طرح «6» مربعات لإنتاج البترول والغاز في عطاء عالمي
ترتيبات لرفع المنتج إلى 180 ألف برميل بنهاية العام
الخرطوم : عاصم اسماعيل : اعلنت وزارة النفط أمس ،عن طرح «6»مربعات جديدة للبترول والغاز امام الشركات والمسثمرين هي مربعات (8،10،12ب، 14،15،18 ) بحضور42 شركة دولية واقليمية ومحلية.
واكد وزير النفط، الدكتور عوض الجاز، استمرار اتفاقية قسمة الانتاج مع الشركات حال قبولها العمل فى المربعات المذكورة وفق رؤية الدولة للاستفادة منها وتطويرها، خاصة وان المربعات الحالية خالية من الموانع ،وبها شواهد نفطية.
ودعا وزير النفط لدى مخاطبته العطاء العالمي للمربعات غير المرخصة بالسودان، جميع الشركات والجنسيات الى الاستثمار فى المناطق المطروحة، دون تحفظ على دولة او جنسية بعينها وقال (ليس لدينا رأي مسبق مع او ضد أي شركة ) وقال ان الحكم بين الشركات سيعتمد على القدرة الفنية والمالية، وتعهد بتقديم كل ما يحفزالمستثمرين.ودعا الجاز، الشركات للاستفادة من الخبرات السودانية في المجال، مبينا ان تجربة السودان في المجال ليست وليدة (ونحن لم نبدأ من الصفر)، واصفا التجربة السودانية بالنموذج الذي يمكن الاحتذاء به، واكد وجود فرصة للاستثمار في مجال خدمات النفط.
من جانبه، قال مدير ادارة الاستكشاف، الدكتور ازهري عبد القادر، ان عدد الشركات التى تقدمت تفوق الـ 52 شركة، منها 42 شركة، وصلت وشاركت فى المؤتمر، و10 شركات ابدت رغبتها للوصول قبل نهاية هذا الشهر، تمثل جنسيات مختلفة من استراليا وكندا وفيتنام وبريطانيا وتركيا وروسيا والبرازيل واسبانيا والكويت والامارات ومصر، ومن مختلف دول العالم، بالاضافة الى شركات الدول التى تعمل مسبقا كالشركات الصينية والهندية والماليزية، واشار الى حضورمائة مندوب من الشركات للملتقى .
واعلن عبد القادر ، عن ترتيبات لرفع المنتج من النفط الى 180 ألف برميل يوميا بنهاية العام الجاري باستخدام تكنولوجيا أعلى كفاءة وتحسين معدلات الانتاج من الحقول،مبيناً ان انتاج السودان حاليا 115 ألف برميل،وأضاف أن السودان يعتزم تحسين معدل الاستخراج من الحقول الى 47 % من 23 % حاليا من خلال تطبيق تكنولوجيا أعلى كفاءة،وأكد ان الزيادة ستأتي بصفة أساسية من مربع 6 ،بينما سيرتفع انتاج المربعين 2 و4 بمقدار 15 ألف برميل، والمربع 17 بنحو عشرة الاف برميل.
وتوقع عبد القادر أن يستقر الانتاج عند 180 ألف برميل حتى 2016 ،ويريد السودان زيادة الانتاج بعد ذلك التاريخ الى 320 ألف برميل يوميا.
الخرطوم وجوبا تتفقان على ترفيع التمثيل الدبلوماسي لدرجة سفير
نيام ليل:ندرس اتهامات السودان بوجود حركات مسلحة في الجنوب

الخرطوم :جعفر السبكي: اتفقت الخرطوم وجوبا على رفع التمثيل الديبلوماسي بينهما الى درجة سفير، مع ضرورة الإسراع بتسمية سفيري البلدين،بينما اعلن نائب وزير الخارجية والتعاون الدولي الجنوبي، البروفيسور الياس نيام ليل،رغبة بلاده في بناء علاقات دبلوماسية جيدة مع السودان ،"مؤكداً ان الفرصة مناسبة"،ووعد بدراسة اتهامات السودان بوجود حركات دارفورية مسلحة على اراضي الجنوب ،قائلاً " لم نتوصل حتى الآن الى ما يؤكد وجود هذه الحركات بالجنوب".
وقال وزير الدولة بالخارجية، صلاح ونسي، في تصريحات صحفية عقب لقاء جمع وزير الخارجية ،علي كرتي ،بنائب وزير الخارجية والتعاون الدولي الجنوبي ، ان اللقاء اتسم بالجدية بين الطرفين، إضافة الى تناول القضايا بكل وضوح وشفافية، مشيرا الي ان اللقاء كان أساسه ان العلاقة بين البلدين تحتاج الى نظرة كلية لترابط المواضيع ببعضها، الأمر الذي أعطى الأولوية للحديث عن المحاور الأمنية فيما يتعلق بجنوب كردفان والنيل الأزرق والحركات المسلحة الدارفورية، إضافة الى عدد من القضايا العالقة.
وكشف ونسي، عن تقديم ورقتين من كلا الوزارتين خلال اللقاء فيهما تصور لشكل العلاقة بين البلدين كل حسب منظوره، لتدرس الورقتان ويقرر في شأنهما قريبا ،مشيرا الى ان الطرفين وقعا ورقة الأجندة الرسمية والتي تدعو الي التعاون التام بين الوزارتين والعمل على دفع علاقة البلدين للأمام،وقال إن الاجتماع القادم قرر له ان يكون في جوبا وسيحدد وقته لاحقا.
من جانبه، وصف نائب وزير الخارجية والتعاون الدولي لجنوب السودان، اللقاء بالجيد، وانه ركز على قضايا مهمه قائلا "نريد بناء علاقات دبلوماسية جيدة مع السودان، ونظن ان الفرصة مناسبة"،وأكد نيام ليل ضرورة حسم قضية التمرد في البلدين، مبيناً ان جنوب السودان تدرس حاليا قضية الحركات الدارفورية في أراضيها،وقال " لم نتوصل حتى الآن الي ما يؤكد وجود هذه الحركات بالجنوب، وسنواصل دراسة هذا الموضوع " واعدا بحسم هذه القضية حال التوصل الى أشياء مؤكدة، مضيفا ان الرئيس سلفاكير ميارديت يتفهم ذلك.
اعـتصام ملاك الكمايـن بـ (أبوروف)

أم درمان:إيناس يوسف: هدد ملاك الكماين بمنطقة أبي روف بالدخول في اعتصام مجددا خلال الايام القادمة وذلك احتجاجا على تجاهل سلطات ولاية الخرطوم لقضيتهم التي ترجع الى قرار محلية امدرمان القاضي بازالة الكماين وتعويضهم في منطقة الصفيرة التي تحاد ولاية شمال كردفان ،وكانوا قد نظموا اعتصاماً ليومين الاسبوع الماضي ،واشاروا الى انهم سيمضون على طريق المناصير حتى تحل قضيتهم.
ويقول رجل ثمانيني يُدعى خالد محمد أحمد إن تاريخ منطقة القماير الى العام 1901 ،ويشير الى انه ظل يعمل في مهنة الكماين منذ منتصف العقد الماضي ،وان الارض التي يمتلكونها تم التصديق بها من قبل السلطات عام 1958 ،وقال انهم ظلوا يعملون طوال هذه العقود بدون مضايقات من الجهات الحكومية ،ويشير الى ان سلطات محلية امدرمان بدأت في عام 2009 بمضايقتهم وذلك حينما صادرت الشارع الذي يقع شرق الكماين الذي كان يعتبر امتداداً طبيعياً لها ،وقال:لم يتوقف الامر على الطريق ويبدو ان موافقتنا من اجل المصلحة العامة اغرت المحلية للتمادي في نهجها الهادف لمصادرة الاراضي التي تحتضن الكماين ،حيث اصدرت المحلية قرارا يقضي بايقاف عمل الكماين بداعي ان مظهرها غير جميل وتسهم في تلوث البيئة ،وبعد ان توقف عملنا ووقع علينا ضرر كبير وعدت المحلية بتعويضنا ولكنها لم تفعل رغم ان هذه المهنة هي التي نعتمد عليها بصورة كلية ولانعرف غيرها ،ويضيف:تم اعطاؤنا تعويضاً في منطقة (الصفيرة) وهي تحاد ولاية شمال كردفان وهي منطقة صحراوية ولايمكن ان تكون موقعاً لصناعة الطوب التي تحتاج لتربة محددة ومياه كثيرة ،وكان يجب تعويضنا في مناطق تقع على النيل حتى لاتضار اعمالنا .ويقول عبد القادر خالد ان ملاك الكماين بعد ان كانوا منتجين واصحاب دخول مقدرة ومحترمة تحولوا الى عطالى لايملكون مايسدون به رمق ابنائهم ،معتبرا مسلك السلطات دعوة غير صريحة لهم للسرقة ،وقال :من اين نأكل وكيف نوفر احتياجات اسرنا ونحن لانملك مهنة؟»مشيرا الى انه تم حظر عمل الكماين بصورة كلية بعد انذارات من جهات حكومية مختلفة بولاية الخرطوم ،مبينا ان والي الخرطوم امر بازالة كل الكماين وقام بمنح اصحابها مهلة لمدة اسبوع ،وقال ان سلطات المحلية هددت ايضا بتنفيذ قرار الازالة عبر القوة الجبرية وذلك لايقاف العمل بصورة كلية ،ويضيف:ولأن القرار خاطئ تترتب عليه اضرار لاحصر لها علينا وعلى العمال بهذا القطاع. اجرينا اتصالات بعدد من الجهات لاعادة دراسته والبحث عن طريق ثالث يرضي كافة الاطراف ،غير ان مناشداتنا لم تجد آذاناً صاغية ولم نجد امامنا غير الاعتصام لمدة يومين احتجاجا على توقف العمل ،وذلك لان الحكومة لم توفر لنا البديل المناسب وتريد فقط طردنا من اراضينا وتبدو غير مهتمة بالمصير الذي سنواجهه ،واردف قائلا:اذا كانت الدولة تتحدث عن محاربة العطالة والبطالة فكيف تدفعنا قسرا للوقوف في صفوف العطالة بهذا القرار الذي لم يراعِ الجوانب الانسانية والاجتماعية ولم يوفر البديل الذي يكفل لنا مواصلة العمل في مهنة لانعرف غيرها ،طالب بتعويضهم اسوة بالذين تمت ازالة كماينهم بالجريف وبري (موقع الڤلل الرئاسية) ،وان يتم اعطاؤهم مواقع انتاج بديلة تكون مناسبة وتتوفر فيها الخدمات وتقع على شاطئ النيل ،ويؤكد محمد عابدين معرفة والي الولاية بالاضرار التي حاقت بهم ،ويشير الى انه لم يتحرك لحل قضيتهم رغم انهم يدخلون في نطاق رعاياها ،وزاد:اين وزارة الرعاية الاجتماعية ؟هل قامت بدراسة حالتنا قبل التنفيذ ؟ولماذ صمتت ولم تهتم بقضيتنا.
وأكدوا اعتزامهم الاعتصام مجددا ،مشيرين الى ان المشكلة اذا لم تحل سيعيدوا سيناريو المناصير وسيقومون بالتعبير عن موقفهم بكل قوة حتى تعود لهم حقوقهم او يجدوا الانصاف من قبل حكومة الولاية .
مصر: من خليط عبد الناصر الآيديولوجي إلى أغلبية إسلامية ساحقة
ترجمة : سيف الدين عبدالحميد: مجدي عبد الهادي ــ القارديان
يهيئ النصف العلماني في مصر جنباً إلى جنب مع أقلية مسيحية كبيرة نفسه لبرلمان إسلامي يعد الأول في تاريخ البلاد. وفي الوقت الذي يصاب فيه الكثيرون بالذهول والذعر لدى المشهد ما يزال البعض يعلقون آمالهم مفارقة على ذات المؤسسة التي يلقى عليها كثيراً باللائمة بسبب العجز الديمقراطي في البلاد، أي

المؤسسة العسكرية. فهؤلاء العلمانيون والأقلية المسيحية يرون فقط أن العساكر هم الذين يمكن أن يعوقوا أو ــ على الأقل ــ يستبطئوا القوة الإسلامية الساحقة. ولا أحد يدري على وجه التأكيد كيف سيتطور الاضطراب المحتمل إن كان له أن يحدث، فالمتفائلون يستبعدون الانحدار إلى سفك الدماء (كما حدث في الجزائر عام 1990م التي ألغى فيها الجيش الانتخابات البرلمانية عندما كان الإسلاميون على وشك الفوز). ويتكهن آخرون بحدوث سيناريو باكستاني (بروز ضابط ذي توجه إسلامي مثل ضياء الحق يكون مقبولاً للجيش وللإسلاميين) أو السيئ تماماً أن يتكرر ماضي مصر القريب عندما لفق الجيش ذريعة ليعلق بمقتضاها كل النشاط السياسي في عام 1954م. ويجب أن يكون لنا رأي أفضل عندما تظهر نتائج الانتخابات النهائية في منتصف يناير فقد كسب الإسلاميون حتى الآن ثلثي المقاعد في المرحلتين الأولى والثانية من التصويت وهي مكاسب من المتوقع أن يعززوها في المرحلة الثالثة. ويجب ألا تفاجئ الأغلبية الإسلامية الساحقة القراء اللصيقين بتاريخ مصر القريب، فمنذ الانقلاب العسكري عام 1952م الذي أطاح بالملكية لم تكن الرياح السياسية التي هبت على مصر نسيماً متوسطياً كما في العهود الغابرة بيد أنها كانت رياح خماسين عاصفة هبت من تلقاء شبه الجزيرة العربية. لقد انتهى زواج مصر القسري بالغرب إلى نهاية دراماتيكية ودموية بسبب هجوم بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في حرب قنال السويس عام 1956م، فالقيم الليبرالية المنقوشة في النظام السياسي المصري والمقتبسة جملة وتفصيلاً من الغرب أفسحت المجال للشمولية المرتدية ثوب القومية الصارخة مع مقدارٍ من الاشتراكية والإسلام ممزوجاً في الخليط الآيديولوجي للعقيد عبد الناصر. والأهم في الموضوع أن عبد الناصر ــ الذي كان ذات مرة عضواً في جماعة الإخوان المسلمين ــ لم يكن مثل كمال أتاتورك ذاك الضابط العلماني الذي أسس تركيا الحديثة، فكثيرٌ من إعادة أسلمة مصر بدأت أثناء حكمه فقد اختلف لاحقاً مع حركة الإخوان المسلمين وزجَّ بقياداتها في السجن بيد أن هذه القطيعة كانت سياسية لا آيديولوجية. فانظر الآتي: أين ذهب عبد الناصر لكي يستقطب الجماهير أثناء حرب السويس عام 1956م؟ لم يذهب إلى الميدان العام بل ذهب إلى منبر الوعظ في جامع الأزهر، ففي خطابٍ عاطفيٍّ انفعالي مقتبس فيه بكثرة من القرآن ذكَّر عبد الناصر مرتادي المسجد أن القتال كان واجباً إسلامياً (ليس قومياً في الأساس). كان انصهار القومية والإسلامية هذا هو الذي ميَّز عبد الناصر وساهم في شعبيته، وحتى عندما مال لاحقاً إلى اليسار وأدخل شعار «الاشتراكية العربية» اعتمدت عقائدياته على التاريخ الإسلامي لإضفاء الشرعية الدينية على آيديولوجية اشتهرت بتحقيرها للدين باعتباره أفيون الفقراء. وأثناء حكم عبد الناصر ازداد تأثير الأزهر على المجتمع وبالتالي تأثير الدين ازدياداً كبيراً، فقد تطور الأزهر من مجرد مدرسة دينية إلى جامعة كبيرة ذات فروع منتشرة على نطاق البلاد كما سُمح له أيضاً أن يتوسع إلى تعليم أولي وثانوي بإنشاء شبكة واسعة من المدارس على نطاق البلاد ولم تكن أيٌّ من هذه المدارس مفتوحة للأقباط المصريين رغم أنهم ساعدوا في تمويلها بدفع الضرائب لخزائن الدولة. وقد يكون الأزهر معتدلاً بحكم المعايير المتشددة للمؤسسة الدينية السعودية لكنه قطعاً لم يكن مؤسسة ليبرالية تدعو لفصل «الكنيسة» من «الدولة». أو خذ مثالاً آخر يعرف عنه القليل خارج مصر: قناة القرآن وهي محطة الإذاعة الدينية الأولى التي أنشئت حصراً في المنطقة حيث دشنت عام 1963م في القاهرة في ذروة سلطة عبد الناصر وشعبيته، وهذه الإذاعة التي تبث خليطاً من التلاوة القرآنية والوعظ ليست منفصلة عن شعار الإخوان المسلمين المشهور «الإسلام هو الحل». إذن لماذا كان على ما تسمى دولة علمانية أن تدفع الدعم لقناةٍ كهذي؟ الإجابة بسيطة: إنها لم تكن دولة علمانية أبداً، فعندما تصغي إلى البرامج الدينية أو تشاهدها على التلفزيون القومي أو الراديو في مصر تجد من الصعب أحياناً ملاحظة الفرق بين الإخوان المسلمين والدولة المصرية. وكان يمكن لخلفاء عبد الناصر أن يتخذوا طرقاً تختلف عنه ولكنهم لم يقفوا أبداً أمام دور الدين في الحياة العامة، فالسادات استغل الإسلام لإضعاف نفوذ منافسيه اليساريين ومبارك شجع السلفيين غير المسيَّسين لإضعاف نشاط حركة الإخوان المسلمين. واليوم برز الذراع السياسي للسلفيين ــ حزب النور ــ ليصبح الحزب الأكبر الثاني في البرلمان بعد الإخوان المسلمين. فالفرق الأساس بين حكام مصر العسكريين ومنافسيهم الإسلاميين هو أن الإسلاميين كانوا الأفضل والأكثر اتساقاً في استخدام الدين لخدمة طموحهم السياسي. ولكن لم يكن كل ذلك مدعاة للتشاؤم بالنسبة للنصف العلماني، فبعد كل شيء يشير معدل المشاركة في الانتخابات إلى أن 50% تقريباً من المصوتين مكثوا في منازلهم. وما لا يقل أهمية أن الثورة حملت إلى الصدارة لاعباً ديناميكياً جديداً ــ بروز الشباب المصري ــ الذي لولاه ربما لم يطر للثورة طائر. فهؤلاء الشباب المسلحون بالتعليم والتكنولوجيا الحديثة قد برهنوا مراراً وتكراراً أن بإمكانهم أن يقلبوا الطاولة على حكومة الكبار التي باتت تحكم مصر لمدةٍ طويلة، فالشباب وسط الإسلاميين أيضاً قد دخلوا في صراع مع قيادتهم المتصلبة. لقد كان الشباب هم الذين قادوا أخيراً المهمة ضد المجلس العسكري الحاكم بحيث فضحوا قسوة العساكر وأرغموهم على تقديم تنازلاتٍ كبيرة، ويقوم هؤلاء الشباب بتصعيد حملتهم حيث ذهبوا باحتجاجاتهم إلى الضواحي بعيداً عن وسط القاهرة
الدولة والسوق ملف تائه بين الوزارات
المواطن والموازنة .. من يقهر من؟
محمد الشيخ حسين: لا يفرح المواطن بالأرقام والنسب المئوية في خطاب الموازنة ما لم تكن تعبيرا عن زيادة نقدية يحس في جيبه أو سلعاً وخدماتٍ يحصل عليها بجودة وسعر في مقدوره سداده.
غير أن التحرك الكبير في مؤشر الرقم القياسي لمجموعة البنود المحددة لأسعار السلع الغذائية وارتفاعه بمعدلات كبيرة، خاصة في المواد الضرورية، فيعني أن معدل التضخم يتجاوز الرقم المعلن عنه، وهذا راجع لعدم الدقة في حسابه.
وخلافا لكل التهكنات، فإن النبأ السعيد في موازنة عام 2012م، هو التوجه القوي نحو التركيز على زيادة الإنتاج ومحاصرة رفع الأسعار، وخلق وظائف جديدة.
وقد بين هذا التوجه الأستاذ علي محمود محمد وزير المالية والاقتصاد الوطني، حين استعرض السمات والموجهات والملامح العامة لمشروع الموازنة العامة للعام 2012م، مؤكدا أنها تركز على محاصرة عوامل ارتفاع الأسعار وزيادة إنتاج وإنتاجية السلع الإستراتيجية للتصدير، وذلك لجهة تحقيق الاستقرار السياسي والأمني بالبلاد.
واستفاض في شرح بين هذا التوجه الأستاذ علي محمود محمد وزير المالية والاقتصاد الوطني، حين استعرض السمات والموجهات والملامح العامة لمشروع الموازنة العامة للعام 2012م، مؤكدا أنها تركز على محاصرة عوامل ارتفاع الأسعار وزيادة إنتاج وإنتاجية السلع الإستراتيجية للتصدير، وذلك لجهة تحقيق الاستقرار السياسي والأمني بالبلاد.
ولم يكتفِ وزير المالية بالشرح وحده، إذ دعمه بجملة أرقام، تضمنت المساهمة في زيادة الدعم الاجتماعي بنسبة 8 في المائة من العام السابق بمبلغ يفوق 6 مليارات جنيه، تستفيد منها فئات الطلاب والمعاشيين والأسر المنتجة ودعم العلاج والجازولين.
ولجهة الأنباء السعيدة أيضا، تضمنت الموازنة تمويل توظيف 25 ألف وظيفة للخريجين بالمركز والولايات، 20 ألفا منها للولايات وتركز على سد احتياجات التعليم والصحة، حيث حافظت الموازنة على النمو بنسبة 3 في المائة وأن لا يتجاوز التضخم الـ17 في المائة، والعجز الكلي في الموازنة 3 في المائة، وهي من النسب الآمنة عالميا.
ويبدو أن الأستاذ علي محمود يدرك تماما أن الجدل العقيم حول تعارض هدفي النمو السريع واعتبارات العدالة قد انتهى تماما، إذ يقدم التاريخ الاقتصادي الحديث، العديد من الدلائل على إمكانية تحقيق هذين الهدفين في آن واحد. وهي مسألة ليست اجتماعية فحسب، بل هي اقتصادية بالأساس، وذلك انطلاقا من أن السياسات الملائمة للنمو الاقتصادي طويل الأجل، هي تلك التي ترتبط بتحسين توزيع العوائد الاقتاصدية على كافة قطاعات وفئات المجتمع.
ونتفق تماما مع الأستاذ علي محمود في أن النمو يتحقق من ثلاثة مصادر أساسية هي: تراكم رأس المال البشري والمادي، كفاءة تخصيص الموارد بين قطاعات الاقتصاد القومي، ورفع مستوى الإنتاجية. وهذه الأمور الثلاثة تسهم في توليد المزيد من فرص العمل بحسبان أن التنمية هي إضافة طاقات إنتاجية جديدة للمجتمع عن طريق الاستخدام الأمثل للموارد المالية ورفع معدلات الاستثمار، بهدف زيادة التشغيل ورفع الإنتاجية.
لا خلاف في أن النقاط المتفق عليها، لا تتم إلا عبر تفعيل آليات السوق وتنشيط جهاز لمؤشرات الأسعار وتدعيم القطاع الخاص مع رفع كفاءة الدولة في إدارة العملية الإنتاجية، وهنا ينبغي التأكيد على أن الاقتصاد الحر والاحتكام إلى قواعد السوق هما الأقدر على تحقيق التنمية السريعة والمستدامة، ولكن وفي نفس الوقت لابد من تقوية دور الدولة لتصحيح أخطاء السوق. وهكذا نصل إلى أن السوق هو نتيجة لتطور طويل المدى، وهو بذاك يتغير ويتحسن نتيجة للتطورات الاجتماعية، أي أنه لا يمكن إنشاء السوق بمجرد إجراءات إدارية، فهي عملية اكبر بكثير من تحرير الأسعار أو الخصخصة، فهو تنظيم مؤسسي متكامل يتعين توفر إطاره الكامل حتى يصبح فعالا ويحقق الأهداف المنوطة به.
ومن هنا تلعب الدولة دورا هاما في اختيار وتحديد السياسات والأدوات اللازمة للنمو وتحديد الآليات التي تضمن كفاءة عمل الأسواق بشكل سليم، بهدف إيجاد بيئة تنافسية تدفع للمزيد من الكفاءة في الإنتاج. ويتعين على الدولة أيضا أن تعمل على تنظيم السوق ومنع الممارسات الاحتكارية مع ضمان عدالة التوزيع وضمان التخطيط الاستثماري السليم.
ورغم كل هذا، فثمة شواهد عدة تشير إلى تراجع دور الدولة في حركة الاقتصاد إنتاجا وتوزيعا وتسويقا مقابل تنامي دور القطاع الخاص، وهذا توجه ينسجم مع رياح العولمة.
غير أن تراجع دور الدولة لا يعني ترك الجمهور فريسة لألاعيب السوق الحر المفتوح الذي من المفترض أن يصحح نفسه بنفسه وفقا لنظرية اليد الخفية التي حدثنا عنها آدم سميث في كتابه الشهير (ثروة الأمم).
ولا يبدو أن الدولة قد انسحبت بالفعل من السوق، إذ لا تزال قائمة وموجودة وبقوة وتمارس هيمنتها عبر أجهزة رقابية وجبائية متشعبة ومتنوعة ومتعددة وربما متضارية الاختصاصات.
ولعل المتصفح لملف الدولة والسوق التائه بين الوزارات والولايات، يتعين عليه أن يحدد تحديدا حاسما مساحة الدور المرسوم لكل طرف، خاصة وان هذه العلاقة الشائكة لا تطرح نفسها بقوة في حوار الأطراف المعنية بين الدوائر السياسية والحزبية في البلاد.
ولا يمل المجتمع بكافة شرائحه من الحديث عن الوظائف الجديدة للدولة وعما إذا كان المطلوب هو الدولة الحارسة أو الدولة الراعية.
وفي عجالة يمكن القول إن المرحلة التي تمر بها هي مرحلة تحول لاقتصاديات السوق، وبعض الناس غير راضية عن الأوضاع الاقتصادية وترجع ذلك إلى أن اقتصاديات السوق تطبق على نحو غير ملائم، ولكن هذا يندرج تحت بند سوء التطبيق، وهذه سمة سودانية.
ومن الأنسب ان نأخذ بنظام اقتصاديات السوق، لكن اقتصاديات السوق ليست عملية (استهبال)، مثل الذي يحدث في أسواقنا الآن، فهي لها ضوابط ومتطلبات. ولكي يكون السوق منضبطا لا بد أن يكون مكتملا يشمل توافر المعلومات ووجود عدد كبير من البائعين والمشترين وحرية دخول وخروج، في هذه الحالة السوق تضبط نفسها بنفسها.
أما إذا كانت السوق غير مكتملة فلا بد من التدخل وهذا من ضمن نظام السوق، وآليات السوق في بلادنا غير مكتملة وتوجد تشوهات واختلالات، تحتم تدخل الدولة لتصحيحها، ليس عن طريق التدخل المباشر في النشاط الاقتصادي، ولكن عن طريق السياسات التي تضع الحوافز والروادع التي تكفل تحقيق الأهداف المرسومة للمجتمع.
ويبقى السؤال كيف نحمي المستهلك في ظل اقتصاد منفتح؟
لعل ظاهرة ارتفاع الأسعار الناتجة تحت ستار ارتفاع التضخم دفعت التجار إلى رفع الأسعار بطريقة عشوائية، لا تأبه بتكلفة الإنتاج وتحديد هامش ربح معقول، مع غياب مسئولية الدولة لحماية المستهلك من خلال أدوات رقابة مباشرة، خوفا من الاتهام بالتراجع عن اقتصاد السوق.
ببساطة شديدة، يتمحور دور الدولة في ضبط السوق بتوفير قائمة أسعار استرشادية وآليات لمعرفة التكلفة الحقيقية لكل سلعة؟
ولا أدري ما هي الحكمة في أن تسجل الدولة هذا الغياب وفي جعبتها آليات ووسائل تستطيع من خلالها إعادة الانضباط إلى السوق، تكملة لجهد تقوم به علينا أن نقر به لكن نتيجته ستظهر فيما بعد حيث هناك تحسن في معدل النمو الاقتصادي.
وقد يواجه الاعتراف بتحسن معدل النمو الاقتصادي بسؤال عن انعكاس هذا على افراد المجتمع؟
والشاهد يبدو واضحا في تغير نمط استهلاك المواطن العادي بحكم التطور، وتغير مستوى المعيشة ووسائل الحياة إلى الأحسن، خاصة إذا قارنا الفترة التي نعيشها الآن بثلاثة عقود مضت سنجد أن هناك بالفعل تحسناً ملموسا.ً
وحدثت طفرةٌ بالفعل في مستوى ونوعية الخدمات المقدمة للمواطنين سواء في الحضر أو الريف، فمستوى المعيشة بالعمل ارتفع، لكن واكب ذلك ارتفاع في تكاليف المعيشة أيضا.
وهناك من يرى أن معدل النمو ارتفع بالفعل وبطريقة حقيقية، لكن على الطرف الآخر لم يشعر الناس بهذا التحسن، لسوء عدالة توزيع الدخل، إضافة إلى أن مصادر النمو كانت في أنشطة ذات كثافة رأسمالية مع ارتفاع في معدل التضخم، وخطل هذا الرأي أنه لكي يشعر أفراد المجتمع بالتحسن في مستوى المعيشة لابد أن يستمر هذا الارتفاع في معدل النمو لعدة أعوام، فارتفاع المعدل لسنتين أو ثلاث سنوات غير كافٍ حتى يحس المواطن بالتحسن. فإذا استطعنا أن نحافظ على نسبة نمو لا تقل عن7 في المائة لمدة ست سنوات يمكن أن نحس بعدها بهذا التحسن.
لقد سارت بلادنا في طريق تطبيق اقتصاد السوق بخبرات ونصائح من منظمات دولية لديها أجندة قد تكون مختلفة عن الأجندة الوطنية. ومر الاقتصاد السوداني على مدى أكثر من خمسين عاما بمتناقضات عديدة وسياسات مختلفة- تتضارب من فترة لأخرى- ولم نطبق نموذجاً تم الاتفاق عليه بل سرنا في عملية تجريب وتصحيح الاخطاء الناتجة عن هذه التجربة.
وعودة لموازنة العام 2012 وحتى لا تقهر الموازنة المواطن أو يقهرها المواطن، فالملاحظ أن هذه الموازنة التي في ظل تغيرات هيكلية ومالية تعيشها البلاد عقب انفصال جنوب السودان. وحسنا يتصرف الأستاذ علي محمود محمد حين يؤكد أن الدولة بادرت باتخاذ العديد من الإجراءات والتدابير لمواكبة المتغيرات لتعويض الفاقد الإيرادي وضبط الإنفاق وتحديد أولويات التنمية واستقطاب موارد خارجية جديدة وتفعيل نشاط ودور القطاع الخاص بهدف المحافظة على الاستقرار الاقتصادي وتحقيق نسبة نمو إيجابية في الناتج المحلي والإجمالي.
ويسهب محمود في تفاصيل أن الموازنة المقبلة تركز على أولويات البرنامج الثلاثي، خاصة في ما يتعلق بالسياسات الداعمة لزيادة الصادرات غير البترولية وتقليل وإحلال الواردات وتفعيل سياسات الاكتفاء الذاتي من السلع الاستراتيجية، بجانب نقص وترشيد الإنفاق الحكومي.
كما يشدد وزير المالية والاقتصاد الوطني على دعم وزارته لمشروعات التنمية والبنيات الأساسية المستمرة في القطاعات المختلفة، بجانب مشاريع التنمية الاجتماعية وتخفيف أعباء المعيشة للشرائح الضعيفة ومحاربة الفقر.
ويكمل محمود هذه الحلقة من الانتباه الشديد للمشاكل المحيطة بالموازنة بالحديث عن ابتكار أساليب تمويل مستحدثة في موازنة العام 2012، عبر تفعيل قوانين الاستثمار بالولايات، واستغلال موارد الصوك، وتوسيع القاعدة الإنتاجية، وترشيد الانفاق الحكومي، وزيادة إنتاج المعادن، وتوفير القروض السلعية.
وأكد وزير المالية عزم الحكومة الدخول في الشراكات الاستراتيجية مع بعض الدول والتوسع الأفقي في الضرائب.
وتلك إجراءات مضت، فعلاج عجز الموازنة لا يعني إنهاء العجز، بل يشير إلى المستوى الذي يصبح عنده الاقتصاد قادرا على النمو دون مشكلات تضخمية أو ركود، وهو مستوى يتعين على الأستاذ علي محود البحث عنه بدقة وعناية في ضوء الخبرة التاريخية للاقتصاد الوطني وكذلك الأوضاع الاجتماعية الراهنة، منطلقا من ثلاثة مبادئ أساسية:
أولا: إن علاج العجز لا يعني القضاء عليه، بل الوصول إلى مستويات مقبولة مجتمعيا.
ثانيا: إن هذا العلاج سوف تترتب عليه تكاليف معينة يحب أن يتحملها المجتمع وفقا لاعتبارات العدالة.
ثالثا: إن علاج هذا العجز يجب أن يتم على مدى زمني متوسط وطويل وليس على المدى القصير.
وأخيرا لكي يعمل اقتصاد السوق فإنه بحاجة إلى حكومة تستطيع أن تحدد قواعد اللعبة وتلزم كل الأطراف بمراعاتها وتشجع الأهداف الاجتماعية المشتركة على نطاق واسع وتنفق الإيرادات بصورة منتجة، وتفرض تنفيذ العقود، والسوق السودانية بحاجة إلى مؤسسات جيدة يديرها أفراد على مستوى عالٍ من الكفاءة والنزاهة، لا يجعلون السوق مصدرا للتربح والفساد.
عمرو في الخرطوم.. دبلوماسية بث التطمينات
الخرطوم : مي علي

بدا واضحاً الآن أكثر من أي وقت مضى العلاقة التكاملية الناشئة بين الخرطوم والقاهرة ، خاصة بعد ذهاب نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك، فالتنسيق عالى المستوى بين وزارتي الخارجية السودانية والمصرية والتواصل المباشر الذي يصل الى درجة الإتصال الهاتفي اليومي بين وزيري خارجية البلدين، ربما هو ما جعل وزير الخارجية علي كرتي يستبعد فرضية إنشاء آلية مشتركة بين القاهرة والخرطوم لمواجهة تحديات قد لا تكون في الحسبان، لكن كرتي يعود ويؤكد أنه في حال دعت الضرورة الى ذلك فلا ضير من تكوين جسم مشترك يطرح القضايا المشتركة على طاولة النقاش .
ومن العلامات البارزة في التنسيق بين الدولتين حديث مصر الى دول حوض النيل الخمسة بإسم مصر والسودان حسب ما أوضح وزير الخارجية المصري محمد كامل عمرو الذي أنهى جولته في دول المنبع بالعاصمة الخرطوم حيث قال الوزير محمد عمرو في حديث خاص لـ( الصحافة ) أنه في أثناء جولته الأفريقية أكد للجميع وحدة المواقف بين مصر والسودان وان الدولتين تتحدثان بصوت واحد ،وأن هناك توافق كبير بين البلدين في موضع حصص البلدين من مياه النيل « . دون أن يفوت الوزير المصري التأكيد على إعتماد بلاده على مياه النيل أكثر من باقي الدول الأخرى التي تمتلك موارد مائية أخرى .وقال « أبدت كل دول الحوض الخمس التي قمنا بزيارتها تفهمها احتياج مصر لمياه النيل أكثر من الدول الاخرى التي تمتلك موارد مائية اخرى « واضاف « كما وجدنا تقدير تام لان تضمن مصر حقوقها في المياه ، و كان شعوراً طيباً ، ننتظر ان يترجم الى واقع عملي « .
وفي السياق فقد سعت فيه مصر الى خلق علاقات استراتيجية مع الدولة الوليدة قبل إعلان تكوينها وذلك من خلال التواجد المصرى الفعال فى جنوب السودان حيث قدمت مصر مساعدات عديدة لجنوب السودان فى مجال الكهرباء والطرق والقطاع الطبى منذ خمس سنوات وهى تقوم بعمل مشاريع مهمة مثل مشاريع الكهرباء والطاقة كما قامت ايضا بإنشاء مدارس لتعليم الأساس بالإضافة إلى مشاريع الرى المصرى ، ومصر إذ تفعل ذلك فإنها تسعى لجعل المصالح العليا متبادلة بينها وبين جوبا مما يرسخ من تلك العلاقة ويجعلها في منأى عن التغييرات السياسية التي قد تطرأ على الساحة السياسية المصرية في القريب ، وبدا أن ديناميكا التغيير في مصر ما بعد مبارك قد بدأت في التشكُل وذلك بصعود نجم الإسلاميين في الإنتخابات التي جرت في المحروسة مؤخراً ،و يُرحج مراقبون ان تتأثر العلاقة بين جوبا والقاهرة جراء تولى الإسلاميين للسلطة في مصر وأن زيارة الوفد المصري كان الغرض منها تبديد تلك المخاوف وهو الشئ الذي لم ينفه الوزير محمد كامل ، الذي نقل ما دارر بينه وبين رئيس دولة الجنوب سلفاكير ميارديت بهذا الخصوص قائلاً « في مقابلتنا مع الرئيس سلفاكير قال لنا « نحن متأكدين من المصالح المشتركة بين البلدين وأن أي نظام سيأتي في مصر سيراعي هذه المصالح « وأضاف عمرو « في الحقيقة هو لم يعبر عن مخاوف وانما أكد لنا ان هناك مصالح دائمة بين الدول وان الاشخاص يتغيرون انما المصالح بين الدول ثابتة « . وبدورها بثت مصر على لسان وزير خارجيتها تطميناتها لأحدث دول العالم مؤكدة « ان المصالح ثابتة وهذا هو جوهر النظام الديمقراطي « .
وفيما تستأنف غداً الثلاثاء المفاوضات بين الخرطوم وجوبا حول القضايا العالقة وفي مقدمتها قضية النفط التي أخذت في تصعيد مستمر خلال الايام الماضية مابين بحث جوبا عن موانئ أخرى غير السودانية لتصدير نفطها وتأكيد الشمال على أن النزاع مع جوبا بشأن عائدات النفط لا يشمل إغلاق الأنابيب الناقلة للبترول ، ونقل وزير الخارجية علي كرتي للصحفيين حرص مصر على رأب الصدع بين دولتي السودان لكنه نفى أن تكون دولة مصر قد قادت أي وساطة بطلب من الحكومة السودانية مشيراً الى أنه تم التطرق الى قضية النفط مع الوفد المصري من باب التداول فقط .وهو ذات الشئ الذي حرص على تأكيده وزير خارجية مصر في حديثه للصحافة حيث شدد على أن مصر لم تعلن عن وساطة بين السودان وجنوب السودان مؤكداً تأييد مصر لمبادرة الاتحاد الأفريقي برئاسة ثامبو امبيكي وكشف عمرو عن تطرق القيادة في الجنوب لرؤيتها المعلنة في مسألة النفط وتوضيحها للجانب المصري، وقال « نحن لم نعلن في أي وقت من الأوقات عن وساطة مصرية بين السودان وجنوب السودان ، لكن في حال طلب منا الطرفان القيام بأية وساطة نحن مستعدين لذلك « وما نقلاه للقيادة السودانية هو تلك الرؤية كما أفدناهم بحضور مسئول في وزارة النفط في دولة الجنوب لمناقشة هذا الملف . أما القيادة السودانية في الخرطوم فقد أبدت حرصها على أن يُنزّل الاتفاق السوداني المصري الخاص بالمشاريع الزراعية في المنطقة الغربية من النيل على الحدود السودانية المصرية ، حيث أعلن كرتي أمس بعد لقاء جمعه ونظيره المصري بالرئيس عمر البشير عن ميلاد فكرة أطلع عليها الرئيس مباشرةً خاصة بتكوين آلية مشتركة تترأسها وزارة الخارجية في كلا البلدين بمشاركة الوزارات ذات الصلة - الري والطاقة - بغية تنفيذ مشروعات التعاون الزراعي وخلال اللقاء أكد الرئيس البشير أن أمن مصر من أمن السودان ، مثلما أبدى رغبته في تحقيق نجاحات سريعة في المشاريع الزراعية المشتركة . وإعتبر كرتي أن العلاقات بين السودان ومصر وثيقة للدرجة التي تخطى فيها الجانبان العلاقات الثنائية لتمتد وتشمل مرحلة معاونة المجلس الانتقالي في ليبيا لترتيب أوضاعه السياسية، وتسعى دولتا مصر والسودان بتبني جهود مشتركة رفيعة المستوى لتأمين الحدود لاسيما حدود مصر الغربية.

«
يا ريت ... يا ريت...!!
أمال عباس

٭ تغمرني لحظات من الاكتئاب والتشتت .. تعجز القراءة عن اخراجي منها.. وساعتها ألجأ الى الموسيقى والى الاغنية والى جهاز التسجيل في كثير من المرات، وانجح في طرد تلك اللحظات التي يقودني اليها الواقع قسرا، وابدأ من جديد رحلتي مع الامل الذي اتمسك به حد التطرف.
٭ ادرت جهاز التسجيل واذا بي مع قارئة الفنجان التي وضع كلماتها نزار قباني.. استمعت اليها بصوت عندليب الشرق عبد الحليم حافظ.. الموسيقى اخذت تؤدي دورها في اعصابي المشدودة وذهني المشتت ما بين المستقبل الغامض لمسار السياسة في هذا البلد المعيون.. السياسة ما بين اهل الانقاذ الذين تمدد حكمهم حتى تجاوز العقدين من الزمان.. حكمهم الذي اذاق الشعب السوداني ألوانا من العذاب ما كانت على بال ..ومهما تحدث الناس عن الكباري الطائرة والراكة وشوارع الاسفلت الافعوانية، الا ان الانسان هو الاهم.. واية تنمية لا تتم فيها المعادلة العادلة بين الانسان واحتياجاته الضرورية والشوارع والكباري.. تصبح تنمية ناقصة وتنمية معذبة... وبين اهل المعارضة التي اصبح امرهم جالبا للحيرة الكاملة .. فهم في شغل شاغل ما بين المغالطات واللقاءات الخاوية ومصطلحات الصادق المهدي التي تبدأ بالمشاط ابو قمل وتنتهي بالجهاد المدني.. المصطلحات التي اتت بها بمثلها مصطلحات نافع وغيره من اهل الحكومة.. لحس الكوع وآخر جملة قالها وزير الدفاع «نمسح ونكسح»..!
٭ وكعادتي رحت مع كلمات الاغنية:
جلست والخوف بعينيها
تتأمل فنجاني المقلوب
قالت يا ولدي لا تحزن
فالحب عليك هو المكتوب
فنجانك دنيا مرعبة
وحياتك اسفار وحروب
٭ انفصلت عن الكلمات وذهبت بعيدا عن قراءة الفنجان الى عالم المنجمين.. تذكرت حارسي النجوم في قصة سالي فوحمر لأديبنا الراحل جمال محمد حمد حسين ... الى ان تمرد «فارلماس» بقوة الفن وسحر الكلمة والنغمة وانقذ عكاف وبقيت قصة حية لسالي..
٭ استعرضت في ذهني الانسان في التاريخ القديم حين كان يعيش مستسلما للمنجمين قراء الطالع.. بل مر التاريخ بفترة كان فيها المنجمون هم الذين يحكمون العالم كما في مملكة «كوش» فكل حاكم او رئيس قبيلة او زعيم شعبي يكون بجانبه دائما منجم يفرض كلمته عليه بما توحي به اليه قراءة النجوم، الى ان ارتقى العقل البشري واقتنع بأن المنجمين ليسوا سوى قوم اذكياء يستغلون اعتزاز الانسان بقوته او خوفه من ضعفه ويستغلون احلامه واطماعه وشهواته كما يستغلون ما يعانيه ليضعوا امامه صورا لمستقبل يختارونه ويقذفونه به..
وتطور الانسان واصبح ايمانه اقوى من خياله.. وواقعه اقوى من اوهامه وساعتها استطاع ان ينعتق من استعباد المنجمين وقراءة المستقبل وآمن بأنه لا يمكن كشف الغيب من خلال التطلع الى النجوم او من خلال قراءة الكف او اللعب بأوراق «الكتشينة» او القراءة في بقايا فنجان قهوة احتسيته في لحظات ملل ..
٭ ولكن مع ذلك ما زالت هناك بقية من التمسك بالاهتمام لمعرفة الطالع ومحاولة كشفه.. تسيطر على الانسان.. ذلك الكائن اللغز تجاه اللغز الاكبر الحياة .. ولكنها حالة نفسية تتطلب سماع الكلمة الحلوة.. كلمة يستبشر بها كما يستبشر بشروق الشمس او بتفتح زهرة او وردة. كلمة تجعله يقبل على عمله وهو مرتاح نفسيا وعصبيا دون ان يكون لهذه الكلمة اثر مباشر على فكره الذي يخطط به حياته.. وهي حالة تشمل كل الناس.. مجرد استبشار.. اي حالة نفسية لا علاقة لها بالواقع.. ولكنها تصل حد الخطورة اذا سيطرت على صاحبها وجعلته يستسلم لذلك العالم.
٭ افقت من رحلتي هذه لأجد عبدالحليم حافظ فرغ من اغنية : «قارئة الفنجان»..! وبدأ ترباس في اغنية «يا ريت» . واستطعت ان اواصل قراءتي.. في كتاب .. «منبع اصول الحكمة» تأليف الامام الكبير والحكيم الشهير ابي العباس احمد بن علي البوني..
هذا مع تحياتي وشكري...
مصطفى .. شال كتف الغُنا الميّل
حيدر المكاشفي

ما أقسى على الانسان أن يجد نفسه مندفعاً بكلياته لفعل شئ لا يجيده وليس أهلاً له في وجود آخرين يفوقونه علماً ودراية وخبرة، هذا ما حدث لي مع ذكرى رحيل المبدع مصطفى سيد أحمد، الذي تهل علينا هذه الأيام ذكرى رحيله السادسة عشرة، لأجد نفسي مجبراً على الحديث عنه وهو الفنان المتعدد المواهب، رسماً وشعراً ولحناً وغناء، بينما شخصي الضعيف ليس له حظ يذكر في كل هذه المجالات الابداعية، ومن هنا تأتي معاناتي في الكتابة عن هذا الفنان المدرسة المتفرد المتمكن الذي لا يشبه أحدا ولا يشبهه أحد في تملكه لأدواته الخاصة ومفرداته الأكثر خصوصية، فما سمعت فناناً يوزع كلماته وألحانه ما بين الشجن والفرح، وما بين الصوت النابع من القرار والجواب الحاد مثلما يفعل مصطفى. لقد كان مصطفى من الفنانين الصفوة لكونه أحد أبرز المبدعين الذين حملوا هم الغناء الرصين والمفردة المتفردة واللحن الشجي الذي يطرب ويمتع ولو كان حزيناً، وكان أيضاً فناناً لعموم الشعب والبسطاء والكادحين بوجه أخص، لم يكن منحازاً لحزبٍ كما كان يشيع البعض، فقد كان حزبه الغناء، ولم يكن أنانياً في حبه وهو الذي أحب الوطن بترابه وطينه وقمحه ونيله وانسانه النبيل، وبكلمة واحدة كان مصطفى قد «شال كتف الغنا الميل» وأثقل به كاهله على قول المبدع الآخر الشاعر عاطف خيري الذي غناه مصطفى بنفسه «وناديتك أقيفي معاي نشيل كتف الغُنا الميّل... ونتخيل»...
ستة عشر عاماً انسلخت من عمر الزمان ومصطفى حاضر بقوة بيننا رغم غياب الجسد، وكيف يغيب مثله وهو قد ترك فينا ما لا يمكن أن يغيب أو يندثر أو حتى يلفه النسيان، فأثر العظماء لا يُمحى وتاريخ الأحداث العظيمة باقٍ لا يزول إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهكذا كان مصطفى من العظام الذين تركوا أثراً وبصمة على الغناء السودان ستظل خالدة ومذكورة ما ذُكر الغناء السوداني، وحسبي هنا في مقام تذكر ابداعات الراحل العزيز أنه لم يكن مبدعاً فذاً فحسب، بل كان صاحب كرامات غنائية، ومن كراماته التي أذكرها أنه غزا حتى قلب قريبنا الورع الذي لم يكن يناديه أحد إلا بلقب «مولانا»، فرغم أن مولانا هذا لم يكن يسمع أو يردد سوى قصائد المديح وآيات الذكر الحكيم، إلا أننا ضبطناه في بعض خلواته (متلبساً) وهو يترنم بصوت هامس بـ«غدار دموعك ما بتفيد في زول حواسو اتحجرت، والسمحة قالوا مرحلة بعدك الفريق أصبح خلا» وغيرها من أغنيات مصطفى الأبكار أول ظهوره، ومن كراماته التي أشهد عليها أيضاً أنه استطاع أن يرقق ويرطب وجدان زميل لنا ويرتقي بذوقه وينقله نقلة حضارية كبيرة من حالة البداوة والفظاظة التي كان عليها، حيث كان مصطفى هو أول فنان يجبر هذا البدوي القح على متابعته واقتناء أشرطته، فصار بعدها رقيق الحاشية رطب الوجدان حلو الكلام... رحمك الله يا مصطفى، ورطّب الله قبرك كما رطبت وجداننا وجملّت حياتنا....
إنهم يبحثون عن عرافة لحل مشاكل دولتي السودان!
سليم عثمان

*قال د/ ارثرغبريال ياك الكاتب فى جريدة المصير الناطقة بالعربية فى دولة جنوب السودان، ممازحا د/ حيدر ابراهيم خلال تقديمه لورقته فى ملتقى (دولتا السودان ..فرص ومخاطر ما بعد الانفصال) الذي نظمه مركز الدراسات بشبكة الجزيرة الفضائية،خلال يومي السبت والأحد 14-15 يناير الجاري بالدوحة ، قال: إذا وجدتم عرافة لحل مشاكل جمهورية السودان فلا تنسونا فى دولة جنوب السودان،وكان د/حيدر ابراهيم على الباحث ومديرمركز الدراسات السودانية قدم رؤية تشاؤمية لمستقبل الدولتين بعد الانفصال وقال فى ورقته التى قدمها بعنوان:جمهورية السودان(الشمال) وتحديات إعادة التشكل ،ان الدولتين ذاهبتان الى الفشل لعدم وجود رؤية استراتيجية فى الدولتين.وبسبب ما أسماه بطفلنة الاقتصاد فى السودان.
يعتبر الدكتور/ ارثر قبريال من ابرز مثقفي الجنوب وهو حاصل على البكالريوس فى الطب البيطري من جامعة القاهرة ونشر فى عام 2009 مجموعة قصصية بعنوان(لا يهم فأنت من هناك ومدام نتلينا ويوم تشيب الغربان) ويعكف الآن على نشر مجموعة قصصية أخرى تحت عنوان(الفجر الحزين). وفى الورقة التى قدمها امام الملتقى بعنوان جنوب السودان وتحديات بناء الدولة قال : يبدو أننا نتباكى على ما حصل فى الشمال والجنوب،وانتقد فى ورقته وضع اللغة الانجليزية كلغة رسمية فى الدستور الانتقالي لدولة جنوب السودان مشيرا الى أن السواد الأعظم من مواطني الدولة الوليدة (90%) يتحدثون اللغة العربية وأن معظم الشباب تخرجوا فى مدارس وجامعات الشمال،وبالتالي فإن اللغة العربية هل لغتهم ووصف اعتبار الانجليزية لغة رسمية فى دوائر الدولة والمحاكم وغيرها بأنه قرار سياسي اتخذ على عجل للنفور من العدو السابق (الشمال) الذي لغته هي العربية وقال ان الاجيال التى تعلمت بالعربية فى الشمال والجنوب تواجه الآن صعوبات جمة فى الجنوب ويسخر منهم رفقاؤهم من الذين تعلموا بالانجليزية ويتحدثون بها ويصفونهم (بالمندكرو) اى الجلابة الشماليين واستطرد منتقدا اقصاء اللغة العربية حيث قال ان الاتحاد الافريقي اعتمد اللغة العربية كواحدة من اللغات الافريقية ووصف القرار بانه جائرواقصائي وانه لن يساعد فى بناء الدولة الجديدة فى جنوب السودان ، المدهش ان الدكتور ارثر تحدث بلغة عربية رصينة ودقيقة وبصوت اذاعي مميز مما حدا بالصديق المسلمي الكباشي مدير مكتب قناة الجزيرة فى الخرطوم والذي كان يجلس بجانبي فى القاعة وقتها أن يهمس فى أذني قائلا:الزول ده بتكلم عربي أحسن منك . قلت له نعم لانني كما تعلم دنقلاوي والعربية هى لغتي الثانية.
الدكتور ارثر انتقد ما وصفه بتقاعس قيادة الدولة الجديدة(قادة الحركة الشعبية) الحزب الحاكم فى الجنوب ،عن بناء الأمة ،وانتقد سماح الدولة بالهجرات المكثفة، من دول الجوار مثل كينيا وبورندي ويوغندا مبينا ان من شأن ذلك أن يؤثر فى ثقافة المواطنين ،بحسبان ان المهاجرين الجدد الى الجنوب ،يأتون من دول لها خلفيات ومؤسسات ثقافية قوية ، وانتقد أيضا فشل الحكومة فى نزع سلاح المليشيات القبلية فى الجنوب ، الأمر الذى ادى الى وقوع قتلى فى جونقلي ،فى الصراع الذى دار مؤخرا بين قبيلتي النوير والمورلي ،كما انتقد فى السياق ذاته المؤتمر الوطني والحركة الشعبية ،وأشار إلى الآثار النفسية للحرب على المواطنين في جنوب السودان، مشددا مرة أخرى على خطورة الانقسام الثقافي الذي تشهده البلاد الناتج عن قرار سياسي وعلى ضرورة تحقيق المصالحة الوطنية في البلاد.وقال انهما لم يعملا من أجل المصالحة الوطنية ،فى كلا الدولتين .
وهو نفس الشئ الذي اشار اليه الدكتور غازي صلاح الدين القيادي فى المؤتمر الوطني فى ورقته فى محفل آخر فى لندن ،ترجمها الاستاذ بابكر فيصل بابكر حينما قال : إن الحركة الشعبية التي تسيطر بالكامل على جنوب السودان، ترى نفسها كمحرِّر، وهذا ما يفسِّر إستمرار قادتها في إظهار العداء تجاه الشمال على حساب بعض مصالحهم الحيوية. قِصر أو طول مدى هذا التوجه الجنوبي سيعتمد على التطورات داخل الجنوب. الخيار الأكثر حكمة للجنوب سيكون إعطاء الأولوية لمصالحه على فورته الآيديولوجية وإدراك حقيقة أن علاقته مع الشمال أكثر اهمية، وبالطبع أكثر ديمومة من علاقته مع أي بلد آخر. مصالح الجنوب بعيدة المدى تكمن في السودان، وهنالك الكثير من الفوائد التي يمكن أن يجنيها الجنوب جراء تعاونه مع الشمال بدلاً من إنتهاجه لسياسة مواجهة معه. وحتى يحسم الجنوب خياراته سيواصل السودان في إقامة علاقاته مع جيرانه الآخرين لكننا نرى أن قادة الشمال أيضا ينتهجون نهجا لا يقود الى التعاون مع الدولة الجنوبية الوليدة ،فبذات قدر تصلب القادة فى الشطر الجنوبي من السودان نجد ان قادة الشطر الشمالي متصلبون للغاية وعجزوا عن حل كثير من المشاكل التى ستقعد بالبلد ليس أقلها أبيي وترسيم الحدود ولا النفط وربما بسبب هذه القضايا وغيرها يراد للنيران المشتعلة فى جنوب كردفان والنيل الازرق ان تواصل اشتعالها ، فاذا كان قادة الدولة الجديدة حديثي عهد بالمسرح السياسي فأين خبرة ساسة الشمال؟.
الدكتور ارثر اشار فى ورقته الى أن نوعا من عدم الثقة تولد وسط المواطنين الجنوبيين بسبب عدم المصالحة ،واشار الى ان بعض قادة الحركة الشعبية مثلا لا يثقون فى نائب رئيس دولة الجنوب رياك مشار ،على خلفية انشقاقه عن الحركة عام 1991 وانضمامه للانقاذ ،ثم عودته الى صفوف الحركة ،مبينا ان الصراع الطويل الذي دار بين الشمال والجنوب، كان من المفترض ان تعقبه مصالحة وطنية.
*وفى رسالته الترحيبية بالضيوف المشاركين فى الندوة ،قال الدكتور صلاح الزين محمد مدير مركز الجزيرة للدراسات:أن انعقاد هذا الملتقى يأتي بعد مرور عام ،على ندوة مماثلة نظمها المركز، بالتعاون مع معهد أبحاث السلم،بجامعة الخرطوم حول تقرير مصير جنوب السودان ،وتداعياته المحتملة محليا وإقليميا ،وأن انعقاد هذا الملتقى يأتي بعد مرور ستة أشهر على انفصال جنوب السودان وطرح الدكتور الزين تساؤلات رئيسية ، أمام المشاركين وذلك على النحو التالي:
*ماهى أبرز الملامح والتحديات السياسية والأمنية والإقتصادية والاجتماعية فى دولتي السودان بعد انفصال الجنوب؟
*هل تسير الدولتان نحو مزيد من التوتر فى علاقتهما أم ان فرص الشراكة والتعاون ستنتصر وتدفعهما الى التصالح والتعاون والتكامل مستقبلا؟
*ما مستقبل علاقات الدولتين بمنظومتي الجوار العربي والأفريقي؟
*كيف يمكن تعزيز الاستقرار فى الدولتين ،والتعاون والتكامل مع محيطهما الإقليمي؟
مدير مركز دراسات الجزيرة قال ان انشطار السودان الى دولتين فى يوليو الماضي يعد من أخطر التحولات التى شهدتها المنطقة وسيكون له انعكاسات خطيرة على الصعيد السوداني المحلي شمالا وجنوبا وعلى الصعيدين العربي والافريقي ايضا مشيرا الى ان ما حدث لا يعني السودانيين لوحدهم بل يشمل كذلك محيطهم العربي والافريقي والعالم اجمع ودعا المشاركين الى حوار هادف وبناء حول الموضوعات المطروحة فى جدول اعمال الندوة .
*عدد من الخبراء من دولتي السودان ،شاركوا فى فعاليات الندوة، وأمها جمع غفير من الباحثين، ورجال الصحافة ونساؤها ،فضلا عن ثلة من المهتمين بالشأن السوداني من غير السودانيين، ومن أبرز العبارات التى نالت تصفيقا من الحضور:عبارة د/حامد التجاني الاستاذ المساعد لمادة السياسات العامة فى الجامعة الامريكية بالقاهرة حينما قال إنه لم يبقَ أمامهم سوى( الكي ) وهو آخر العلاج لنظام الانقاذ ،داعيا الى تغيير المركز، اقتداءً بالثورات العربية، وفى الورقة التى قدمها وصف الوضع فى السودان بأنه يسرع نحو التفكك والفوضى ، وقال ان دارفور ضمت الى السودان عام 1916 ،وفى التعقيب على ورقته قال د/ الصادق الفقيه الصحافي والباحث والمستشار الصحافي السابق لرئيس الجمهورية، ان انضمام دارفور الى السودان فى عام 1916 واحدة من الاغاليط الرائجة مشيرا الى ان الاستعمار ضم دارفور اليه عام 1916وكانت عصية بمعنى أن دارفور لم يتم ضمها الى السودان بل كانت جزء اصيلا منه ،مشيرا الى ان الدولة المهدية كانت من هناك فى الاصل ، ومن العبارات التى صفق لها الحضور عبارة د/ حامد التجاني مشيرا الى الدكتور عبد الرحيم حمدي الذى كان يجلس على يساره فى المنصة (التنمية كلها محصورة فى مثلث حمدي) فوضع السيد حمدي يده على صدره دليل شكر على الاتهام.
* السيد مصطفى سواق مدير قناة الجزيرة كان من بين الحضور واستهل تعقيبه على اوراق المشاركين بتصحيح كلمة هوية ،مشيرا الى انها بكسر الهاء وليس فتحها وقال إن البعض يرون أن الحكم فى السودان غير شرعي بالكامل فكيف تقوم الدولة بتشكيل نفسها فى ظل وضع كهذا وقال إن الارقام فى غير سياقها لامعنى لها ،مشيرا الى الارقام التى قدمها الاستاذ عبد الرحيم حمدي الذي قال

إن الانفصال السياسي للجنوب حدث بصورة صادمة ومفاجئة وخلق مشكلة اقتصادية، وأننا قد خسرنا النفط لكننا ربحنا الاهتمام بموارد أخرى كانت متاحة في الفترة الماضية كالزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والذهب والصمغ. وقال : إنه يجري الآن إعادة ترتيب بنية الاقتصاد السوداني وفق البرنامج الثلاثي لإنتاج سلع للتصدير تعوض الفاقد من العملات الصعبة.وقال إن البدائل الاقتصادية المطروحة ستعوض كامل الفاقد من النفط، ملفتا إلى أن إيرادات السودان من هذه السلعة منذ بدء الإنتاج وحتى لحظة انفصال الجنوب لم تتجاوز أربعين مليار دولار، نصفها كان من نصيب الشركات الأجنبية المستثمرة في البلد. واعرب عن امله فى ان تسفر المفاوضات الجارية فى اديس ابابا حول موضوع النفط الى تسوية مرضية للطرفين)، حمدي فى السياق ذاته قال إن والده عمل كطبيب فى الجنوب ردحا من الزمن وانه شخصيا عاش هناك بعض الوقت وان ثلاثة من اخوته ولدوا فى الجنوب وانه خال جنوبيين بحكم ان عمه تزوج جنوبية قائلا (هذه مسألة أسرية) جاء ذلك فى سياق تأكيده على ضرورة تعاون الجنوبيين والشماليين فى تقاسم مواردهم غير ان الارقام التى قدمها أمام الحضور لم تجد استحسانا من كثيرين ممن شهدوا الندوة خاصة زميلنا خضر عطا المنان الذى قال فى تعقيبه( انت تخمنا بهذه الارقام وأن محمد أحمد المسكين لم يلمسها فى حياته اليومية)) خضر فى كل مداخلاته كان يبشر بربيع سوداني قادم شاركه أيضا الباحث الدكتور زكريا محمد السيد حينما قدم سؤالا للمحاضرين عن ما أسماها بمذكرة الاسلاميين الألف، وتأثيرها على سناريوهات التغيير القادم غير أن أحدا من الخبراء لم يجب على السؤال .
*الدكتور جون يوه رئيس مكتب اتصال ،حكومة جنوب السودان فى بريتوريا ،اتهم فى ورقته بعنوان :جمهورية جنوب السودان وتحديات بناء الدولة إتهم حكومة السودان بمحاولة السيطرة على النفط وعدم رسم الحدود وحل قضية ابيي مشيرا الى أن التعاون بين الدولتين ضروري وقال إن استقلال جنوب السودان جاء بصورة طبيعية نتيجة لتراكم مشاكل السودان بصورة عامة، حيث اعتاد ساسة السودان على عدم مواجهة المشاكل التي تواجه السودان وتركها لتحل نفسها بنفسها وليس في إطار المؤسسات الموجودة. واعتبر يوه أن عدم القدرة على الاتفاق على برنامج وطني ودستور جديد يوافق عليه شعب جنوب السودان يعتبر تحديا كبيرا يواجه دولة جنوب السودان، حيث أن لكل مجموعة قبلية رؤية خاصة بها، مشيرا الى حضور الجهوية والسياسية والقبلية كتحدٍّ آخر من تحديات بناء الدولة.
*د/ تومبي واني الاكاديمي والمحلل السياسي البارز فى افادة مسجلة له عبر الفيديو خلال الندوة ، حذر من العوامل الخارجية التي تواجه دولة جنوب السودان وتساهم في عدم الاستقرار في عملية بناء الدولة، وحددها بالدور الأميركي ودور الشركات العابرة للجنسية، حيث لم يتوقف الدعم الأميركي لدولة جنوب السودان على تزويدها بالأسلحة، بل من المحتمل أن يمتد لإنشاء قاعدة أميركية في الجنوب مستقبلا حيث سيكون ذلك من العوامل المؤثرة على استقرار دولة جنوب السودان مستقبلا.
*زميلنا الكاتب والصحافي نيال بول رئيس تحرير صحيفة المواطن الناطقة بالانجليزية فى الجنوب ، التقيته بعد سنوات طويله واعطاني بطاقته للتواصل فحينما سألته عن الأوضاع فى الجنوب قال: (دي ورطة كبيرة) وقال إنهم عاجزون عن الفعل كما أن الحكومة هى الأخرى عاجزة عن فعل أى شئ وفى ورقته أمام الندوة تحدث نيال بول عن غياب أرقام إحصائية يستطيع الاستشهاد بها في معرض شرحه للتحدي الاقتصادي الذي يواجه دولة جنوب السودان ،واعتبر أن تأسيس جنوب السودان جاء نتيجة إحباط لدى الناس استنادا إلى قضايا مفتعلة متعلقة بالحرب والنفط والوضع السياسي، وقال إن جنوب السودان لم يكن جاهزا لمرحلة الاستقلال، ولم يكن هناك إعداد مسبق لها، ولم يكن هناك شيء واضح بهذا الصدد. وقال: حتى هذه اللحظة منذ إعلان الانفصال وحتى الآن لا توجد سياسة اقتصادية واضحة لدى حكومة جنوب السودان.
واستعرض بول عددا من المشكلات الاقتصادية التي تواجهها الدولة ، منها عدم قدرة الجنوبيين العائدين من الشمال وجميعهم كانوا في الجيش على الحصول على وظائف لهم في الجنوب، لافتقارهم إلى المهارات المطلوبة، وغياب بنية تحتية يمكن أن تستوعبهم، فالمهارات التي يجيدونها هي الحرب. وقال إن عدد العاطلين هناك 12 مليون عاطل، مشيرا الى إن % 99 من السكان في دولة جنوب السودان لا يعملون.
وتحدث بول عن وجود شعور لدى شعب جنوب السودان الذي احتفل بالاستقلال أن هذا الاستقلال يمكن أن ينجح، وقال إن الجنود السابقين أصبحوا يشكلون مصدرا للمشاكل في دولة الجنوب من خلال قيامهم بعمليات السطو المسلح والجرائم، وتحدث عن تناقضات الحركة الشعبية (الحزب الحاكم) التي كانت تتحدث باسم المهمشين، وقال بول إن هناك تحديين هامين أمام دولتي السودان هما : جبال النوبة وقضية النفط، فجبال النوبة تمثل كشمير أخرى وعلى الدولتين السعي لحلهاوالاتفاق على اقتسام الموارد، كما تحدث عن دعم كل دولة لمليشيات الدولة الأخرى.
*شارك فى تقديم اوراق عمل الندوة كل من د/ حسن الحاج على عميد كلية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية بجامعة الخرطوم ود/ البخاري عبد الله الجعلي الخبير القانوني فى لجنة ترسيم الحدود بين دولتي السودان الذي اتهم الجنوبيين بافشال عمل اللجنة بسبب تغيبهم الدائم عن حضور الاجتماعات مبينا ان 80% من الحدود تم الاتفاق عليها وأن الـ 20% المتبقية هى العصية على الآفاق تشمل مناطق جودة فى النيل الأبيض والمقينص وحفرة النحاس وهجليج التى ادخلها الجنوبيون مؤخرا ووصف هذه المشكلة بانها اخطر المشاكل التى ستواجه الدولتين وانها قد تقود الى حرب بينهما إن لم يتم حلها .
*أبيي كانت حاضرة بقوة فى اعمال الندوة حيث قدم د/عبد الكريم الكوني اخصائي السياسة الصحية باليونسيف فى نيجيريا ورقة بعنوان تعقيدات العلاقة بين دولتي السودان مؤكدا ان قبيلة المسيرية قطنت فى المنطقة منذ القرن السابع عشر بينما وصلها دينكا نوك فى القرن التاسع عشر وان القبيلتين تعايشتا لمدة 150 سنة وبينهما تصاهر لكن السياسة تريد الان تدمير هذه الوشائج بعد ان دمرت الحرب الانسان والحيوان والبنيات ودعا الى تنمية المنطقة .
*المرأة كانت حضورا فى فعاليات الندوة فالى جانب د/ اماني الطويل بمركز الاهرام للدراسات التى ترأست احدى الجلسات وقدمت ورقة عمل حول انفصال الجنوب والتفاعلات الاقليمية والدولية كانت الدكتورة بلقيس يوسف بدري مديرة المعهد الاقليمي لدراسات الجندروالتنوع والسلام وحقوق الانسان بجامعة الاحفاد للبنات قدمت ايضا ورقة حول تعقيدات العلاقة بين الدولتين واقترحت حلولا غير تقليدية لمشكلة أبيي وجنوب كردفان وخلق توأمة بين الدولتين فى مجالات عديدة وتأجيل حل القضايا الشائكة للأجيال القادمة.
* من مداخلاتهم:
*قريتي فى أقصى شمال السودان تفتقر لأبسط الخدمات التعليمية والصحية فهل نحن مهمشون وكذلك الحال فى الشرق ماهو الهامش فى دارفور دائما الحديث عن الهامش عرق لماذا؟؟نجاة محمود/ باحثة.
*هناك مشكلة فى السياسات الاحصائية/د0 محمد محجوب هارون مدير معهد ابحاث السلام بجامعة الخرطوم.
*الدين الخارجي للسودان36 مليار دولار/ د. عبد الرحيم حمدي وزير المالية الأسبق.
*على متمردي دارفور أن يكسبوا السودان ولا يخسروه لأنه لو حدث انفصال هناك فسوف يحدث اقتتال داخلي/ د/ اماني الطويل / مديرة وحدة الدراسات الافريقية بمركز الاهرام.
*لا يمكن للنفط الا أن يكون عامل سلام ولابديل لدولتي السودان سوى التعاون/د. خالد التجاني رئيس تحرير ايلاف السودانية.
*حكومة السودان رعناء، تصرف على التعليم فى السودان 1.3مليار وصرفت على الحرب 35 مليار دولارولابد من الكي/د. حامد التجاني /استاذ بالجامعة الامريكية بالقاهرة.
*كاتب وصحافي سوداني مقيم بقطر
أرجوكم لا تستخرجوا مزيداً من النفط
د.عبد اللطيف سعيد

أجاب أحد المسؤولين الكبار فى الحكومة السويسرية لمّا سألوه: لماذا ليس لسويسرا جيش؟ قال: لأنه ليس لدينا نفط!!
وينسب للرئيس السنغالى أنه يعارض على طول الخط استخراج النفط فى بلاده ويقول كلاماً فحواه أن «الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها».
وحدثني أحد الإخوة العلماء أن أحد علماء الجيولوجيا الكبار المشهورين في ذلك المجال، يرى أن النفط مدمر للتربة، وأن الأرض التي يمكن أن تزرع لآلاف السنين لن تصلح للزراعة إذا استخرج من باطنها نفط.
وقال رجل من إحدى دول أمريكا الجنوبية المشهورة بزراعة قصب السكر لرجل من بلد نفطي معروف في إفريقيا: «نحن أغنى منكم لأن غنانا دائم وقائم على الجهد البدني وأنتم كسالى وغناكم قصير العمر».
لا أريد أن أنفي أن النفط مصدر أساسي من مصادر الطاقة، وأنه من أكثر المصادر إدراراً للمال الضخم السهل السريع. ولكنه مع ذلك من أكثر الثروات خلقاً للصراعات والحروب، وأكثر الثروات جذباً للأطماع الدولية، ولا تكاد تخلو بلد فيها نفط من القواعد الأجنبية والوجود العسكري الأجنبي ظاهراً كان أو مستتراً.
ولأن النفط ثروة سهلة وكبيرة ومتناقصة فإنها تخلق أمماً عاجزة استهلاكية قانعة خاصة خارج أمريكا وأوربا والعالم الأول، حيث تَشتري تقنيات استخراج النفط وتكريره بسلب استقلال الأمم مما يجعلها تقريباً أمماً مستعمرة مع وقف التنفيذ، وحتى مع التنفيذ فى حالة مدافعتها لذلك.
يشبه أحد الإخوة مواطني الدول النفطية الاستهلاكية وهم نائمون تحت ظل النفط الذي حالما سينقشع، بموظف الحكومة المغفل الذي يبقى لعشرات السنين في بيت الحكومة وينسى أن يبني لنفسه بيتاً، فيفاجئه المعاش بشمس عدم المأوى الكاوية.
فالمواطن في البلد النفطي لا يكتسب المهارات ولا يرى أنه محتاج لذلك، فالنفط يوفر له السكن والعربة والرفاهية، ولا يرى سبباً يجعله يكدح، فكل شيء متاح فلماذا يشقى؟ بل ولماذا يدخر؟ فلهذا تجدهم يبذرون في الطعام والأثاث والمال برعونة علمتهم لها هذه الثروة السهلة المسمومة.
قد يقول قائل: ولكن حتى في بلاد العالم الأول يوجد نفط مستخرج، فأقول إن ذلك صحيح، ولكن النفط المستخرج هناك يستعمل في الزراعة والصناعة والتجارة، ولا يستهلك استهلاكاً أبله كما هو الحال هنا، بل إنهم يدخرون نفطهم قدر المستطاع، ويستهلكون نفط الآخرين لأنهم يعلمون أنهم يتعاملون مع مادة آيلة للنفاد.
قالت قاضية نيجيرية أوكل إليها أمر محاسبة المفسدين في بلادها: «إنني أعجب من قومي ينهبون مال نفطنا ويذهبون به للخارج بكميات يعجزون عن استهلاكها لأجيال، ويبنون به بيوتاً هناك لا يسكنونها، وإذا ماتوا منع ذلك المال النيجيري من العودة إلى نيجيريا».
مال النفط حلو حلاوة قصيرة تعقبها مرارة تقطع الحلق إذا لم يستعمل لخلق التنمية الحقيقية في المجالات الحقيقية.
فلا بد لنا في السودان من وضع هذه الفكرة الأساسية في أذهاننا قبل أن نفكر في استخراج أي نفط جديد، ومن الضروري واللازم الاستفادة من تجربة استخراج نفطنا الأولى، ففيها عبرة لمن يعتبر.
هل يمكن لحزب الأمة والقوى السياسية ان تكون محايدة في ما يدور من صراع بين المؤتمر الوطني وقوى الهامش؟؟
العلاقة بين حزب الأمة وقوى الهامش
مبارك الفاضل المهدي:
٭ إن خطأ تأسيس الدولة السودانية الذي وضع حجره الاساسي الاستعمار البريطاني بعد معركة كرري وسارت عليه الانظمة الوطنية بعد الاستقلال اختصر التنمية والتعليم في بعض مناطق الوسط السوداني على ضفاف النيل، وأهمل غرب السودان، وشرقه، واجزاء من وسطه، أما الجنوب فقد مورست عليه سياسة الستار الحديدي (المناطق المقفولة) وترك دون تنمية أو تعليم، وزاد الطين بله محاولة الانظمة الوطنية المتعاقبة ان تفرض عليه بالقوة الثقافة العربية الاسلامية.
إن غالبية سكان المناطق المهمشة في غرب وشرق ووسط السودان تدين بالولاء للانصارية وحزب الأمة، وبالتالي فإن سياسة التهميش التي أسسها الاستعمار لم تكن مصادفة، بل كانت سياسة تستهدف إضعاف سكان المناطق التي ناصرت الثورة المهدية وإخضاعها لسلطان الدولة في المركز. لقد ساندت النخب المتعلمة من الوسط النيلي التي مكن لها الاستعمار من الادارة المدنية، والعسكرية، والاقتصادية هذه السياسات لأنها اختيرت من خلفية معادية للثورة المهدية لم تستطع قيادات حزب الأمة المتعاقبة بعد الاستقلال من ان تكسر هذا الطوق رغم حصولها على الاكثرية النيابية لأن هذه السياسات كانت متجذرة بصورة قوية في الدولة السودانية.
لقد جاءت الجبهة الاسلامية القومية بانقلاب الانقاذ في 03 يونيو 9891 فاتبعت سياسات اقصائية عنصرية ادت الى تفجير الاوضاع المحتقنة أصلاً في البلاد، وشنت حربا جهادية دينية عرقية في الجنوب انتهت بانفصال الجنوب، وجففت القليل من مشاريع الإعاشة والخدمات في دارفور، فتفشت البطالة، والفقر المدقع والعطش وتقاتلت القبائل على الماء والمرعى، وانتفض أهل دارفور يحتجون فواجهتهم الانقاذ بالسلاح والنار والإبادة، فانفجرت الحرب في دارفور ودخلت عامها التاسع واصبحت أزمة دولية.
ولاية النيل الازرق وجنوب كردفان قاتلتا مع الجنوب في الحركة الشعبية، وعندما انفصل الجنوب حاولت الانقاذ تجريدهم من السلاح بالقوة بدلاً عن معالجة تظلمات هذه المناطق المتمثلة في المطالبة بالتنمية، والخدمات والمشاركة السياسية، والاعتراف بالهوية الافريقية لسكان هذه المناطق ومعتقداتهم الدينية والروحية.
إن اندلاع الحرب الحالية في ولايتي النيل الازرق وجنوب كردفان، ونذر عودة الحرب في شرق السودان والمجاعة التي تضرب هذه المناطق تشكل ركنا أساسيا من أركان أزمة الحكم، وخطأ تأسيس الدولة السودانية ومظالم التهميش التي تمر بها بلادنا اليوم بجذورها التي غرست منذ عهد الاستعمار وعبر الانظمة الوطنية المتعاقبة مدنية وعسكرية.
إن الحل لهذه الحروب يكمن في الاعتراف بأزمة الحكم، والتوافق على إعادة بناء الكيان السوداني بصورة تحقق الانصهار القومي، والاستقرار السياسي، والعدالة والتنمية المتوازنة من خلال مؤتمر يتوصل الى ترتيبات دستورية وسياسية تشارك فيه كافة القوى السياسية والمسلحة لوضع أساس جديد للحكم في السودان.
إننا في حزب الأمة ننهج ونعتمد النضال السياسي السلمي بما كفله لنا الدستور في وثيقة الحقوق والحريات لإسقاط الوضع الشمولي الحالي، وكسر احتكار السلطة والثروة لفئة حزبية صغيرة وتحقيق السلام والتغيير المنشود عبر الانتفاضة الشعبية.
ولكننا لا نستطيع ان ننكر على الآخرين من قوى الهامش حقهم في النضال المسلح والدفاع عن النفس في مواجهة عنف نظام الانقاذ واعتماده على الحلول العسكرية وتجييشه للمليشيات الحزبية والقبلية خاصة ونحن في حزب الأمة حملنا السلاح في عام 6791 في مواجهة صلف نظام نميري، وحملناه مرة اخرى في مواجهة صلف وعدوان الانقاذ في الفترة من 6991 الى عام 0002م، ولكننا قوى سياسية ذات تأثير على نطاق المجتمع السوداني كله، يُعلي قيمة العمل السياسي السلمي، وننظر للعمل العسكري بأنه استثناء لرد العنف والعدوان ورد صاحبه للرشد والاعتدال في التعامل مع الآخر، في المقابل فإن قوى الهامش لبعدها عن دوائر التأثير على القرار في المركز لا تجد غير العمل المسلح وسيلة لإسماع صوتها ومظالمها لمركز القرار خاصة وأن الانقاذ ظلت تعلن وتدعو وتتحدى كل معارض وصاحب رأي لحمل السلاح حتى تعترف به وتجلس اليه لتتفاوض.
إن الحروب الحالية حرب بين حزب ومواطنين سودانيين لهم مظالم وحقوق يطالبون بها ولذا نحن نرفض زج الجيش الوطني في معارك وحروب أهلية، فالجيش الوطني يجب ان يعبر عن جميع أهل السودان ويذود عن حدود الوطن، بالتالي نرفض نعت الحركات المسلحة بالعمالة والارتزاق وكل اشكال هذه الاساءات فهؤلاء مواطنون لهم حقوق يجب ان تحترم وتبحث سلمياً.
إن إنهاء هذه الحروب وحل هذه المشكلات سلمياً مسؤولية الحكومة الحالية في المقام الاول فعليها ان تقبل بوقف اطلاق النار والجلوس مع أهل السودان لايجاد تسوية تحقق السلام وتحافظ على وحدة وكيان الدولة السودانية.
إن حزب الأمة جزء لا يتجزأ من قوى الهامش في السودان، فالثورة المهدية انتقلت من النيل الابيض وجبال النوبة ووجدت سنداً قوياً من سائر قبائل الغرب في كردفان ودارفور والوسط والشرق، والشمال، وشكل نواب دارفور وكردفان نصف نواب حزب الأمة في الجمعية التأسيسية عام 6891 كما نال حزب الأمة 99% من المقاعد في دارفور الكبرى، ولذا فإن حزب الأمة وكيان الانصار هو الحزب والكيان الواصل بين الهامش والوسط في غياب الانصهار القومي في السودان فإن قضية الهامش هى قضيتنا ومن يقاتلون هم أبناؤنا حتى ولو اختلفنا معهم في الوسائل، فإن حزب الأمة في ظل هذه الوقائع والحقائق لا يمكن ان يكون محايداً.
لقد درجت الانقاذ عبر ابواقها وقياداتها وأجهزتها على ابتزاز المعارضين السياسيين واصحاب الرأي من خلال محاولة تخويفهم ونعتهم بالخيانة والعمالة والطابور الخامس كلما يعلنوا او يصرحوا بآرائهم أو كتبوا حول ما يجري من صراع بين المؤتمر الوطني وقوى الهامش في دارفور وجنوب كردفان والنيل الازرق محاولين تصوير هذا الصراع وكأنه بين الوطنية السودانية ومارقين عليها وهذا امر مرفوض من جانبنا كحزب وقادة سياسيين لنا حقوق واسهامات في هذا الوطن، ويهمنا امنه وسلامته وحقن دماء أبنائه.
لذلك فنحن نسعى ونلتقي ونتحاور كلنا مع كافة أبناء الهامش في الحركات المسلحة، وفي المعسكرات، وفي المهجر، والمدن والفرقان لنتعرف على آرائهم ومطالبهم والحوار معهم حول الشأن الوطني ومستقبل الوطن.
ونقول للمؤتمر الوطني وأجهزته بأنه لا حاجة لنا في ان نسترق بندقية الحركات المسلحة لنقاتلهم أو ندير حرباً بالوكالة عبر قوى الهامش لأننا عندما قررنا حمل السلاح فعلنا ذلك بالقدر المطلوب لتحقيق الهدف وهو فتح الساحة السياسية للنضال السياسي الذي هو مجالنا، فتطوع منا وقاتل المهندس والطبيب والمحامي والعسكري النظامي، فحزب الأمة حزب صاحب قاعدة ثورية يستطيع تجييش عشرات الالاف ولكننا في المقام الاول قوى سياسية صاحبة اغلبية متمسكة بمباديء الديمقراطية والعمل السلمي.
للاسف ورغم وضوح الموقف تلجلج وارتبك بعض القادة في المعارضة في مواجهة ما وقع من أحداث بين قوى الهامش والانقاذ متأثرين بجو الارهاب الفكري أو طامعين في نيل رضاء الانقاذ ليفوزوا بالمال والسلطة.
وفي الجانب الاخر فإن بعض الحركات المسلحة تتوهم ان العمل المسلح هو البداية والمنتهى، والطريق الى الخلاص والسلطة، لذلك ينظرون الى العلاقة مع القوى السياسية بالريبة، ويفسرون دعوة القوى السياسية لهم للحوار والاتفاق على المطالب القومية بأنه محاولة لسرقة عرقهم، ودمائهم للتسلق للسلطة، وهذا ايضاً وهم كبير فالحرب ما هي إلا تحريك لاجندة الحوار والاتفاق السياسي، وأى حركة بدون بعد سياسي تصبح معزولة ينتهي دورها ويخفت صوتها مع وقف اطلاق النار.
إن معطيات السياسة والاقتصاد وأجواء التغيير التي تهب في منطقتنا العربية تؤكد ان ظروف التغيير في السودان قد نضجت، وأن العمل المسلح لن يحقق التغيير وحده، بل العمل المسلح يستنزف النظام الشمولي، ويحيد الطرف لينتقل الحل الى طاولة الحوار.
الشعب يريد مكافحة الفساد
محمد كامل

أصبح حديث الناس في المدينة يدور حول المذكرة التي قيل إن قياداتٍ في الحركة الإسلامية السودانية رفعتها الى قيادتها وهم قادة الحكم كذلك ، ومثار حديث الناس ان ما تسرب عن فحوى المذكرة يشير الى ان الحركة الاسلامية بدأت فعلياً تصحو من ثباتها وتعلن غضبتها ضد الفساد المستشري في البلاد والذي اصبح عنواناً للحياة في السودان وخلق وسط السودانيين طبقتين لا ثالثة لهما طبقة تعيش في بحبوحة من العيش وتتمتع بكل سبل الرفاهية وخدمات الصحة والتعليم والسفر والتحويلات والتمويل الاصغر والاكبر والاوسط ومادون ذلك، ويحوزون على افضل القطع السكنية والعمارات الشاهقة والڤلل الفخمة، وطبقة مسحوقة بالكاد تجد قوت يومها وتناضل ضد تيار الغلاء الفاحش وارتفاع اسعار الضروريات ولا تستطيع توفير مطلوبات التعليم الخاص والعلاج الخاص وحينما تضطر للذهاب الى المستشفيات الحكومية لا تجد حتى القطن والشاش ناهيك عن الدواء والطبيب المداوي .
ان أمر مذكرة الاسلاميين جد محير والرأي العام يتساءل عن النص الحقيقي للمذكرة ويريد ان يعرف اسماء الرجال الذين رفعوها لانه من المهم جداً معرفة رجال الحق في زمن الباطل بعد ان استشرى الفساد وضرب بأطنابه في كافة الارجاء ولوث ثياب الكثيرين حتى لم يعد ممكناً اخراج رجل نظيف واحد من ضمن ثلاثة رجال مشهود لهم بالاستقامة ، ان هذه المذكرة الغامضة يجب ان تكشفها الجهات المختصة للرأي العام ويتوجب على كاتبيها ورافعيها ان يفصحوا عن انفسهم فالحق أحق ان يتبع ولا داعي للمواربة خصوصاً وان الانباء رشحت من الخارج عن وساطة يقودها التنظيم الدولي للاخوان المسلمين ودولة قطر الشقيقة تشخص الازمة في السودان وتشير الى مواضع المرض ومظان الإصلاح والمعالجة .
ان ما رشح عن فحوى المذكرة يتعلق بوجود رغبة قوية من بعض المصلحين لمحاربة الفساد ومن الواضح انهم حددوا مواضعه وقرروا محاربته وأنا أراهن على ان هؤلاء الرجال ( ليسوا جبهة ) وانما هم حركة اسلامية ضاربة بجذورها في الارض ، وانهم حاولوا من قبل محاربة الفساد حينما استجابت رئاسة الجمهورية للدعاوي الملحة وقررت انشاء مفوضية مكافحة الفساد ، ثم انه يبدو على الارجح ان الشيطان واعوانه شمروا سواعدهم لإجهاض الفكرة وعرقلوا تكوين المفوضية وجعلوا رئاسة الجمهورية تتراجع عن الخطوة ، ثم انه على ما يبدو اعاد هؤلاء الرجال الكرة وطالبوا مجدداً بمحاربة الفساد ولذلك استجابت رئاسة الجمهورية مؤخراً وقررت تكوين مجلس رئاسي للاستثمار وهي خطوة تعد الفريدة في تاريخ السودان ان تضطر رئاسة الجمهورية للاشراف على الاستثمار وملف الاراضي بنفسها ، ثم انه جرت تحت جسر الايام التي تلت اعلان بعض الوجوه في التشكيلة الوزارية الاخيرة - والتي يبدو انها لم تكتمل بعد على خلفية القرارات اليومية المستمرة في هذا الخصوص - جرت مياه كثيرة نتجت عنها المذكرة الغامضة التي نحن نبحث عن نصوصها - الاصلية وليست المفبركة - وعن شخوصها الميامين وفي الذهن ان الخبر الذي يستعصى علينا اليوم سيكون متاحاً غداً.
ولأننا اصحاب قدرات متواضعة في تحليل الخفايا نريد ان نشير الى بعض الإضاءات التي حدثت في اوقات سابقة لننظر هل كانت تعبر عن بروز المذكرة في المستقبل ؟ ان الوعد ثم النكوص عن تكوين المفوضية كان إضاءة واضحة ثم إن خطاب مولانا ابراهيم احمد عمر في مؤتمر شورى الحزب الحاكم كان محاكمة للتجربة اكثر منه انتقادات موضوعية وهي اضاءة قوية ثم نعطف على افرازات اعلان الوجوه المكرورة في تشكيلة اطلق عليها ( جديدة ) مروراً بعملية اشراك الحزب الاتحادي جناح الميرغني في بعض الوزارات بهدف نسف تماسك تحالف المعارضة وما نتج عن الخطوة الفطيرة من بلبلة في الساحة السياسية وعدم استقرار وما فرخته من نتائج سالبة أدت الى احتدام الغضب وسط الإطار الضيق للنخبة الحاكمة .
الأمن يعالج القانون!!
محجوب فضل بدري

* تبدو المعادلة غير منطقية!! فكيف للأمن أن يعالج القانون؟ الصحيح هو أن الأمن ينفذ القانون ويطبِّقه.. ويستند على مواده القانونية ويمارس بها سلطته في إستدعاء شخص أو إعتقاله أو إستجوابه.. أو يعلِّّّّّّّّق صدور صحيفة أو يُغلقها بالضبة والمفتاح ويصادر ممتلكاتها ويحجز على أموالها ،وكل ذلك بصحيح «القانون» الساري المفعول!! إذن فالقانون هو الذي يعالج الأمن ليمنحه أو يمنعه صلاحيات محددة لا يجوز تجاوزها، لذا فإن المعارضة لا تطالب بحل جهاز الأمن ولكنها تطالب بإلغاء القوانين المقيِّدة للحريات.. وبالتالي يصبح الأمن بلا أنياب ولا أظافر لتنحصر مهامه في جمع المعلومات وتحليلها ومن ثم تقديمها للجهات المختصة لترى رأيها فيها. وقد أبدى جهاز الأمن والمخابرات حيوية دافقة ومرونة كافية في معالجة الكثير من قضايا البلاد ومشكلاتها فقد كان ولا يزال «يسدّ الفَرَقَة» في أي مجال يرى فيه فراغاً قد يتحول إلى مهددٍ أمني وهو الذي يُناط به الحفاظ على أمن البلاد والعباد.. ولقد رأينا صولات الأمن وجولاته في ميدان الإقتصاد والإعلام «والإعتصام»!! وفي ميدان السياسة وفي ميادين القتال.. وفي التخطيط الإستراتيجي والعلاقات الخارجية.. ويُحفظ لمدير الأمن السابق صلاح قوش «مع حفظ الألقاب» مبادراته التي جعلت من جهاز الأمن «صديقاً» مقرَّباً بعدما كان في أذهان الكثيرين «لصيقاً» مرعباً.. وتشكلت الصورة الذهنية عن رجل الأمن في وجهه المتجهم الذي تغطي معظمه نظارة سوداء ويتكلم من «طرف نخرته» ويرمقك بنظرات حقارة ويحسب أنه الأكثر وطنية من الجميع وينفذ قانونه بغلظة بشعة ولا يتورع عن إهدار كرامتك ودوس إنسانيتك وإذلالك وإعتقالك وعدم تقديمك لأية محاكمة عادلة أو غير عادلة. وأجهزة الأمن في جميع دول العالم الثالث ترسَّمت خطى أجهزة الأمن العالمية سيئة السمعة والصيت مثل.. الجستابو.. والأم آى.. والسي آي إيه.. والموساد.. والكي جي بي.. والسافاك.. خطوة خطوة وزادت عليها بشاعة بتبعيتها لأنظمة ديكتاتورية باطشة لا يردعها قانون ولا يوقظها ضمير حتى غدت مضرب المثل.. ودونكم أجهزة الأمن في مصر مبارك.. وسوريا بشار.. وليبيا معمر.. وتونس بن على.. ويمن صالح.. أما بلانا ففي أكثر نظم الحكم ديكتاتورية «مايو نميري» لم تسجل على جهاز الأمن القومي أيَّة مخالفات خطيرة ولم يتمكن أعداء مايو من تقديم أي شواهد أو شهود تدين جهاز الأمن الذي سارع سوار الذهب وتسرَّع في حله.. وسار العملاء الأجانب مع المتظاهرين فرحةً بذلك القرار المعيب والذي دفعت بلادنا ثمناً غالياً جرائه ولاتزال..
* ومن منطلقات عقدية ووطنية تطوّر مفهوم الأمن الوطني عندنا ليقوم بالعمل على إمتلاك الدولة لعناصر الإستراتيجية «الشاملة» لتحقيق وتأمين أمن الإنسان.. والمجتمع.. والبيئة.. والموارد.. وحفظ حقوق الأجيال القادمة.. وحفظ الأمن والسلام الدوليين.. وأصبح جهاز الأمن والمخابرات الوطني مؤسسة قومية عالية التدريب مفتوحة الأبواب والنوافذ وذات علاقات إجتماعية وفنية ورياضية وثقافية وطلَّقت بالثلاثة إسلوب البوليس السياسي.. فأصبح «الأمن يعالج «القانون» والقانون هنا هو نجم كرة القدم السابقة بنادي المريخ كابتن برعي أحمد البشير ولقبه «القانون».. أنا لا أعرف عهداً ذهبياً لكرة القدم في بلادنا حتى أقول إنَّ «القانون» كان من أبطال السودان في العهد الذهبي إذ أننا لم نحرز أية بطولة إقليمية أو عالمية في ذلك العهد الذي كنا فيه ثالث ثلاثة من المؤسسين للإتحاد الإفريقي لكرة القدم وصرنا بعد ذلك «تمومة جرتق» في هذه اللعبة التي أدمنَّا فيها الهزائم المنكرة والمتكررة إلَّا من يتيمة البطولة الإفريقية التي نظَّمناها إبَّان عهد النميري وفزنا بها كتقليد أفريقي يمنح رئاسة الدورة للدولة المضيفة!! مثل رئاسة السودان لإتحاد الإذاعات والتلفزيونات العربية في دورته التي عقدت في السودان.. وخاطب جلستها الإفتتاحية مساعد رئيس الجمهورية وخاطب جلستها الختامية السيد رئيس الجمهورية مع كونها لا تعدو أن تكون إجتماعاً روتينياً لا يرقى لمقام «وزير إعلام» ولا يجد ضيوفه من يستقبلهم في المطار دعك من أن يتكفل بمصاريف الإقامة والإعاشة والترحيل «كل واحد ياكل نارو إلا عندنا» بكرمنا «الحاتمي»!!!
* لا بد من تسجيل صوت شكر لجهاز الأمن والمخابرات الوطني الذي يدعم بسخاء مثل هذه الحالة الإنسانية ومثلها كثير.. ولكن أين المؤسسات التي ينضوي تحت لوائها هؤلاء «المعوزين» الذين سكبوا جهدهم وحرقوا زهرة شبابهم وأعطوا وما استبقوا شيئاً؟؟ لماذا لا يتكفل السيد جمال الوالي بعلاج «القانون» الذي أفنى حياته من أجل المريخ «العظيم»؟!!! أين الأقطاب الذين يصرفون أموالهم «سفاهةً» في موسم تنقلات وتَسجيل اللاعبين حتى إذا ما قلَّ عطاؤهم لفظوهم كالنواة وعاملوهم معاملة الفلتر «فلتر السيجارة» الحمراء طبعاً !! ولماذا تطالعنا الصحف وهي تخاطب المسئولين وذوي القلوب الرحيمة والذين لا تظهر رحمتهم إلا للمشاهير من النجوم وقد تكفي فاتورة علاج نجم واحد لإنقاذ مئات المرضى والمتعففين من الذين لا يجدون ما ينفقون ولا يسألون الناس إلحافاً ولا يريقون ماء وجوههم عند أبواب السلاطين؟؟
* إنَّ من المعيب حقاً أن «تضرب» الجهة المسئولة «طناش» ويتولى الأمن القيام بواجباتها بدلاً منها.. يعني الأمن يلحق شنو ويخلي شنو؟ تساءل الأستاذ المرحوم سيد أحمد خليفة في إجتماع بمباني جهاز الأمن برئاسة مديره السابق صلاح قوش.. وكان موضوعه الإعلام.. وقال أبو السيد «وين وزير الإعلام ووزارة الإعلام ؟ ده ما شغلهم؟.. إذا ما قادرين ولَّا ما عايزين أرفدوهم وجيبوا غيرهم يشتغل!!» وكان رد قوش «جهاز الأمن بيسد أي فَرَقَة يرى فيها مهدداً أمنياً» ولم يجد أبو السيد جواباً شافياً.. والآن.. جهاز الأمن ليس مؤسسة خيرية.. ولا هو التأمين الصحي.. ولا ديوان الزكاة.. ولا هو الزعيم.. ولا سيد البلد!!.. أليس من مهام الأمن القومي بمفهومه الشامل تفعيل المؤسسات وسيادة حكم «القانون»؟! مع أطيب التمنيات «للقانون» بعاجل الشفاء.. وأجزل الشكر لجهاز الأمن والمخابرات الوطني.. ولصحيفة الأهرام اليوم..
* وصحِ النوم يا مؤسسات ويا ذوو القلوب الرحيمة.. ولا ده ما شغلكم؟
وهذا هو المفروض