من كتاب
(أيام مع جعفر نميري أسرار ومواقف) (الحلقة الثانية)
لهذه الأسباب أعجب النميري بما كتبته عن الزبير باشا في كتابي حوار من أجل الثورة
الأحزاب السودانية هاجمت مصر واتهمتها بالوقوف خلف حملة نميري ضد الديمقراطية الثالثة
أحمد سليمان المحامي قاد تنسيق بين الإسلاميين والمايويين طرفه الترابي والرشيد الطاهر
هل جاء محجوب عروة لنميري للتنسيق مع الإسلاميين أم لاختراق انقلاب المايويين
للكاتب الصحفي/ جمال عنقرة
(لم يكن في تقديري في يوم من الأيام أن أصدر كتاباً حول علاقتي مع الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري، ذلك أن صلتي المباشرة معه لم تتجاوز بضع مئات محدودة من الأيام قضيتها معه مستشاراً إعلامياً له في بعض فترة منفاه في العاصمة المصرية القاهرة. وهذه الأيام رغم قلتها مقارنة بتاريخ الرجل الطويل في الحكم وخارجه، إلا أنها حفلت بالعديد من الأحداث المثيرة، ليس في تاريخ الرجل فحسب ولكن في تاريخ وطننا السودان أيضاً.. هذا فضلاً عن أن وجودي اللصيق معه قد أتاح لي أن أعرف منه أسرار أحداث وقعت في حياته قبل أن ألقاه. وشملت هذه الأحداث محطات في مسيرة حياة الرجل منذ نشأته وعلاقات أسرته، وحياته الطلابية وزملاء دراسته، ثم دخوله الكلية الحربية وتخرجه فيها، وتدرجه في الرتب العسكرية إلي أن صار رئيساً للجمهورية. وتلك ستة عشر عاماً حافلات بالمواقف والأسرار... كيف دبر للانقلاب وكيف نفذه، ومن كان معه، وماهي علاقته بالحزب الشيوعي السوداني وعلاقة الشيوعيين بمايو، وهل كان نميري شيوعياً.. وووقفت علي الكثير من التفاصيل والحكايات والأحداث الجسام مثل أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي، ومحاولات الإنقلاب علي نميري، فشلها ونجاحها. وعلاقاته مع الرؤساء والزعماء العرب والأفارقة وغيرهم..
أما ما كنت شاهداً عليه ومشاركاً في صناعته فهو أولاً المعركة مع الديمقراطية الثالثة التي كان يقود حكوماتها السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي. ولقد احتوت علي محاولات انقلابية عديدة لهدف إعادة نميري للحكم.. وفي ذلك أسرار عديدة ومثيرة لاسيما في ما يخص حوارات بعض القيادات الحزبية مع الرئيس نميري من وراء ظهور أحزابهم التي كان نميري يعمل علي إسقاط حكوماتها، وكان بعض القياديين في تلك الأحزاب يشجعونه علي ذلك. ووقفت كذلك خلال هذه الفترة علي حوارات صحفية كانت غطاء لغيرها مما كان يضمره أصحابها، الذين كانت لهم أجندة خفيه ستروها بالحوار أو المقابلة الصحفية. وشاركت في تلك الفترة في الحوار بين مايو والإسلاميين قبل الإنقاذ وبعدها. وشارك في ذلك إسلاميون ومايويون كثر. بعض كان يبني، وبعض كان يهدم، وبعض ينطبق عليه المثل السوداني (يدي الحلة عيطة والنقارة عصاة)
كل تلك الأحداث ما كان يمكن أن أتركها دون توثيق فجمعت ما يجوز نشره في كتاب أسميته (أيام مع جعفر نميري ــ أسرار ومواقف) وأحاول في هذه المساحة في (الوطن) أن أستعرض بعض ملامحه عبر حلقات متتابعة بإذن الله تعالي.
أخذت الرسالة التي كتبها الأخ الياس الأمين للرئيس نميري وسافرت القاهرة، ونزلت بفندق أمية في شارع 26يوليو بوسط البلد ثم اتصلت بالأخ الواثق عبد الله صالح ابن خال الرئيس نميري وسكرتيره الخاص فجاءني في الفندق وأخذ رسالة الياس الأمين للرئيس نميري ومعها الكتاب وذهب. وفي اليوم التالي اتصل بي الواثق وأخبرني أن الرئيس في انتظاري نهار الغد.
ذهبت إلي اللقاء في الوقت المحدد إلي قصر النصر الواقع في تقاطع شارع الثورة مع شارع العروبة بمصر الجديدة وهو المكان الذي خصصته الحكومة المصرية لسكن الرئيس الراحل جعفر نميري، فاستقبلني الحرس بقدر يسير من الإجراءات ثم أخذوني للطابق الأعلي حيث يوجد مكتب النميري وصالون استقبال ضيوفه. صعدت عتبات السلم فوجدت المكان خالياً .. ولم تمض سوي لحظات محدودة حتي أتي الرجل بهمة ونشاط وحيوية ظاهرة واستقبلني استقبالاً خاراً، ثم بدأ يتحدث عن الكتاب دون مقدمات.
كان إعجاب نميري بالكتاب شديداً وكان إعجابه الأكبر بالباب الذي خصصته للحديث عن الزبير ود رحمة. ولقد حاولت في ذلك الباب إنصاف الرجل باعتباره رائداً من رواد الثورة السودانية الأوائل، وأن إسهامه كان كبيراً في تطوير العسكرية في السودان، وكان سابقاً للإمام المهدي في محاولة تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان. وهو رائد كذلك في مسألة الوحدة، ومع ذلك ظلمه التاريخ والمؤرخون وصوروه نخاساً وتاجر رقيق، علي الرغم من أنه لم يكن كذلك أبداً. فكان إعجاب نميري بكلامي عن الزبير أكبر من إعجابه بما كتبت عن مايو. ويبدو أنه قد وجد شبهاً بينه وبين الرجل. وأذكر أنه استشارني في وقت لاحق عن إنتاج فيلم عن الزبير باشا، وهو يعتقد أن الرجل مثله تماماً. قدم لوطنه كثيراً إلا أن بعض أهله ظلموه. وكلاهما قادته الأحداث إلي الإقامة في مصر لاجئاً.
تحدثنا بعد ذلك عن الكتاب، وقلت له أني كتبت هذا الكتاب (حوار من أجل الثورة) لأجل تصعيد المواجهة مع الثورة المضادة لتطور السودان واستقراره. ثم تحدثنا عن طباعته، فاتصل بصديقه الناشر المصري المعروف المرحوم الأستاذ أحمد يحيي صاحب المكتب المصري الحديث الذي نشر كتابي نميري النهج الإسلامي لماذا، والنهج الإسلامي كيف. واتفق معه علي طباعة الكتاب.
عدت بعد ذلك إلي السوداني وفي ذهني بحث كيفية تصعيد المواجهة الإعلامية. وقررت أن أخرج من دائرة جريدة الغد التي كان انتشارها محدوداً لحد ما وهي جريدة أسبوعية، وأن أكتب باسمي وليس باسم مستعار كما كنت أفعل في مقالات (الغد) فاخترت صحيفة الوطن. ورغم يقيني علي مخالفة موقف ناشرها ورئيس تحريرها الأستاذ سيد أحمد خليفة للذي أود كتابته لكنني كنت موقناً أن مهنية أبو السيد سوف تتيح لي مساحة لن أجدها عند غيره، وهو رجل يحب المعارك. فكتبت له مقالاً بعنوان (كشف حساب مايو وأبريل) وكان ذلك بمناسبة الذكري العشرين لثورة مايو. وعددت في المقال بعض إنجازات مايو في مقابل إخفاقات أبريل. ولم يخيب أبو السيد ظني فنشر المقال كما هو دون حذف أو تبديل وفي صفحة كاملة، وبطريقة مثيرة، وجعل للمقال مقدمة مشوقة. وجاء في مقدمة الأستاذ سيد أحمد خليفة (الأستاذ جمال عنقرة صحفي مايوي أباً وأماً في اعتقادنا، ليس لكونه من جيل صحافة مايو فحسب، ولكن لأنه ما زال يدافع عن التجربة الشمولية في مقالته هذه وفي حواراته وونسته معنا، ومع غيرنا من أصدقائه ومعارفه...... عقب الإنتفاضة التقيت الأستاذ جمال عنقرة وكان حديثه يوحي بانتمائه للجبهة الإسلامية القومية، حيث اعتبرنا ذلك أمراً طبيعياً، إذ أن معظم الفارين من مخاوف التأييد لمايو احتموا بعد الإنتفاضة بالجبهة الإسلامية ورفعوا معها شعار لا ولاء ولا تبديل، حيث أن القصد هو البحث عن أمان وعدت الجبهة بتوفيره للمحتمين بها من الخائفين من الحساب والعقاب. ..... الآن ومن خلال هذا المقال الذي يمارس فيه الأستاذ جمال عنقرة حقه المشروع في التعبير عن وجهة نظره، يعود الرجل مايوياً خالصاً بعد أن امتطي جواد الجبهة الإسلامية لفترة. وعملاً بحرية النشر نعطيه الفرصة والمنبر ليقول ما عنده، ولكن نذكره بأن هذا الحق الذي ناله الآن ــ وهو حق دستوري ــ ما كانت مايو تعطيه للناس. وهذه كانت أكبر أخطائها الكبيرة والخطيرة، والتي جرت بعدها العديد من المآسي والكوارث حيث ما زال شعبنا يدفع ثمن أخطاء مايو ومصائبها، ومع ذلك فالحرية لنا ولسوانا في ظل الديمقراطية)
نشر المقال في صحيفة الوطن التي صدرت في السابع والعشرين من مايو 1989م، وأثار ضجة كبيرة وسعد به المايويون سعادة بالغة. ولم تكد تهدأ نار المقال حتي تسرب إلي الدوائر السياسية خطاب من النميري بمناسبة مرور عشرين عاماً علي ثورة مايو. وكان الخطاب وعداً للشعب بالعودة، ووعيداً للحزبية والطائفية في السودان بالثبور. فعلت همة المايويين بالسودان وجن جنون ساسة الأحزاب وقادتها، وبدأت التصريحات والصيحات تتعالي هنا وهناك تقلل من قيمة حديث الرجل وتهاجمه وتهاجم أعوانه وكذلك الذين يروجون لتحركاته وأقواله. وقدموا اتهاماً واضحاً للحكومة المصرية واتهموها بأنها تقف وراء حملة مايو ضدها. فأخذت نسخة من الكاسيت الذي يحمل الخطاب بصوت النميري وذهبت به للأستاذ سيد أحمد خليفة الذي وعدني بالاستماع إليه فإذا وجد فيه شيئاً يستحق نشره. وبعد يومين وجدت في مانشيت الوطن استخفافً بالخطاب وبالرجل. وجاء في تفاصيل الخبر علي لسان الأستاذ سيد أحمد خليفة أن المخلوع جعفر نميري أرسل خطاباً وجاءته نسخة منه من أحد أعوانه، ولكنه وجده مجموعة تخاريف وخطرفات لا تستحق النشر.
لم يستفزني حديث سيد أحمد خليفة، وكنت قد تهيأت لذلك. فذهبت إليه في مكاتب جريدة الوطن ولم أذكر له شيئاً عن الخطاب ولا عن الذي كتب بشأنه. وكان في ذلك اليوم قد نشرت جريدة (الراية) القطرية حواراً مع نميري نقلته عنها جريدة الأسبوع السودانية وعلقت عليه في كلمتها اليومية تحت عنوان (أحلام الطغاة) وشبهت نميري بشاه إيران. فلقد لسيد أحمد أعتقد أنه من العيب أن تنقل الصحافة السودانية أحاديث جعفر نميري رئيس السودان السابق من الصحف العربية والأجنبية، وهي عاجزة عن الوصول إليه والذي بينها وبينه ــ مهما كان الخلاف والإختلاف ـــ أكبر وأعمق مما بين الرجل وبين الصحافة العربية الأخري. واقترحت عليه أن يسجل سبقاً صحفياً سودانياً بالوصول إلي نميري وإجراء حوار صحفي معه في القاهرة. ووعدته أن أرتب له ذلك إذا وافق. فلم يتردد سيد أحمد بل أبدى حماساً شديداً. فأجرينا مع الأخ الياس الأمين بالرئيس نميري في القاهرة فرحب بالحوار، فجئت إلي سيد أحمد وأخبرته بذلك ثم غادرت في نفس اليوم للقاهرة لترتيب استقباله والحوار.
وصلت القاهرة ونزلت بفندق (نيو اوتيل) في شارع عدلي بوسط القاهرة جوار معبد اليهود، واتصلت بالأخ الواثق فأخبرني أن الأستاذ محجوب عروة رئيس تحرير صحيفة السوداني موجود في القاهرة واتصل بهم يطلب مقابلة الرئيس نميري وهو ينزل في فندق شبرد. فذهبت إلي محجوب في الفندق فاستقبلني استقبالاً حاراً. والصلات بيني وبين محجوب عديدة وعميقة. فسأني إن كنت قد قرأت خطاب نميري في الذكري العشرين لمايو فأخرجت له نسخة منه وأخبرته أنني عرفت اتصاله بالواثق، وأخبرته كذلك بصلتي بنميري. فقال لي أنه آت من لندن، وكان قد وجد خطاب نميري هناك، ويري أن أسهم نميري ارتفعت وصار الأقرب للعودة لحكم السودان. فوعدت محجوب أن أرتب له لقاء مع النميري. فذهبت إلي مكتب الواثق في شارع علي عبد اللطيف بحي عابدين ووجدت معه الأخ عبد المطلب بابكر (طلب) وطلب كان من الإسلاميين وشارك في أحداث الجزيرة أبا وودنوباوى مع الشهيد محمد صالح عمر والمرحوم الشيخ محمد محمد الصادق الكاروري والاستاذ مهدي إبراهيم، وألقي القبض عليه وحكم عليه بالإعدام ثم خفف إلي المؤبد لصغر سنه، ثم أطلق سراحه بعد المصالحة الوطنية في عام 1977م فضعفت صلته بعد ذلك بالأخوان وقويت مع المايويين وكان في تلك الفترة من القريبين من النميري في القاهرة. فأخبرتهما بما سمعت من الأخ محجوب عروة وقلت لهما أن رأيه إيجابياً في نميري وحركته، ولذلك أري أن نحدد له لقاء مع الرئيس.
جاء محجوب عروة مساء إلي نميري في قصر النصر وكان يحمل معه لفافة لم نكن نعلم ما بها وكان يحرص عليها بشدة، وعلمنا في الأخير أنها تحوي قارورة عطر ماركة (Boss) أهداه إلي نميري وقال له لحظة الإهداء (Boss for Boss)
استصحب نميري في فكره وخياله وهو يحادث محجوب عروة انتماء الأخير لحركة الأخوان المسلمين ومشاركتهم في نظام الأحزاب وتباطئهم في تطبيق الشريعة الإسلامية أثناء مشاركتهم في الحكومة القومية مع حزب الأمة بقيادة السيد الصادق المهدي، فشن هجوماً عنيفاً علي الأخوان. ولم يكن محجوب عروة أقل حدة من جعفر نميري، بل كان نداً قوياً له في الحوار للدرجة التي جعلت نميري يعجب منه ويشيد به. ونميري عادة يعجب بالأقوياء حتي لو كانت قوتهم في مواجهته. فانتهي اللقاء ودوداً علي عكس ما بدأ، وتناولنا العشاء معاً علي مائدة النميري، ودعا نميري عروة للعشاء معه اليوم التالي. واتفق الاثنان علي إجراء حوار صحفي علي هامش العشاء.
ذهبت إلي محجوب عروة في فندق شبرد واتفقنا علي محاور اللقاء الصحفي، ثم حدثني محجوب عن نيته في تطوير وتنشيط الحوار بين الإسلاميين وجعفر نميري لصالح تغيير ثوري في البلاد. وكان هناك تنسيق قديم قد نشأ بين الجبهة الإسلامية والمايويين قاده المرحوم الأستاذ أحمد سليمان المحامي وكان طرفاه الدكتور حسن الترابي الأمين العام للجبهة الإسلامية القومية، ومولانا الرشيد الطاهر بكر رئيس تحالف قوي الشعب العاملة. وتوقف التنسيق بعد وفاة مولانا الرشيد الطاهر. فجئنا مساء لنميري وأجرينا الحوار الصحفي الذي نشر في صحيفة السوداني، وأعاد نميري في الحوار تهديده للأحزاب وبشر الشعب بعودته القريبة. وجاء في الكلمة الأخيرة التي وجهها النميري للشعب السوداني عبر صحيفة (السوداني) ((أريدك أن تعلم ويعلم كل الناس أنني عندما أتحدث عن فترة مايو لا أتحدث عن أمجاد شخصية، لكنني أتحدث عن قصة ثورة شعب بأكمله، ضحي من أجلها ولن يتركها توأد.. وعندما أدافع عن جعفر نميري لا أدافع عن جعفر نميري الشخص، لأن جعفر نميري الشخص قد احتسب أمره لله، وما أصابني من ساقط القول احتسبته لله تعالي زكاة للبدن وتكفيراً للذنوب. كما أريدك أن تعلم أيضاً وتنقل عني كل أهل السودان وللناس جميعاً أنني عندما أبشر بالعودة إلي حكم السودان لا أبشر بذلك لتحقيق حلم في نفسي، أو لإشباع رغبة في الحكم، ولكنني عائد لحكم السودان لاستكمال مسيرة الثورة التي أراد زعماء الطائفية والحزبية لها أن تضيع . وأكررها وأقولها صراحة، وبأعلي صوت لكل الذين ينتظرون عالم الصحوة والنور، أني عائد .... عائد ... عائد.
جلس ثلاثتنا بعد ذلك، نميري وعروة وشخصي لبحث سبل التنسيق بين مايو والجبهة الإسلامية للعمل الثوري، فسأل محجوب نميري عن ممثل المايويين في السودان للترتيب معه، فأخبره نميري أن المسئول عن العمل في السودان هو الأستاذ عوض الجيد محمد أحمد. فودعنا عروة وعاد إلي السودان لبداية الحملة الإعلامية ضد حكومة الديمقراطية الثالثة التي كان يقودها السيد الصادق المهدي ولقيادة التنسيق بيم المايويين والجبهة الإسلامية.
وأذكر عندما نشرت هذا الكلام في وقت سابق في مناسبة مماثلة اجتررت فيها بعض ذكرياتي مع الرئيس الرحل جعفر نميري، أثبت الأستاذ محجوب عروة ما ذكرت وشهد بما قلت، وكتب في صحيفة (الرأي العام) مقالاً بعنوان (نعم فعلتها أخي عنقرة وكنت من الظالمين) وأكد في المقال صحة ما ذكرت وقال أنه فعلاً شارك في تنسيق العملية الإنقلابية التي كان مفروض أن يقوم بها الإسلاميون مع المايويين، إلا أن ذلك كان علي أيام التزامه بالحركة الإسلامية قبل أن يطلقها، وقال أن ذلك كان من الظلم والخطأ الذي رجع عنه. ولكن عندما نشرت بعضاً من ذلك في مناسبة مشابهة لاحقة، أثبته أـيضاً ولكنه قال أنه عندما علم بتحرك للمايويين ذهب إلي الدكتور الترابي وأخبره به، فطلب منه الترابي أن يستمر معهم وينقل له أخبارهم حتي يتغدون بهم قبل أن يتعشوا بهم. ولقد ذكرت هذين الموقفين لأمانة النقل والتوثيق، ولأن الحقيقة هنا قد تاهت، فلم أعد أعرف إن كان الأستاذ عروة منسقاً بين المايويين والإسلاميين، أم اخترقاً لهم لصالح الجبهة الإسلامية.
أبوسهيل
10-01-2010, 02:05 PM
في ذكري (25) مايو الوطن تنشر حلقات من كتاب
(أيام مع جعفر نميري أسرار ومواقف) (3)
سيد أحمد خليفة قاد مبادرة للصلح بين الصادق المهدي والمايويين ونميري تحفظ عليها
تأخير الطائرة السودانية أنقذنا من الإعتقال مع الشهيد الزبير والعميد أحمد فضل الله والمجموعة
الدنقلاوي وضع خطة متكاملة لاغتيال قادة الأحزاب السياسة ونميري رفض الفكرة
هذه هي قصة نميري ومستشاره محمد محجوب وشقتي القاهرة والإسكندرية وربع مليون دولار
للكاتب الصحفي/ جمال عنقرة
(لم يكن في تقديري في يوم من الأيام أن أصدر كتاباً حول علاقتي مع الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري، ذلك أن صلتي المباشرة معه لم تتجاوز بضع مئات محدودة من الأيام قضيتها معه مستشاراً إعلامياً له في بعض فترة منفاه في العاصمة المصرية القاهرة. وهذه الأيام رغم قلتها مقارنة بتاريخ الرجل الطويل في الحكم وخارجه، إلا أنها حفلت بالعديد من الأحداث المثيرة، ليس في تاريخ الرجل فحسب ولكن في تاريخ وطننا السودان أيضاً.. هذا فضلاً عن أن وجودي اللصيق معه قد أتاح لي أن أعرف منه أسرار أحداث وقعت في حياته قبل أن ألقاه. وشملت هذه الأحداث محطات في مسيرة حياة الرجل منذ نشأته وعلاقات أسرته، وحياته الطلابية وزملاء دراسته، ثم دخوله الكلية الحربية وتخرجه فيها، وتدرجه في الرتب العسكرية إلي أن صار رئيساً للجمهورية. وتلك ستة عشر عاماً حافلات بالمواقف والأسرار... كيف دبر للانقلاب وكيف نفذه، ومن كان معه، وماهي علاقته بالحزب الشيوعي السوداني وعلاقة الشيوعيين بمايو، وهل كان نميري شيوعياً.. وووقفت علي الكثير من التفاصيل والحكايات والأحداث الجسام مثل أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي، ومحاولات الإنقلاب علي نميري، فشلها ونجاحها. وعلاقاته مع الرؤساء والزعماء العرب والأفارقة وغيرهم..
أما ما كنت شاهداً عليه ومشاركاً في صناعته فهو أولاً المعركة مع الديمقراطية الثالثة التي كان يقود حكوماتها السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي. ولقد احتوت علي محاولات انقلابية عديدة لهدف إعادة نميري للحكم.. وفي ذلك أسرار عديدة ومثيرة لاسيما في ما يخص حوارات بعض القيادات الحزبية مع الرئيس نميري من وراء ظهور أحزابهم التي كان نميري يعمل علي إسقاط حكوماتها، وكان بعض القياديين في تلك الأحزاب يشجعونه علي ذلك. ووقفت كذلك خلال هذه الفترة علي حوارات صحفية كانت غطاء لغيرها مما كان يضمره أصحابها، الذين كانت لهم أجندة خفية ستروها بالحوار أو المقابلة الصحفية. وشاركت في تلك الفترة في الحوار بين مايو والإسلاميين قبل الإنقاذ وبعدها. وشارك في ذلك إسلاميون ومايويون كثر. بعض كان يبني، وبعض كان يهدم، وبعض ينطبق عليه المثل السوداني (يدي الحلة عيطة والنقارة عصاة)
كل تلك الأحداث ما كان يمكن أن أتركها دون توثيق فجمعت ما يجوز نشره في كتاب أسميته (أيام مع جعفر نميري ــ أسرار ومواقف) وأحاول في هذه المساحة في (الوطن) أن أستعرض بعض ملامحه عبر حلقات متتابعة بإذن الله تعالي.
بعد يومين من عودة الأستاذ محجوب عروة للسودان اتصل بي الأستاذ سيد أحمد خليفة تلفونياً في الفندق وأخبرني أنه وصل القاهرة لتوه وينزل في فندق (نيو ريش) بشارع عبد العزيز بوسط القاهرة. وكان قد تأخر عن الموعد المتفق عليه لإجراء حوار مع نميري أربعة أيام. وعندما ذهبت إليه أخبرني أنه لم يتأخر تردداً ولكنه آثر قبل المجيء أن يتصل بالسيد الصادق المهدي رئيس الوزراء ورئيس حزب الأمة ليستشيره في الأمر لكونه رئيس الحزب الذي كان ينتمي إليه، ثم لوجود صراعات بينه وبين تيارات وشخصيات نافذة في الحزب منهم السيد مبارك الفاضل وزير الداخلية، والعميد عبد الرحمن فرح مستشار الأمن. وقال أن السيد الصادق المهدي وافق علي الفكرة وشجعها.
وفي مساء ذات يوم الوصول رتبت لقاء سيد أحمد خليفة وجعفر نميري في قصر النصر. ولقد تفاجأ الأستاذ سيد أحمد بتماسك وحضور الرئيس نميري. وامتد اللقاء لتسع ساعات سأل فيها سيد أحمد عن كل شيء ولم يترك نميري شيئاً دون أن يجيب عليه. وعند العاشرة من صباح اليوم التالي ذهبت إلي الأستاذ سيد أحمد في الفندق فوجدته لم ينم غير ساعة واحدة قام بعدها بإعداد رسالة القاهرة الأولي إلي صحيفة (الوطن) وكانت الخطوط ملتهبة ومثيرة، وكانت رسالة القاهرة كل الصفحة الأولي من عدد ذاك اليوم. وجاء في المانشيت (جئنا لنحاكم الرجل فحاكمنا)
أخبرني بعد ذلك سيد أحمد أنه قبل مجيئه للقاهرة ذهب للسيد الصادق المهدي وأخبره بموضوع الحوار الصحفي مع نميري، ثم اقترح عليه أن يقود مبادرة للصلح بين جعفر نميري وحكومة الصادق المهدي. وكان سيد أحمد قد قال للمهدي أن نميري عندما كان حاكما، وكنتم في المعارضة قبل مصالحتكم، فلماذا لا تصالحونه اليوم وأنتم في الحكم وهو في المعارضة. فوافق السيد الصادق المهدي ولكنه آثر أن تأتي المبادرة من الأستاذ سيد أحمد خليفة وهو يسندها في البرلمان عبر نواب حزبه، ويسندها في الحكومة بموقعه رئيساً للوزراء. فقلت لسيد أحمد أن الفكرة في حد ذاتها مقبولة لكنها تحتاج إلي خدمة وتهيئة. ووعدته أن أمهد لذلك عند الرئيس نميري، علي أن يعمل لتقدم الحكومة ما يثبت حسن نواياها تجاه المايويين.
وبرغم أني اتفقت مع الرئيس نميري أن يبدي مرونة في قبول فكرة المبادرة إلي حين تقديم الحكومة ما يثبت جديتها في ذلك، إلا أنه عندما طرح له الأستاذ سيد أحمد المبادرة قال له أنه لا يثق في الصادق المهدي الذي يسميه بعكس اسمه تماماً. وطلب لقبول الفكرة أن تطلق الحكومة سراح المايويين المعتقلين وتسمح لتحالف قوى الشعب العاملة بممارسة نشاطه السياسي دون حجر أو حظر.
عاد الأستاذ سيد أحمد خليفة إلي السودان وظلت الوطن تنشر يومياً أحاديث نميري الملتهبة في صفحتها الأولي. وزاد في تلك الفترة اتصال الإعلام العربي والأجنبي وكان أشهر ذلك حديثة لهيئة الإذاعة البريطانية الذي كثف فيه من وعده للشعب بالعودة، ووعيده للحكومة الحزبية بالثورة الشاملة عليها وعلي سلطانها. ثم قرر بعد ذلك الإختفاء عن الناس، وكنا نقول للسائلين والمتصلين أن نميري سافر خارج مصر. فأشعنا مرة أنه غادر إلي تشاد، ونشرت الصحف ذات الخبر، وتردد في السودان أن نميري في أسوان وأشيع أنه ينوي تنفيذ هجوم علي الخرطوم عن طريق الشمال. ولقد وجدت هذه الشائعات رواجاً كبيراً، لاسيما أننا قبل وقت مضي كنا قد أشعنا أن نميري ذهب إلي دنقلا، وشاع مرة أنه وصل أم درمان. ومن الطرائف أن بعضنا كان يشارك في ترويج الإشاعات ثم يصدقها. أما الحكومة فكانت دائماً تأخذ الأمر مأخذ الجد وتتخذ تحوطاتها اللازمة. فعندما أشيع أنه في أسوان أوقفت الحكومة السفر بين أسوان ووادي حلفا، وعندما قيل أنه دخل أم درمان قامت سلطات الأمن بحملة تفتيش واسعة في مقر إقامة أهله بودنوباوي والمنازل المجاورة.
تصادف في تلك الأيام وصول رجل للقاهرة لم يكن معروفاً لأحدنا من قبل، لكننا عرفنا فيما بعد أنه من أهل دنقلا. وكان عندما يأتي يدخل مباشرة إلي مكتب نميري ثم يغلقا المكتب عليهما لساعات طوال ثم يخرج دون أن يتحدث مع أحد، ودون أن يقول لنا نميري شيئاً مما دار بينهما. وبعد ثلاثة أيام أسر لي نميري بأمر الرجل وأخبرني أنه من أهل دنقلا الذين كونوا مليشيات عسكرية تلقت تدريبات عالية علي القتال والأعمال الانتحارية، وهم قد أقسموا علي المصحف للقتال حتي الموت من أجل عودة نميري للحكم، وكتب كل منهم اسم نميري علي ساعده بماء النار دليل وفاء ومحبة. ولقد رأيت ما فعل الرجل في ساعده الأيمن.
كان الرجل القادم من دنقلا علي ديكور رجل عابد وقور وكأنه المهدي المنتظر. الجلباب أبيض ناصع وكذلك العمامة والشال، ولحية كثيفة مرسومة بدقة واتقان، ومسبحة لا تفارق يده أبداً، وحديث لا يكاد يسمع إلا استرقاقاً، وكان دائم التسبيح والحمد والتكبير، وادعى أنه إمام مسجد دنقلا الكبير..
أخذتني الشكوك والظنون في أمر الرجل، لاسيما وأن كل شيء عنده يزيد عن المعدل الطبيعي بكثير. ولقد ذكرت ذلك للأخ اللواء أحمد الطيب المحينة. وفي ذات مرة صلينا العشاء معاً وقدمناه للإمامة، وهنا انفضح أمره. فلم تكن له معرفة بقراءة القرآن وضوابطها. ولا يمكن أن يكون رجل بهذه الهيئة وإماماً لمسجد دنقلا ويلحن في القراءة.
وبعد اسبوع من مجيء الدنقلاوي والمعركة ما زالت مشتعلة في الخرطوم قدم الرجل خطة متكاملة إلي نميري لتنفيذ اغتيالات سياسية لقادة الأحزاب وأعضاء الجمعية التأسيسية وبعض الزعماء والقادة التنفيذيين، وطلب من نميري أن يمدهم بكمية من السلاح والذخيرة يتولى هو ترحيلها من مصر إلي السودان، وطلب من نميري أن يستعين بالحكومة المصرية في ذلك. ولكن نميري رفض الفكرة وقال له إن الحكومة المصرية لن ترضى هذا العمل. وأعطاه نميري قطعة سلاح كانت معه احتفظ بها من طاقم الحراسة الذي كان معه في رحلة أمريكا الأخيرة. وادعي الرجل فيما بعد أن القطعة ضبطت منه بواسطة السلطات الأمنية المصرية، التي قال أنها اعتقلته وعذبته عذاباً شديداً.
اتصل بنا الأستاذ سيد أحمد خليفة من السودان وأخبرنا أن الحكومة السودانية علمت أنني وراء حملة نميري الإعلامية ضدها وطلب مني ألا أحضر إلي السودان لأنهم سوف يعتقلوني. فرفضت ذلك وأصريت علي العودة. وكان رأيي أنه أولى بالاعتقال مني. فهو صاحب الجريدة ورئيس تحريرها، وهو الذي أجري الحوار الملتهب. وكان يوم اتصاله هو اليوم المقرر لعودتي والأخت المايوية النقيب خضرة عباس وكان ذلك في الثامن عشر من شهر يونيو عام 1989م. فودعنا الرئيس نميري بنية السفر.
أقام لنا الأخ المحينة حفل شاي صغير في مسكنه في روكسى بمصر الجديدة، وهناك علمنا أن الطائرة السودانية متأخرة عن موعدها فعاودنا نميري مرة ثانية، فاستقبلنا بمشاعر متداخلة بين الذهول والدهشة والفرح. وأخبرنا أن اتصالاً تم به من الخرطوم أخبره بكشف محاولة إنقلابية مايوية واعتقال قدتها العسكريين، ومجموعة من السياسيين، وكان من بين العسكريين الشهيد الزبير محمد صالح، المرحوم العميد أحمد فضل الله، العميد كمال مقلد وآخرين. وشمل الإعتقال الأستاذ سيد أحمد خليفة، وكنت مطلوباً للاعتقال.
لم تعد العودة للسودان ممكنة، فبدأت أفكر في الخيارات البديلة إلا أن نميري لم يدع فترة التفكير تطول فطلب مني أن أبقي معه مستشاراً إعلامياً وسياسياً. فوافقت، وانتقلت من الفندق إلي شقة كان يستأجرها نميري في شارع النهضة بالدقي، وأقمت فيها بعض الوقت مع الإخوة طلب والدنقلاوي، إلي أن استأجر لي نميري شقة خاصة بي في مساكن الشيراتون بمصر الجديدة لأكون بالقرب منه، وتكون لي استقلالية تعينني علي تجويد عملي. وكان اشتراطي الوحيد أن يكون عملي معه مباشرة دون وسيط.
أول رأي قدمته لنميري وقبل به هو تغيير طريقة تذييل مكاتباته. فكان يكتب الخطاب في القاهرة ويمهره بتوقيع رئيس الجمهورية .. القصر الجمهوري .. الخرطوم.. فاقترحت عليه أن يوقعه برئيس تحالف قوي الشعب العاملة من القاهرة. فوافق. وعلمت أن تلك كانت مشورة بعض الذين كانوا حوله فكرت بعد ذلك في إصدار كتاب يحوي حواراً مع الرجل نسجل فيه رؤاه للماضي والحاضر والمستقبل، وأردت من ذلك أن يكون بداية لحوار حول قضايا الوطن الملحة، فأخبرني أنه كان خواتيم عهده في الحكم قد سجل أحاديث شاملة لصحفي عربي لغرض مشابه، وتوجد الآن صورة من هذه الأحاديث فأعطاني لها لعلي أجد فيها ما طلبت. فوجدت فيها مادة ثرة، فقط يعوزها الترتيب وضبط قواعد اللغة وتصحيح بعض المعلومات. فعكفت عليها أياماً طوال أعيد كتابتها وتصحيحها ويتابع معي الرئيس ذلك، إلي أن صارت كتاباً أسميته (هكذا تكلم جعفر نميري
ترامى خبر الكتاب لجهات عديدة ، فبدأت التحركات والاتصالات بغرض النشر أو توقيفه. وكان أول المتصلين المرحوم محمد محجوب سليمان مستشار نميري الصحفي أيام حكمه. وأراد سليمان من الاتصال إذابة الجليد الذي تكون بينها من أجل أخذ حق نشر تلك الأوراق، وذلك لإسهامه في تفريغ الأشرطة بالإشراف عليه، ولأنه يري أنه صاحب تلك الأفكار وليس نميري ــ حسب قوله ــ فكتب محمد محجوب خطاباً مؤثراً لنميري إلا أن نميري لم يتأثر. وذكر محجوب في خطابه أن سوء تفاهم وقع باعد بينهما ولكن نميري رفض مسألة سوء التفاهم، وقال أن الذي بينهما خيانة للمال واللسان. وطلب من محمد محجوب إن أراد الصلح يرد ما لديه من مال، ويعفو نميري عن جرح اللسان. وكان نميري يعني بذلك شقتين في القاهرة والإسكندرية وربع مليون دولار، وهي في جملتها مليون دولار كان نميري قد دفعها للمساهمة في دار نشر بمصر مع ناشر عربي، وعندما تعذر قيامها طلب من محمد محجوب أن يشتري منها شقتين في القاهرة والإسكندرية لضيافة أسرته عندما تنزل مصر، ولكنه عندما جاء إلي مصر لاجئاًُ لم يجد شيئاً. ولكن يبدو أن محمد محجوب لم يرض بهذه مقابل تلك فقطع اتصاله وانقطع، ولم يره نميري ثانية إلا عندما انهارت عليه عمارة في القاهرة وقضي نحبه تحت الأنقاض، فكان نميري أول الواصلين، وبقي مرابطاً هناك حتي تم انتشال كل الجثث وتشييعها. وظل يتقبل فيه العزاء بحسرة وألم.
أبوسهيل
10-04-2010, 12:00 AM
في ذكري (25) مايو الوطن تنشر حلقات من كتاب
(أيام مع جعفر نميري أسرار ومواقف) (4)
نميري أرسل أول برقية تأييد للإنقاذ فجر يوم الثورة لكنها لم تنشر ونشرتها الأهرام المصرية
المايويون قالوا أنهم صنعوا ثورة الإنقاذ الوطني والجبهة الإسلامية سرقتها منهم
لهذه الأسباب ألغي سفر علي عثمان وأحمد سليمان ومحجوب عروة للقاهرة لمقابلة نميري للتنسيق
هذه هو النص الكامل لأول خطاب من الرئيس نميري للرئيس عمر البشير
للكاتب الصحفي/جمال عنقرة
(لم يكن في تقديري في يوم من الأيام أن أصدر كتاباً حول علاقتي مع الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري، ذلك أن صلتي المباشرة معه لم تتجاوز بضع مئات محدودة من الأيام قضيتها معه مستشاراً إعلامياً له في بعض فترة منفاه في العاصمة المصرية القاهرة. وهذه الأيام رغم قلتها مقارنة بتاريخ الرجل الطويل في الحكم وخارجه، إلا أنها حفلت بالعديد من الأحداث المثيرة، ليس في تاريخ الرجل فحسب ولكن في تاريخ وطننا السودان أيضاً.. هذا فضلاً عن أن وجودي اللصيق معه قد أتاح لي أن أعرف منه أسرار أحداث وقعت في حياته قبل أن ألقاه. وشملت هذه الأحداث محطات في مسيرة حياة الرجل منذ نشأته وعلاقات أسرته، وحياته الطلابية وزملاء دراسته، ثم دخوله الكلية الحربية وتخرجه فيها، وتدرجه في الرتب العسكرية إلي أن صار رئيساً للجمهورية. وتلك ستة عشر عاماً حافلات بالمواقف والأسرار... كيف دبر للانقلاب وكيف نفذه، ومن كان معه، وماهي علاقته بالحزب الشيوعي السوداني وعلاقة الشيوعيين بمايو، وهل كان نميري شيوعياً.. وووقفت علي الكثير من التفاصيل والحكايات والأحداث الجسام مثل أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي، ومحاولات الإنقلاب علي نميري، فشلها ونجاحها. وعلاقاته مع الرؤساء والزعماء العرب والأفارقة وغيرهم..
أما ما كنت شاهداً عليه ومشاركاً في صناعته فهو أولاً المعركة مع الديمقراطية الثالثة التي كان يقود حكوماتها السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي. ولقد احتوت علي محاولات انقلابية عديدة لهدف إعادة نميري للحكم.. وفي ذلك أسرار عديدة ومثيرة لاسيما في ما يخص حوارات بعض القيادات الحزبية مع الرئيس نميري من وراء ظهور أحزابهم التي كان نميري يعمل علي إسقاط حكوماتها، وكان بعض القياديين في تلك الأحزاب يشجعونه علي ذلك. ووقفت كذلك خلال هذه الفترة علي حوارات صحفية كانت غطاء لغيرها مما كان يضمره أصحابها، الذين كانت لهم أجندة خفيه ستروها بالحوار أو المقابلة الصحفية. وشاركت في تلك الفترة في الحوار بين مايو والإسلاميين قبل الإنقاذ وبعدها. وشارك في ذلك إسلاميون ومايويون كثر. بعض كان يبني، وبعض كان يهدم، وبعض ينطبق عليه المثل السوداني (يدي الحلة عيطة والنقارة عصاة)
كل تلك الأحداث ما كان يمكن أن أتركها دون توثيق فجمعت ما يجوز نشره في كتاب أسميته (أيام مع جعفر نميري ــ أسرار ومواقف) وأحاول في هذه المساحة في (الوطن) أن أستعرض بعض ملامحه عبر حلقات متتابعة بإذن الله تعالي.
استيقظ الناس فجر يوم الجمعة الثلاثين من يونيو عام 1989م علي صوت المذياع ينقل البيان الأول لقائد ثورة الانقاذ الوطني العميد عمر حسن أحمد البشير ينقل نبا استيلاء الجيش علي السلطة في السودان. وترامي الخبر إلي مسامعنا في القاهرة فتحركنا دون ترتيب إلي مكان إقامة الرئيس نميري في قصر النصر، فوجدنا الأبواب مغلقة، والحرس قد تغير. حاولنا الاتصال هاتفياً، فوجدنا الأرقام أيضاً قد تغيرت وصار يرد علينا آخرون لا نعرفهم.
ذهبت من هناك إلي شقة الأخ اللواء أحمد الطيب المحينة في حي روكسي بمصر الجديدة، وهي الأقرب لسكن نميري، فوجدت معه الأخ العميد شرطةحسن عوض أحمد، وهو صديق للمحينة وتجمعنا أواصر عديدة وهو رجل مهموم بقضايا الوطن ويصدح بما يقول. وبرغم أنا لم تكن لدينا أية معلومات عن الانقلاب في ذاك الوقت لكننا اتفقنا علي أن تغييراً قادته المؤسسة العسكرية لا بد أن يكون وطنياً وفي صالح الشعب. فكتبت برقية تأييد للقادة الجدد، وأضاف لها الأخ حسن عوض آية قرآنية زين بها مقدمتها. وكتبت البرقية باسم الرئيس نميري رئيس تحالف قوي الشعب العاملة، وقلت فيها أننا نؤيد الثورة التزاماً بمنهجها وليس وصاية عليها. وأكدت وقوفنا معهم ومساندتنا لهم. وأخذ الأخ الواثق مسودة البرقية وذهب بها إلي الرئيس نميري فأقرها وكتبها بخط يده وأعادها لي الواثق لبعثها وترويجها. فأرسلتها للسودان إلا أنها لم تنشر مع برقيات التأييد التي وصلت، ولم تشر لها أجهزة الإعلام السودانية من قريب أو بعيد. وفي الصحافة المصرية نشرتها صحيفة الأهرام في صدر صفحتها الأولي للطبعة الأولي لكنها رفعتها عن الطبعتين التاليتين الثانية والثالثة.
وفي صبيحة اليوم التالي بدأت الاتصالات تتوالي من الخرطوم من المايويين. ولقد أجمع كل المتصلين أن المايويين هم الذين صنعوا ثورة الإنقاذ الوطني، وأن الجبهة الإسلامية سرقت جهدهم وسرقت منهم الثورة. ولقد تبني الأخ عبد المطلب بابكر رأي الخرطوم. وكنا نصر علي أن الانقلاب قومي نفذته المؤسسة العسكرية، وكنا نستدل علي ذلك بتأييد الحكومة المصرية له. وأذكر أن الأستاذ صلاح منتصر الكاتب المصري المعروف كتب مقالاً عن ثورة الإنقاذ الوطني في مجلة أكتوبر العدد (663) الصادر يوم الأحد التاسع من يونيو عام 1989م مجد فيه ثورة الإنقاذ وهاجم فيه السيد الصادق المهدي هجوماً عنيفاً، وحمله أوزار كل ما جري في السودان من تدهور خلال فترة حكمه. فقرأت المقال للأخ طلب لأزيد من شواهدي علي قومية الثورة الجديدة، فقال لي أن ناس الجبهة فعلوا مع الحكومة المصرية ذات ما فعلته أم موسي مع فرعون ألقت له بوليدها فاحتضنه ورعاه، وعندما كبر ثار عليه، وكذا الجبهة الإسلامية، رأي طلب أنها رمت بانقلابها في بحور مصر ليجد عندها الأمن والأمان، حتي إذا قوي عوده بان علي حقيقته. وكنا نقول بخيال ما يقول، ونراه شاطحاً.
في تلك الأيام علمت بمجيء الأستاذ أحمد سليمان المحامي لمصر ومحاولته مقابلة نميري لكنه لم يفلح في ذلك. وعلمت أنه تحرك لمواصلة الرحلة إلي مع زوجته لزيارة ابنتهم سارة في بريطانيا. فأدركته في اللحظات الأخيرة في مطار القاهرة قبل أن يغادر.
أخبرني الأستاذ أحمد سليمان أنه نزل مصر فقط لمقابلة نميري، وأخبرني أيضاً أنه كان من المفروض أن يحضر إلي مقابلة نميري في القاهرة قبل التنفيذ برفقة الأستاذين علي عثمان محمد طه ومحجوب عروه لإحكام التنسيق بين الجبهة الإسلامية والمايويين في التحرك للتغيير، إلا أن تطور الأحداث وكشف محاولة مجموعة العميد أحمد فضل الله والشهيد الزبير محمد صالح ألغت سفرهم، وكانت في ذات اليوم المقرر لسفرهم. وحملني رسالة لنميري مفادها أن قادة الإنقاذ وطنيون، وهم سائرون علي دربه، وأنهم في الجبهة الإسلامية يقفون معهم، وسوف يقومون بتكريم نميري وإعادته للسودان عزيزاً، ليكون أباً روحياً للثورة. فقبل نميري بما قال به أحمد سليمان وطلب مني السفر إلي السودان للوقوف علي حقيقة الأوضاع من قريب.
عدت إلي السودان. وفي فجر أول يوم للعودة ذهبت للأخ محجوب عروة وأخبرته بما أخبرني به أحمد سليمان، فأمن عليه، وزاد أنه قد تم استخراج جواز سفر دبلوماسي لنميري بوصفه رئيساً سابقاً ومعه زوجته، وذلك تمهيداً لعودته روحياً للثورة، وأخبرني أن وفداً رفيعاً من قادة الثورة سوف يذهب إلي القاهرة لمقابلة الرئيس نميري لتبليغه ذلك.
حدثت بعض المايويين بما حدثني به الأستاذان أحمد سليمان ومحجوب عروه فوجدتهم مغتاظين لما يقولون بسرقة الثورة منهم، فسألت الأخ محجوب عروة عن ذلك فأخبرني أنه وبمجرد عودته من القاهرة ذهب إلي الأستاذ عوض الجيد محمد أحمد وجلس معه حسبما أشار له نميري بأنه ممثله في السودان والمسئول عن العمل السياسي والعسكري للمايويين في الداخل، واتفقوا علي جلسة أخري موسعة يوم الجمعة السابقة لجمعة الإنقاذ حول مائدة إفطار بمنزل الأستاذ أحمد سليمان إلا أن عوض الجيد سافر إلي أهله في قرية (أبوعشر) بالجزيرة ولم يعد إلا يوم الأربعاء السابقة ليوم التحرك بليلتين فقط. فقلت ذلك للأخ عوض الجيد فأكد عليه وقال أنه كان يحسبها دعوة إفطار عادية. وأذكر عندما قلن ما قال به عوض الجيد لأحمد سليمان رد علي ساخراً (ليه أدعوه فطور عادي، أنا عندي سماية؟)
بعد ذلك ذهبت إلي الوالدة عليها رحمة الله والأخوات وبعض أطراف الأسرة في أم روابة قضيت بينهم وقتاً طيباً بعيداً عن السياسة. وقضيت بينهم نحوا من أسبوع أو يزيد قليلاً ثم عدت إلي الخرطوم ومنها واصلت المسير إلي القاهرة دون أن ألتقي أحداً، ودون أن أسأل عن شيء مما كان ينبغي أن يحدث. ومن مطار القاهرة اتجهت مباشرة إلي قصر النصر، فوجدت مجموعة من القيادات المايوية في الصالون أذكر منهم، المرحوم الفريق الفاتح بشارة، السفير بابتوت، قاسم أحمد قاسم، محي الدين عبد الله محي الدين، عوض جاد الرب، وكان معهم الأستاذ محمد أحمد الطاهر أبو كلابيش. أما الرئيس نميري فكان داخل مكتبه في القصر ومعه محمد عبد الرحمن وكان يتحدث لصحفية أجنبية تعمل في وكالة الأسوشيتدبرس. وكان نميري يشن هجوماً عنيفاً علي الإنقاذ وقادتها وعلي الإسلاميين. ولم يكن يوافقه علي ذلك أحد من الذين كانوا يجلسون في الخارج سوي محمد عبد الرحمن الذي رتب الحوار الصحفي.
أخذت نميري جانباً وحدثته بما سمعته في الخرطوم، فعلمت منه أن أحداً لم يتصل به لا من الإنقاذيين ولا من الإسلاميين، ولا حتي محجوب عروة الذي كان قد بدأ معه الحديث عن التنسيق. بل قال أن بعض الإنقاذيين صاروا يسيئون له ولنظامه في أحاديثهم. فاقترحت عليه أن نؤجل المعركة الإعلامية وننقل لهم تحفظاتنا عبر رسالة مباشرة مكتوبة لهم، فوافقني علي ذلك ووافق الآخرون جميعاً وكلفني بكتابة الرسالة بعد أن قال لي تحفظاته. فكتبتها وجاء فيها:
الأخ الفريق عمر حسن أحمد البشير رئيس مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني، والأخوة أعضاء المجلس..
أحييكم تحية الثورة الأصيلة.. تحية الثورة التي جاءت لتحرر الانسان من عبودية الأوثان لعبودية الله الواحد الديان.. أحييكم بتحية الإسلام الثورة .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عندما قام جمعكم باسم القوات المسلحة في الثلاثين من يونيو 1989م وأعلن نهاية عهد الطائفية والحزبية التي مزقت الوطن وشتت شمله، ورهنت إرادته، وشوهت صورته السمحة وحولت وطن الخير والبركة إلي متسول بين الدول أعطوه أو منعوه. وعندما أعلنتم نهاية هذه المأساة التي كان بطلها الأول الصادق المهدي ومن حوله من بطانته وغيرهم من أهل اليمين واليسار معاً.. ثم أعلنتم أنكم جئتم لتوحدوا السودان الوطن الواحد، وتعيدوا له عزته وكرامته، ما كان لي إلا أن أؤيدكم وأعلن كامل دعمي ومباركتي لخطواتكم في سبيل الإنقاذ.. وأن أدعو الذين يقفون معي كي يهبوا لنصرتكم والوقوف بجانبكم للنهوض بالسودان ليعود رائداً وقائداً في المنطقة.. وأصدرت لأعواني توجيهاً واضحاً للعمل معكم بكل قوة، وأن يقدموا لكم تجربتهم في حل قضايا الوطن والمواطن في السودان. وأن يكشفوا كل مخططات الحزبية والطائفية للنيل من الثورة الوليدة.
لم يكن هذا الموقف مني تكالباً علي السلطة، أو سعياً لتحقيق مطامع لم أعمل علي تحقيقها يوماً وأنا حاكم بإرادة الشعب من بعد أمر الله تعالي ستة عشر عاماً، ظلت أطول وأثري فترة حكم واحد للسودان منذ نشأته. لكنه الالتزام بطريق الثورة الذي حتم علي هذا الموقف، ثم أنه الالتزام بشرف الجندية التي فجرتم ثورتكم باسمها. وهذا شرف لم أتنازل عنه يوم ان كان التقاعد بالنسبة لي يعني كسباً مادياً كبيراً، إلا أن الإصرار علي بقائي رئيساً للجمهورية بالزي العسكري كان أكبر، وذلك لأنني جئت إلي هذا المنصب باسم القوات المسلحة كأحد فصائل تحالف قوي الشعب العاملة، فكيف لي أن أعتزل ثورة تفجرت باسم الجيش وأنا ما زلت أتشرف بالانتماء إلي مؤسسة الجيش..
أخوتي الأفاضل
بعد إعلان دعمي وتأييدي لكم كان علي أن أقف مراقباً ومترقباًَ للأحداث، وليس هذا وصاية مني عليكم، ولا علي شعبي، ولكنه الالتزام بقضايا الشعب الذي ظل يهتف باسمي في كل ملماته ونوازله، وحق الالتزام بقضية الثورة التي وقفت نفسي لها حتي ألقي الله وأنا أسير علي دربها مجاهداًُ. وبمتابعتي اليومية لحركة الأحداث في السودان، تبدت لي مواقف عديدة وأفعال كثيرة استدعت مني وقفة صادقة مع نفسي الملتزمة بنهج الثورة، ومع شعبي الذي يطمع في فجر الثورة، ومعكم الذين حملتم اسم الثورة. ولقد بدأ واضحاً للناس جميعاً أن ثورتكم بدأت مرحلة الارتداد نحو الحزبية، وأنها تمحورت في اتجاه حزبي ضيق، فكادت أن تتحول إلي دكتاتورية حزبية تحكم باسم الجيش. قد نتفق مع حزب هنا أو هناك في قضية معينة، أو طرح فكري محدد، ولكننا لن نتفق أبداً في أن يكون محور التحرك حزبياً ضيقاً.. وبالتاريخ وللتاريخ، فإن الثورة السودانية بتاريخها الطويل الممتد بعمر هذا الشعب العريق، لم تنتكس إلا عندما اعتراها داء القبلية والحزبية والطائفية.
ثم أنكم بالرغم مما أعلنتم من ملامح ناصعة لسياسة السودان الخارجية، علاقاته الدولية، إلا أن ما أصاب مواقفكم من تردد واختلال جعل حالكم أشبه بحال الصادق المهدي الذي حاول أن يلعب بالمتناقضات فخسفت به وبحكمه الأرض ورمت به في مزبلة التاريخ. أما بخصوص مسألة الجنوب التي تحولت إلي قضية بفعل الطائفية، فإن مداخل حلها لا بد ان تكون واضحة وجلية. فأثيوبيا لم تكن أرضاً محايدة تجري المفاوضات عليها، والنظام الأثيوبي لم يعد نظاماً محايداً يصلح لأن يرعي مفاوضات السلام. فأثيوبيا أرض الخصم، والنظام الأثيوبي يريد أن يقايض قضية الجنوب بقضية ارتريا. فكيف يمكن أن يكون التفاوض عادلاً في مثل هذه الظروف.
إن تدويل قضية الجنوب خرج بها من دائرة المسائل الداخلية إلي رحاب أوسع، وأصبح العامل الخارجي أفعل من المؤثرات الداخلية. فلا بد من قوة دولية لها اعتبارها واحترامها ترعي هذا التفاوض، وتضمن سلامة واستمرارية قراراته. ولا بد من وجود أرض محايدة ينساب الحديث فيها بين الجانبين دون تأثير أو تأثر. وأحسب أم مصر بموقفها وعمق العلاقات بينها وبين السودان، وخصوصية العلاقة بينها وبين النظام في السودان وبين حركة التمرد، وبحكم وضع الرئيس محمد حسني مبارك كرئيس لمنظمة الوحدة الأفريقية، فهي الأنسب والأقرب لأن تكون أرض الحوار وراعيته، وذلك بعضوية مجموعة من دول الجوار التي تؤثر وتتأثر بالوضع في جنوب السودان.
أخوتي
برغم أن ثورتكم قد تجاوزت الستين يوماً من عمرها لكنها ما زالت معزولة عن جماهير الشعب السوداني، وهذا أيضاً كان أمراً متوقعاً، فالثورة كما أسلفت قد تمحورت في اتجاه حزبي ضيق. وهي بهذا التمحور لم تستطع أن تقنع جماهير هذا الحزب أنها لهم، وفي ذات الوقت عجزت عن إقناع بقية أهل السودان بأنها ليست حزبية.. ومثل هذا الموقف لا يليق بثورة جاءت لتنقذ السودان من تناقضات الحزبية والطائفية التي كانت سبباً أساسياً في كل هذا التردي وكل هذا الدمار.
كما أن عداكم المبكر للنقابات والاتحادات وقوي الشعب العاملة قد زاد من عزلتكم، وفتح الباب واسعاً للكيد لكم والعمل ضدكم من جماهير الثورة، الذين نسميهم قوي التحالف العاملة، والذين كان من الممكن أن يشكلوا دعماً حقيقياً للثورة ولبرامجها إن هي أرضت في طرحها طموحات الثائرين الوطنيين المتمردين دائماً علي سلطان الحزبية والطائفية. وهم كما تعلمون أهل السودان الذين وقفوا صفاً واحداً فحققوا الوحدة الوطنية والسلام والأمن، ثم بنوا وعمروا أراضيهم الواسعة وكانت المعجزات.
هذا فضلاً عن أن نظامكم حتى الآن لم يبحث عن شكل المشاركة الشعبية ويبدو أنكم أردتم تجاوز الثورة الأصيلة التي أرست قواعد متينة لحكم السودان بإرادة شعبه أجمع، متمثلاً في تحالف قوي الشعب العاملة.. كما أن ما ذهبتم إليه من لجان رقابة شعبية ــ مهما كان نوعها. إن كانت علي شاكلة اللجان الثورية الليبية، أو لجان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنها قطعاً ستكون مسخاً مشوهاً لمشاركة الجماهير، وسوف تكرس من ديكتاتورية الحزب الواحد التي نخشي أن تكون القشة التي ستقصم ظهر البعير.
أخوتي الأفاضل
قلت لكم هذا القول اليوم (وأنا لكم من الناصحين) لأكون شاهداً عليكم أمام رب العالمين قبل شهادتي لدي شعب السودان والقارة الأفريقية والأمة العربية والإسلامية، والعالم أجمع.. وتلك هي سنة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأحسن التسليم، فهو يبدأ دهوته بالنصيحة والقول الحسن، وهو البشير النذير. ويظل هذا النهج قائماً ما دامت لقوله آذان صاغية وقلوب واعية، فإن صموا آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا، ثم استدبروا طريق النصح والحق، فتح الله بينه وبينهم، وأذن له في طريق آخر .. هو طريق الجهاد.
ونسأل الله أن يكون طريقنا هو طريق الثورة والصلاح والفلاح، وأن يجمع بيننا علي درب الثورة وهو علي كل شيء قدير.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
المشير جعفر محمد نميري
رئيس تحالف قوي الشعب العاملة
القاهرة 2/9/1989م
حلقات في ذكرى 25 مايو المصدر صحيفة الوطن
أبوسهيل
10-06-2010, 12:23 AM
في ذكري (25) مايو الوطن تنشر حلقات من كتاب
(أيام مع جعفر نميري أسرار ومواقف) (5)
العميد أحمد فضل الله طالب الإنقاذيين بدعوة نميري وتسليمه السلطة فعزلوه من الجيش وأبعدوه
أهل الباطن حاصروا نميري ببشارات العودة، ومن ضريح السيد البدوي في طنطا جاءت أقوي رسالة
فؤاد مطر أرسل منجماً من بريطانيا لينقل لنميري بشارات العودة لحكم السودان
نميري رفض مقابلة جوزيف لاقو وأحمد عبد الحليم لأنه كان في خلوة يخرج منها حاكماً للبلاد
للكاتب الصحفي/جمال عنقرة
(لم يكن في تقديري في يوم من الأيام أن أصدر كتاباً حول علاقتي مع الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري، ذلك أن صلتي المباشرة معه لم تتجاوز بضع مئات محدودة من الأيام قضيتها معه مستشاراً إعلامياً له في بعض فترة منفاه في العاصمة المصرية القاهرة. وهذه الأيام رغم قلتها مقارنة بتاريخ الرجل الطويل في الحكم وخارجه، إلا أنها حفلت بالعديد من الأحداث المثيرة، ليس في تاريخ الرجل فحسب ولكن في تاريخ وطننا السودان أيضاً.. هذا فضلاً عن أن وجودي اللصيق معه قد أتاح لي أن أعرف منه أسرار أحداث وقعت في حياته قبل أن ألقاه. وشملت هذه الأحداث محطات في مسيرة حياة الرجل منذ نشأته وعلاقات أسرته، وحياته الطلابية وزملاء دراسته، ثم دخوله الكلية الحربية وتخرجه فيها، وتدرجه في الرتب العسكرية إلي أن صار رئيساً للجمهورية. وتلك ستة عشر عاماً حافلات بالمواقف والأسرار... كيف دبر للانقلاب وكيف نفذه، ومن كان معه، وماهي علاقته بالحزب الشيوعي السوداني وعلاقة الشيوعيين بمايو، وهل كان نميري شيوعياً.. وووقفت علي الكثير من التفاصيل والحكايات والأحداث الجسام مثل أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي، ومحاولات الإنقلاب علي نميري، فشلها ونجاحها. وعلاقاته مع الرؤساء والزعماء العرب والأفارقة وغيرهم..
أما ما كنت شاهداً عليه ومشاركاً في صناعته فهو أولاً المعركة مع الديمقراطية الثالثة التي كان يقود حكوماتها السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي. ولقد احتوت علي محاولات انقلابية عديدة لهدف إعادة نميري للحكم.. وفي ذلك أسرار عديدة ومثيرة لاسيما في ما يخص حوارات بعض القيادات الحزبية مع الرئيس نميري من وراء ظهور أحزابهم التي كان نميري يعمل علي إسقاط حكوماتها، وكان بعض القياديين في تلك الأحزاب يشجعونه علي ذلك. ووقفت كذلك خلال هذه الفترة علي حوارات صحفية كانت غطاء لغيرها مما كان يضمره أصحابها، الذين كانت لهم أجندة خفيه ستروها بالحوار أو المقابلة الصحفية. وشاركت في تلك الفترة في الحوار بين مايو والإسلاميين قبل الإنقاذ وبعدها. وشارك في ذلك إسلاميون ومايويون كثر. بعض كان يبني، وبعض كان يهدم، وبعض ينطبق عليه المثل السوداني (يدي الحلة عيطة والنقارة عصاة)
كل تلك الأحداث ما كان يمكن أن أتركها دون توثيق فجمعت ما يجوز نشره في كتاب أسميته (أيام مع جعفر نميري ــ أسرار ومواقف) وأحاول في هذه المساحة في (الوطن) أن أستعرض بعض ملامحه عبر حلقات متتابعة بإذن الله تعالي.
أرسلنا الخطاب الذي كتبه الرئيس نميري للرئيس عمر البشير في السودان، عبر السفارة وعبر وسائل أخري، وانتظرنا رد الحكومة ولكن لم يصل أي رد ولم يشر إليه من قريب أو بعيد لأسبوعين كاملين قررنا بعدهما أن ننشره في الصحافة، فاتصلت بالأخ الأستاذ عثمان ميرغني في لندن وأرسلت له الخطاب عبر الفاكس فنشره في جريتهم (الشرق الأوسط) وكان الخبر الرئيس للعدد الصادر صباح اليوم التالي. وكان صدي الخطاب داوياً. ورد عليه في اليوم التالي علي ذات الصحيفة (الشرق الأوسط) العميد إبراهيم نايل إيدام عضو مجلس قيادة الثورة والذي كان مسئولاً عن الأمن في الحكومة. واستخف نايل بخطاب نميري وبما جاء فيه، وقال (الحوت ما بهددوه بالغرق) ونفي نايل أية علاقة بين الإنقاذ والجبهة الإسلامية القومية. وذات الشيء فعله وزير الإعلام الأستاذ علي شمو الذي أكد علي قومية الثورة وعدم انتمائها للجبهة الإسلامية أو ارتباطها بها.
بعد ذلك اتفقنا علي تنظيم وهيكلة العمل التنظيمي. فأجزنا تكوين مكتب سياسي للتنظيم في القاهرة، وآخر في السودان، مع إنشاء مكاتب فرعية في كل من السعودية، الأمارات، الكويت، لندن، نيويورك، واشنطن، باريس، وتلك هي المناطق التي فيها وجود فاعل لعضوية التحالف. ثم اتفقنا علي وضع برنامج لتحالف قوي الشعب العاملة، وكلفني نميري بوضعه، فكتبت مسودة لتعرض علي هيئة شوري التنظيم التي اتفقنا علي عقدها في القاهرة بحضور ممثلين للداخل ولبقية المكاتب الخارجية.
طلب نميري من السودان حضور العميد أحمد فضل الله قائد العملية التي اكتشفت في قبل الإنقاذ بنحو أسبوعين في الثامن عشر من يونيو 1989م والتي أعتقل فيها الشهيد الزبير محمد صالح. فجاء المرحوم أحمد فضل الله وقال أنه لم يكن هناك تنسيق بينه وبين الجبهة الإسلامية في الإعداد للتحرك، لكنه كان يحدث الضباط عن تردي الأوضاع في السودان، وعما أصاب المؤسسة العسكرية نتيجة هذا التردي، فإذا اتفقوا معه في وجهة النظر دعاهم للتحرك لتصحيح الأوضاع قبل تغيير عسكري يقوم به الجيش. وكان العميد الزبير محمد صالح أحد الذين وافقوا علي المشاركة في التغيير. وقال أحمد فضل الله أنه عندما وجد أن التيار الغالب وسط الضباط هو التغيير باسم المؤسسة العسكرية، اتصل بالفريق عبد الرحمن سعيد نائب رئيس هيئة الأركان وحدثه بذات ما حدث به بقية الضباط، فوجده أكثر حماسة فعرض عليه الفكرة فوافق عليها، واتفقا أن يوليه بتطور الأخبار أولاً بأول.
وأضاف العميد أحمد فضل الله أنه جاء إلي الفريق عبد الرحمن سعيد صباح يوم السبت الموافق 18/6/1989م وأخبره أن كل الترتيبات قد اكتملت للتحرك بعد يومين للاستيلاء علي السلطة، وسلم الفريق سعيد قائمة باسم المشاركين. وقال أن الفريق عبد الرحمن أعطي المعلومات والقائمة للواء صلاح مصطفي مدير الاستخبارات الذي تولي اعتقال كل الذين وردت أسماؤهم، واعتقلت معهم مجموعة من القيادات السياسية المايوية، واعتقل الأستاذان سيد أحمد خليفة ومحجوب عروة بتهمة الترويج لمايو والتمهيد لانقلابها، وطلبت للاعتقال لذات التهم.
وذكر المرحوم العميد أحمد فضل الله في تنويره لنميري أن العميد عمر حسن أحمد البشير جاءه يوم الجمعة 30/6/1989م بعد نجاح انقلابه وأخبره أنهم أكملوا ما بدءوه من تغيير، وأنهم كانوا من المفروض أن يطلقوا سراحهم منذ بدء التحرك لكنهم أرجئوا ذلك حتى يطمئنوا علي نجاح العملية. فأطلقوا سراحهم وشاركوا مع الإنقاذيين في تأمين بقية المواقع. وقال أحمد أنه طاف جميع الوحدات العسكرية بالعاصمة القومية وأبلغهم أن الانقلاب تم باسم تحالف قوي الشعب العاملة، ومن أجل إعادة الرئيس جعفر نميري للحكم. وهنا كان الخلاف بين أحمد فضل الله وبين مجموعة الإنقاذ فكان أحمد يري ضرورة استدعاء نميري من القاهرة وتنصيبه رئيساً للجمهورية، وإعادة السلطة لمايو، وكان آخرون يرون الفصل تماماً بين مايو ويونيو. فصار أحمد فضل الله يروج لأن الجبهة الإسلامية سرقت الانقلاب من المايويين، وأصبح يتحدث بذلك جهاراً نهاراً، ففصلوه من الجيش وأحالوه للتقاعد، وفرضوا عليه رقابة صارمة اضطر علي إثرها مغادرة البلاد وجاء إلي مصر بناء علي طلب نميري.
كان نميري يتوقع أن أحمد فضل الله يعد لانقلاب عسكري من خلال الانقضاض علي مجموعة الإنقاذ، وذلك حسب اتصالات الخرطوم. وبرغم أني كنت أعتقد ذلك أيضاً لكنني بعدما التقيت أحمد في القاهرة وكان يسكن معي أيقنت أنه جاء بحثاَ عن عمل في الأمارات. وعندما قلت لنميري ذلك، قال أن هذا من ضمن خطة التمويه. واستطاع نميري أن يحاصر أحمد فضل الله بهذه الأماني حتي بدأ الأخير في التسليم والاتصال بالخرطوم من أجل التحرك للتغيير.
ومن الأشياء التي ساعدت علي ذلك أن هناك مجموعات من أهل الباطن كانت تحاصر نميري ببشارات العودة. وهذه المجموعات أحسنت استغلال ظروف الرجل وتعلقه بالمشائخ والصالحين، وإيمانه بكرامات الأولياء وبركات العابدين. وكان علي رأس هؤلاء شاب سوداني يدعي شيخ الصادق كان له أثر رهيب علي نميري، وامتد تأثيره إلي العميد أحمد فضل الله، وكان يحاصره بالهواتف والبشارات. وكان الهاتف يأمر كل يوم بشيء للعميد. مرة يأتيه بعصا بمواصفات معينة ومن مكان معين، ومرة عطراً، وأخري مسبحة وهكذا.
وأذكر يوماً أمرهم الهاتف بزيارة ضريح السيد أحمد البدوي في طنطا، فذهبوا إلي هناك ومعهم شيخ محمد وهو صديق مشترك بين نميري وشيخ الصادق. وبعد هذه الزيارة عاد أحمد فضل الله مؤمناً إيماناً قاطعاً بالهواتف والبشارات وبكرامات شيخ الصادق. وأخبرني أحمد أن أمراً عجيباً قد حدث أثناء الزيارة، فعندما قدموا لزيارة الضريح وكان الناس يتزاحمون حوله، ومن كل الجنسيات والفئات، أطل رجل من داخل الضريح وأمر الناس بفسح الطريق الطريق للوزراء المأذونين ففسح لهم الناس الطريق. وعند العودة حيا الحارس شيخ الصادق الذي كان أول الخارجين وقال لهم (أهلاً) شيخنا، وعندما جاء شيخ محمد قال له (أهلاً مولانا) ولما جاء العميد أحمد فضل الله حياه التحية العسكرية قائلاً (أهلاً سعادتك) والمدهش في ذلك أن ثلاثتهم كان يرتدي الجلباب السوداني، ولا يوجد ما يميزهم عن بعضهم البعض. وهذه كانت نقطة تحول في مسيرة أحمد فضل الله ومفاهيمه. وأذكر أنه استيقظ صباح اليوم التالي مبكراً وقال لي أنه رأي في المنام أنه والرئيس نميري وبصحبته الرئيس المصري محمد حسني مبارك علي متن طائرة أقلتهم إلي السودان، ووجدوا في استقبالهم في مطار الخرطوم الرئيس عمر البشير، فحياهم التحية العسكرية وتقدمهم لتفقد طابور الشرف، وبعد الانتهاء قام الفريق عمر البشير بتسليم علم السودان للرئيس مبارك الذي قام بدوره بتسليمه للرئيس نميري، واختفي الرئيسان مبارك والبشير وسار الرئيس نميري وتبعه العميد أحمد فضل الله.
ومنذ ذلك اليوم بدأ أحمد فضل الله أكثر إيماناً بالهاتف وصار ينتظره وينتظر بشاراته. وأذكر أن زوجتي كانت حبلي في تلك الأيام فأنجبت بنتاً اختارت لها اسم (يسرا) فقال شيخ الصادق أن هذه بشارة (إن مع العسر يسرا)
لم يكن شيخ الصادق وحده الذي يهاتف نميري ويأتيه بالبشارات،فهناك مجموعات أخري. فهناك شيخ يس وهو من أهل الباطن المصريين. وكذلك صاحب البلورة (السيد الألوسي) وهذا يدعي علم النجوم وله صحيفة تصدر في بريطانيا اسمها (البلورة) متخصصة في نبوءات الرؤساء والمشاهير. وأصدر أعداداً خاصة من هذه البلورة تنقل بشارات عودة نميري للحكم، جاء إلي القاهرة يحمل هذه الأعداد وبعض أشرطة الفيديو التي تتحدث عن العودة أيضاً. وتمت الزيارة بواسطة الأستاذ فؤاد مطر صاحب مجلة (التضامن)
وهناك أيضاً هاتف كان يأتي من سيدة سودانية مقيمة في دبي تدعي (أم المهدي) وهذه جاءت في زيارة خاصة للقاهرة لنقل بشارات العودة. وجاء معها زوجها وبرفقتهما أحد الدبلوماسيين الأفارقة الذي له في علم الباطن أيضاً. ولقد شهدنا اللقاء مع الأخ عوض جاد الرب في فندق مريديان القاهرة، وكان اللقاء كوميدياً مضحكاً.
وكان من الذين يهاتفون نميري وينقلون له البشائر شيخ مصري من أهل الباطن. وكان يقول كلاماً خارجاً عن حدود الدين والأدب، وكان نميري يقبله تأويلاً. ولقد أسر لنا هذا الرجل ذات يوم أنه يفعل ذلك لأن نميري في حاجة لجرعات عالية لتحمل رسالة كبري تتنزل عليه. وكانت لنميري أيضاً صلات بأحد الشيوخ السودانيين من أصول نيجيرية وهذا كان قد سجن في السعودية بتهمة ممارسة الدجل والشعوذة، وتوسط نميري له لدي السلطات السعودية وجاء به إلي الخرطوم وألحقه بالمركز القومي للبحوث لما كان له من علم بالأعشاب. وعرف منذ وقتها باسم (الدكتور)
وبينما كنت جالساً مع نميري علي مائدة الغداء أخبرني أن هاتفاً قد أتاه أمره بالاعتكاف عشرين يوماً يخرج بعدها حاكماً للسودان. فدخل مباشرة في خلوه وقطع اتصاله بالناس جميعاً، بمن فيهم أهل بيته. وبعد خمسة أيام فقط اتصل بي هاتفياً، وعندما لاحظ دهشتي أخبرني أن هاتفاً آخر أتاه وقطع عليه الخلوة، بعد أن أنجزت مهمتها بمدد من الله وملائكته، وعباده الصالحين. وأذكر أن في يوم دخوله الخلوه جاء إلي مصر الفريق جوزيف لاقو والأستاذ أحمد عبد الحليم وطلبا مقابلته لمناقشة قضايا مهمة، هو كان يرجو مناقشتها معهما، لكنه منحنا عشرين دقيقة فقط لإتمام اللقاء وهي كانت كل الزمن المتبقي علي دخوله الخلوة. ولم تفلح كل محاولاتنا لتمديد هذه الفترة. وبعد يومين خرج شيخ الصادق من خلوة كان قد دخلها بالتزامن مع خلوة نميري، وجاء يرتدي زياً فلكلورياً مضحكاً، ولكنه كان ضمن الهاتف. والتقي الرجلان لقاء ملائكياً محضوراً، وكان الحديث عذباً، فسكرنا من حلاوة القول، وانتشينا بطيب العطر، وبدأنا نعد العودة من أجل العودة الموعودة، بأمر الهاتف.
صحيفة الوطن
أبوسهيل
10-11-2010, 06:33 AM
في ذكري (25) مايو الوطن تنشر حلقات من كتاب
(أيام مع جعفر نميري أسرار ومواقف) (6)
عبد الله سليمان العوض ومحجوب عروة سعيا للإصلاح بين نميري والإنقاذ وأحمد فضل الله أفسد المساعي
مالك حسين اقترح علي نميري دخول السودان براً من الشرق وقطع طريق الخرطوم بور تسودان
عوض الجيد قال أن نميري لن يموت حتي يعود إلي السودان ويحكمه، ولو مات أحياه الله ليحكم ثانية
أبوكدوك تحفظ علي عودة نميري وبهاء الدين إدريس قال لا يمكن أن يعود نميري للسودان غير رئيس للجمهورية
للكاتب الصحفي/جمال عنقرة
(لم يكن في تقديري في يوم من الأيام أن أصدر كتاباً حول علاقتي مع الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري، ذلك أن صلتي المباشرة معه لم تتجاوز بضع مئات محدودة من الأيام قضيتها معه مستشاراً إعلامياً له في بعض فترة منفاه في العاصمة المصرية القاهرة. وهذه الأيام رغم قلتها مقارنة بتاريخ الرجل الطويل في الحكم وخارجه، إلا أنها حفلت بالعديد من الأحداث المثيرة، ليس في تاريخ الرجل فحسب ولكن في تاريخ وطننا السودان أيضاً.. هذا فضلاً عن أن وجودي اللصيق معه قد أتاح لي أن أعرف منه أسرار أحداث وقعت في حياته قبل أن ألقاه. وشملت هذه الأحداث محطات في مسيرة حياة الرجل منذ نشأته وعلاقات أسرته، وحياته الطلابية وزملاء دراسته، ثم دخوله الكلية الحربية وتخرجه فيها، وتدرجه في الرتب العسكرية إلي أن صار رئيساً للجمهورية. وتلك ستة عشر عاماً حافلات بالمواقف والأسرار... كيف دبر للانقلاب وكيف نفذه، ومن كان معه، وماهي علاقته بالحزب الشيوعي السوداني وعلاقة الشيوعيين بمايو، وهل كان نميري شيوعياً.. وووقفت علي الكثير من التفاصيل والحكايات والأحداث الجسام مثل أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي، ومحاولات الإنقلاب علي نميري، فشلها ونجاحها. وعلاقاته مع الرؤساء والزعماء العرب والأفارقة وغيرهم..
أما ما كنت شاهداً عليه ومشاركاً في صناعته فهو أولاً المعركة مع الديمقراطية الثالثة التي كان يقود حكوماتها السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي. ولقد احتوت علي محاولات انقلابية عديدة لهدف إعادة نميري للحكم.. وفي ذلك أسرار عديدة ومثيرة لاسيما في ما يخص حوارات بعض القيادات الحزبية مع الرئيس نميري من وراء ظهور أحزابهم التي كان نميري يعمل علي إسقاط حكوماتها، وكان بعض القياديين في تلك الأحزاب يشجعونه علي ذلك. ووقفت كذلك خلال هذه الفترة علي حوارات صحفية كانت غطاء لغيرها مما كان يضمره أصحابها، الذين كانت لهم أجندة خفيه ستروها بالحوار أو المقابلة الصحفية. وشاركت في تلك الفترة في الحوار بين مايو والإسلاميين قبل الإنقاذ وبعدها. وشارك في ذلك إسلاميون ومايويون كثر. بعض كان يبني، وبعض كان يهدم، وبعض ينطبق عليه المثل السوداني (يدي الحلة عيطة والنقارة عصاة)
كل تلك الأحداث ما كان يمكن أن أتركها دون توثيق فجمعت ما يجوز نشره في كتاب أسميته (أيام مع جعفر نميري ــ أسرار ومواقف) وأحاول في هذه المساحة في (الوطن) أن أستعرض بعض ملامحه عبر حلقات متتابعة بإذن الله تعالي.
وبينما نحن في انتظار هاتف من السماء يدعونا للعودة إلي السودان لعهد نميري الثاني في الحكم الذي بشرنا به أهل الباطن والمنجمون، اتصل بي الأستاذ محجوب عروة من فندق شبرد، وكان قد وصل القاهرة لتوه من السودان. فحددنا له موعد مساء ذات اليوم في قصر النصر بمصر الجديدة حيث يسكن الرئيس نميري ونرابط معه. وكنا في استقباله مع الرئيس نميري والعميد أحمد فضل الله والواثق عبد الله.
كانت المواجهة هذه المرة بين نميري وعروة ساخنة، فنميري هاجم في شخص عروة الجبهة الإسلامية التي قال له مناصروه في السودان أنها سرقت منهم الثورة التي صنعوها. وكان محجوب عروة يحاول تحميل الوزر للمايويين لأنهم تخلفوا ولم يكونوا إيجابيين، وفي ذلك إشارة لتخلف عوض الجيد محمد أحمد عن اجتماع منزل أحمد سليمان المحامي، وتخلف آخرين عن التزامات أخري. وكان لأحمد فضل الله دور كبير في إشعال المواجهة لأنه هو صاحب زعم قيام المايويين بالانقلاب وسرقته بواسطة الجبهة الإسلامية. ولأن محجوب عروة كان يهمه أن تعود المياه إلي مجاريها بين الإسلاميين والمايويين، وأن يلحق النميري بركب الثورة سأل محجوب عروة أحمد فضل الله عن مقترح لتجاوز هذه المحطة، فاقترح فضل الله أن يعود البشير وأعضاء مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني لثكناتهم العسكرية، ويأتي جعفر نميري رئيساً للجمهورية، فاستخف عروة بمقترح أحمد فضل الله وسخر منه وصمت. وبرغم أني كنت أوافق الأخ محجوب عروة في مسعاه لإعادة المياه إلي مجاريها لكنني لم أجد منطقاً في مقترح أحمد فضل الله. وانتهي اللقاء علي ذلك، ولكنه انتهي ودوداً علي عكس ما بدأ. ودعا نميري عروة للعشاء معه مساء اليوم التالي. وهذه عادة يفعلها نميري عندما يكون راض عن الشخص الذي زاره.
بعد أسبوع من زيارة الأستاذ محجوب عروة للقاهرة عقد مؤتمر للدعوة الإسلامية بمصر برعاية الأزهر الشريف، وكان ضيوف المؤتمر يقيمون في فندق مريديان هليوبوليس الذي يقع بالقرب من سكن الرئيس نميري. وكان من ضمن ضيوفه السيد كرم محمد كرم الذي كان متعمداً للعاصمة القومية خلال حكومة السيد الصادق المهدي الأخيرة ممثلاً للحزب الاتحادي الديمقراطي الذي يقوده مولانا السيد محمد عثمان الميرغني، فالتقيته يوماً في المسجد المجاور لقصر النصر، وعندما علم بوجود الرئيس نميري جاء معي للسلام من أجل التحية والمجاملة فقط. وفي اليوم التالي ذهبت إلي فندق مريديان لرد زيارة الأخ كرم الاجتماعية فالتقيت هناك الأخ عبد الله أحمد عثمان الذي كان مسئولاً عن مكتب منظمة الدعوة الإسلامية بجمهورية مصر العربية، فأخبرني عبد الله أن الدكتور عبد الله سليمان العوض موجود في الفندق ضمن ضيوف المؤتمر وهو يسأل عني بشدة ويود مقابلتي.
الدكتور عبد الله سليمان العوض مؤسس الوكالة الإسلامية للإغاثة وأحد الرعيل المؤسس للحركة الإسلامية في السودان، ومن أكثر الذين أعطوا للدعوة والدولة معاً. وصلتي به عميقة وعلاقتي به ودودة، وهو أكثر من أخذت منه من الإسلاميين الأوائل، بل هو أكثر من أعطي كثيرين. ومن لم يتدرب علي يديه ويتعلم منه شيئاً من الإسلاميين، فإن تعليمه ناقص ودربته مكان نظر. فجئت إلي الدكتور عبد الله، وكان لقاؤنا حاراً حميماً. وبطريقته المختصرة المباشرة أخبرني أنه علم بصلتي بجعفر نميري، وهو يحدثني بصلتي بالحركة الإسلامية، وأخبرني كذلك أنه يعلم بكل الاتصالات التي تمت بين الإسلاميين ونميري قبل الإنقاذ وبعدها، وهو يلتقينى في ذات الإطار. وقال لي أن قادة الإنقاذ الوطني ضباط وطنيين، وهم من الطلائع المخلصة داخل القوات المسلحة، ولهم توجهات إسلامية صادقة هي بعض ثمار ثورة التأصيل التي قادها الرئيس نميري أيام حكمه، وهي كذلك بعض كسب الحركة الإسلامية داخل المؤسسة العسكرية، لذلك وقف معهم الإسلاميون، ويري الدكتور عبد الله أن من الطبيعي أن يقف معهم الرئيس نميري لأنهم يسيرون علي دربه، ومن الطبيعي أيضاً أن يكرم الإنقاذيون نميري لأنه مهد لهم هذا الطريق، وله فيه سهم مقدر. ولهذا يود دكتور عبد الله مقابلة نميري والحديث معه في هذه الموضوعات.
اتفقت مع الدكتور عبد الله سليمان في رؤاه، وأبديت استعداداً للتعاون معه في مسعاه، وأخبرته بما عندي من معلومات، ووجهة نظري في هذا الموضوع، وأكدت له أن نميري بادر بتأييد الإنقاذ ومد يده للتعاون معها أكثر من مرة، لكنهم آثروا البعد والابتعاد. وحددت له موعداً لمقابلة جعفر نميري في قصر النصر.
كان لقاء نميري مع عبد الله سليمان أسخن من لقائه مع محجوب عروة. وقال نميري أن قادة الجبهة الإسلامية قدموا مصالحهم الشخصية علي مصالح الوطن. وركز هجومه علي الدكتور حسن الترابي، يس عمر الإمام، علي عبد الله يعقوب، الفاتح عابدون، ثم شن هجوماً عنيفاً علي الأمير محمد الفيصل متهماً إياه بعدم الوفاء، وذلك لأن نميري يري أنه صاحب فكرة بنك فيصل الإسلامي وراعيها، وأن محمد الفيصل لم يقدر ذلك، ولم يقف معه بعد خروجه من السلطة، بل أن فيلا محمد الفيصل في القاهرة تجاور سكن نميري ومع ذلك لم يزره مرة، ولم يدعمه كما فعل آخرون مثل عدنان خاشقجي. ولكن التوتر لم يدم طويلاً، واستطاع الدكتور عبد الله سليمان أن يمتص غضب نميري، وسرعان ما تحول الحديث بينهما إلي حوار ودي لطيف. وأسر نميري لعبد الله سليمان أنه مل الإقامة في مصر ويود العودة إلي السودان ولو إلي سجن كوبر. وحاول الدكتور عبد الله أن يصل بذلك الحوار إلي تفاهمات واضحة إلا أن تعنت العميد أحمد فضل الله لم يساعد علي هذا. ومع ذلك انتهي اللقاء ودوداً، ونزل نميري لوداع عبد الله سليمان حتي الطابق الأرضي، وهذه لم يكن يفعلها إلا نادراً جداً. واتفق الرجلان علي مواصلة اللقاءات والاتصالات.
بعد أسبوع تقريباً من زيارة الدكتور عبد الله سليمان اتصل بي نميري هاتفياًُ في ساعة باكرة جداً، لم أعهد منه اتصالاً في مثلها وطلب مني أن آتيه فوراً. فذهبت إليه ووجدته يجلس علي المكتب وحيداً يداعب بعض الأوراق ويستغرقه تفكير عميق.فأخبرني أنه جاء قبل لحظات من منزل الدكتور مالك حسين في المهندسين وكان معهما اللواء محمد عبد الله عويضة والعقيد عوض بن عوف الذي كان مستشاراً لأمن السفارة السودانية في القاهرة، وكان معهم أحد الشيوخ السودانيين. وأن الثلاثة عرضوا عليه مشروعاً للعودة إلي السودان في إطار تصالح مع نظام الإنقاذ. ووعدوه بترتيب الأوضاع مع الحاكمين في السودان. وانحصر ذلك في ضمان سلامة عودته للبلاد دون مساءلة من أحد، وأن يعطي حقوقه كاملة كرئيس جمهورية سابق ومشير في الجيش، وإطلاق سراح جميع المايويين المعتقلين، وهم دكتور بهاء الدين محمد إدريس، عبد الغفار نميري، نصار، عمر محكر، ومحمد سليمان. ولقد أدوا القسم علي المصحف أن يظل هذا الأمر سراً بينهم، لكنه قال لهم أن له خاصة لا بد أن يطرح عليهم الأمر طلباً للمشورة، وها هو يطرحه علي طلباً للرأي والمشورة. فقبلت الفكرة واقترحت عليه أن نوسع دائرة الشورى بعض الشيء.
وبعد أقل من أسبوعين وبينما كنت جالساً مع نميري في المكتب اتصل الدكتور مالك حسين من السودان وأخبره أن الترتيبات قد اكتملت لعودته، ومطلوب منه أن يحدد موعد العودة. فاندهش نميري لذلك، وأخبر مالك أن الأمر لا يمكن أن يتم بهذه الطريقة، وأنهي الاتصال علي ذلك.
وبعد لحظة صمت لم تدم طويلاً أخبرني نميري أنه يشك في أمر الدكتور مالك حسين، وأن مالك كان قد عرض عليه مشروعاً غريباً علي أيام الأحزاب، فكان أن اقترح عليه أن يدخل السودان براً عن طريق الشرق ويقطع طريق بور تسودان ويحتله في منطقة الفاو، ووعد مالك بتوفير الرجال والسلاح اللازمان لذلك. فقلت لنميري بصرف النظر عن رأيك في الدكتور مالك حسين وعلاقته بالإسلاميين، فإن المايويين المرابطين بالداخل لا بد أن يستشاروا في هذه العودة وكيفيتها، ولا بد كذلك أن يتعرض الحوار مع الحكومة إلي جوانب أخري غير تلك التي تعرضوا لها. فاقترح علي نميري أن أسافر إلي السودان وأقوم بهذه المهمة.
اتصلت بالعقيد عوض بن عوف لطلب مقابلته، وكنت قد تعرفت عليه عن طريق العميد أحمد فضل الله وكان قد دعانا معاً للغداء معه في منزله بالقاهرة، وصلته بأحمد فضل الله قوية، فكان قد عمل معه في كلية القادة والأركان. فذهبت إليه في مكتبه في السفارة، ورغم أنه لم يفتح موضوع عودة نميري، وكان يتحاشى الحديث حوله، لكنني فتحت الموضوع، وأخبرته بعلمي بكل تفاصيله، وكذلك بتفاصيل اتصال مالك حسين من السودان، وقلت له أن نميري كلفني بالسفر للسودان لمشاورة المايويين في الأمر. وعلي الرغم من تحفظ عوض بن عوف علي توسيع دائرة المشاورة، لكنه لم يتحفظ علي زيارتي للسودان. ووعدني بترتيب لقاء لي مع مدير جهاز الأمن العميد محمد سنوسي أحمد، وقال لي إنه رجل فاهم ومتفهم وسوف تجد عنده العون الذي تطلبه.
جئت إلي السودان فأحسنوا استقبالي، وفي اليوم التالي للوصول كان اللقاء مع العميد السنوسي. لقد وجدته رجلاً تتجسد فيه كل القيم والمعاني السودانية الأصيلة. قلت له كل ما قلت للعقيد عوض بن عوف فوافقني في كل ما قلت. وقال لي أنه يهتم بموضوع نميري اهتماماً شخصياً، وهو يراه رمزاً من رموز الثورة السودانية، وأحد القيادات التاريخية للجيش السوداني، ولذلك يصبح إكرامه واجب علي الدولة والجيش والشعب معاً. ويري السنوسي أن بقاء نميري لاجئاً في دولة أخري عاراً علي السودان والسودانيين مهما كانت صلتنا بهذه الدولة. وأخبرني أن الرئيس عمر البشير يهتم بموضوع عودة نميري اهتماماً شخصياً وكبيراً. فأخبرت العميد سنوسي أن مهمتي التي كلفني بها نميري تقف عند حد مشاورة بعض القيادات المايوية في الداخل في موضوع العودة ونقل رأيهم له بأمانة وصدق. فقال لي هذا حق له ولهم. فودعته وخرجت وبدأت الاتصالات والمشاورات مع الأخ الياس الأمين.
ومن بين الذين أطلعناهم علي الأمر، أبوالقاسم محمد إبراهيم، صلاح عبد العال مبروك، عز الدين السيد، أحمد عبد الحليم، إسماعيل الحاج موسي، بابكر علي التوم، بابكر عبد الرحيم، عوض الجيد محمد أحمد، بدرية سليمان، علي شمو، بهاء الدين محمد إدريس، محمد الحسن أحمد الحاج، عبد الله الطاهر بكر، كمال الدين محمد عبد الله، أحمد الطيب المحينة، فتح الرحمن البشير، فؤاد أحمد مكي، بدر الدين سليمان، توفيق أبو كدوك. وكنا عندما نتصل بأي واحد من هؤلاء نخبره أن نميري أرسلنا له شخصياً، رغم أنه لم يحدد اسماً معيناً سوي عوض الجيد محمد أحمد وبدرية سليمان، وإبراهيم منعم منصور. وكان قصدنا من ذلك وصل الجسور بين الرجل ورجاله المرابطين في الداخل من الذين يقدرونه ويحترمونه.
لم يختلف رأي جميع الذين التقيناهم عن بعض كثيراً. الوحيد الذي تحفظ منذ اللحظة الأولي هو الفريق أبو كدوك، أما الباقون فلقد اتفقوا علي أنهم مع الإنقاذ في خندق واحد، وأن الأحزاب لو عادت إلي الحكم لبدأت بهم قبل الإنقاذيين، وسوف يزعمون أن الإنقاذ قد أتت لأنهم لم يحسنوا كنس آثار مايو جيداً. ولقد قال أبو القاسم محمد إبراهيم أنه مع شباب الإنقاذ لأنهم أكرموهم. وهو يقف معهم ثائراً لا حاكما. أما الدكتور بهاء الدين محمد إدريس الذي زرناه في محبسه بسجن كوبر فقال أنه مع ما يراه الناس لكنه شخصياً لا يستوعب وجود نميري في السودان غير حاكم. وقال إبراهيم منعم منصور أنه سوف يقول رأيه مباشرة لنميري. أما عوض الجيد محمد أحمد فلقد اتفق مع بهاء الدين محمد إدريس في أنه مع الجماعة، ولكنه زاد أن له قناعة راسخة أن نميري لن يموت قبل أن يعود ويحكم السودان، وأن ملك الموت إذا جاء ليقبض روحه رداه الله عنه حتى يعود ويحكم، ولو قبضت روحه فإن الله سوف يحييه ثانية ليعود ويحكم السودان ثم يموت. وقال هذا القول ويده علي المصحف وقال أن له بذلك علم من الله العليم الخبير. وكان ذلك في مكتب بدرية سليمان بشارع الجمهورية في الخرطوم.
أبوسهيل
10-14-2010, 12:02 AM
في ذكري (25) مايو.. الوطن تنشر حلقات من كتاب
(أيام مع جعفر نميري أسرار ومواقف) للكاتب الصحفي جمال عنقرة (7)
نميري يوضح الأسباب التي قادته لتأييد ثورة الإنقاذ الوطني ودعوة أنصاره للانخراط فيها
جعفر نميري: تأييدي للإنقاذ لا يزيده كسب لشخصي، وإنما يدعمه حق يناله شعبي
للكاتب الصحفي/جمال عنقرة
(لم يكن في تقديري في يوم من الأيام أن أصدر كتاباً حول علاقتي مع الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري، ذلك أن صلتي المباشرة معه لم تتجاوز بضع مئات محدودة من الأيام قضيتها معه مستشاراً إعلامياً له في بعض فترة منفاه في العاصمة المصرية القاهرة. وهذه الأيام رغم قلتها مقارنة بتاريخ الرجل الطويل في الحكم وخارجه، إلا أنها حفلت بالعديد من الأحداث المثيرة، ليس في تاريخ الرجل فحسب ولكن في تاريخ وطننا السودان أيضاً.. هذا فضلاً عن أن وجودي اللصيق معه قد أتاح لي أن أعرف منه أسرار أحداث وقعت في حياته قبل أن ألقاه. وشملت هذه الأحداث محطات في مسيرة حياة الرجل منذ نشأته وعلاقات أسرته، وحياته الطلابية وزملاء دراسته، ثم دخوله الكلية الحربية وتخرجه فيها، وتدرجه في الرتب العسكرية إلي أن صار رئيساً للجمهورية. وتلك ستة عشر عاماً حافلات بالمواقف والأسرار... كيف دبر للانقلاب وكيف نفذه، ومن كان معه، وماهي علاقته بالحزب الشيوعي السوداني وعلاقة الشيوعيين بمايو، وهل كان نميري شيوعياً.. وووقفت علي الكثير من التفاصيل والحكايات والأحداث الجسام مثل أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي، ومحاولات الإنقلاب علي نميري، فشلها ونجاحها. وعلاقاته مع الرؤساء والزعماء العرب والأفارقة وغيرهم..
أما ما كنت شاهداً عليه ومشاركاً في صناعته فهو أولاً المعركة مع الديمقراطية الثالثة التي كان يقود حكوماتها السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي. ولقد احتوت علي محاولات انقلابية عديدة لهدف إعادة نميري للحكم.. وفي ذلك أسرار عديدة ومثيرة لاسيما في ما يخص حوارات بعض القيادات الحزبية مع الرئيس نميري من وراء ظهور أحزابهم التي كان نميري يعمل علي إسقاط حكوماتها، وكان بعض القياديين في تلك الأحزاب يشجعونه علي ذلك. ووقفت كذلك خلال هذه الفترة علي حوارات صحفية كانت غطاء لغيرها مما كان يضمره أصحابها، الذين كانت لهم أجندة خفيه ستروها بالحوار أو المقابلة الصحفية. وشاركت في تلك الفترة في الحوار بين مايو والإسلاميين قبل الإنقاذ وبعدها. وشارك في ذلك إسلاميون ومايويون كثر. بعض كان يبني، وبعض كان يهدم، وبعض ينطبق عليه المثل السوداني (يدي الحلة عيطة والنقارة عصاة)
كل تلك الأحداث ما كان يمكن أن أتركها دون توثيق فجمعت ما يجوز نشره في كتاب أسميته (أيام مع جعفر نميري ــ أسرار ومواقف) وأحاول في هذه المساحة في (الوطن) أن أستعرض بعض ملامحه عبر حلقات متتابعة بإذن الله تعالي.
عدت من السودان إلي مصر بعد أن عرضت مشروع عودة نميري للسودان علي بعض قادة مايو في الداخل. وكما ذكرت لم يتحفظ أحد غير الفريق توفيق أبو كدوك، بينما قال الدكتور بهاء الدين محمد إدريس أنه مع ما يجمع عليه الناس لكنه لا يستوعب نميري في السودان وليس رئيساً للجمهورية. وكان لعوض الجيد رأي غريب وهو أنه علي قناعة بعلم من لدن العليم الخبير أن نميري سوف لن يموت قبل أن يعود من الغربة ويحكم السودان. أما السيد إبراهيم منعم منصور والذي احتفظ برأيه إلي حين مقابلة الرئيس نميري فوجدته قد وصل القاهرة، والتقي النميري ولم يختلف رأيه عن الآخرين، سوى أنه كان أكثر حرصاً علي أن يتم الموضوع وفق رؤية واضحة، وبمؤسسية كاملة، وأن يشترك المايويون مع الإنقاذيين في تحديد شكل العودة وكيفيتها. فطلب مني الرئيس نميري أن أكتب خطاباً باسمه للمايويين في السودان يعرض عليهم فيه الأمر ويدعوهم للتفاكر حوله وحول مبدأ التنسيق مع الإنقاذ ليقولوا رأيهم فيه. فكتبت مسودة الخطاب، فقرأها ثم كتبها كما هي بخط يده، ثم طلب مني حملها والقيام إلي السودان لتولي أمر عرض الشورى.
نص الخطاب
التاريخ 11/12/1989م
الأخوة ركائز وأركان تحالف قوى الشعب العاملة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله الذي جعل الملك بين يديه يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء، بيده الخير وهو علي كل شيء قدير.. والصلاة والسلام علي أفضل المرسلين وخاتم النبيين سيدنا محمد بن عبد الله هادئ الأمة وقائد ثورتها العظمي، الذي تركنا علي المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك..
وبعد إن الذي جمع بيننا من بعد توحيد الله الواحد الديان هو الانقطاع الصادق لخدمة هذا الشعب المناضل وتوحيد أمته بعد أن شتتهم الطائفية ومزقتهم الحزبية لنقود معاً بني السودان إلي الرقي والتقدم، ليرتفع علم الوطن عالياً خفاقاً بين الأمم.
باسمكم وباسم القوات المسلحة وباسم كل الشعب المغلوب فجرت مع زملائي الأول رفقاء السلاح وطلائع الضباط الأحرار وجندنا الأشاوس الثورة الأصيلة في الخامس والعشرين من مايو عام 1969م. ولم تكن مايو انقلاباً عسكرياً، ولم تكن حركة انطوائية منعزلة رغم أن البعض قد حاول أن ينعزل بها عن الكل. لكنها ظلت كما أردنا لها أن تكون .. ثورة لكل الشعب.
حملتموني عبء قيادة الثورة ستة عشر عاماً لم أحد خلالها عن الطريق بفضل الله ونعمته. ولو أصابني نزغ من الشيطان فكنتم لي الواعظ والتذكرة. استشيركم في كل الأمور، وأنتم أصحاب الأمر، فإن جاء رأيكم موافقاً لما رأيت اطمأن قلبي، وتوكلت علي الله ربي، وعندما تجمعون علي غير ما أري كنت أنزل طائعاً مختاراً منقاداً لرأي الأكثرية التي لا تجتمع علي ضلالة. وهكذا كان حالنا طوال عمر الثورة المديد.
وبعد أن تآمر الحزبيون والمرتزقة علي السودان وضيعوا ثورته في أبريل عام 1985م تعاهدتم علي أن تعيدوا السلطة إلي أصحابها الحقيقيين جماهير الشعب السوداني الأصيل لتكتمل مسيرة الثورة الظافرة. وكلفتموني ثانية أن أقود بكم هذا النضال من أجل التحرر من سلطان الحزبية، وجور الطائفية، فلم أتقاعس عن ذلك يوماً، وسرت معكم نهد من قوى الحزبية والطائفية نسدد الضربة تلو الضربة حتى كانت القاضية في الثلاثين من يونيو 1989م فسارعت بتأييد النظام الجديد، ودعوتكم للوقوف معه، وكنتم سباقون لذلك مني وهذا هو عهدي بكم دائماً، تخفون عند الفزع وتكفون عند الطمع. فانخرط بعضكم صادقاً مع رجال الإنقاذ لإنقاذ السودان، وتحفظ بعضكم، ولكنه لم يكن بينكم من أظهر العداء أو أبطنه.
أخذنا علي هذا النظام انعزاله عن غالبية أهل السودان وتمحوره في اتجاه حزبي ضيق قد يضره رغم صدق توجهه. ثم أخذنا عليه تراجعه في بعض الأمور ، وعدم وضوح رؤيته لأمور أخري. ولأننا من تجربتنا نعلم أن ذلك أمراً طبيعياً في أول عهد كل ثورة، لم نقف عنده طويلاً رغم قناعتنا أنه لا بد أن يعالج بموضوعية وترو، فقلنا لهم بهذا الرأي إسراراً، ثم أعلناه لهم بعد ذلك وقلناه جهاراً. وكان ذلك لمصلحة الثورة والوطن معاً. وتوالي نصحنا لهم وتطور الأمر بتوالي الأحداث.
إخوتي المناضلين الشرفاء..
إن هذا النظام مهما اختلف الناس عليه، فلن يختلفوا في كونه جاء ليقضي علي الحزبية والطائفية في السودان.. كما أنه أعلن عن تمسكه بخيارات الثورة الأساسية ــ مضمون نظام الحكم، تأصيل القوانين والتشريعات ــ وبهذا تخندق هو في جهة، وتخندق في الجهة الأخرى الحزبيون والطائفيون ومجموع قبائل اليسار والعملاء والخونة والمأجورون. فإذا انتصر هذا المعسكر الأخير علي معسكر الإنقاذ فإن ذلكيعني ضياع النظام الوحدوي وضياع موروثاته في نظام الحكم، وضياع هوية السودان وحريته، وضياع السودان كله من بعد. ولذلك عندما اتصل بي أخوة أفاضل يمثلون هذا النظام، وبعض آخر ينحاز إليه بالدعم والتأييد، من أجل تأييده والوقوف معه في معركته ضد الخونة والعملاء، لم أتردد في ذلك من أجل مصلحة السودان وشعبه. ولكن حسم هذا الأمر العظيم لا بد أن يرتكز عليكم أنتم أركان وركائز تحالف قوى الشعب العاملة. فإن كنت قد سرت بكم ومعكم كل حياتي فكيف أنعزل عنكم في خاتمتها؟
فها أنا قد رددت الأمر إليكم لتتفاكروا معاً، وتجلسوا مع أخوانكم الحاكمين لتضعوا أسساً قويمة وسليمة تتمثل في تجربتكم الثرة في الحكم، وصدق القائمين علي أمره الآن تشكلوا معاً نواة تجمع كل أهل السودان في حكومة واحدة موحدة تعيد إلي السودان عزته ومجده.
وأرجوكم أن تعلموا أنني لا أسعي إلي حكم لنفسي ولا إلي مجد أعيده لشخصي، ولا لضر أو أذي أرفعه عن نفسي.. وزهدي في الحكم الآن هو زهدي في الدنيا بأجمعها، ولن أطلب شيئاً من الله لشخصي سوى العفو وحسن الختام، وأطلب منه لشعبي ووطني العلا والرقي والتقدم والازدهار. والله علي ما أقول وكيل
أخوكم
المشير جعفر محمد نميري
رئيس تحالف قوي الشعب العاملة
*********
أخذت الخطاب ونزلت الخرطوم، وكان أول من التقيته العميد محمد سنوسي أحمد مدير جهاز الأمن وسلمته نسخة من الخطاب. فرحب بالفكرة واعتبرها خطوة عملية أولي في طريق التوافق الوطني بين المايويين والإنقاذيين. فاتصلت بكل القيادات المايوية التي اتصلت بها في المرة السابقة وأعطيت كل واحد منهم نسخة من الخطاب. وبعد تداول واسع اتفق الجميع علي تكوين آلية من المايويين وبعض الإنقاذيين لا سيما الذين كانت لهم صلات مع مايو والرئيس نميري من الإسلاميين وتكون مهمة هذه اللجنة بحث سبل التعاون والتنسيق بين الطرفين وكذلك عودة الرئيس جعفر نميري للسودان في إطار هذا التعاون والتنسيق. وتم الإتفاق علي أن تتكون اللجنة من (أبو القاسم محمد إبراهيم، إبراهيم منعم منصور، صلاح عبد العال مبروك، أحمد عبد الحليم، عز الدين السيد، كامل محجوب، بابكر علي التوم، عوض الجيد محمد أحمد، بدرية سليمان، الفاتح عروة، الياس الأمين، عبد الله سليمان العوض، محجوب عروة، وشخصي) واتفق أيضاً أن يأتي تكوين اللجنة بمبادرة من الحكومة. انتظرت في الخرطوم بضع أيام لانتظار مبادرة الحكومة بشأن تشكيل اللجنة، فلم يصدر شيء، ولم أجد ما يفيد تأييد الحكومة لها أو رفضها. فعدت إلي القاهرة لأتشاور مع نميري في ذلك، فأخبرني أن العميد السنوسي أرسل له رسالة عبر العقيد عوض بن عوف يفيد فيها باكتمال ترتيب التجهيزات اللازمة لسكنه في السودان ليحدد موعد عودته، وهو كان ينتظر عودتي من السودان لأفيده بما تم انجازه وبما توصل إليه الحوار بين المايويين والإنقاذيين بناء علي ما أرسل من خطاب لأنصاره في الداخل. فأخبرته بأن شيئاً من ذلك لم يتم. فوجد أن طلب تحديد موعد العودة لمجرد اكتمال ترتيب السكن الشخصي له فيه اختزال للمشروع، وإحراق للمراحل. وطلب مني أن أكتب رداً للعميد السنوسي يوضح هذه الأشياء، فكتبت هذا الخطاب القاهرة في 13/1/1990م
الأخ العميد محمد سنوسي أحمد
مدير عام جهاز أمن السودان
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد
الشكر لك من بعد الله تعالي علي خطابك الذي وصلني مع الأخ العقيد عوض بن عوف، والشكر موصول للأخ الفريق عمر حسن أحمد البشير رئيس مجلس قيادة الثورة الذي كلفكم بذلك وأنتم أهل له.. وكيف لا تكونون كذلك وأنتم الأمينون علي أمن السودان وأمانه.
وعلي الرغم من أن موقفي واحد ورؤيتي واضحة، إلا أن هناك أمور عديدة لا بد أن أوضحها أكثر لنكون علي بينة من أمرنا.
أولاً: إن إعلاني الوقوف مع ثورة الإنقاذ الوطني لم يكن منبعه أن القائمين علي أمرها قد أحسنوا خطابي وأحسنوا الخطاب عني كذلك، واتصلوا بي من أجل العودة إلي أرض الوطن للعيش الكريم بين الأهل والأحباب، برغم أن ذلك وحده يدعو للشكر والعرفان، ولكن حقيقة وقوفي مع الإنقاذ ودعوتي لأصدقائي وحلفائي داخل السودان وخارجه لمساندتكم والوقوف بجانبكم نبعت من أشياء عديدة:
1/ تواتر الأنباء وتكاثف الدلائل والبينات التي تؤكد صدق رجال الإنقاذ ومن يقف معهم.
2/ برنامج الإنقاذ هو ذات البرنامج الذي ندعو له ونؤمن بفاعليته في حل قضايا السودان حلاً جذرياً وناجعاً.
3/ أعداء الثورة من قوي اليسار والطائفية والحزبية والمتمردين هم ذاتهم أعداؤنا وأعداء الشعب والوطن.
ثانياً: إن زهدي في الحكم ليس يأساً أو قنوطاً أو قعوداً، ولكنه قناعة أكيدة بأن من تصدوا لقيادة الثورة أهل لذلك، وهم بهذا قد حملوا الأمانة عن كاهلي وأحسبهم سوف يؤدونها علي أكمل وجه، فصار دوري هو تأييدي لهم ومناصرتهم.
ثالثاً: برغم مكانة السودان في نفسي وحبي الصادق له إلا أنني أؤمن أن الأرض كلها لله، وأينما حللت فثم وجه الله. ولن يضيرني بعد ذلك أن أكون بعيداً أو قريباً
رابعاً: أنني لم أولد في قصور ولم أرفل في الديباج والحرير، فإن كنت قد عشت صغري علي الكفاف، وشبابي بين الكهوف والأدغال، فهل يعقل أن يكون مطلبي في شيبي فراش وثير وعيش رغيد.
خامساً: إن موقفي المؤيد للإنقاذ لن يغيره كسب لشخصي، وإنما يدعمه حق يناله شعبي.
قناعتي أن هذا النظام وبهذا البرنامج لا بد أن يستمر وأن استمراره لن يكون بالأماني ولكنه يكون بالعمل الصادق الدءوب، ولقد أصبح التحدي الذي يواجهني شخصياً هو استمرار هذا البرنامج الذي عبر عن رغبات الشعب وأصالته، وانعكس ذلك في مؤتمر الحوار الوطني والحوار الإقتصادي ومؤتمر الدبلوماسية السودانية، وما تلا ذلك من أدب الثورة في الحكم والتشريع. فالأمر أكبر مما يتصور كثير من الناس. فاتركوا حقي الشخصي ونقبوا عن حق بني وطني، فإن فعلتم ذلك ففي هذا ما يكومني ويشرفني.
والسلام
أخوكم
المشير جعفر محمد نميري
أبوسهيل
10-16-2010, 12:00 AM
في ذكري (25) مايو الوطن تنشر حلقات من كتاب
(أيام مع جعفر نميري أسرار ومواقف) (8)
ما هي حقيقة القول بأن الإنقاذ سوف تعتقل نميري أو تقتله إذا عاد إلي أرض الوطن
د. عبد الحميد صالح لنميري: علي الطلاق راجل غيرك يقدر يحكم السودان مافي
للكاتب الصحفي/جمال عنقرة
(لم يكن في تقديري في يوم من الأيام أن أصدر كتاباً حول علاقتي مع الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري، ذلك أن صلتي المباشرة معه لم تتجاوز بضع مئات محدودة من الأيام قضيتها معه مستشاراً إعلامياً له في بعض فترة منفاه في العاصمة المصرية القاهرة. وهذه الأيام رغم قلتها مقارنة بتاريخ الرجل الطويل في الحكم وخارجه، إلا أنها حفلت بالعديد من الأحداث المثيرة، ليس في تاريخ الرجل فحسب ولكن في تاريخ وطننا السودان أيضاً.. هذا فضلاً عن أن وجودي اللصيق معه قد أتاح لي أن أعرف منه أسرار أحداث وقعت في حياته قبل أن ألقاه. وشملت هذه الأحداث محطات في مسيرة حياة الرجل منذ نشأته وعلاقات أسرته، وحياته الطلابية وزملاء دراسته، ثم دخوله الكلية الحربية وتخرجه فيها، وتدرجه في الرتب العسكرية إلي أن صار رئيساً للجمهورية. وتلك ستة عشر عاماً حافلات بالمواقف والأسرار... كيف دبر للانقلاب وكيف نفذه، ومن كان معه، وماهي علاقته بالحزب الشيوعي السوداني وعلاقة الشيوعيين بمايو، وهل كان نميري شيوعياً.. وووقفت علي الكثير من التفاصيل والحكايات والأحداث الجسام مثل أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي، ومحاولات الإنقلاب علي نميري، فشلها ونجاحها. وعلاقاته مع الرؤساء والزعماء العرب والأفارقة وغيرهم..
أما ما كنت شاهداً عليه ومشاركاً في صناعته فهو أولاً المعركة مع الديمقراطية الثالثة التي كان يقود حكوماتها السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي. ولقد احتوت علي محاولات انقلابية عديدة لهدف إعادة نميري للحكم.. وفي ذلك أسرار عديدة ومثيرة لاسيما في ما يخص حوارات بعض القيادات الحزبية مع الرئيس نميري من وراء ظهور أحزابهم التي كان نميري يعمل علي إسقاط حكوماتها، وكان بعض القياديين في تلك الأحزاب يشجعونه علي ذلك. ووقفت كذلك خلال هذه الفترة علي حوارات صحفية كانت غطاء لغيرها مما كان يضمره أصحابها، الذين كانت لهم أجندة خفيه ستروها بالحوار أو المقابلة الصحفية. وشاركت في تلك الفترة في الحوار بين مايو والإسلاميين قبل الإنقاذ وبعدها. وشارك في ذلك إسلاميون ومايويون كثر. بعض كان يبني، وبعض كان يهدم، وبعض ينطبق عليه المثل السوداني (يدي الحلة عيطة والنقارة عصاة)
كل تلك الأحداث ما كان يمكن أن أتركها دون توثيق فجمعت ما يجوز نشره في كتاب أسميته (أيام مع جعفر نميري ــ أسرار ومواقف) وأحاول في هذه المساحة في (الوطن) أن أستعرض بعض ملامحه عبر حلقات متتابعة بإذن الله تعالي.
أخذت الخطاب الذي كتبه الرئيس نميري لمدير جهاز الأمن العميد محمد سنوسي أحمد الذي سأله فيه تحديد موعد عودته للوطن بعد أن تم ترتيب أمر إقامته في السودان وذهبت به للسفارة السودانية بالقاهرة لأبعثه عبرها إلا أن مسؤول الأمن بالسفارة العقيد عوض بن عوف رفض استلامه، وقال لي أن كل ما اتفقوا عليه مع نميري قد تم تجهيزه وهم فقط ينتظرون منه تحديد موعد عودته. فطرت إلي الخرطوم حاملاً الرسالة وسلمتها للعميد السنوسي الذي استلمها بروح طيبة، وقبل ما فيها وقبل تفويضي من قبل الرئيس نميري للتنسيق والمتابعة. ويبدو أن الرجل كان مؤمناً بالطريقة التي اتفقنا عليها القائمة علي تكوين لجنة من المايويين والإنقاذيين تتولي التنسيق بين الطرفين وترتيب عودة الرئيس نميري، ولكن من الواضح أن هناك قوى خفية كان تشد في غير هذا الاتجاه. فارتاب المايويون الشك. وكانت الأستاذة بدرية سليمان قد قالت أنها قد نقل لها أحد الناس أنه سمع أن الفاتح عروة قال أن نميري إذا وصل السودان فإن الإنقاذيين سوف يعتقلونه، هذا إن لم يقتلوه. فذهبت إلي الفاتح عروة في القصر الجمهوري ونقلت له ما سمعت، فقال لي أنه لم يقل ذلك، ولكنه قال أن الإنقاذ جادة في تكريم الرئيس نميري، ولكن إذا أراد المايويون استغلال هذه العودة في عمل مضاد ضد الثورة فلت يتهاونوا معه وسوف يعتقلونه، وإذا قام بعمل مضاد حقيقي لتغيير النظام كما يقول بعض أعوانه فيمكن أن يعرض نفسه للإعدام كما حدث لغيره من الذين حاولوا القيام بانقلابات ضد الإنقاذ. فنقلت رأي الفاتح لبدرية سليمان ولبقية المايويين في السودان وللرئيس جعفر نميري في القاهرة.
لم تتحرك الحكومة السودانية في اتجاه تنسيق مسألة عودة نميري، بل بدأ البعض يتحدث سلباً عن نميري وعن مايو والمايويين. وبدأ بعض الإسلاميين في وضع المتاريس التي تعوق العودة، فرأيت أن الأمور لا تسير في الطريق المرسوم، فعدت إلي القاهرة.
وصلت القاهرة فوجدت النميري قد تغير تماماً.. وكانت جهات كثيرة قد اتصلت به خلال تلك الفترة بعضها يثنيه عن العودة للسودان من خلال نظام الإنقاذ الوطني، وبعض يمنيه بالعود القريب علي أنقاض حكومة الإنقاذ. وبعض يحذره من العودة. وكان من بين الذين اتصلوا به في تلك الفترة الدكتور عبد الحميد صالح، وقال دكتور عبد الحميد لنميري (علي الطلاق راجل غيرك يقدر يحكم السودان ده مافي)... وجاء إلي نميري رسول من الدكتور جون قرنق للتشاور معه حول التنسيق لإسقاط حكومة الإنقاذ... كما وجاءه القيادي الإتحادى المعروف محمد الحسن عبد الله يس. وقال يس لدى لقائه نميري الذي كنت حاضراً له، أن فشل النظام الديمقراطي سببه حزب الأمة والصادق المهدي، وأنه نبه إلي ذلك من قبل، وبسبب هذه القناعة استقال من رئاسة مجلس رأس الدولة. وأضاف يس، أنه يعتقد أن إعادة التجريب تحمل ذات المخاطر السابقة، وأشار إلي أن نميري يمكن أن يكون جواد تلك المرحلة الرابح.
وكان يتصل بنميري رجل اسمه موسي عبد الرحمن وهو سوداني من أصول دينكاوية ويحمل الجنسية الأمريكية ويعمل طبيباً بالمملكة العربية السعودية، وهو مسلم ويزعم أنه من أهل الباطن، ويأتيه هاتف من السماء. وكان يحكي لنا عن هذه الهواتف، وبعض الخوارق التي تحدث له. وأذكر من ضمن حكاياته أنه روى لنا ذات يوم واقعة ادعي أنها حدثت في حي شبرا بالقاهرة، فبينما كان يسير وسط هذا الحي الشعبي المصري المشهور والمأهول بالسكان، وجد نساء ورجال وصبية يصيحون ويستنجدون، وكان هناك بلدوزر يحاول هدم مساكنهم بأمر إزالة أصدرته المحاكم المصرية، فما أن رأوه تجمهروا حوله وطلبوا منه أن يحول بينهم وبين البلدوزر. فوقف مستقبلاً القبلة وطلب منهم أن يصطفوا حوله، ففعلوا، فكبر للصلاة، فكبروا خلفه، وصلي بهم ركعتين لله تعالي ليحول بينهم وبين البلدوزر. وعندما فرغوا من الصلاة تحركوا وخلوا للبلدوز الطريق إلا أنه تسمر تماماً في مكانه ولم يستطع التحرك يمنة ولا يسرة. فتجمع الناس حول الشيخ الدكتور موسي وطلبوا منه الشفاعة والبركة وكذا فعل سائق البلدوزر الذي طلب من السماح. ولكن الرجل وكما يقول المصريون (فص ملح وذاب) وهذا الرجل ادعي أيضاً أنه علي اتصال بالبيت الأبيض والرئيس الأمريكي جيمي كارتر، وبالقصر الملكي في بريطانيا.
ومن ضمن اتصالات تلك الفترة كان يتصل الأستاذ فؤاد مطر رئيس تحرير التضامن من لندن، وكان يتصل موريس صاحب شركة أرارات من باريس ـ وهذا حسب قول نميري ــ أتي بوعد من الفرنسيين بدعم الرئيس نميري بعد العودة لحكم السودان. وكذلك كانت هناك اتصالات الأستاذ المرحوم حسين عثمان منصور، وكانت اتصالات متعددة أعقبها بزيارة للرئيس جعفر نميري في القاهرة. وأصدر أعداداً خاصة من مجلته (الصباح الجديد) تبشر بعودة نميري لحكم السودان.
وكثرت خلال تلك الفترة زيارات الناس لنميري، وكان يزوره مجهولون كثر، وكان أكثرهم من النساء، وكلهم يبشرون نميري بالعود القريب للحكم في السودان، وعودة سلطة مايو وتحالف قوى الشعب العاملة. وكان هناك شيوخ كثر يأتون من السودان ومن غير السودان ينقلون مثل هذه البشارات، ويأتي كذلك ضباط في القوات المسلحة بعضهم ما زال في الخدمة وبعضهم أحيل للتقاعد، وهؤلاء يعلنون استعداهم للمشاركة في أي عمل عسكري يمكن أن يعيد مايو ورئيسها المشير جعفر محمد نميري لحكم السودان. وكان يأتيه الشعراء الذي ينظمون قصائد التمجيد والبشارة. وأذكر من بين هؤلاء موسيقار سوداني معروف جاء هو وزوجته، وقال هذا الشاعر قصيدة نالت إعجاب نميري جداً. وأذكر من يبن أبياتها
تعال لينا يا البتفهمنا تعال أضربنا بجزمنا
وكانت زوجة الموسيقار ترافقه في هذه الزيارة وكانت تقول أشعاراً مثل التي يقول بها زوجها... وجاء خلال تلك الفترة أيضاًَ اللواء عمر محمد الطيب النائب الأول للرئيس نميري حتى نهاية حكمه ورئيس جهاز الأمن. وبرغم أن جبال الجليد كانت سامقة بين نميري ونائبه الأول الذي كان يحمله نميري الوزر الأكبر في سقوط مايو باستسلامه وعدم الدفاع عن وجودها، إلا أن جلسة مغلقة بين الرجلين لساعتين كاملتين، لم يكن معهما أحد سوي شنطة كان يحملها اللواء عمر ولم يعلم أحد ماذا بها، هذه الجلسة أذابت كل جبال الجليد هذه، وعاد الرجلان صديقان حميمان.
وأثناء وجود اللواء عمر محمد الطيب في القاهرة رتب لي صديقنا العقيد معاش قاسم أحمد مدير مكتبه السابق لقاء معه في مقر إقامته بفندق سمير أميس... فالتقيت الرجل وبرغم حرارة الاستقبال أخبرته أنني حتى تلك اللحظة فكرتي عنه ليست حسنة، وسوف تظل كذلك حتى يحدث العكس. وأوضحت له أن هذه الفكرة تكونت بمعلومات سماعية، قد تكون صحيحة وقد لا تكون كذلك. فلم يستغرب الرجل قولي، بل كان رحب الصدر. وحدثني كثيراً عن ابتلاءات المؤمنين والصالحين والأنبياء... وهو قد قبل الابتلاء تأسياً بهؤلاء.. ثم حدثني عن نظام الإنقاذ وإكرامهم له، فهم قد أسقطوا عنه العقوبة وعدلوا معاشه. وعلي الرغم من أنه ليس في حاجة إلي ذلك لكنه يحس فيه بالعرفان. وهؤلاء الشباب ــ علي حد قوله ــ رفقاء سلاح، وهم أبناء وليسوا أنداد. وهو يعتقد أن جيلهم قد ولي زمانهم في الحكم، وهو عائد إلي مسيده ومسجده. وأخبرني أن عودته للسودان لم تتأخر إلا لسببين، أولهما العلاج وثانيهما تكملة رسالة الدكتوراه ومناقشتها.
ثم حدثني بعد ذلك عن سوء فهم وقع بينه وبين الأخوان المسلمين بعد أحداث مارس 1985م، فهم يعتقدون أنه كان وراء حملة اعتقالهم وهو بريء من ذلك تماماً. ثم قال لي أنه ليس أخاً مسلماً لكنه مسلم، والمعركة الآن بين الإسلام وأعداء الإسلام، وهو يقف مع الأخوان المسلمين في خندق الدفاع عن الإسلام وصد الهجوم عليه. وهو يرجو أن تتاح له فرصة لتوضيح وجهة نظره تلك وموقفه هذا.
وتحدثنا بعد ذلك عن الطريقة التي يعمل بها نميري وهي كانت خالية من البرتوكول وفيها تجاوز لبعض الأعراف والتقاليد وأشياء أخري. ثم تحدثنا عن عشوائية العمل السياسي، وكيف أن الإنقلاب المايوي يكشف في حي العشش.. وهذه المسألة حقيقة وليست خيالاً. ففي إحدى المرات علي أيام حكومة السيد الصادق المهدي في الديمقراطية الثالثة كان المايويون يعدون لانقلاب عسكري، وبعد أن أكملوا كل الترتيبات اللازمة اقترح أحدهم أن يذهبوا لفكي (يحوطهم) ويجري عملية تأمين للانقلاب وكان هذا الفكي يسكن عشش فلاته قبل إزالتها، فطلب الفكي مده بأسماء المشاركين في قيادة الانقلاب وأسماء أمهاتهم. وكان هذا الفكي لسوء حظهم ينتمي لحزب الأمة، فما أن خرجوا منه قام بتسليم قائمة أسماء قادة الانقلاب للسلطات الأمنية، فلم يتأخر القبض علي القادة إلا بمساحة الزمن التي مكنت من معرفة أسمائهم الحقيقية الذين كانوا مكتوبين بأسماء أمهاتهم.
وأعود لموضوع نميري بعد تطور الموقف والإشارات العجيبة التي كانت تصله، وبشارات العودة، وأماني المبشرين. وكان في تلك الأيام قد أرسل خطاباً شديد اللهجة إلي الحكومة في الخرطوم، وكان هذا قبل أن أعود من السودان. وعندما عدت قال لي أن بعض المايويين أخبروه أني صرت مع الإنقاذ، وأنني صرت أتآمر عليه معهم ليعود إلي السودان ليعتقلوه في كوبر، وذلك لأنه وحده الذي أصبح يهدد حكمهم. وأن جهات كثيرة أكدت له أن عودته للحكم قد صارت قاب قوسين أو أدني، وهي لن تتجاوز الشهرين بأي حال من الأحوال. فرأيت أن الرجل قد تأثر بالأجواء من حوله، ولن يكون لديه الاستعداد لقبول رأي مختلف فقررت الابتعاد عنه. وقمت في اليوم التالي مباشرة بتسليمه مفتاح الشقة التي كنت أسكن فيها وكذلك السيارة التي أستخدمها وعدت إلي السودان، وذهبت مباشرة إلي أم روابة وعملت بين الزراعة والتجارة وامتد ذلك لعام كامل تقريباً.
أبوسهيل
10-20-2010, 12:34 AM
في ذكري (25) مايو الوطن تنشر حلقات من كتاب
(أيام مع جعفر نميري أسرار ومواقف)
نميري يواصل الحديث عن شبابه ونشأته وأسرته وأصدقاء الصبا وزملاء الدراسة وهواه وهواياته
أذنت لنقد بالمشاركة في يوبيل حنتوب فاختار أن يكون رجل خط ليرفع الراية الحمراء
بابكر كرار، يس حاكم، عصمت معني كانوا من لاعبي كرة القدم المشهورين بالمدرسة
حسن الترابي كان من الطلاب الذين استأمنتني أسرهم عليه في مدرسة حنتوب الثانوية
للكاتب الصحفي/ جمال عنقرة
(لم يكن في تقديري في يوم من الأيام أن أصدر كتاباً حول علاقتي مع الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري، ذلك أن صلتي المباشرة معه لم تتجاوز بضع مئات محدودة من الأيام قضيتها معه مستشاراً إعلامياً له في بعض فترة منفاه في العاصمة المصرية القاهرة. وهذه الأيام رغم قلتها مقارنة بتاريخ الرجل الطويل في الحكم وخارجه، إلا أنها حفلت بالعديد من الأحداث المثيرة، ليس في تاريخ الرجل فحسب ولكن في تاريخ وطننا السودان أيضاً.. هذا فضلاً عن أن وجودي اللصيق معه قد أتاح لي أن أعرف منه أسرار أحداث وقعت في حياته قبل أن ألقاه. وشملت هذه الأحداث محطات في مسيرة حياة الرجل منذ نشأته وعلاقات أسرته، وحياته الطلابية وزملاء دراسته، ثم دخوله الكلية الحربية وتخرجه فيها، وتدرجه في الرتب العسكرية إلي أن صار رئيساً للجمهورية. وتلك ستة عشر عاماً حافلات بالمواقف والأسرار... كيف دبر للانقلاب وكيف نفذه، ومن كان معه، وماهي علاقته بالحزب الشيوعي السوداني وعلاقة الشيوعيين بمايو، وهل كان نميري شيوعياً.. وووقفت علي الكثير من التفاصيل والحكايات والأحداث الجسام مثل أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي، ومحاولات الإنقلاب علي نميري، فشلها ونجاحها. وعلاقاته مع الرؤساء والزعماء العرب والأفارقة وغيرهم..
أما ما كنت شاهداً عليه ومشاركاً في صناعته فهو أولاً المعركة مع الديمقراطية الثالثة التي كان يقود حكوماتها السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي. ولقد احتوت علي محاولات انقلابية عديدة لهدف إعادة نميري للحكم.. وفي ذلك أسرار عديدة ومثيرة لاسيما في ما يخص حوارات بعض القيادات الحزبية مع الرئيس نميري من وراء ظهور أحزابهم التي كان نميري يعمل علي إسقاط حكوماتها، وكان بعض القياديين في تلك الأحزاب يشجعونه علي ذلك. ووقفت كذلك خلال هذه الفترة علي حوارات صحفية كانت غطاء لغيرها مما كان يضمره أصحابها، الذين كانت لهم أجندة خفيه ستروها بالحوار أو المقابلة الصحفية. وشاركت في تلك الفترة في الحوار بين مايو والإسلاميين قبل الإنقاذ وبعدها. وشارك في ذلك إسلاميون ومايويون كثر. بعض كان يبني، وبعض كان يهدم، وبعض ينطبق عليه المثل السوداني (يدي الحلة عيطة والنقارة عصاة)
كل تلك الأحداث ما كان يمكن أن أتركها دون توثيق فجمعت ما يجوز نشره في كتاب أسميته (أيام مع جعفر نميري ــ أسرار ومواقف) وأحاول في هذه المساحة في (الوطن) أن أستعرض بعض ملامحه عبر حلقات متتابعة بإذن الله تعالي.
ويواصل الرئيس نميري حديثه عن النشأة والصبا والأصدقاء وزملاء الدراسة، فيقول:
عندما كنا طلاباً في مدرسة حنتوب الثانوية كانت المدرسة علي تلك الأيام تضم عدة أجيال في الصف الواحد، فتتراوح أعمار التلاميذ علي ذات المقعد بين الخامسة عشر والخامسة والعشرين. فكان للكبار مكانة ومهابة، وكان الصغار عادة ما يحاولون التطاول لتعويض مشاعر الاحساس بالنقص في مواجهة الكبار الذين دائماً ما يعملون علي غرس هذا الشعور في من هم دونهم في السن. بعض الصغار عرف الطريق جيداً لسد ضعفه، لذلك برز عدد كبير منهم في الدراسة والكتابة والشعر.. وأذكر أن أبابكر عثمان محمد صالح كان يتولي وحده تحرير مجلة حائطية كاملة من كلمة العدد إلي فكاهة الأسبوع إلي حكمة اليوم إلي تأملات فلسفية، ثم أبواب الشعر والسياسة والفنون.. لقد كانت مهمة صعبة، فهو بالإضافة إلي تحرير الجريدة كان عليه أن يحميها من زملائه الذين يختلفون معه في الرأي، إضافة إلي حماية نفسه من بطشهم.
وفي مثل هذا الجو كان أولياء الأمور عندما يقبل أبناؤهم في المدرسة يحضرون معهم ليعرفوا الفصل الذي يدرسون فيه والعنبر الذي ينامون عليه، ويتعرفون كذلك علي زملاء أبنائهم، وعادة ما يختار الواحد منهم تلميذاً من الأقوياء يأتمنه علي ابنه. وأذكر من الزملاء الذين اؤتمنت عليهم، صديق أحمد إسماعيل، عمر إمام، حسن الترابي، أبو كشوة وسرالختم يوسف.
لقد كان ناظر المدرسة علي عهدنا هو مستر براون البريطاني الجنسية. ولقد كان اهتمامه بالرياضة وكرة القدم بصفة خاصة لا يقل عن اهتمامه بمستوى المدرسة الأكاديمي. فكان يهتم كثيراً بكرة القدم والبارزين في اللعبة، ولقد كنت أحد أعمدة الفريق المدرسي في كرة القدم. وأذكر من رفقاء الفريق، عوض محمد أحمد، بابكر كرار، حكيم محمد بخيت، يس حاكم، عصمت معني، صالح أحمد صالح، شاكر مرسال، يوسف جاد الله، بابكر القدال، صلاح محمد سعيد، يوسف الحضري، محي الدين الحضري، عبد التواب عبد العظيم، الفاتح ساتي. وعلي عكس الشائع فقد كانت الصداقة بين أفراد الفريق أقل منها كثيراً بينهم وبين جمهور المشجعين داخل المدرسة، وهم كل المدرسة... طلاب، معلمون، عمال، موظفون، وفراشون.. وكانت الصداقات تتألق وتزدهر كلما تألق اللاعب وتميزت مهاراته. ولقد كنت موفقاً في إحراز الأهداف القاتلة. ومن زملاء الدراسة والملعب الذين امتدت صلاتنا إلي مراحل بعيدة الصديق محمد إبراهيم نقد السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني.
قبل الثورة في الخامس والعشرين من مايو اتفقت رؤانا مع الصديق محمد إبراهيم نقد علي ضرورة التغيير، هو يراه تغييراً لصالح الطبقة العاملة وبقيادة الحزب الواحد ــ الحزب الشيوعي السوداني ــ وكنت أري أن التغيير المطلوب ينبغي ألا يخاصم واقع السودان وطبيعته الحضارية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية. كان يري أن التغيير لا بد أن يكون في صالح طبقة واحدة هي الطبقة العاملة، وكنت أسأله عن لماذا لا تحقق هذه الطبقة التغيير لصالحها، فكانت إجابته تعطيني مبرراً لرفض فكرته.
كان يقول أن الطبقة العاملة تستحق أن تكون لها سلطة، إلا أنها حجماً وفاعلية وقدرة لا تستطيع أن تستولي علي السلطة. وكنت أقول له أن الذي لا يستطيع لا يستحق. هذا فضلاً عن أن المجتمع السوداني بطبعه وتكوينه لم تتبلور فيه الطبقات بصورة واضحة مما ينفي الأساس النظري لمقولة الصراع الطبقي.
كنت أقول لصديقي نقد في حوارنا الذي كان يمتد لساعات طوال قبل اندلاع الثورة أن المطلوب للسودان أولاً أن يكون وطناً.. أن تتطابق مساحته الجغرافية مع هويته الوطنية.. أن يسقط كل ما يمزق ويشتت الولاء فيه.. أن تنهار كل أشكال الطائفية والحزبية والرجعية المدمرة.
إن المطلوب للسودان أن تنكسر داخله حلقات الانتماء الضيقة.. الانتماء للعرق، للثقافة المحلية، للإقليم، ليحل محلها انتماء شامل للوطن الأم. انتماء لا ينكر وجود الفوارق العرقية والإقليمية، وإنما يعترف بها ويعمل علي تطويرها في إطار انتماء أشمل هو الانتماء للسودان.
كنت أقول للصديق محمد إبراهيم نقد أن وحدة الطبقة العاملة حقيقة حتمية كما تقول كتب التراث الماركسي، إلا أنه من الضروري قبل أن تتحقق وحدة الطبقة العاملة، لا بد من وجود هذه الطبقة، ووجود معايير اتصال فيما بينها. وهذا كان منعدماً بالنسبة للوضع في السودان. وكان يقول لي صديقي نقد إن الطبقة العاملة في السودان حقيقة موجودة لا يمكن إنكارها، وكان يستدل علي ذلك بعمال السكة حديد. وكنت أقول له أن الحديث عن عمال السكة حديد كطبقة متبلورة لها مصالحها المتناقضة مع مصالح رأس المال حديث يتناقض مع الماركسية. فالسكة حديد في السودان ليست مؤسسة أو شركة يملكها رأس المال الخاص، وإنما هي مرفق من مرافق الدولة، وهي بهذا المعني احدي وسائل الإنتاج العامة.
المزارعون أو أشباه البروليتاريا يختلفون تماماً عن الصورة الكلاسيكية للمزارعين في المجتمعات المعقدة. فمشروع الجزيرة علي سبيل المثال، وهو أكبر مشروع زراعي تحت إدارة واحدة هو من مشروعات القطاع العام، بل هو علي الأصح مشروع العاملين فيه. فالأرض لا تملكها إدارة المشروع كما لا يملكها الفلاحون.. فالأرض لمن يفلحها بالمعني الكلاسيكي للكلمة. المشروع مقسم إلي حواشات أياً منها لا تقل عشرة أفدنة، ولا تزيد عن خمسين. المزارع له كل المحصول، وإدارة المشروع عليها مسئولية تمويل الزراعة من لحظة إعداد الأرض وتوفير الأسمدة إلي مكافحة الآفات وحتى الحصاد. ثم هي أيضاً مسئولة عن التسويق. وفي نهاية الموسم وبعد بيع المحصول تسترجع الإدارة ما دفعته للمزارع خلال الموسم الزراعي وتستقطع كذلك تكلفة ما قدمته له من خدمات، وذلك في إطار الحساب الفردي لكل مزارع.
كنت أقول كل ذلك وكثيراً مثله للأخ الصديق محمد إبراهيم نقد، لكننا أبداً لم نتفق، ومع ذلك لم نفترق..وتواصل تدفق نهر صداقتنا بلا انقطاع إلي أن قامت الثورة، وحدثت محاولات الاحتواء الشيوعي لها، والتي انتهت بأحداث يوليو 1971م.
ومن المفارقات الغريبة أن أغلب قيادات انقلاب يوليو كانوا من الأصدقاء.. برير الأنصاري كان معي وفي بيتي قبل الانقلاب بساعة واحدة. وتناولنا طعام الغداء سوياً، ثم استأذن في الانصراف لأن لديه أعمالاً يجب أن ينجزها حالاً، وكان حتى تلك اللحظة يعمل مستشاراً لي للشؤون الاقتصادية. اختار أحد قمصاني .. استبدل به قميصه الذي كان يرتديه، وهذا كان أمراً طبيعياً بيننا خلال عمر صداقتنا الذي كان وقتها قد بلغ عامه العشرين. ودعته فخرج ولم أقابله ثانية إلا أثناء التحقيق معه كأحد أبرز قيادات الانقلاب الشيوعي.. نفس الانقلاب الذي وقع بعد غدائنا معاً في بيتي بساعة واحدة فقط. سألته بحسرة: لماذا لم ترع الصداقة التي دامت واستطالت حتى قبل ساعة واحدة من المؤامرة؟ فأجابني بلا إحساس بالحرج: إن الولاء للحزب أقوي وأبقي من العلاقات الشخصية.. إن الوفاء والصداقة مفاهيم برجوازية لا نؤمن بها نحن الماركسيون.. فكان الصمت.. ولا شيء غير الصمت.
أما الصديق محمد إبراهيم نقد فلقد كان حتى لحظة الانقلاب الرجل الثالث في الحزب الشيوعي السوداني. وبعد الانقلاب وإعدام الشفيع أحمد الشيخ وعبد الخالق محجوب أصبح رجل الحزب الأول وتولي القيادة. اختفي نقد عن الأنظار وصار يقود العمل السري من مخبأ له في مكان ما. وبعد أقل من سنة من أحداث يوليو 1971م احتفلت مدرسة حنتوب الثانوية باليوبيل الفضي لها. وكان من برنامج الحزب مباراة في كرة القدم بين قدامي الخريجين.. قبل موعد المباراة بيومين جاءتني رسالة من محمد إبراهيم نقد، نصها:
جعفر..
أنت في السلطة رئيساً للجمهورية، وأنا تحت الأرض مختفياً عنك أنت بالذات، ومع ذلك فأنا كما تعلم كنت واحد من أفراد فريق كرة القدم القدامى في مدرسة حنتوب الثانوية، ولقد وجهت لي الدعوة كما وجهت لك أنت. الفارق الوحيد أنها وصلتك علي عنوانك بقصر الشعب، بينما وصلتني في مخبئي تحت الأرض. أريد المشاركة، فإذا أعطيتني الأمان فسوف أشارك بحيث تتاح لي فرصة حضور المباراة، ثم تتاح لي فرصة أربع وعشرين ساعة بعدها لأختفي.
جعفر
أعرفك جيداً، ولذلك تكفيني كلمتك لأحضرن ذلك أن احتمالات الغدر من جانبك بالنسبة مستحيلة.
محمد إبر اهيم نقد
وافقت .. أقيمت المباراة.. شارك فيها محمد إبراهيم نقد الرجل الأول في الحزب الشيوعي السوداني المطلوب للمحاكمة نتيجة تآمره علي الثورة، والمختفي تحت الأرض كما يقولون.
اختار نقد في المباراة دور (رجل الخط) قلت له وأنا أعانقه في بداية المباراة لماذا اخترت دور رجل الخط، فأجاب ضاحكاً حتى أرفع الراية الحمراء.
انتهت المباراة.. أمرت بعدم ملاحقته.. اختفي بعدها.. ظل مختفياً ولم يظهر ثانية إلا بعد السادس من أبريل عام 1985م بأسبوعين.
أما صداقة السلاح فهي تبقي دائماً أنقي وأصدق الصداقات.. هي تجاور في السلم والحرب.. في الأمن والفزع.. إنها رفقة حياة وموت. هي اختلاط تنكسر دونه كل الحواجز. إنها التكافؤ المطلق في الظروف. وهي الاحترام لمن هو أعلي رتبة، وهي الرعاية الواجبة لمن هو أقلها.
والصداقة في القوات المسلحة تحل علي الفور محل كلمة الزمالة، بمعني أن تكون ضابطاً وزميلاً لضابط فأنتما في الموقع الذي تعملان فيه تختزلان الزمان والمكان. وخاصة في الأماكن النائية، وعند المهام الخطيرة. ففي الجيش فإن زميلك هو رفيق حياتك وهو الأقرب لأن يكون رفيق مماتك، أو شاهداً عليه. فالصداقة في الجيش أسمي وأنبل غاية.ز إنها صداقة عمر يدوم أو ينقضي.
أبوسهيل
10-27-2010, 09:14 PM
في ذكري (25) مايو الوطن تنشر حلقات من كتاب
(أيام مع جعفر نميري أسرار ومواقف)
نميري يواصل الحديث عن الأسباب والدوافع التي دفعت لقيادة ثورة مايو 1969م
السادة باعوا الجنة للبسطاء أمتاراً وأخذوا منهم جهد العمر كله وشقاء السنين العجاف
دور الجيش السوداني في تفجير الثورات وحمايتها كبير وعظيم ولا ينقطع
للكاتب الصحفي/ جمال عنقرة
(لم يكن في تقديري في يوم من الأيام أن أصدر كتاباً حول علاقتي مع الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري، ذلك أن صلتي المباشرة معه لم تتجاوز بضع مئات محدودة من الأيام قضيتها معه مستشاراً إعلامياً له في بعض فترة منفاه في العاصمة المصرية القاهرة. وهذه الأيام رغم قلتها مقارنة بتاريخ الرجل الطويل في الحكم وخارجه، إلا أنها حفلت بالعديد من الأحداث المثيرة، ليس في تاريخ الرجل فحسب ولكن في تاريخ وطننا السودان أيضاً.. هذا فضلاً عن أن وجودي اللصيق معه قد أتاح لي أن أعرف منه أسرار أحداث وقعت في حياته قبل أن ألقاه. وشملت هذه الأحداث محطات في مسيرة حياة الرجل منذ نشأته وعلاقات أسرته، وحياته الطلابية وزملاء دراسته، ثم دخوله الكلية الحربية وتخرجه فيها، وتدرجه في الرتب العسكرية إلي أن صار رئيساً للجمهورية. وتلك ستة عشر عاماً حافلات بالمواقف والأسرار... كيف دبر للانقلاب وكيف نفذه، ومن كان معه، وماهي علاقته بالحزب الشيوعي السوداني وعلاقة الشيوعيين بمايو، وهل كان نميري شيوعياً.. وووقفت علي الكثير من التفاصيل والحكايات والأحداث الجسام مثل أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي، ومحاولات الإنقلاب علي نميري، فشلها ونجاحها. وعلاقاته مع الرؤساء والزعماء العرب والأفارقة وغيرهم..
أما ما كنت شاهداً عليه ومشاركاً في صناعته فهو أولاً المعركة مع الديمقراطية الثالثة التي كان يقود حكوماتها السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي. ولقد احتوت علي محاولات انقلابية عديدة لهدف إعادة نميري للحكم.. وفي ذلك أسرار عديدة ومثيرة لاسيما في ما يخص حوارات بعض القيادات الحزبية مع الرئيس نميري من وراء ظهور أحزابهم التي كان نميري يعمل علي إسقاط حكوماتها، وكان بعض القياديين في تلك الأحزاب يشجعونه علي ذلك. ووقفت كذلك خلال هذه الفترة علي حوارات صحفية كانت غطاء لغيرها مما كان يضمره أصحابها، الذين كانت لهم أجندة خفيه ستروها بالحوار أو المقابلة الصحفية. وشاركت في تلك الفترة في الحوار بين مايو والإسلاميين قبل الإنقاذ وبعدها. وشارك في ذلك إسلاميون ومايويون كثر. بعض كان يبني، وبعض كان يهدم، وبعض ينطبق عليه المثل السوداني (يدي الحلة عيطة والنقارة عصاة)
كل تلك الأحداث ما كان يمكن أن أتركها دون توثيق فجمعت ما يجوز نشره في كتاب أسميته (أيام مع جعفر نميري ــ أسرار ومواقف) وأحاول في هذه المساحة في (الوطن) أن أستعرض بعض ملامحه عبر حلقات متتابعة بإذن الله تعالي.
ويواصل الرئيس السوداني الأسبق الراحل المشير جعفر محمد نميري حديثه عن الفكرة وراء قيام ثورة مايو فيقول:
الفكرة وراء الثورة كانت قبول التحدي للتصدي لظلم الإنسان لنفسه، علي أن يكون هذا التصدي لهذا الظلم هو تحرير الإنسان السوداني من عبودية المكان الواحد، حيث كل السودان مجال رحب لحياته. وتحريره من عبودية العنصر حيث أن الإنسان هو الإنسان اختلف أم اتفق مع غيره لوناً ونسباً وأصلاً. فكلهم لآدم، وآدم من تراب.
الفكرة وراء الثورة إسقاط كل أو هام القداسة التي فرضها البعض علي أنفسهم بأصل أو نسب أو حسبن أو تاريخ أجداد، بادعاء وساطة بين الله وخلقه، وبادعاء امتلاك القدرة علي غفران الذنوب حتى وصل بهم الأمر إلي بيع جنة الفردوس أمتاراً يشتريها الناس منهم بجهد العمر كله وشقاء السنين العجاف.
الفكرة وراء الثورة أن يشارك الجميع في السلطة لا أن يخضع الجميع لسلطة واحدة قاهرة ظالمة في صور مختلفة وإن كان أصلها واحد. سلطة الاستعمار المطلقة، وسلطة الطائفية المدمرة.
كانت الفكرة وراء الثورة أن يكون الانتقال طفرة التزام، وليست نقلة إلزام. رحلة إلي العصر مرشدها القناعة الذاتية. ولذلك عندما تفجرت الثورة إنما كانت بداية لثورات متواصلة لن تنتهي. ثورة في إعادة بناء الإنسان وتعليمه وتثقيفه، ثورة في اكتشاف موارد الوطن واستغلالها، فكانت الثورة الزراعية والثورة الصناعية.. ثورة في ربط أجزاء السودان المترامية وربط سكانه. فكانت ثورة الاتصالات والمواصلات لتبني جسراً يعبر من خلاله قطار الوحدة والتوحد، ثورة في معني مسؤولية الحاكم عن محكوميه، فكان الاهتمام بالسواد الأعظم من أهل السودان. فعكفت الثورة علي تطوير الريف من خلال القرى ولجانها، وترقية خدماتها الصحية والعلاجية والخدمية المتنوعة. وثورة تشريعية ترد الناس إلي أصولهم الفطرية والعقدية.
الفكرة وراء الثورة أن يتخذ السودان موقعاً وسطاً بين أفريقيا والعرب، بين الشرق والغرب، وأن يكون معبراً لتلاقي حضارات العالم، فكان دوره الرائد في مجال السياسة الخارجية، وإسهامه الوافر في كل قضايا شعوب العالم المناضلة والمقهورة والمتطلعة إلي النمو والتقدم.
تلك كانت الفكرة وراء الثورة، وهي البدايات التي علي إثرها تشكل المخاض، فكانت لحظة الميلاد في الخامس والعشرين من مايو عام 1969م.
إن دور الجيش في التغيير وإمكانياته في تفجير الثورة وحمايتها هو بالنسبة للسودان دور كبير وعظيم وفعال ولا ينقطع. فالجيش في السودان هو مؤسسة قومية لم تطلها يد التخريب والتمحور حتى في أسوأ أوضاع السودان السياسية، وفساد الأنظمة الحزبية. وهذه ميزة تفرد بها جيش السودان عن كثير من المؤسسات العسكرية في دول العالم الثالث، مما جعل له هذا الدور ــ الدور الطليعي في الثورة دون سواه من جيوش بلدان أفريقية وآسيوية مشابهة. فعلي امتداد التسلسل القيادي في القوات المسلحة تجد دائماً التداخل النوعي لأصول الضباط والجنود. وهو تداخل صاغته القوات المسلحة بحكم تنظيمها وقوانينها ولوائحها. والأهم من ذلك صاغته رسالتها وهدفها السامي وهو الدفاع عن السودان ــ كل السودان ــ
ففي القوات المسلحة ليس هناك اعتبارات عرقية أو ثقافية تؤهل للتدرج أو تعصم من العقاب أو تحجب الثواب، وإنما هناك اعتبارات موحدة في جميع الحالات، الكفاءة مدخل للترقي، والإهمال مدخل للعزل والعقاب. وذلك فضلاً عن أن حجم القوات المسلحة في السودان لا يتناسب مع مساحة السودان الشاسعة، وتعدد منافذ حدوده التي ينبغي الدفاع عنها، الأمر الذي فرض علي الجيش السوداني أن يكون في حركة دائمة. لذلك فالقوات المسلحة بكل فصائلها وأسلحتها، بكل قواتها وجنودها، بكل رتبها ومراتبها، هي معايشة متصلة لكل أنحاء السودان. معايشة ليست للمكان فقط، وإنما في المقام الأول معايشة واختلاط وتداخل مع سكان تلك المناطق، وهي معايشة تفرض الاحتكاك الشخصي والحياة اللصيقة.
بتلك الظروف اختارت القوات المسلحة قومية الانتماء بقناعة الانتماء إليها أولاً، ثم تدعمت قومية الانتماء بالانتشار والانتقال والمعايشة لكل مناطق السودان بعد ذلك.
ولما كان تغيير الكل بالجزء استحالة منطقية، صار من الطبيعي أن تكون إرادة التغيير بالكل شاملة بانتمائه القومي للكل شاملاً للسودان تأكيداً وتدعيماً، بل وأكاد أقول صياغة وخلقاً لانتمائه القومي لوطن واحد. ولذلك كانت الثورة وكانت قيادتي لها بالقوات المسلحة كطليعة للتغيير. ثم أضحت بعد الثورة أحد فصائل القيادة والقاعدة.
ولهذا بدأ غريباً لدي بعض محدودي النظر أن القوات المسلحة بعد الثورة لم تعد إلي ثكناتها. لقد أرادوا لها أن تعود من الساقة إلي الحراسة، وحسبها فقط أن يكون منها رئيس الدولة، ثم دور محدود في العمل السياسي لو تفضلوا عليها بذلك. وينحصر هذا الدور في قيادتها العليا فقط، أما القواعد فأرادوا لها البعد الكامل عن مساحة العمل السياسي والشعبي والتنموي.
فقومية القوات المسلحة كما أشرت سابقاً نابعة من مسئولياتها عن الدفاع عن السودان، ويكون الدفاع في المقام الأول بالحصار والقتال الشرس ضد قواعد التشرذم داخله، وهي قواعد استقرت بالتخلف الاقتصادي والاجتماعي، وهي قواعد استقرت بالانعزال عن هموم الوطن والمواطنين والاستغراق في هموم خاصة. إنها قواعد ضربت جذورها بعزوف المواطن عن المشاركة في العمل العام بعد أن عزل قهراً بواسطة الطائفية والأحزاب عن المشاركة في مثل هذا النشاط حيث الصفوة تنوب عنه، وحيث السادة يستأثرون بكل السلطات دونه. ولذلك كان مطلوباً من مؤسسات الثورة أن تتسع لكل المواطنين بمن فيهم القوات المسلحة حتى لا يكون عزلها عن تلك المؤسسات مدخلاً لسيطرة الصفوة عليها كما سيطرت الطائفية علي كل شيء في حكومات الحزبية.
ولهذا فإن القوات المسلحة مثلت بالضباط والجنود في التنظيم السياسي، وفي كل مستوياته من القاعدة وحتى القمة. مثلت بنفس القدر وبذات الصورة في مجلس الشعب القومي، ولقد كان لها تواجد فاعل علي الأقل في مستوى التخطيط في الجهاز التنفيذي، حيث يمثلها رئيس الجمهورية، وهو ضابط عامل في القوات المسلحة. وعلي مستوي القيادة الشعبية مثلت في مجالس الحكم الشعبي المحلي علي مستوى المديريات. وفي الحكم الإقليمي بمؤسساته التشريعية والتنفيذية علي مستوى الأقاليم. وبهذا تكامل دور الجيش في السودان كأداة تفجير الثورة وأداة تغيير بالثورة.
غير ذلك لم يكن ممكناً فحسب، بل هو مستحيل. فتاريخ القوات المسلحة السودانية كان دائماً وأبداً تمرداً علي عزلها عن العمل العام بشموله القومي. وهكذا واجه انقلاب الفريق الراحل إبراهيم عبود أول منعطفات الخطر حيث انحرفت قيادته العليا عن التوجه القومي، وحاولت بالجيش أن تحقق نوعاً من التوازن المحسوب بين مختلف القوي السياسية التي ظلت فاعلة رغم انقلاب نوفمبر عام 1985م لبعض الوقت.
كان من القياديين العسكريين اللواء أحمد عبد الوهاب أقرب في تعاطفه إلي حزب الأمة ومحسوباً لطائفة الأنصار، بينما كان العميدان شنان ومحي الدين أقرب إلي التعاطف مع طائفة الختمية. ولأن ذلك كان إخلالاً بقومية القوات المسلحة فلقد اختل دورها بمحاولة انقلاب قام بها العميدان شنان ومحي الدين ضد حكومة الفريق إبراهيم عبود. وهو انقلاب لم ينجح ولم يفشل، وإنما تمخض عنه دخول شنان ومحي الدين عضوية المجلس الأعلى الحاكم وإبعاد اللواء أحمد عبد الوهاب عن الجيش. إلا أن الحل المؤقت لم يكن حلاً دائماً. وهكذا لم تمض فترة قصيرة أطيح بعدها بشنان ومحي الدين.
وبعد عام واحد حاولت الأحزاب أن تخترق القوات المسلحة عن طريق بعض الضباط من رتب مختلفة.. النتيجة إعدام عدد من الضباط لأول مرة في تاريخ السودان لأسباب سياسية، وحكم بالسجن علي عدد من القيادات السياسية الحزبية من بينها المرحوم الرشيد الطاهر بكر.
وفي إطار الحياد الشكلي والسلبي بين مختلف القوي السياسية استطاع الفريق إبراهيم عبود أن يحتفظ بالسلطة من نوفمبر 1958 حتى أكتوبر 1964م، حيث اجتاحت الثورة الشعبية نظامه. والمثير في الأمر أن شرارة الثورة كانت هي القوات المسلحة أيضاً التي تحركت مبكراً لمواجهة تردي الأوضاع في جنوب البلاد، وفشل القيادة السياسية والعسكرية في توفير متطلبات القوات هناك.
الثورة الشعبية رغم شمولها وعنف بدايتها كانت علي موعد نع الانحسار، فلقد حاولت الأحزاب الطائفية احتواءها من ناحية، وحاول الأخوان المسلمون ركوب موجتها، وعمل الشيوعيون بذكاء لا ينكر علي تبنيها فشكلوا جبهة الهيئات والتي تولت في البداية التفاوض مع الفريق إبراهيم عبود للاتفاق معه علي التخلي عن السلطة، ثم تفرغت بعد ذلك للتفاوض مع القوي الحزبية والطائفية لاقتسام ثمار الثورة التي لم تنضج بعد.
أتاح ذلك الصراع والتمزق ومحاولات الاحتواء والادعاء المختلفة، أتاحت الفرصة لنظام الفريق عبود ليستعيد زمام الأمور ويفرض وجوده، فضرب بعنف بلغت قسوته أن سقط في ضربة واحدة أمام قصر الشعب عشرات الشهداء والجرحى. فكانت الضربة مع الضياع السياسي، وتمزق الجبهة الداخلية بداية النهاية لثورة شعبية بدأت ناجحة وكان من الممكن أن تنتهي ظافرة. وهنا مرة أخري تدخلت القوات المسلحة السودانية لتنحاز بقوميتها للجماهير الثائرة.
أبوسهيل
11-01-2010, 06:48 PM
في ذكري 25 مايو (الوطن) تنشر حلقات من كتاب
(أيام مع جعفر نميري أسرار ومواقف) للكاتب الصحفي جمال عنقرة
نميري يواصل الحديث عن الحزب الشيوعي وعلاقته بمايو ورجاله ومواقفهم
الشيوعيون استدرجوا أهل الجزيرة أبا للمواجهة، والأنصار بلعوا الطعم واستجابوا للاستفزاز
الإمام الهادي قتل أثناء المطاردة وتبادل إطلاق النيران مع القوات الحكومية
السودان بتاريخه وتراثه وفطرته ساحة غير مناسبة لنشاط الفكر الشيوعي وأحزابه
فاجأت حشود الأنصار المسلحين في الكوة حين هبطت وسطهم وهتفت معهم (لا سلام بلا إسلام)
للكاتب الصحفي/جمال عنقرة
http://www.alwatansudan.com/topicimg.php?id=22219 (لم يكن في تقديري في يوم من الأيام أن أصدر كتاباً حول علاقتي مع الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري، ذلك أن صلتي المباشرة معه لم تتجاوز بضع مئات محدودة من الأيام قضيتها معه مستشاراً إعلامياً له في بعض فترة منفاه في العاصمة المصرية القاهرة. وهذه الأيام رغم قلتها مقارنة بتاريخ الرجل الطويل في الحكم وخارجه، إلا أنها حفلت بالعديد من الأحداث المثيرة، ليس في تاريخ الرجل فحسب ولكن في تاريخ وطننا السودان أيضاً.. هذا فضلاً عن أن وجودي اللصيق معه قد أتاح لي أن أعرف منه أسرار أحداث وقعت في حياته قبل أن ألقاه. وشملت هذه الأحداث محطات في مسيرة حياة الرجل منذ نشأته وعلاقات أسرته، وحياته الطلابية وزملاء دراسته، ثم دخوله الكلية الحربية وتخرجه فيها، وتدرجه في الرتب العسكرية إلي أن صار رئيساً للجمهورية. وتلك ستة عشر عاماً حافلات بالمواقف والأسرار... كيف دبر للانقلاب وكيف نفذه، ومن كان معه، وماهي علاقته بالحزب الشيوعي السوداني وعلاقة الشيوعيين بمايو، وهل كان نميري شيوعياً.. وووقفت علي الكثير من التفاصيل والحكايات والأحداث الجسام مثل أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي، ومحاولات الانقلاب علي نميري، فشلها ونجاحها. وعلاقاته مع الرؤساء والزعماء العرب والأفارقة وغيرهم..
أما ما كنت شاهداً عليه ومشاركاً في صناعته فهو أولاً المعركة مع الديمقراطية الثالثة التي كان يقود حكوماتها السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي. ولقد احتوت علي محاولات انقلابية عديدة لهدف إعادة نميري للحكم.. وفي ذلك أسرار عديدة ومثيرة لاسيما في ما يخص حوارات بعض القيادات الحزبية مع الرئيس نميري من وراء ظهور أحزابهم التي كان نميري يعمل علي إسقاط حكوماتها، وكان بعض القياديين في تلك الأحزاب يشجعونه علي ذلك. ووقفت كذلك خلال هذه الفترة علي حوارات صحفية كانت غطاء لغيرها مما كان يضمره أصحابها، الذين كانت لهم أجندة خفيه ستروها بالحوار أو المقابلة الصحفية. وشاركت في تلك الفترة في الحوار بين مايو والإسلاميين قبل الإنقاذ وبعدها. وشارك في ذلك إسلاميون ومايويون كثر. بعض كان يبني، وبعض كان يهدم، وبعض ينطبق عليه المثل السوداني (يدي الحلة عيطة والنقارة عصاة)
كل تلك الأحداث ما كان يمكن أن أتركها دون توثيق فجمعت ما يجوز نشره في كتاب أسميته (أيام مع جعفر نميري ــ أسرار ومواقف) وأحاول في هذه المساحة في (الوطن) أن أستعرض بعض ملامحه عبر حلقات متتابعة بإذن الله تعالي.
ويواصل الرئيس السوداني الأسبق الراحل المشير جعفر محمد نميري حديثه عن الحزب الشيوعي السوداني وعلاقته بمايو، فيقول:
كان من ضمن قرارات تأمين الثورة التحفظ علي كل القيادات السياسية حتى لا تثير نشاطاً معادياً للنظام الجديد.. اتخذ وزير الداخلية قراراته، واستثني كل الشيوعيين. وفور علمي بذلك استدعيت رئيس الوزراء لأستفسره عن ذلك، فحاول أن يربط بين الحدث وبين ما فعلته ثورة يوليو المصرية عندما تركت الأخوان المسلمين ليشكلوا لها سنداً جماهيرياً. ثم حاول بعد ذلك أن يقنعني بأن الثورة في حاجة إلي جماهير وكوادر الحزب الشيوعي السوداني لتبقي سنداً لها في مواجهة الأحزاب الطائفية والرجعية. إلا أن قناعتي بشمول الثورة ووحدتها بتوحد السودان كله فيها بلا استثناء، كانت أقوي من كل حجة يمكن أن تصاغ لزعزعة هذا الفهم.
عمدنا في أول أيام الثورة الأولي إلي تعريف الجماهير بمعاني ومبادئ ثورة مايو، وأردنا للاتصال أن يكون مباشراً علي عكس ما عهد الناس في عهود الحزبية والطائفية، حيث ما كان يلتقي القادة بالجماهير إلا في مواسم الانتخابات لكسب الود من أجل نيل أصواتهم.. وضعنا لذلك برنامجاً مكثفاً للقاءات الجماهير في كل أنحاء السودان. لاحظت في اللقاءات السياسية الأولي التي عقدت لهذا الهدف أن حديث رئيس مجلس قيادة الثورة دائماً ما يسبق بكلمة لأحد قادة الحزب الشيوعي السوداني، عبد الخالق محجوب، الشفيع أحمد الشيخ، التجاني الطيب، ومحمد إبراهيم نقد. وكانوا يتناوبون اعتلاء المنصة قبل صعودي لها.
في المرات الأولي اعتبرت الأمر طبيعياً، وعندما تكرر ذلك أدركت أنه مرتب للإيحاء بأن الثورة خرجت من رحم الحزب الشيوعي السوداني، فوضعت لهذا العبث حداً، وأبعدتهم عن منابر الحديث.
ضمن جولاتي علي ربوع السودان المختلفة عزمت علي زيارة منطقة النيل الأبيض بما فيها الجزيرة أبا، وهي منطقة معروفة بولائها الشديد للأنصار وحزب الأمة. فأوصت الأجهزة الأمنية بعدم الزيارة لأن الجماهير هناك سوف تعترض طريقنا وتمنعنا من الدخول، الأمر الذي قد يؤدي إلي مواجهة.
المنع كان يعني أن حكومة الثورة لا تسيطر علي كل السودان، وعليها إن أرادت أن تقبل بوجود دولة داخل الدولة .. دولة الأنصار في الجزيرة أبا داخل دولة السودان الكبرى. والخطر الأكبر من ذلك أن هذا المنع يمكن أن يتكرر في مناطق عديدة بها كيانات مميزة ومتمايزة، فيتمزق السودان إلي دويلات شتي، ويضيع أول هدف للثورة.. الوحدة الوطنية الشاملة.
أثير موضوع الجزيرة أبا في مجلس الوزراء.. اقترح وزير الداخلية فاروق حمد الله اقتحامها بقوة السلاح. وقف إلي جانبه صاحباه بابكر النور وهاشم العطا، ثار جدل كثيف حول الأمر. وفي الأخير.. اقترحت أن أزور المنطقة بنفسي ضمن جولة طويلة لمنطقة النيل الأبيض بعيداً عن مظاهر السلاح والحشد العسكري.. فتحفظ الجميع، لكنني تمسكت برأيي وبدأت الزيارة.
استغرق الجزء الأول من الجولة عشرة أيام بلياليها، كانت كلها لقاءات جماهيرية متصلة للتعريف بالثورة وشرح مبادئها. ومع بدء الجزء الثاني، ومع اقتراب السفينة من منطقة الجزيرة أبا بدأت نذر التوتر. انتشر الشيوعيون في مداخل المدن المتناثرة ونثروا شعاراته الحمراء في الهواء، وصاروا يهتفون بمبادئ الماركسية والشيوعية واليسار. وبالمقابل تجمع الأنصار وهتفوا ضد الشيوعيين والثورة معاً.. ومع ذلك قررت مواصلة الجولة.
ذات صباح والسفينة تتهادي علي أمواج النيل الأبيض الهادئ، إذ بمركب شراعي يعكر صفو النيل، ويقترب من السفينة، ومنه يقفز رجل بملابس عسكرية يلهث كمن جاء عدواً من مكان بعيد. فصعد الرجل إلي السفينة وهو ما زال يلهث، فوجدناه العميد الركن عبد الله محمد عثمان رئيس فرع العمليات العسكرية بالقوات المسلحة، ومعه الشيوعي معاوية، وهو من أبناء الكوة. اقترب العميد عبد الله مني، وأخبرني في همس متقطع أن أخباراً تواترت إليهم عن وجود حشود مسلحة من الأنصار بمدينة الكوة أعدت العدة للقضاء علي رئيس مجلس قيادة الثورة ومن معه بالسفينة، وعليه رجاني العودة إلي الخرطوم فوراً. أخذت المعلومة الاستخباراتية للعلم فقط، وأمرته بالعودة الفورية للخرطوم حاملاً معه كل هواجسه حتى لا يعكر علينا صفو رحلتنا، كما عكر قاربه صفو النيل الهادئ.. فعاد..
بعد لحظات كانت السفينة تقترب من مرساها عند مدينة الكوة. حاولت أن أري البر فلم ألمح شيئاً سوي أسنة الرماح. أمرت من معي بالبقاء علي ظهر السفينة. قررت الهبوط وحدي. لقد كان هتافهم ـــ لا سلام بلا إسلام ـــ وبقفزة واحدة من أعلي السفينة إلي الأرض توسطت تلك الحشود المدججة بالسلاح ووجدت اثنين من أعواني قد سبقاني بالهبوط، هما أبو القاسم محمد إبراهيم، وعثمان أبو القاسم. لقد كانت المفاجأة أكبر من أي تصور. صمت الجميع. خيم عليهم صمت كامل كأنما استغرقتهم صلاة جامعة. فكسرت الصمت بهتاف داو (لا سلام بلا إسلام) أنه ذات الهتاف الذي كانوا يرددونه. وبآلية كاملة ردد الجميع الهتاف.. سرت فساروا خلفي، أهتف ويرددون (لا سلام بلا إسلام).. وتتابعت خطانا ألفاً من الأمتار حتى وصلنا مكان الاحتفال الجامع. وهناك كانت قلة حمراء من الشيوعيين وأذيالهم يهتفون ضد الرجعية، وينادون بالحسم الثوري. إلا أن هتاف السودان الموحد تحت قيادة مجلس قيادة الثورة كان أعلي من كل هتاف. فضاع صوت شرذمة اليسار وتلاشي.
قدمت للحديث فتحدثت عن الثورة مبرأة من كل انتماء إلا ذلك الذي ينبع من واقعنا ويعبر عنه. لقد استحسن الجميع حديثي، وكان قد هيأ له نزولي وسطهم دون مقدمات ودون وجل. فأحسوا أنني منهم وبهم. وعندما هتفت بذات هتافهم (لا سلام بلا إسلام) تأكدوا أنني جئت من السودان، وللسودان، وبالسلام وللإسلام. فاستمرت الجولة دون مظهر للعداء إلا في موقعين أولهما كان عند قرية (أم جر) عندما جرت محاولة ساذجة لطعني، والثانية عند مشارف (الجزيرة أبا).
ولأنني كنت قاصداً بالجولة أن تكون للسلام أولاً، ولإزالة توهمات ترسبت بأن الثورة شيوعية ماركسية، أصدرت أمراً بالعفو عن الذي حاول الاعتداء علي في (أم جر). ثم تجاوزت الجزيرة أبا وقفلت راجعاً إلي الخرطوم. إلا أن الأمور في مجملها اتخذت مناح أخري.. في الخرطوم أشاع الشيوعيون خبر محاولة اغتيالي ومنعي من دخول الجزيرة أبا، وصعدوا الأمر باتجاه أرادوا له أن يقود إلي مواجهة دموية بين الثورة والأنصار.
وفي الجزيرة أبا خرجت طلائع مسلحة في السابع والعشرين من مارس عام 1970م لتقوم بأعمال تخريبية في مدينة (ربك) بالقرب من الجزيرة أبا، ففجروا مصنعاً للأسمنت، وأطلقوا النار عشوائياً علي المواطنين. فتصدي لهم جيش السودان دفاعاً عن أنفسهم وعن وحدة الوطن. لقد كان التحرك مجرد محاولة لحصر القاعدة المسلحة في الجزيرة أبا بداخلها حتى لا تمتد يد التخريب إلي ما عداها. لقد كان التحرك معنياً به في المقام الأول تحقيق وحدة وتماسك من خلال الحوار لا المواجهة. وكان عزمنا ألا يطلق الجنود رصاصة واحدة إلا دفاعاً عن النفس، وعن وحدة السودان وأمنه..ولكن ..! بدأ القصف من داخل الجزيرة أبا مصوباً نحو المدن والقرى وما حولها. وانطلقت نيران المدافع صوب الجنود المرابطين حول المدينة يراقبون ويترقبون. كتبنا منشوراً موجهاً لعامة المواطنين وسادتهم بالجزيرة أبا يدعوهم لتحكيم العقل من أجل وحدة السودان وتماسكه، وحملناه علي ظهر طائرة تنشره بين المواطنين من الجو. أشاع الدجالون أن بركة الإمام قد حولت القنابل ورقاً. فسري الخبر بين الناس كما يسري السرطان في دم الإنسان، فهلل الأنصار وكبروا، ثم هجموا علي القوات المرابطة فقتلوا منهم العشرات بالمباغتة، وجرحوا منهم عدداً كبيراً. نظم الجنود صفوفهم.. استعدوا للدفاع.. حاول الأنصار الكر مرة ثانية.. صمد الجند.. دافعوا عن الوطن، فتكسرت هجمات الأنصار وصرع منهم عدد كبير. وخرج الإمام الهادي، ووقع قتيلاً فيما بعد أثناء المطاردة وتبادل إطلاق النيران.
وما كادت عاصفة الجزيرة أبا تهدأ حتى هبت رياحها ثانية في أم درمان. وبذات الفهم الدفاعي للثورة صمد الجند أمام الأنصار فانتصر العسكر للسودان ووحدته، وذهب كثير من الأنصار مأسوفاً عليهم لأنهم بعض أبناء السودان.
حاول الشيوعيون استغلال الموقف لتصفية خصوماتهم. تبني ثلاثة من مجلس الوزراء قيادة تيار التصفية الدموية للحزبية والطائفية. لكنني تمسكت بمبادئ الثورة التي تفجرت من أجلها.. السلام والوحدة..
أبوسهيل
11-09-2010, 08:59 PM
في ذكري (25) مايو الوطن تنشر حلقات من كتاب
(أيام مع جعفر نميري أسرار ومواقف) (20)
نميري يتحدث عن تدهور العلاقة بين مايو والحزب الشيوعي السوداني وانهيارها
عبد الخالق محجوب أكد شيوعية هاشم العطا وبابكر النور وفاروق حمد الله
بابكر عوض الله أعلن في برلين أن الثورة لن تصمد بغير الشيوعيين، فأقلته من رئاسة الوزارة
عبد الناصر أبلغني أن السوفيت متخوفون من انحدار ثورة مايو إلي مزالق الخطر
للكاتب الصحفي : جمال عنقرة
(لم يكن في تقديري في يوم من الأيام أن أصدر كتاباً حول علاقتي مع الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري، ذلك أن صلتي المباشرة معه لم تتجاوز بضع مئات محدودة من الأيام قضيتها معه مستشاراً إعلامياً له في بعض فترة منفاه في العاصمة المصرية القاهرة. وهذه الأيام رغم قلتها مقارنة بتاريخ الرجل الطويل في الحكم وخارجه، إلا أنها حفلت بالعديد من الأحداث المثيرة، ليس في تاريخ الرجل فحسب ولكن في تاريخ وطننا السودان أيضاً.. هذا فضلاً عن أن وجودي اللصيق معه قد أتاح لي أن أعرف منه أسرار أحداث وقعت في حياته قبل أن ألقاه. وشملت هذه الأحداث محطات في مسيرة حياة الرجل منذ نشأته وعلاقات أسرته، وحياته الطلابية وزملاء دراسته، ثم دخوله الكلية الحربية وتخرجه فيها، وتدرجه في الرتب العسكرية إلي أن صار رئيساً للجمهورية. وتلك ستة عشر عاماً حافلات بالمواقف والأسرار... كيف دبر للانقلاب وكيف نفذه، ومن كان معه، وماهي علاقته بالحزب الشيوعي السوداني وعلاقة الشيوعيين بمايو، وهل كان نميري شيوعياً.. وووقفت علي الكثير من التفاصيل والحكايات والأحداث الجسام مثل أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي، ومحاولات الإنقلاب علي نميري، فشلها ونجاحها. وعلاقاته مع الرؤساء والزعماء العرب والأفارقة وغيرهم..
أما ما كنت شاهداً عليه ومشاركاً في صناعته فهو أولاً المعركة مع الديمقراطية الثالثة التي كان يقود حكوماتها السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي. ولقد احتوت علي محاولات انقلابية عديدة لهدف إعادة نميري للحكم.. وفي ذلك أسرار عديدة ومثيرة لاسيما في ما يخص حوارات بعض القيادات الحزبية مع الرئيس نميري من وراء ظهور أحزابهم التي كان نميري يعمل علي إسقاط حكوماتها، وكان بعض القياديين في تلك الأحزاب يشجعونه علي ذلك. ووقفت كذلك خلال هذه الفترة علي حوارات صحفية كانت غطاء لغيرها مما كان يضمره أصحابها، الذين كانت لهم أجندة خفيه ستروها بالحوار أو المقابلة الصحفية. وشاركت في تلك الفترة في الحوار بين مايو والإسلاميين قبل الإنقاذ وبعدها. وشارك في ذلك إسلاميون ومايويون كثر. بعض كان يبني، وبعض كان يهدم، وبعض ينطبق عليه المثل السوداني (يدي الحلة عيطة والنقارة عصاة)
كل تلك الأحداث ما كان يمكن أن أتركها دون توثيق فجمعت ما يجوز نشره في كتاب أسميته (أيام مع جعفر نميري ــ أسرار ومواقف) وأحاول في هذه المساحة في (الوطن) أن أستعرض بعض ملامحه عبر حلقات متتابعة بإذن الله تعالي.
ويواصل الرئيس نميري حديثه عن الحزب الشيوعي السوداني وعلاقته بمايو. ويتحدث في هذا الجانب عن تطور الأحداث ومجرياتها، بعد أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي في عام 1970م، فيقول:
نشط الحزب الشيوعي ونشطت كوادره ونقاباته في تبني شعارات الثورة، ورفعوا ضمنها شعاراتهم البراقة التي تنادي بسيادة الطبقة العاملة وديكتاتورية البروليتاريا، ثم انحرفوا لمهاجمة الثورة ونهجها، وقائدها المتهاون والمتلاطف مع الرجعية، ثم صنفونا في خانة البرجوازية الصغيرة.
طلب عبد الخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعي السوداني مقابلتي أكثر من مرة لكنني كنت أرفض دائماً. وفي ذات يوم كان الإرهاق والتعب قد أخذا مني مأخذاً عظيماً بعد يوم عمل حافل، فاقترح علي مدير مكتبي في ذاك الوقت العميد محمد عبد الحليم أن آوي لحظات إلي الفراش في منزله أنال قسطاً من الراحة لأعاود العمل أكثر نشاطاً. فوجدت الفكرة في نفسي قبولاً، فاصطحبني في سيارته إلي بيته الخالي من أهله في ذاك اليوم.. لم يكد جسدي يلامس الفراش حتى استغرقني نوم عميق أظنه امتد لثلاث ساعات. استيقظت من النوم بين مصدق ومكذب عيني في رؤية عبد الخالق محجوب جالساًُ أمامي. حدثني عن حتمية التحالف بين الثورة والشيوعيين لتحقيق الغاية المشتركة في تصفية الطائفية والرجعية، ثم حدثني عن إمكانية دعم السوفيت للسودان إثماراً لتحالف الشيوعيين مع الثورة. ثم تغيرت لهجته وزاد إفصاحه، فتحدث عن شروط الحزب لدعم الثورة التي يجب أن تتكافأ مع مسؤولياته في حمايتها.. وكان المفاجأة عندما تحدث عن زيادة تمثيل الحزب في مجلس قيادة الثورة، حيث أن التمثيل الثلاثي قليل، وذكر الثلاثة بأسمائهم، بابكر النور، هاشم العطا، وفاروق حمد الله. ثم تحدث عن زيادة التمثيل في مجلس الوزراء، وضرورة خلق وجود مؤثر للحزب داخل القوات المسلحة لضمان حماية الثورة والدفاع عنها.
سمعت كل ذلك بإصغاء شديد ظنه عبد الخالق، وكنت عامداً به إلي استجماع كل ما يقول حتى فرغت جعبته.. ساد بيننا صمت طويل حسبه عبد الخالق لمشورة العقل لاستجابة طلبه، وحسبته الهدوء الذي يسبق العاصفة. فانتفضت واقفاً فوقف واجماً.. فقلت له بكلمات ما زلت أذكرها: المرة الأولي التي التقينا فيها حذرتك من الحركة، وفي هذه الثانية أنصحك ألا تكرر محاولة لقائي. فخرجت بتلك الكلمات غاضباً، ووقف هو واجماً..
خرج خلفي العميد محمد عبد الحليم، وحاول أن يبرر موقفه بأن اللقاء لم يكن مدبراً، وحاولت تصديقه، أو بالأصح تظاهرت بذلك، وتجاوزت الحدث. وبعد فترة اخترت الرجل وزيراًُ للمالية، فشابت تصرفاته أشياء عديدة تستحق النبيه والتوبيخ والتأنيب ففعلت ذلك بلطف دون أن نحسبه علي شيء آخر سوي الاجتهاد البشري القابل للصواب وخطأ.. سافر ذات مرة في مهمة رسمية خارج البلاد، فأرسل من هناك وريقة يعلن فيها استقالته من الوزارة. أسفت له ولم آسف عليه. ورددت في نفسي: الصدق صنو الشجاعة، والكذب نقيضها.
يبدو أن انطباع اللقاء الأخير مع عبد الخالق محجوب قد غير تماماً من إستراتيجية الحزب الشيوعي، فتحولت سياسته من محاولة احتواء الثورة إلي محاولة الانقضاض عليها.
سافر بابكر عوض الله نائب رئيس مجلس قيادة الثورة ورئيس الوزراء إلي برلين. أستقبل بحفاوة بالغة، أحيط بهالة من الاهتمام. وفي ختام الزيارة كان التصريح العاصفة (إن ثورة مايو لن يمكنها الصمود والاستمرار إلا بدعم الشيوعيين في السودان). وصل تصريحه الخرطوم، وبعد دقائق قطعت الإذاعة إرسالها، وأعلن المذيع أن هناك بيان مهم بعد قليل ليترقبوه. ثم بدأت الإذاعة في بث الأناشيد الثورية، والموسيقي العسكرية، أنت يا مايو الخلاص يا جداراُ من رصاص، يا حبالاً للقصاص، من عو الشعب في كل مكان. فكان القرار الحاسم.. إعفاء الرجل من رئاسة الوزارة، وشكلت حكومة جديدة برئاستي، وحفظت له مقعده في مجلس قيادة الثورة نائباً للرئيس... أسفر الشيوعيون عن عداء سافر لرجال الثورة غير الشيوعيين، وعلي رأسهم رئيس مجلس قيادتها، وبدءوا في الهجوم علينا.
ضمنا في القاهرة اجتماع ضمنا مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر، والسوري حافظ الأسد، والليبي معمر القذافي. وبحث الاجتماع إمكانية قيام وحدة رباعية بين السودان ومصر وسوريا وليبيا، فاعتذرت عن مشاركة السودان في هذه الوحدة لظروفه الداخلية وحاجته للتماسك الداخلي وتعزيز وحدته الوطنية قبل كل شيء، وباركت خطوات الثلاثة في أن يتوحدوا..
قبيل عودتي للخرطوم أصدر فاروق حمد الله وزير الداخلية منشوراً هاجمني فيه بتهمة التفريط في سيادة السودان ووحدته. وفي ذات الوقت بدأ بابكر عوض النور وزير التخطيط في تصفية مشروع الجزيرة. أما هاشم العطا فاكتفي بمباركة خطوات رفيقيه.
انتشرت منشورات الحزب الشيوعي السوداني في كل مكان تهاجم الثورة، وتتهمها بالانحراف، وتدعو إلي تصفيتها لتقوم مكانها ثورة أصيلة تمهيداً لقيام ديكتاتورية البروليتاريا. ناقشنا الأمر في مجلس قيادة الثورة، وكان تقديري أنه لم يعد هناك مبرر للتمييز بين المواطنين، وأنه لا فضل لحزب علي الآخرين، إلا بمدي انتمائه للسودان، وعطائه لأهله وبلده... فوافق الجميع علي وجهة نظري وأيدوا رأيي وتحفظ الثلاثة، وأعلنوا صراحة، وأفصحوا عن دواخلهم، وقالوا أن الحزب الشيوعي السوداني هو الحليف الطبيعي للثورة مهما بدأ علي السطح من تناقضات..
التزاماً بمبادئنا خيرناهم بين اثنين، أما الالتزام برأي الأغلبية، أو الاستقالة. فرفضوا الالتزام، فأصدرت قراراً بإقالتهم الثلاثة في السادس من نوفمبر عام 1970م. فكان قرار الإقالة بداية للحرب العلنية بين الحزب الشيوعي وثورة مايو.
في الثاني عشر من شهر فبراير عام 1971م وجهت خطاباً للأمة السودانية أعلنت فيه ألا علاقة بين الشيوعيين وثورة مايو، وأن مايو ثورة لكل السودان تفجرت، ولخيره جميعاً تسعي.. فهاجم عبد الخالق محجوب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني الثورة ومجلس قيادتها، واتهمهم بالجهل وضحالة المستوي الثقافي. وهاجم كذلك كل قرارات الثورة، ثم طلب تأشيرة خروج من السودان، فرفضت السلطات منحه التأشيرة لأنها كانت تعلم أنه سوف يذهب إلي موسكو وسوف يعمل علي تأليب السوفيت علي ثورة مايو والسودان الذي تحكم÷
اتصل بي الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وأبلغني أن السوفيت يتخوفون من انحدار الأحداث إلي مزالق الخطر، وكان رأيهم أن وجود عبد الخالق محجوب في تلك الظروف سيؤدي إلي صدام بين الاشتراكيين والثورة. واقترح أن يستقبل عبد الخالق في القاهرة.
ومراعاة للعلاقة التي تربط القاهرة بموسكو، وحاجة الرئيس جمال عبد الناصر لدعم السوفيت في أيام حرب الاستنزاف، وافقت علي طلبه. وسافر عبد الخالق محجوب إلي القاهرة...
لم تمح أيام بقائه في مصر حقده علي الثورة فصار فعاد أكثر عداء للثورة وقادتها، فتحفظنا عليه. بدأت موسكو في الضغط علي الخرطوم. تباطئوا في شحن الأسلحة والمعدات وقطع الغيار التي كان متفق عليها من قبل. وزادت طلبات الخبراء السوفيت، وطلبوا أن تكون الإعاشة والمرتبات والمزايا والحوافز بالعملات الأجنبية.
أبوسهيل
11-27-2010, 08:32 PM
في ذكري (25) مايو الوطن تنشر حلقات من كتاب
(أيام مع جعفر نميري أسرار ومواقف) (21)
نميري يكشف تفاصيل جديدة تنشر لأول مرة عن انقلاب الشيوعيين والعودة عام 1971م
حكم الشيوعيون علي أنفسهم بالقتل نحراً أو انتحاراً حينما حاولوا الانفراد بحكم السودان
انقض الشعب علي انقلاب يوليو حتى لا تتحول المساجد إلي مراقص والكنائس إلي حانات
حاول الحزب الشيوعي تسيير مظاهرة لتأييد انقلابهم فانقلبت عليهم وهتفت الجماهير .. عائد عائد يانميري
للكاتب الصحفي : جمال عنقرة
(لم يكن في تقديري في يوم من الأيام أن أصدر كتاباً حول علاقتي مع الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري، ذلك أن صلتي المباشرة معه لم تتجاوز بضع مئات محدودة من الأيام قضيتها معه مستشاراً إعلامياً له في بعض فترة منفاه في العاصمة المصرية القاهرة. وهذه الأيام رغم قلتها مقارنة بتاريخ الرجل الطويل في الحكم وخارجه، إلا أنها حفلت بالعديد من الأحداث المثيرة، ليس في تاريخ الرجل فحسب ولكن في تاريخ وطننا السودان أيضاً.. هذا فضلاً عن أن وجودي اللصيق معه قد أتاح لي أن أعرف منه أسرار أحداث وقعت في حياته قبل أن ألقاه. وشملت هذه الأحداث محطات في مسيرة حياة الرجل منذ نشأته وعلاقات أسرته، وحياته الطلابية وزملاء دراسته، ثم دخوله الكلية الحربية وتخرجه فيها، وتدرجه في الرتب العسكرية إلي أن صار رئيساً للجمهورية. وتلك ستة عشر عاماً حافلات بالمواقف والأسرار... كيف دبر للانقلاب وكيف نفذه، ومن كان معه، وماهي علاقته بالحزب الشيوعي السوداني وعلاقة الشيوعيين بمايو، وهل كان نميري شيوعياً.. وووقفت علي الكثير من التفاصيل والحكايات والأحداث الجسام مثل أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي، ومحاولات الإنقلاب علي نميري، فشلها ونجاحها. وعلاقاته مع الرؤساء والزعماء العرب والأفارقة وغيرهم..
مدخل
(لم يكن في تقديري في يوم من الأيام أن أصدر كتاباً حول علاقتي مع الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري، ذلك أن صلتي المباشرة معه لم تتجاوز بضع مئات محدودة من الأيام قضيتها معه مستشاراً إعلامياً له في بعض فترة منفاه في العاصمة المصرية القاهرة. وهذه الأيام رغم قلتها مقارنة بتاريخ الرجل الطويل في الحكم وخارجه، إلا أنها حفلت بالعديد من الأحداث المثيرة، ليس في تاريخ الرجل فحسب ولكن في تاريخ وطننا السودان أيضاً.. هذا فضلاً عن أن وجودي اللصيق معه قد أتاح لي أن أعرف منه أسرار أحداث وقعت في حياته قبل أن ألقاه. وشملت هذه الأحداث محطات في مسيرة حياة الرجل منذ نشأته وعلاقات أسرته، وحياته الطلابية وزملاء دراسته، ثم دخوله الكلية الحربية وتخرجه فيها، وتدرجه في الرتب العسكرية إلي أن صار رئيساً للجمهورية. وتلك ستة عشر عاماً حافلات بالمواقف والأسرار... كيف دبر للانقلاب وكيف نفذه، ومن كان معه، وماهي علاقته بالحزب الشيوعي السوداني وعلاقة الشيوعيين بمايو، وهل كان نميري شيوعياً.. وووقفت علي الكثير من التفاصيل والحكايات والأحداث الجسام مثل أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي، ومحاولات الانقلاب علي نميري، فشلها ونجاحها. وعلاقاته مع الرؤساء والزعماء العرب والأفارقة وغيرهم..
أما ما كنت شاهداً عليه ومشاركاً في صناعته فهو أولاً المعركة مع الديمقراطية الثالثة التي كان يقود حكوماتها السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي. ولقد احتوت علي محاولات انقلابية عديدة لهدف إعادة نميري للحكم.. وفي ذلك أسرار عديدة ومثيرة لاسيما في ما يخص حوارات بعض القيادات الحزبية مع الرئيس نميري من وراء ظهور أحزابهم التي كان نميري يعمل علي إسقاط حكوماتها، وكان بعض القياديين في تلك الأحزاب يشجعونه علي ذلك. ووقفت كذلك خلال هذه الفترة علي حوارات صحفية كانت غطاء لغيرها مما كان يضمره أصحابها، الذين كانت لهم أجندة خفيه ستروها بالحوار أو المقابلة الصحفية. وشاركت في تلك الفترة في الحوار بين مايو والإسلاميين قبل الإنقاذ وبعدها. وشارك في ذلك إسلاميون ومايويون كثر.بعض كان يبني، وبعض كان يهدم، وبعض ينطبق عليه المثل السوداني (يدي الحلة عيطة والنقارة عصاة)
كل تلك الأحداث ما كان يمكن أن أتركها دون توثيق فجمعت ما يجوز نشره في كتاب أسميته (أيام مع جعفر نميري ــ أسرار ومواقف) وأحاول في هذه المساحة في (الوطن) أن أستعرض بعض ملامحه عبر حلقات متتابعة بإذن الله تعالي.
ويواصل الرئيس نميري حديثه عن تدهور العلاقة بين نظامه والحزب الشيوعي السوداني، بعد عودة السكرتير العام للحزب عبد الخالق محجوب من القاهرة، فيقول:
في هذه الأثناء اشتعلت الحرب مع الشيوعيين في الشارع، تغيرت حسابات الشيوعيين بعد أن ظنوا أنهم قد عزلوا الثورة داخلياً وفقدت جماهيرها، وعزلوها خارجياً بسبب القطيعة التي أحدثوها بينها وبين الاتحاد السوفيتي. وظنوا بما جندوا في صفوف الجيش من كوادرهم أن القوات المسلحة قد احمر لونها. فحاولوا بتلك الحسابات الخاطئة أن ينقضوا علي الثورة ، فنجحت ضربتهم الأولي.. ولكن...! فات عليهم أن شعباً مسلماً وقوات مسلحة متماسكة في منطقة يختفي فيها اللون الأحمر إلا في عيون فرسانها التي تتحول إلي مراجل تغلي ساعة الغضب، نسوا أن في مثل هذه الظروف، وفي هذه البيئة فإن أية محاولة للشيوعيين للانفراد بالسلطة تعني تجرع كأس السم، وبكميات كبيرة، وسيكون الموت حتماً.. نحراً، أو انتحاراً.
لقد كان سيناريو الأحداث مثيراً. كان هروب عبد الخالق محجوب من المعتقل هو بداية الاقتراب من ساعة الصفر.. استطاعوا بمعاونة قائد الحرس الجمهوري أن يبدلوا الحرس في المواقع الإستراتيجية، في القيادة العامة، في مباني الإذاعة، ومنزل رئيس مجلس قيادة مجلس قيادة الثورة، ويحلوا محلهم حرساً موالياً لهم. قبيل ساعة الصفر جري تأمين كل المواقع المهمة، وتم التحفظ علي جميع أعضاء مجلس قيادة الثورة.
صادف يوم الخيانة الحمراء يوم عودة زين العابدين محمد أحمد عبد القادر من مرسي مطروح بمصر حيث كان في لقاء مع القذافي والسادات، فجاء من المطار إلي منزلي مباشرة فداهمتنا قوة مدججة بالسلاح بقيادة ثلاثة ضباط حديثي التخرج، وتم اعتقالنا، واقتيادنا إلي القصر الجمهوري. وأذكر أني أخذت إلي المعتقل بجلباب المنزل العادي، حافي الرأس والقدمين.
اصطنع قائد ثاني سلاح المدرعات دعوة غداء لأبي القاسم هاشم وأبي القاسم محمد إبراهيم، ومأمون عوض أبو زيد، وهناك جري اعتقالهم من حول المائدة المسمومة.. خالد حسن عباس كان في مهمة خارج البلاد.. قادة القيادات والأسلحة، وأفرع القيادة العامة تم استدعاؤهم إلي مكاتبهم بأمر مختلق باسم الرئيس نميري، وهناك جري اعتقالهم، ومن تردد منهم شكاً في التعليمات أعتقل من منزله.
قبل الساعة الثالثة من ظهر نفس اليوم التاسع عشر من يوليو عام 1971م كان قد جري اعتقال عشرات الضباط والوزراء وأودعوا جميعاً في مباني بيت الضيافة بالخرطوم. أعلنوا خبر الانقلاب من الإذاعة، أذاع البيان الرائد هاشم العطا، وقد أجمع كل الذين شاهدوه يقرأ البيان أنه كان مضطرباً اضطراباً لا نظير له. وبرغم أن الانقلاب تم في الثالثة بعد الظهر إلا أن البيان أذيع في السابعة مساء.. وتم إعلان المقدم بابكر النور رئيساً لمجلس قيادة الثورة الجديد.
استطاع الشيوعيون أن يستولوا علي السلطة ولكنهم لم يستطيعوا أن يفعلوا بها شيئاً، الشعب وجم اليوم الأول، ثم بدأ الحديث ثاني أيامه عن استيلاء الشيوعيين الكفار علي السلطة. وبدأ الناس يتناقلون ما يمكن أن يفعله الشيوعيون لو قدر لهم الاستمرار في حكم البلاد، المساجد تتحول إلي مراقص، الأندية سوف تتحول إلي حانات ومواخير، الكنائس سوف تصير مخازن للحبوب والغلال. وهكذا بدأ الفصام بين الشعب والسلطة الجديدة.
حاول الحزب الشيوعي السوداني أن يسير موكب تأييد للنظام صبيحة اليوم الثالث للانقلاب الموافق الثاني والعشرين من يوليو عام 1971م، ففشلت كل محاولاته لجلب المؤيدين، فتحول الموكب من التأييد للثورة إلي التنديد بها. وبقادتها.
وتعالت هتافات الجماهير تنادي بشعارات مايو الوطنية الأصيلة، وبعودة قائدها ورمز وحدتها. فانفجرت شوارع الخرطوم كلها تهتف.. عائد عائد يا نميري.
وفي نفس اليوم الثاني والعشرين من يوليو عام 1971م أجبرت السلطات الليبية طائرة بريطانية علي الهبوط في مطار طرابلس، واعتقلت اثنين من ركابها، هما، المقدم بابكر النور، والرائد فاروق عثمان حمد الله.
وفي ظهر ذات اليوم المسور الثاني والعشرين، وبينما كنت قابعاً في معتقلي بالقصر الجمهوري سمعت دوياً وهديراً بالخارج، وأحياناً تترامي إلي أذني هتافات متقطعة ميزت من بينها اسمي (نميري).. وفجأة اختلط الهتاف بصوت السلاح وصليل الدبابات والمدرعات، وانفتح الباب. خرجت مسرعاً نحو السور العالي، وبقفزة واحدة كنت خارج المبني.. شاهدت حشوداً لم أر مثلها في حياتي السابقة.. ميزت هتافهم ... عائد عائد يا نميري.. عرفتهم جميعاً، ولم يعرفني منهم أحد..
عرفت فيهم الشعب السوداني بكل فصائله وقطاعاته، بكل أجناسه وألوانه، بكل مناطقه وأقاليمه، بكل أعماره وفصائله.. عرفت فيهم أهلي الذين فجرت الثورة من أجلهم، وعاهدتهم علي أن أمضي بهم ومعهم في طريق الثورة.. ودون أن أشعر وجدت نفسي أتوسط الجند علي ظهر احدي السيارات المدرعة. عرفني أحدهم فحياني التحية العسكرية.. وبآلية تامة تبادلنا الزى، أعطيته الجلباب الملكي وأعطاني الكاكي، فرددت عليه تحية الشرف.
ولأول مرة ومنذ سنوات طويلة انساب الدمع علي خدي كما انسابت جماهير الشعب السوداني في الشارع تدوي كالرعد الهادر ... عائد، عائد يا نميري..
ما أن رأتني الحشود علي ظهر السيارة بالزى العسكري حتى اندفعت نحوي اندفاعاً جنونياً وهي تهتف «عائد، عائد يا نميري» فنزلت من العربة بمساعدة الجنود الذين حاولوا قدر طاقتهم دفع الحشود البشرية من حولي. فسرت بينهم دون أن تلامس قدماي الأرض حتى صرنا علي حافة الطريق، فأوقفوا أول سيارة كانت تسير من هناك، فسألني صاحبها: إلي أين يا ريس؟ فلم أفكر ولم أتردد، وقلت له: إلي معسكر المدرعات في الشجرة.
لم أكن أعلم شيئاً عن الأحوال في الشجرة، ولم يأتني أي خبر أو تقرير عن وضع سلاح المدرعات، هل هو مع الثورة، أم مع التمرد والخيانة، لكن يقيني كان كاملاً بأن فصيلاً من شعب أصيل يعشق الحق، ويهوي الحرية، ويموت في سبيل مبادئه، لا يمكن أن ينحاز إلي معسكر الغدر والخيانة.
ومن هناك، من سلاح المدرعات في الشجرة كانت الترتيبات النهائية لتصحيح الأوضاع وعودة الثورة إلي مسارها الطبيعي، للشعب وبالشعب، وكانت نهاية الحزب الشيوعي السوداني، نحراً وانتحاراً.
أبوسهيل
01-14-2011, 12:38 PM
في ذكري (25) مايو الوطن تنشر حلقات من كتاب
(أيام مع جعفر نميري أسرار ومواقف) (22)
نميري يتحدث عن البرنامج العام لتحالف قوي الشعب العاملة
ليس بين السكان في السودان تجانس، ولم ينتج هن هذا التمايز تنافر
هكذا تمايز شمال السودان عن جنوبه، وتقاسم أهله التكوين بين العربية والأفريقية
للكاتب الصحفي/جمال عنقرة
(لم يكن في تقديري في يوم من الأيام أن أصدر كتاباً حول علاقتي مع الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري، ذلك أن صلتي المباشرة معه لم تتجاوز بضع مئات محدودة من الأيام قضيتها معه مستشاراً إعلامياً له في بعض فترة منفاه في العاصمة المصرية القاهرة. وهذه الأيام رغم قلتها مقارنة بتاريخ الرجل الطويل في الحكم وخارجه، إلا أنها حفلت بالعديد من الأحداث المثيرة، ليس في تاريخ الرجل فحسب ولكن في تاريخ وطننا السودان أيضاً.. هذا فضلاً عن أن وجودي اللصيق معه قد أتاح لي أن أعرف منه أسرار أحداث وقعت في حياته قبل أن ألقاه. وشملت هذه الأحداث محطات في مسيرة حياة الرجل منذ نشأته وعلاقات أسرته، وحياته الطلابية وزملاء دراسته، ثم دخوله الكلية الحربية وتخرجه فيها، وتدرجه في الرتب العسكرية إلي أن صار رئيساً للجمهورية. وتلك ستة عشر عاماً حافلات بالمواقف والأسرار... كيف دبر للانقلاب وكيف نفذه، ومن كان معه، وماهي علاقته بالحزب الشيوعي السوداني وعلاقة الشيوعيين بمايو، وهل كان نميري شيوعياً.. وووقفت علي الكثير من التفاصيل والحكايات والأحداث الجسام مثل أحداث الجزيرة أبا وودنوباوي، ومحاولات الإنقلاب علي نميري، فشلها ونجاحها. وعلاقاته مع الرؤساء والزعماء العرب والأفارقة وغيرهم..
أما ما كنت شاهداً عليه ومشاركاً في صناعته فهو أولاً المعركة مع الديمقراطية الثالثة التي كان يقود حكوماتها السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي. ولقد احتوت علي محاولات انقلابية عديدة لهدف إعادة نميري للحكم.. وفي ذلك أسرار عديدة ومثيرة لاسيما في ما يخص حوارات بعض القيادات الحزبية مع الرئيس نميري من وراء ظهور أحزابهم التي كان نميري يعمل علي إسقاط حكوماتها، وكان بعض القياديين في تلك الأحزاب يشجعونه علي ذلك. ووقفت كذلك خلال هذه الفترة علي حوارات صحفية كانت غطاء لغيرها مما كان يضمره أصحابها، الذين كانت لهم أجندة خفيه ستروها بالحوار أو المقابلة الصحفية. وشاركت في تلك الفترة في الحوار بين مايو والإسلاميين قبل الإنقاذ وبعدها. وشارك في ذلك إسلاميون ومايويون كثر. بعض كان يبني، وبعض كان يهدم، وبعض ينطبق عليه المثل السوداني (يدي الحلة عيطة والنقارة عصاة)
كل تلك الأحداث ما كان يمكن أن أتركها دون توثيق فجمعت ما يجوز نشره في كتاب أسميته (أيام مع جعفر نميري ــ أسرار ومواقف) وأحاول في هذه المساحة في (الوطن) أن أستعرض بعض ملامحه عبر حلقات متتابعة بإذن الله تعالي.
في إطار الحملة التنظيمية التي قمنا بها في لتنظيم العمل السياسي للرئيس جعفر نميري، اتفقنا علي وضع برنامج لعمل تحالف قوي الشعب العاملة، يكون هادياً للعمل، ومدخلاً للحوار مع الشعب ومع كل القوي السياسية الأخرى. وكلفني الرئيس نميري بإعداد المسودة الأولي لهذا البرنامج، وكان يراجع معي ما أكتب، وكنت أهتدي بأفكار وأدب مايو، بالإضافة إلي حصاد الفكر السوداني في كافة جوانبه، حتى صار للتحالف برنامج شامل، قمنا بطباعته وتوزيعه في مصر والسودان، وفي غيرهما من الدول العربية والغربية التي كان للتحالف ومايو لهما فيها وجود. ولقد لعب الأخ عثمان مجذوب بابكر، صاحب مطبعة هند في بحري دوراً كبيراً في توزيع هذا البرنامج في السودان.
نص برنامج تحالف قوي الشعب العاملة:
التعريف: هو تحالف عريض بين القوي الفاعلة في السودان، العمال، المزارعين، المثقفين، التجار، رجال الأعمال، والقوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى.
الأهداف:
1/ توحيد القوي الوطنية الثورية بالسودان في مواجهة الحزبية والطائفية.
2/ إشراك كافة المواطنين في تخطيط وإدارة وحكم البلاد دون وصاية داخلية أو خارجية.
3/ إيجاد نظام حكم يعبر عن مكونات الشعب السوداني ويرضي طموحات بنيه.
4/ حل مشكلات السودان العارضة والمتراكمة بجدية وثورية مواكبة.
5/ رد هيبة السلطة التي ضاعت بتعاقب حكومات ضعيفة ومتنازعة.
6/ استعادة مكانة السودان القارية والإقليمية والعالمية التي افتقدها في سنواته الأخيرة بسبب سياساته المتقلبة.
خلفية تاريخية:
السكان في السودان::
السودان ليس مثل كثير من بلدان العالم يسهل تعريف السكان فيه وتقسيمهم. فليس بين السكان في السودان تجانس، ولم ينتج هن هذا التمايز تنافر.. فبعضهم بالعرق والثقافة والدم انتماء أصيلاً لأفريقيا، وبعضهم بالعرق والثقافة والدم نتاجاً مزدوجاً لهجرات عربية وفدت إلي السودان من الجزيرة العربية والمغرب العربي.. بعضهم رواسب للتواجد التركي في السودان في مختلف عهود الإمبراطورية العثمانية، وبعضهم في الشمال تطابقاً مع بعضهم في أواسط الغرب، ومع ذلك تختلف الألوان والملامح، وبين اللغة والدين تطابق وتنافر وتداخل.. هم في أقصي الشمال (نوبة) امتداد أو امتزاج أو تداخل مع النوبة المصرية، وهم في الغرب استبدلت هجرتهم من الشمال التاء المربوطة إلي ألف ممدودة فصاروا (نوبا)، فأصبحوا في الغرب (نوباويين) بينما هم في الشمال (نوبيين)
وعلي سواحل البحر الأحمر وفي عمقه البري بجا وبشاريين ورشايدة، وفي أقصي الشمال وتدرجاً في أواسط السودان هم ما لا يعد ولا يحصي من أسماء قبائل وبطونها. هم في الجنوب والغرب مثلهم في الشمال والشرق قبائل تختلف لغاتها وتقاليدها وثقافاتها. هم في مجموعهم أكثر من خمسمائة قبيلة يكاد يكون لكل منها لغته الخاصة به، حيث التواصل بينهم يحققه ابتداع اللغة، فلا هي عربية خالصة، ولا هي أعجمية خالصة كذلك. بل تتداخل فيها مفردات من لهجات القبائل، وأيضاً كلمات محرفة من الإنجليزية، كما هو الحال في جنوب السودان، وأخري فرنسية كما يحدث في غربه، وتتداخل معها لكنات بدوية شائعة علي امتداد بوادي السودان المنتشرة.
إن القبائل والأجناس في السودان رغم تكاثرها لكنها ليست متنافرة، وليس بينها في الأصل صراع بين قديم وقادم. فلا الأفارقة أهل موطن أصيل ولا العرب سائدون بمجد تليد. فأكثر القبائل ذات الأصول الزنجية جاءت إلي أرض السودان من مناطق مجاوره لجنوبه وغربه، مثلهم في ذلك مثل القبائل المنتسبة للعربية، فجذورهم ممتدة في عهد سابق عبر هجرات غير منتظمة. ولأن القادمين من أفريقيا قدموا من الجنوب والغرب، ولأن طبيعة المنطقة في جنوب السودان وغربه تماثل بيئتهم التي انحدروا منها، استقروا هناك في الجنوب والغرب، وغلبوا علي تكوين تلك المناطق، لاسيما الجنوبية منها. ولأن العرب انسابوا مع النيل وعلي شاطئيه استقروا، فإن كثافتهم صارت شمالاً وشرقاً.. وهكذا تمايز شمال السودان عن جنوبه، وتقاسم أهله التكوين بين العربية والأفريقية.
الثقافة واللغة والدين:
إن كانت كلمة ثقافة تهني في مضمونها حياة الإنسان، فإن نمط حياة الإنسان في السودان هو امتزاج لامتزاج تكوينه. فالقبائل الأفريقية جاءت من الغابة، ونزح إليه العرب من البادية، فامتزجت حياة الغابة بملامح البادية فتشكلت الثقافة السودانية من المزيج.
لم تكن لقبائل أفريقيا لغة واحدة تمتاز بها عن بقية الشعوب، ولم تكن لهجاتهم المحلية عامل توحد وتخاطب بين القبائل المختلفة. فلو فهمت قبيلة لغة الأخرى، يصعب عليها التخاطب بها. أما قبائل العرب فمهما اختلفت وتباينت سحناتهم، فإن لغتهم واحدة. ولقد ازدادت لغة العرب تماسكاً باعتناقهم لدين الإسلام، فصارت لغة خطابهم هي ذات لغة الكتاب الذي آمنوا به فصارت رمزاً من رموز وحدتهم. كما أن اللغة العربية بطبيعتها وطابعها فإنها لغة فريدة بين لغات العالم، تمتاز بما لا يمتاز به غيرها، فهي محددة في معانيها، مرنة في استخداماتها، قوية في دلالاتها، تجذب أصحابها إليها، ويشدهم ماضيها إلي حاضرها، فتشكل مستقبلهم.
ولاختلاف الموارد باختلاف المواقع في السودان، كان لا بد من حركة السكان فيه. ففي بعض أنحائه الشمالية تمتد الصحراء ويشق أرضها نيل عظيم هو «نهر النيل» الخالد. وفي جنوبه غابات كثيفة فيها حيوانات عديدة كانت في السابق مصدر دخل غزير. وفي الوسط تتكاثف أشجار السافنا ونباتاتها المثمرة. وفيها الحيوان أكثر شيوعاً والزراعة أكثر استقراراً. ولأن أغلب الذي جاءوا وامتزجوا بالشمال عاشوا علي ضفاف النيل، وكانوا أهل تجارة وعلم ودين، فإن هجراتهم امتدت إلي أطراف السودان الغربية والجنوبية. وبغير قهر ولا إرغام وجد أغلب أهل السودان أن اللغة العربية هي لغة التفاهم والتخاطب بينهم، فصارت اللهجات المحلية للاستخدام المحدود داخل الأسرة أو القرية أو القبيلة، بينما أصبحت اللغة العربية هي لغة التخاطب العام بين كل أهل السودان. وساعد علي ذلك أنها لغة مكتوبة، وارتبط أغلب السكان بها باعتناق الدين الإسلامي.
لم يكن لقبائل أفريقيا الوافدة إلي أرض السودان دين معروف، فأغلبهم وثني وبعض منهم يقدس الحيوان، وبعض آخر يعبد الروح، وكثير منهم يدين بدين الكجور (كاهن القبيلة) أما المهاجرون من العرب فجميعهم جاءوا يحملون دين الإسلام. ولأن الإسلام دين من عند الله تعالي، ويعتمد في أساسه علي فطرة الإنسان، فإن أغلب أهل السودان اعتنقوا الدين الجديد فصار دين غالب أهل السودان.
وعندما استعمر البريطانيون السودان فطنوا إلي خطورة وحدة الدين واللغة، فعملوا علي تكثيف التبشير المسيحي لاسيما في جنوب السودان، وجبال النوبة وفي منطقة الأنقسنا، وعملوا علي إحياء اللهجات المحلية وتشجيعها، وتشجيع تعليم اللغة الإنجليزية. ولم تكن غاية المستعمر من ذلك نشر المسيحية لذاتها، ولا اللغة الإنجليزية كلغة تخاطب وعلم كما يزعمون، ولكنهم أرادوا أن يبذروا بذور الفتن بين بني الوطن الواحد، لكي يتسنى لهم تمرير سياساتهم الاستعمارية في المنطقة من خلال خلافات المواطنين واختلافاتهم.
أبوسهيل
01-18-2011, 06:31 PM
نوط الرّجالة
بقلم / محي الدين محمد علي
نظام النميري.. الذي جاء على ظهر دبابة مسنوداً برجال الجيش.. بدأ بداية مضطربة.. وظل كذلك مضطرباً حتى إنهار في 6 أبريل 1985م، ولا أود الخوض كثيراً في شأن هذا الإضطراب ويكفي أن نقول بإنه قد بدأ نظاماً.. شيوعياً أحمراً ثم أصفراً.. ثم عروبياً.. ثم نظاماً (غلوتياً) غير مفهوماً بعد المصالحة الوطنية التي جمعت أشتاتاً (كلحم الرأس).. ثم تحول إلى نظام إسلامي يطبق قوانين سبتمبر ويقم الحدود الشرعية.. ولا أحد يعلم.. أي الألوان كان سيرتديها هذا النظام.. لو قدر للنميري أن يعود رئيساً مرة ثانية..!!
ولكن ما أود الحديث عنه هو أن إضطراب النظام المايوي قد ألحق الضرر الشديد بجهاز الشرطة الذي هو عظمة الظهر.. لإستقرار أي نظام سياسي تمكنه من الوقوف والصمود.. والمشي والتقدم.. ولأن أي نظام يحاول أن يحمي نفسه بأي قوات أخرى يبتكرها.. ويؤهلها بكل المعينات.. سيظل نظاماً أشبه (بالرازة ونطاحه) .. لأنه لا بديل للشرطة إلا الشرطة.. ومحاولة تقليص واجبات الشرطة ومهامها.. وتكليف جهات أخرى للقيام بها.. هو (خرمجة) لا معنى لها.. قد تؤدي لحماية النظام القائم.. بعض الوقت ولكنها لا تؤدي ولن تؤدي لحماية الوطن كله.. ولن تحفظ أرضه وعرضه.. ولا إستقراره ولا طمأنينته.. ولن تحفظ قيمه وأعرافه أو تحافظ على أمنه ونسيجه الإجتماعي.. بل ولن تدافع عن وحدته الوطنية.. وفي النهاية لن تحارب من أجل النظام السياسي القائم.. بإخلاص وتجرد. وهذا (ما فات) على النميري وزمرة العباقرة الذين كانوا حوله.. فبدأ نظامه بداية طيبة حريصاً على تطوير الشرطة وتمكينها من أداء واجباتها الجسيمة التي ألزمها بها القانون.. فأصلح من زيها.. وفتح أمامها فرص التدريب والتأهيل بالداخل والخارج.. ولكنه وضع منسوبيها في درجة أقل من رصفائهم في القوات المسلحة ثم لم يلبث.. أن فاجأها بإتفاقية أديس أبابا.. التي جنوبت الشرطة في الجنوب وسحبت.. كل عناصر الشرطة من الشماليين الذين كانوا يعملون هناك منذ وقبل.. احداث التمرد عام 45.. وإنكشف بذلك ظهر القوات المسلحة التي كانت تعمل هناك.. فدق بذلك أول أسفين في وحدة الشرطة.. وأكبر أسفين في جدار الوحدة السودانية.. وأكاد أجزم وقد عملت بالجنوب ردحاً من السنوات.. إن الشرطة لو ظلت كما كانت عليه في الجنوب مفتوحة معسكراتها للشمالي والجنوبي معاً.. لما حدث ما حدث.. حتى أصبحنا.. نتشهّى الوحدة..!!
إن النظام المايوي.. هو المسؤول عن ما يجري الآن في الساحة.. وينذر بشق الوطن شقاً شقاً.. لأن مايو سعت لإتفاقية أديس أبابا مهرولة عسى أن يتم تحقيق السلام في الجنوب ويؤدي إلى سلامة قارب الحكم المايوي المضطرب.. وتحريفاً لما قاله الشاعر لا مايو استقرت على حال..
ولا حتى الجنوب البكر داما..
لقد شرّخ النظام المايوي الشرطة السودانية وأخرجها من دائرة العمل الأمني في الجنوب.. ودفع أبناء القوات المسلحة الأوفياء الثمن غالياً جداً.. لأنهم بقوا في أتون المعركة وحدهم مكشوفي الظهر.. والشرطة التي كانت هناك.. خالصة من أبناء الجنوب.. كانت حريصة على هزيمة القوات المسلحة.. ومع ذلك فان النظام المايوي لم يعِ الدرس وظل يكيل الضربات.. تلو الضربات للشرطة فنزع قلبها النابض.. لجهاز الأمن العام.. وأخذه بكل الإرث الشرطي المثبت في ملفاته وسجلاته عبر عقود من الزمان وألحقه بجهاز جديد.. جاء بكل جديد..!!
ثم أعقب ذلك.. قرارات عديدة.. بلغت حد حرمان الشرطي من المرتب والأجر الذي يستحقه.. فصار مرتب العقيد في قوة الشرطة مساوياً لمرتب النقيب في الجهاز الجديد.. وكظم الرجال غيظهم وصبروا .. ظناً منهم.. بأن القائد النميري لابد وأن يتدارك هذا الظلم وينصف الجميع.. وقد كان ذلك في يوم أسود لما إستجاب فيه (لتنظيرات) المرحوم د. جعفر بخيت.. فحل وزارة الداخلية (حل عديل كده) ووزع إدارات الشرطة وفرقها أيدي سبأ.. فأتبعت الشرطة.. لحكام الاقاليم.. واستحدثت وزارة الشؤون الداخلية.. للجوازات وتوابعها.. وأضيفت المباحث المركزية.. إلى ديوان النائب العام.. وقد فكر القائمون على أمره في ذلك الوقت في بيع الكلاب الشرطية في دلالة.. لأنها مكلفة وبينتها غير مقبولة أمام المحاكم.. بهذا القرار.. العجيب.. غير المدروس.. أو المدروس.. كسر النميري (عظم ظهر) نظامه.. وفقأ عينه بيديه.. وتحولت الشرطة بين عشية وضحاها إلى جيش مهزوم.. لا تدري من هو قائدها.. ومن رئيسها.. وما هي مهامها.. وتتساءل.. عن ذنبها الذي إرتكبته حتى فعل بها النميري ما فعل.. ولكن أقول بإن الشرطة قد دفعت ثمن دفاعها عن مايو بالأظافر والأنياب.. وأتق شر من أحسنت إليه..!!
وإندلعت أول مظاهرات ثورة أبريل الشعبية وكان هتافها.. يا بوليس ماهيتك كام؟!
ومن طرائف ذلك أن اللائحة المالية للشرطة.. والتي ظلت لعقد كامل من الزمن.. ترفع وترجع.. وتعدل.. ولم يجزها النميري.. اجازها نائبه عمر محمد الطيب.. يوم 5/4 قبل سقوط النظام بيوم واحد.. عسى أن يهبوا للدفاع عن النظام.. ولكن كيف يهب صاحب عظم الظهر المكسور؟!
إن السودان دولة قارة.. متعددة الأجناس والأعراق والديانات.. بل ومتعددة الأحزاب والتوجهات.. نسيجه الإجتماعي.. نقضت بعض غزله.. الجهويات وحركات التمرد ووحدته وطنية.. مستهدفة.. من قبل كل قوى البغي العالمي ويعينها على ذلك بعض أبناء الوطن دون وازع من ضمير.. ولن تستطيع أجهزة الأمن مهما أوتيت من قوة وخبرة وسطوة أن تحمي هذا النسيج وهذه الوحدة.. والقوات المسلحة القوية والتي بقيت وحدها تحمل رآية القومية مع ما أصابها جراء إتفاقية نيفاشا.. لن تستطيع وحدها أن تصمد إزاء هذه الأنواء والأعاصير التي تهدد الوطن.. إلا .. إذا وقفت إلى جوارها شرطة.. قوية قومية موحدة.. فالقوات المسلحة والشرطة.. وجهان لعملة واحدة.. طرة وكتابة.. ولا يستقيم عقلاً لدولة مثل السودان بصفة خاصة.. أن تعمل فيها قوة بمنأى عن الأخرى.. ولكن يجب أن يوجه الجندي سلاحه للأعداء المتربصين بالوطن من الخارج.. وهو يسند ظهره بكل الثقة على ظهر رفيقه الشرطي.. الذي يصوب سلاحه نحو الأعداء بالداخل.. فقط بهذا التشكيل الرائع.. والتكامل التام بين قوتين قويتين.. تفهم كل واحدة منها دور الأخرى وتعضدها وتحمي ظهرها.. يتحقق للسودان أمنه وإستقراره ويتحقق للبلاد وحدتها.. وقوة نسيجها الإجتماعي.. وتستطيع قياداتها السياسية أن تدير ماكينه القيادة.. فتنطلق عجلة التنمية.. ويحدث التطور المنشود الذي يملك السودان كل أسبابه.. ولكنه ظل يراوح مكانه.. مقيداً بخيوط القبليات والجهويات. وحركات التمرد.. التي.. تأججت نيرانها تحت بصر وسمع الأجهزة الأمنية.. التي لم تكن تصطحب معها عيون الشرطة وعزيمتها.. والشرطة كما يعلم الجميع.. موجودة في كل ناحية من أنحاء السودان.. حتى في حفرة النحاس.. التي لا يسكنها جن ولا ناس!!!
إن قائد ثورة الإنقاذ الوطني.. عندما خاطب قوات الشرطة لأول مرة.. قال ولا أنسى قوله: إن في جسد الوطن مضغتان.. إن صلحتا صلح وإن فسدتا فسد.. ألا وهما القضاء والشرطة.. وقد صدق.. ولهذا فقد جاءت الإنقاذ بتصورها للحكم وبتصورها للشرطة التي تريد ولكنها تناولت قضاياها بالحرص والحكمة.. فأصلحت من شأنها في مجالات التسليح والآليات والمباني.. والتأهيل والتدريب.. وجامعة الرباط تقف شاهداً على هذا الإهتمام.. ولكن لا يزال المنظرون وأصحاب الغرض يسعون لفركشة الشرطة من جديد.. وربطها بوثاق الحكم الإتحادي أو الفيدرالي وكأن التاريخ يعيد نفسه.. ونحي ثقة في حكمة الرئيس البشير.. ورحابة فكره.. لعلي يقين.. بأن ما حدث في مايو.. وذهب معها لن يحدث في عهد البشير في ظل الديمقراطية التي تحتاج تفلتاتها إلى شرطة في قوة الجيش.. والحكم الإتحادي ليس مُنزّلاً من السماء.. ولكنه صناعة محلية.. يجب أن ترفع يدها عن الشرطة.. ولا (تهبشها) لأن الشرطة هي عظم الظهر في الوطن.. وقد سعدت بالأمس.. وأنا أستمع إلى خطاب الرئيس لقوات الشرطة في الإحتياطي المركزي.. الذي قال فيه: إن الشرطة تعمل بمهنية عالية دون عنصرية أو جهوية أو قبلية وأطربني قراره الشجاع.. بأن تنسحب القوات المسلحة لتتفرع لمهامها وواجباتها.. الأساسية في الدفاع عن الحدود.. وأن تتولى الشرطة مسؤوليات الأمن الداخلي بالكامل.. وهي بإذن الله الخطوة الأولى في طريق قومية الشرطة في ظل وزارة الداخلية السيادية.. وتكفي منشورات إدارية من الرئيس.. لتحقيق القدر المطلوب من العلاقات بينها وبين قيادات الحكم المحلي عوضاً عن تبعيتها له..!!
كذلك فقد سعدت جداً بتكريم قوات الشرطة كلها ومنحها وسام الإنجاز وأحسست بأن نجمة الإنجاز التي زين بها صدر الفريق أول هاشم عثمان قد زينت صدري أيضاً (فأبو هاشم) كان قد عمل معي ضابطاً في رتبة العقيد وأنا وقتها مديراً للمباحث المركزية.. اما تكريم (الابن حطبه) اللواء عبدالرحمن حسن عبدالرحمن قائد الإحتياطي المركزي فهو تكريم لي ولأسرتي.. لأن عبدالرحمن كان معي بدارفور بنجمة واحدة.. وأنا وقتها أقدم مقدم في السودان.. فقمت بإرساله منقولاً إلى منطقة الضعين بمشاكلها في ذلك الوقت.. ولم يكن راضياً عني وقتها.. ولكنها النظرة الفاحصة لشخصيته المتزنة والشجاعة.. هي التي دفعتني.. ودفعته في الخط الذي إخترته له حتى صار قائداً للإحتياطي المركزي ونال تكريم الرئيس بوسام الجدارة.
إن تكريم قوات الشرطة.. وقائدها وقائد فذ من رجالها هو اللواء حطبه كان عرساً للشرطة.. حزنت جداً لأن الدعوة لم تصلني للمشاركة فيه وربما لم تصل الكثيرين.. لكين معليش فالشرطة في القلب.. وقد تابعنا تكريمنا من التلفاز. وتمنيت أن لو كرم الضباط المعاشيين.. كلهم بنوط (الرجالة) نظير ما كابدوا في الماضي وما يكابدون في الحاضر.
نعيد نشر هذا المقال استجابة لرغبة الكثير من القراء ونرفق معه رد اللواء احمد المرتضي ابوحراز.
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2013, TranZ by Almuhajir