مجلس الأمن يجدد ولاية فريق الخبراء بشأن دارفور
مجلس الأمن حث حكومة السودان وحركة التحرير والعدالة الايفاء بالتزاماتهما
اعتمد مجلس الأمن الدولي يوم الجمعة القرار الروتيني الدوري بتجديد ولاية فريق الخبراء المشكل بموجب القرار 1591 (2005) بشأن دارفور، وظل مجلس الأمن يقوم بتجديد هذا القرار كل عام منذ العام 2005م.
غير أن القرار هذه المرة اشتمل على جوانب إيجابية وذلك في ضوء توقيع وثيقة الدوحة للسلام في دارفور وانطلاقة السلطة الإقليمية لدارفور المنشأة بموجب تلك الاتفاقية.
ورحب مجلس الأمن ببدء ممارسة السلطة الإقليمية في دارفور لمهامها كخطوة هامة تجاه تطبيق وثيقة الدوحة للسلام. كما اعترف المجلس بأن نزاع دارفور لا يمكن حله بالعمل العسكري. وأن الحل الدائم لا يتحقق إلا عبر عملية سياسية شاملة.
وأكد مجلس الأمن في قراره الجديد دعمه لجهود التوصل لحل شامل للنزاع في دارفور وترحيبه بوثيقة الدوحة كأساس لهذه الجهود. مشيراً إلى الحاجة للمزيد من الجهود لإكمال العملية السياسية.
وحث المجلس حكومة السودان وحركة التحرير والعدالة الإيفاء بالتزاماتهما المضمنة في وثيقة الدوحة، كما دعا الأطراف الأخرى خاصة الحركات المسلحة التي لم توقع وثيقة الدوحة لإبداء النية للتفاوض بدون إملاء شروط مسبقة ودون أي تأخير وعلى أساس وثيقة الدوحة.
حريق يلتهم مكاتب الحركة الشعبية في جوبا
النيران التهمت مكتب الأمين العام للحركة الشعبية باقان أموم
التهمت نيران مكاتب الحركة الشعبية بدولة جنوب السودان بعد ظهر الجمعة، حيث اجتاحت النيران مكتب الأمين العام باقان أموم، وأحالته إلى رماد. وقال مسؤولون إن شرارة انطلقت من جهاز التكييف في قاعة المؤتمرات كانت وراء الحادث.
ولاحقاً امتدت النيران بسرعة للمكاتب الأخرى، وقالت الشرطة إنها لا تزال تحقق في سبب الحريق، وأكد وزير الإعلام برنابا ماريال بنجامين أن التحقيق من شأنه أن يضاف إلى حادثة اندلاع حريق منزل رئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت الأسبوع الماضي، مضيفاً أن الشكوك تتزايد حول اشتعال تلك النيران، نظراً لأنه هو ثاني حادث رئيسي من نوعه في أقل من شهر.
وذكرت «الإنتباهة» الصادرة في الخرطوم أن مكتب باقان المحتَرَق يحتوي على أوراق ووثائق مهمة بشأن صفقة السيارات المتهم فيها باقان باختلاس «30» مليون دولار فضلاً عن كشوفات عضوية الحركة في الولايات، والتي احترقت بالكامل.
طه: "البحر الأحمر" أرست للسياحة الطاهرة
طه: جميع محاولات التربص بالسودان ستتكسر عند بوابة الشرق
قال النائب الأول للرئيس السوداني علي عثمان محمد طه إن جميع محاولات التربص بالسودان ستتكسر عند بوابة الشرق، وقال إن ولاية البحر الأحمر أرست للسياحة "النظيفة والطاهرة" التي تحافظ على قيم الدين والمجتمع.
وأكد طه الذي خاطب ختام مهرجان السياحة والتسوق ببورتسودان مساء الجمعة أن المهرجان جمع مقاصد الدين بالترويح الحلال و"أرسى للسياحة النظيفة والطاهرة التي طالما اشتاقها أهل السودان".
وأشار إلى أن السياحة في عالم اليوم مدعاة للخروج عن القيم والأخلاق، لكن السياحة في البحر الأحمر أثبتت أنها يمكن أن تكون في إطار الأخلاق دون المساس بالدين، وزاد: "نفخر بالغناء العاطفي للفنان محمد الأمين الذي لا يحقر القيم، كما نفخر بالعروض التراثية التي تنم عن الرجولة".
بوابة محروسة
طه يشيد بتجربة والي البحر الأحمر في (الغذاء مقابل التعليم) والتي زادت من إقبال الأطفال على المدارس، قائلاً إن الفقر ليس عيباً ولكن العيب في الجهل والكسل
"وقال طه إن الشرق بوابته محروسة، وتابع: "من هنا نقول أرمي قدام ورا مؤمن"، وأضاف أن أهل الشرق حفظوا الكرامة بكسرهم للمربع الإنجليزي بقيادة الأمير عثمان دقنة ـ أحد قادة المهدية. وزاد "كل محاولات التربص بالسودان ستتكسر عند بوابة الشرق".
وأشاد بتجربة الوالي في "الغذاء مقابل التعليم" والتي زادت من إقبال الأطفال على المدارس، وقال إن الفقر ليس عيباً ولكن العيب في الجهل والكسل.
وتعهد النائب الأول للرئيس بمد شبكات الطرق بولاية البحر الأحمر وربط كل القرى بالكهرباء والصرف الصحي والتعليم والصحة، وقال إن ميناء بورتسودان سيشهد صادرات النفط بأقوى مما كان في السابق، بجانب صادرات المعادن "ذهبا أصفر رنان".
موارد السياحة

من جانبه أكد والي البحر الأحمر محمد طاهر إيلا أن مهرجانات السياحة والتسوق وفرت لولايته موارد مالية مقدرة عبر تحريك العديد من القطاعات.
وطالب إيلا الحكومة المركزية بدعم جهود ولايته في مجالات الترويج والتدريب وتهيئة مناخ بتوفير البنية التحتية عبر ربط المنتجعات والقرى السياحية بالطرق القومية وتوفير الطاقة الكهربائية.
وأضاف والي البحر الأحمر أن الولاية على استعداد لاستقبال كل السودانيين الذي كانوا يغادرون البلاد للسياحة في الخارج.
وأوضح أن ذلك يؤهل الولاية لتحافظ على العملات الصعبة وتحافظ على الأخلاق والتقاليد عبر السياحة الداخلية، فضلاً عن استقبال السياحة الخارجية في شواطئ وسواحل وتراث الولاية، وقال: "ستكون البحر الأحمر ولاية السياحة في السودان".
وتعهد الوالي بتحقيق التنمية وتوفير خدمات الصحة والتعليم والطرق، بجانب توفير الوظائف لكل طالب عمل.
اطلاق طلاب من جامعة الخرطوم اعتقلتهم الشرطة

تظاهرات جابت الحرم الجامعي مطالبة بإقالة مدير جامعة الخرطوم في ديسمبر الماضي
قال نشطاء إن الشرطة اعتقلت مئات الطلاب في مداهمة داخلية لطلاب في جامعة الخرطوم قبل فجر يوم الجمعة، وأعلن الاتحاد العام للطلاب السودانيين اطلاق سراح كل الطلاب الذين تم توقيفهم جراء أحداث مجمع الوسط بجامعة الخرطوم.
وأفاد محامي، فضل حجب اسمه، بأن الشرطة اعتقلت ما بين 300 و400 طالب بموجب قانون مناهض للتحريض على زعزعة الاستقرار.
وقال شاهد عيان لوكالة رويترز طلب عدم الكشف عن شخصيته "أيقظتنا في غرفنا أصوات الشرطة وقرعهم على الأبواب"، وأضاف أن أكثر من 300 طالب اعتقلوا.
وذكر شاهد أن الشرطة المزودة بهراوات دخلت داخلية الطلاب في ساعة مبكرة من صباح يوم الجمعة وضربت واعتقلت مئات من الطلاب الذين بقوا في الداخلية في انتظار استئناف الدراسة.
ولم يتسن على الفور الاتصال بمتحدث باسم الشرطة السودانية للحصول على تعليق.
الاتحاد يتدخل
رئيس الاتحاد العام للطلاب السودانيين: الذين
تم توقيفهم معظمهم من غير الطلاب
من جانبه أعلن رئيس الاتحاد العام للطلاب السودانيين محمد صلاح يوم الجمعة عن اطلاق سراح كل الطلاب الذين تم توقيفهم جراء أحداث مجمع الوسط بجامعة الخرطوم.
وأضاف أن ذلك تم بالتنسيق مع إدارة جامعة الخرطوم وقوات الشرطة واتحاد طلاب ولاية الخرطوم.
وأكد صلاح لوكالة السودان للأنباء أن الدراسة في جامعة الخرطوم ستستأنف في القريب العاجل، وأشار إلى أن الذين تم توقيفهم معظمهم من غير الطلاب، وحمل مسؤولية أحداث الشغب للذين يتواجدون داخل ثكنات الطلاب وهم من غير الطلاب.
وناشد صندوق دعم الطلاب لضبط الوجود غير الطلابي داخل المجمعات السكنية حتى يتمتع الطلاب بالخدمات التي يقدمها كاملة غير منقوصة، مبيناً أن الصندوق وفر السكن للطلاب الذين هم من خارج ولاية الخرطوم.
وكانت جامعة الخرطوم أغلقت قرابة شهرين بعد مظاهرات نظمها الطلاب احتجاجاً على دخول الشرطة الحرم الجامعي في ديسمبر الماضي.
معاودة إنتاج نفط الجنوب بحاجة لأشهر
بنجامين يؤكد إغلاق كافة أنابيب النفط التي تربط الجنوب بالسودان في كل المربعات
قال متحدث باسم حكومة جنوب السودان يوم الجمعة إن جوبا بدأت خطوات قانونية لتتبع كميات من النفط صادرها السودان وباعها عقب نزاع البلدين بشأن مدفوعات نفطية، وأكد خبراء أن جوبا ستحتاج لعدة أشهر لمعاودة إنتاجها النفطي.
وتحتاج دولة جنوب السودان الحبيسة لتصدير نفطها عبر السودان لكن كلا البلدين فشلا في الاتفاق على رسوم عبور الصادرات وهو ما دفع الخرطوم لمصادرة بعض النفط الجنوبي.
وقالت مصادر بصناعة النفط لرويترز إن السودان باع شحنة نفطية واحدة على الأقل.
وقال المتحدث باسم حكومة الجنوب برنابا ماريال بنجامين للصحفيين بعد اجتماع للحكومة "وزارة البترول أخطرت وزارة العدل وأصدرت مذكرة قانونية دولية من خلال مستشارينا القانونيين الدوليين لتتبع هذا النفط وأبلغت أن هذا النفط مسروق".
وأضاف أن الحكومة تحقق فيما إذا كانت شركات نفطية صينية تعمل في جنوب السودان ساعدت الخرطوم على مصادرة كميات من النفط.
وأكد برنابا بنجامين أنه تم إغلاق أنابيب البترول التي تربط دولة الجنوب مع السودان في كل المربعات.
وأشار إلى تعثر في جزء من الاتفاق الذي وقع بين وزيري الشؤون الإنسانية في كل من البلدين بعد إغلاق ميناء كوستي، مبيناً أن وزارة الشؤون الإنسانية الجنوبية دفعت إيجارات البواخر النيلية التي تقوم بترحيل الجنوبيين.
هل من عودة؟
وكالة الطاقة: الجنوب لن يعاود
إنتاجه قبل نهاية 2012
في سياق موازٍ قالت صحيفة "الفاينانشيال تايمز" البريطانية، إنه من غير المحتمل أن تتمكن دولة جنوب السودان من إنتاج النفط الخام لعدة أشهر حتى لو تم التوصل إلى حل بشأن رسوم العبور، وذلك وفق إجماع بين خبراء صناعة النفط.
وأضافت الصحيفة، أن الخوف من توقف إنتاج النفط لفترة طويلة يأتي رغم تأكيدات جنوب السودان بأن بإمكانه استئناف الإنتاج خلال 48 ساعة حال التوصل إلى اتفاق مع الحكومة السودانية.
وأشارت "الفاينانشيال تايمز" إلى أن الخلاف بين الخرطوم وجوبا ساهم في الارتفاع العالمي في أسعار النفط.
ونقلت عن الوكالة الدولية للطاقة أن جنوب السودان لن تعود إلى الكمية التي كانت تنتجها قبل الأزمة الأخيرة إلا بنهاية العام الحالي على أقل تقدير.
يشار إلى أن جنوب السودان، كان ينتج حوالي 260 ألف برميل يومياً حتى شهر يناير الماضي.
الترابي والصادق... شيءٌ من الشبه وكثيرٌ من الخلاف
بقلم: مالك طه
مدير تحرير صحيفة الرأي العام السودانية
ما يستدعي الانتباه أن عناصر التقارب والتشابه بين الإمام الصادق المهدي ود. حسن الترابي، تتوافر بين هذين الزعيمين أكثر من توافرها بين أيٍّ من القامات السياسية والفكرية الأخرى التي مرَّت على تاريخ السودان الحديث.
الرجلان جمعا بين العلوم الإسلامية في نسختها التقليدية وبين المعارف الحديثة، فالبيئة الدينية التي ترعرعا فيها رفدتهما بمعين ثر وضاف من العلوم الشرعية.
فرسخت أقدامهما في هذا الجانب وحفظ كلاهما كثيراً من المتون والنصوص وغاصا في أمهات الكتب، وهما في شرخ الشباب، وساعدهما على ذلك نباهةً ورثاها عن الآباء وذكاء هبة من الخالق.
مورد ومصدر
وفي عواصم الغرب نهل الترابي والصادق من التجربة الإنسانية بصفة عامة ومن المعارف الغربية الحديثة، فاستوعبا القديم والحديث، وحاول الاثنان معاً أن يوائما بين الطريف والتالد دون أن يكون أحدهما على حساب الآخر.
كما حاول كلٌّ منهما أيضاً أن يعبر عن طريقته في الجمع بين هذين النقيضين -في الظاهر- عبر فكرته ومدرسته الخاصة، فخرج الترابي بفكرة تجديد الفكر الإسلامي، وظهر الصادق للناس بفكر الصحوة الإسلامية.
كلاهما إذاً نهل من منبع واحد داخل السودان، وصدرا عن مورد واحد خارجه، ولكن كان لكلٍّ مشربه ومذهبه وليس في هذا غرابة.
غير أن الدهشة في أن الصادق والترابي في شخصيهما تكاد أسباب الجمع بينهما تتقطع وتنفرط لولا بقية من حكمة، وحبل من المصاهرة يشدهما إلى التجمُّل وعدم الولوغ في الخصومة التي لا تتوافر لها حيثيات مقنعة إلا التنافس.
يمكنك في السياسة السودانية أن تتوقع أشياء كثيرة جداً، ولكن يصعب على المرء أن يتوقع إطاراً سياسياً يضم الإمام الصادق المهدي زعيم حزب الأمة ود. حسن الترابي.
يمكنك أن تتصور محمد إبراهيم نقد يجالس مولانا الميرغني ويتحالف مع الصادق المهدي، أو يتوافق مع الترابي، ولكن يصعب أن يكون الترابي والصادق على مركب واحد في رحلة سياسية طويلة.
معركة قديمة
بين د. الترابي والإمام الصادق المهدي معركة قديمة وكتومة يتم ترحيلها من فترة إلى أخرى، ومن عهد إلى عهد، تقوى هذه المعركة وتشتد ثم يصيبها الوهن أحياناً، ولكنها على أي حال لا تموت.
يحتفظ الرجلان -فقط- بموعد بعثها من جديد، الاثنان -أو أحدهما- من يحدد متى تبعث وفي ظل أي نظام.
ولكن الشاهد هو أن الصادق والترابي لا يحملان إلى بعضهما كثير ود، إلا ما تقتضيه علاقة المصاهرة وما يسمح به التلاقي الذي تفرضه الظروف السياسية عليهما، كما اضطرتهم من قبل لمقاتلة نميري، وكما دفعتهم الآن إلى معارضة الإنقاذ.
مثلما برع الرجلان في ترحيل هذه المعركة عبر مسارات السنين دون أن تنطفئ نارها، فقد برعا في نقلها إلى الأنصار والأتباع، فليس ثمة محبة وود يكنه الشعبيون إلى الإمام، وفي المقابل لا يجد الأنصار في صدورهم حرجاً من الجهر بمعاداة الترابي.
أتباع الترابي -خاصة قبل الانقسام- يعيبون على الصادق ما يصفونه بالتردد في اتخاذ المواقف، وفي خذلانهم عندما يتعلق الأمر بالشريعة الإسلامية.
وكثير من أنصار الأمام لا يرون في الترابي إلا محض سياسي تتقلّب علاقاته بالنظم السياسية مدَّاً وجزراً وفق ما يريد هو وليس وفق الشريعة الإسلامية التي يجزم الأنصار أن الترابي لا يستطيع أن يزايد بها على الناس.
وإن استطاع فليس على الإمام الصادق، حفيد الإمام المهدي الذي رفع راية الشريعة والسودان في عهد التيه.
أهداف ذهبية
قبل الهجوم الكاسح الذي شنه الإمام الصادق على قيادة الشعبي منذ أيام، تعرّض الصادق نفسه قبل بضعة أشهر إلى هجوم قاس من قيادات الشعبي على خلفية موقفه من الحكومة، وهو ذات الموقف الذي يتكرر الآن.
هاجم الصادق المؤتمر الشعبي -أو الترابي على وجه أدق- بضراوة خلال تلك الفترة وأحرز عدداً من الأهداف الذهبية في مرماه.
وكانت هذه الأهداف عبارة عن أمثال شعبية لاذعة برع الصادق في حفظها وإيرادها في الوقت والمناسبة التي يريد.
مثل مقولته القارصة: (الشعبي ساقط وشايل قلمو يصحح)، ورغم ما لمسته العبارة من مواطن وجع لدى الشعبيين، فإن هذه هي مكمن فصاحة الإمام وحلاوة حديثه عند معجبيه.
للرد على الصادق -في تلك الفترة- انبرى الشيخ إبراهيم السنوسي الذي كتب مقالاً مطولاً في الصحف عدد فيه ملاحظاته على مواقف الصادق المهدي، خاصة إبان العمل المسلح ضد حكومة نميري بقيادة العميد محمد نور سعد.
وصدّر السنوسي مقالته تلك بمقدمة أشار فيها إلى أن الهجوم على الترابي يعتبر هجوماً مباشراً على الحركة الإسلامية، وهذا ما يمنحه حق الرد على الإمام الصادق.
وقد جاء في تلك المقدمة ما يلي: ما كنت أود الرد على الأخ الصادق المهدي في هجوماته المتواصلة على شخص د. الترابي الذي أعلم ما عند الأخ الصادق من منافسة ظاهرة وغِيرة مستترة رغم علاقة النسب والمصاهرة التي تمنع الدخول بينهما إلا بخير، وإصلاح ذات البين -ولكن هجومات صادق المتواصلة الشاملة على الحركة الإسلامية تدفعنا للتدخل- إذ أن الترابي هو الأمين العام للحركة الإسلامية التي نحن من منسوبيها الذين نعرف تاريخها ونشأتها منذ أن كانت حركة صغيرة حتى صارت دولة، كل ذلك والترابي هو الذي كان قائدها، مما يقتضي الرد حتى لا تشوَّه معه صورة الحركة الإسلامية، أما الترابي نفسه وشخصه فهو ليس عيي اللسان، وهو قادر على الدفاع عن نفسه بألفاظ تسير بها الركبان.
حصانة
ولكن رغم قدرة الترابي المعلومة في الدفاع عن نفسه، فإن المشهور عن الترابي أنه يقول عبارته ويطرح فكرته ويمضي، دون أن يكترث كثيراً أو قليلاً للأثر الذي تحدثه، ولا إلى ردود الفعل التي تصدر من الخاصة أو العامة مدحاً أو ذماً له.
بل إن المشهور أكثر عن الترابي أنه لا يبالي بالكيفية التي يتم بها نسب الكلام إليه وهو بهذه الصفة أقل السياسيين والمفكرين حساسية تجاه ما ينقل عنه، ولا تكاد مضابط الصحف -على كثرة ما نشرت له، وعلى غزارة ما رفدها به- تحفظ له نفي أخبار نقلت عنه، اللهم إلا مرة أو مرتين، وبتقدير مغال ثلاث مرات.
وإذا كان الرجل بهذه الحصانة ضد مترتبات ما يقوله، فإنه أشد حصانة تجاه ما يقال عنه، ويبدو أن هذه الصفة هي التي تجعل تلاميذه وأتباعه يتولون مهمة الدفاع عنه.
على كلٍّ، فإن المعركة التي عادت الآن حيّة ومتقدة لا تقتضي البحث عن من يرد على الصادق إنابة عن الترابي، ولكنها تلح في البحث عن وسيط يخفف وطأة الهجوم المتبادل بين الزعيمين، وينصحهما بترحيل المعركة إلى سنوات قادمة ربما تكون هي الكفيلة بأن تنسيهما مرارات المنافسة التي أذكتها السياسة ولم تخفف المصاهرة من شدتها ولا قساوتها.
مسار في المسار... وسوار كسب الحوار
بقلم: خالد الأعيسر
كاتب سوداني سوداني مقيم ببريطانيا
بعد إعلان التشكيل الوزاري الأخير (الحكومة العريضة) خابت آمال البعض وتفاءل آخرون، وثمة من اختاروا النأي عن إصدار أحكام مسبقة، وأنا من بينهم.
لأنه ليس أمراً هيناً أن نصدر الأحكام جزافاً على أداء الوزراء الجدد قبل فترة أقلاها عام من توليهم للمناصب حتى نتلمس إنجازاتهم وإخفاقاتهم ومن ثم التصريح بها.
ولكن هامش تجارب وإفرازات السنوات الماضية وما ترتب عليها من أداء سلبي لبعض الوزراء الذين شغلوا مراكز مرموقة في الدولة يدفعنا لتوجيه رسائل (نصح) مستنبطة من رحم التجارب وتراكمات الماضي التي دفع السودان في غالبها أثماناً باهظة على خلفية جهالة بعض الوزراء بالمهام المطلوبة منهم لاسيما وأنهم دخلوا هذه الوزارات بخلفيات حزبية وقبلية دونما أدنى تجربة أو خبرة أو علم.
نحن إذ نتحدث عن التجارب لا ندعي معرفة مطلقة ولا سحراً يبيح لنا الاستنتاجات وقراءة عوالم المجهول، ولكنها مجرد أشواق وتمنيات لأن يتحسن حال البلاد إلى ما هو أفضل بمجهودات هؤلاء الوزراء.
وزارة في المسار
بطبيعتنا كصحافيين نحن أكثر ميلاً للتداول حول هموم ومستقبل العمل الإعلامي في السودان لما له من أهمية، فبتعيين المهندس عبدالله علي مسار وزيراً للإعلام استبشرنا خيراً أن الوزارة التي كتبنا عنها في السابق بتاريخ 16 سبتمبر 2011 بصحيفة "الأحداث" العدد 1402 أنها (وزارة بلا) قد أصبحت (وزارة في المسار)، ولكن؟!
ننصح المهندس مسار أولاً أن يستمع إلى من هم حوله من مستشارين ورؤساء وحدات ومؤسسات، وأن يطلب عون أطراف محايدة لتقييم أداء هذه المؤسسات الإعلامية خلال الحقبة الماضية ومن ثم يقيم بنفسه كيفية إجراء التعديلات اللازمة واتخاذ القرارات الصائبة برويَّة وتريُّث.
ننصحه كذلك الفصل بين الملفين الداخلي والخارجي، فكلٍّ له خصوصيته، وذلك عبر إنشاء باقة من القنوات المتخصصة والاهتمام محلياً بالإذاعات الخاصة ودراسة تجاربها وتقييمها خلال السنوات الماضية وإتاحة قدر أكبر للرأي والرأي الآخر ومنح الصحافيين والصحف السودانية الحق في ممارسة رسالة التقويم والإرشاد والنقد بحرية كاملة.
وأن يركز على تنفيذ مشاريع استثمارية كبيرة لإحداث نُقلة نوعية حقيقية داخل هذه المؤسسات المترهلة والتركيز على تنفيذ وسائط الإعلام الحديثة، أو ما يُعرف بـ"نيو ميديا" بدلاً عن التركيز على وسائل الإعلام التقليدية.
كذلك نوصيه بالابتعاد عن الفكر التقليدي الذي درجت عليه وزارة الإعلام خلال الأعوام الماضية في تبني مؤتمرات الإعلاميين السودانيين العاملين بالخارج والتي لا تجدي نفعاً ولا تجد توصياتها طريقها للتنفيذ، والاستعاضة عنها باستغلال ميزانياتها المهولة لفتح مراكز تدريب يجلب لها خبراء من الإعلاميين السودانيين العاملين بالخارج لعقد دورات تدريبية لتأهيل الكوادر الإعلامية المقيمة بالبلاد، عوضاً عن إحضار مئات الإعلاميين المقيمين بالخارج في مؤتمرات "مليونية" لا تعدو كونها ملتقيات اجتماعية لتبادل التحايا وزيارة الأهل والأصدقاء بالسودان.
الوزير مسار يعلم، كما هو حال كثيرين بتشاكس بعض لوبيات منتسبي الحزب الحاكم داخل المؤسسات الإعلامية المختلفة وعلى رأسها التلفزيون القومي خلال فترة عمل الوزير السابق د. كمال عبيد، مما أفرز حالة من تشتيت مجهودات هؤلاء المسؤولين داخل هذه المؤسسات وصرفهم عن أداء واجباتهم الوظيفية المنوطة بهم.
نطالبه أن ينأى بنفسه عن (القيل والقال) في هذه الصراعات "الشخصية" حفاظاً على هيبته كوزير ومردود فترة توليه لهذا المنصب الحساس والمهم وصولاً لحلول إبداعية تكفي الوطن شرور الرغبات الشخصية والطموح الفردي، وبالله التوفيق.
المعارضة تريد تغيير الشعب أولاً
محظوظة كما هي العادة في كل مرة حكومة الإنقاذ لأنها "دائماً" تربح بأقل مجهود، ففي "برنامج الاتجاه المعاكس" الذي قدمته قناة "الجزيرة" مساء الثلاثاء الماضي، كسب الأستاذ حاج ماجد سوار أمين التعبئة السياسية بحزب المؤتمر الوطني الحوار بأقل مجهود أمام الأستاذ علي محمود حسنين القيادي بالحزب الاتحادي الديمقراطي ورئيس الجبهة الوطنية العريضة.
الواضح أن المعارضة السودانية لا تملك مشروعاً حقيقياً للتغيير لا بالفهم السياسي ولا الاقتصادي ولا الأمني ولا حتى الخطابي؟!
لو كانت هناك معارضة سودانية حقيقة لسقطت حكومة الإنقاذ في ساعة واحدة، فقط على خلفية الفساد المالي والإداري "الذي دفع بعض شباب الحركة الإسلامية لتقديم ما عرف بالمذكرة التصحيحية"، ناهيك عن حاجات الناس وهمومهم المستقبلية، والشاهد أن أبناء الحركة الإسلامية أنفسهم أصبحوا يحتجون هذه الأيام فما بالك المواطنين العاديين؟!
حقيقة حكومة الإنقاذ محظوظة لعدم وجود بديل فعلي يقنع أبناء الشعب السوداني أنه آن الأوان للتغيير، وعليه فحكومة المعارضة "المزمعة" إن كانت فعلاً تريد تغيير النظام عليها تغيير الشعب أولاً بآخر أكثر قناعة بمبدأ التغيير قبل التفكير في التغيير نفسه، لأن الشعب هو من انتفض في 6 أبريل 1985 و21 أكتوبر 1964، ولكنه اليوم يبدو غير مؤمن بضرورة التغيير طالما الخيار البديل هو ذات الأحزاب التي جاءت بالإنقاذ إلى السلطة؟!
لحظة غيَّرت العالم!!
بقلم: غادة عبد العزيز خالد
كاتبة صحفية سودانية مقيمة بأميركا

تكون حياة الإنسان مجموعة من اللحظات يعيشها منذ أن يلقط أنفاسه لأول مرة حتى يذرفها آخر مطاف طريقه. في خلال هذه اللحظات تكون، مجموعة من مشاعر الحزن والألم وبين ثناياها يختبئ الفرح والبذخ. وفي كل لحظة، يكون هنالك اختبار ما نقف أمامه، ننجح من خلاله أو نفشل.
وتكون هنالك قرارات تنتظر اتخاذها، نصيب أحياناً أو نخيب، لكن بعضاً من هذه القرارات تؤثر، ليس علينا فحسب، بل وعلى أناس يستمدون من حياتنا بعضاً من عمرهم وربما يمتد هذا الأثر ليشمل العالم جله.
واحدة من هذه اللحظات التي غيَّرت العالم كانت تلك التي عاشتها (روزا باركس) والموثقة بـ(متحف هنري فورد وقريته) بولاية (ميشتغان).
في خلال المتحف يوجد معرض عن رحلة البحث عن الحرية الأميركية والذي كنت واعدت قارئي بأن اصطحبه معي لنتجول فيه سوياً ويداً بيد.
شخصيات يحترمها التاريخ
يبدأ المعرض بمجموعة من اللوحات والمقولات التاريخية لشخصيات يحترمها التاريخ ويضعها في مكان بارز من ردهته، مثل مارتن لوثر كينج وإبراهام لينكن.
وواحدة من مقولات لينكن التي تحتل جزءاً كبيراً من الحائط تقول: "أولئك الذين يحرمون الناس من الحرية لا يستحقون أن ينعموا بها".
لكن أكثر ما لفت نال إعجابي في المعرض هو الـ(بص) الحقيقي الذي كانت به (روزا باركس).
ولدت روزا في الرابع من فبراير 1913، وكانت مثلها ومعظم الأميركان السود الذين يعانون من التفرقة العنصرية بصورة يومية.
كانت تستقل مواصلاتها العامة وتعتلي (بصها) من بابه الخلفي حتى لا تؤذي أصحاب البشرة البيضاء والذين قرر قانونهم أن السود ليسوا سواسية في الإنسانية وإياهم كأسنان المشط.
وفي يوم، طلب السائق من (روزا) أن تترك مقعدها لصالح راكب أبيض فرفضت بصورة قاطعة حتى بعد تهديدها بمناداة الشرطة لعدم التزامها بالقانون.
وفعلاً حضرت الشرطة واقتادت (روزا) إلى السجن الذي مكثت فيه حتى أن حضر زوجها ليخرجها منه بكفالة بعد ساعات عدة، لكن دعت الحادثة لمقاطعة المواصلات العامة حتى تعديل القانون.
إمرأة واحدة، لحظة واحدة
وعانى السود كثيراً حتى تم تغيير القانون بعد عام من بداية المقاطعة. وتُظهر الصور البص الفعلي الذي كانت به (روزا) وأيضاً صالات الانتظار التي ذكرتني بتلك النشاطات بمجلات الأطفال والتي تطالب بإيجاد الفروق بين اللوحتين.
و(غصبا) عني وجدتني أقارن، فلقد كانت صالة انتظار السود صغيرة ضيقة بينما كانت صالة البيض واسعة بها العديد من المقاعد.
تلك التي يجلس بها السود يلاحظ أنها أكثر قتامة وأقل نظافة وتقبع وراء البيض بينما تلك التي ينتظر بها المعززون بالقانون والمكرمون نظيفة (تلمع).
وأمام كل صالة انتظار توجد آلة شرب المياه والتي هي مقسمة ما بين واحدة للسود مختلفة عن البيض. وهنالك العديد من اللوحات التي تقص المعاناة التي مر بها الأميركان السود مثل منظمة الـ(كي كي كي) والتي كان من أهدافها تخليص العالم من العرق الأسود والمسؤولة عن إعدام المئات من السود بدون محاكمات أو أسباب.
وعلى الرغم من أن اللافتة المعلقة قرابة الـ(بص) الذي كانت تعتليه (روزا) تقول: "امرأة واحدة، لحظة واحدة: رفضها كي تترك مقعدها على هذا البص كان الشرارة التي أشعلت حركة المطالبة بالعدالة والحرية الاجتماعية التي غيّرت الولايات المتحدة الأميركية".
القشّة التي تقصم ظهر البعير
وعلى الرغم من يقيني التام بأن هذا القرار الذي اتخذته (روزا) كان القرار الصحيح، إلا أنني لا أتفق على أنه كان نتيجة لحظة.
فكل القرارات الشجاعة التي نتخذها في حياتنا تكون بناءً على حوادث كثيرة سابقة تكون بمثابة القشة التي تقسم بقوة ظهر البعير.
وتقول (روزا) نفسها إنها في تلك اللحظة التي كان سائق البص يطالبها بأن تترك مقعدها كانت الكثير من اللحظات تمر من أمام عينيها، منها على سبيل المثال صورة (إيميت).
ولد (إيمت) في يوليو 1941، وعاش بمدينة شيكاغو تربيه يديّ والدته وجدته. وكبر (إيمت) ليصبح شاباً محبوباً، فارع الطول وباسماً أنيقاً.
كانت الحياة في شيكاغو عصيبة على السود لكنها لم تكن بذات القسوة التي يعاني منها السود بالولايات الجنوبية، بل كان إيمت يذهب إلى مدرسة مختلطة (ما بين أصحاب البشرة السمراء وتلك البيضاء).
وفي يوم حضر (رايت)، خال والدة (إيمت)، من ولاية المسيسيبي الجنوبية ليزور أسرته في شيكاغو. وبدأ (إيمت) يستفسر عن الحياة في المسيسبي والخال يقص عليه الحكاوى التي تشيب لها القلوب.
وطلب (إيمت) من والدته أن يعود مع (رايت) إلى المسيسبي ويرى الوضع الذي يعيش فيه السود هنالك بعينيه.
حادثة قتل (إيميت) وتشويه جثته
في البداية طلبت الأم الانتظار حتى تستطيع أن تتحصل على إجازة كي يذهب الابن مع خاله، لكن تحت إصرار الشاب على الذهاب مع (رايت)، وافقت الوالدة على أن يسافر ابنها لكن مع تحذيرات شديدة بأن الحياة في المسيسبي ليست ما تعوّد عليه، وتوصيات بحرص في تصرفاته، ولكن يبدو أن بال الشاب كان في الرحلة وكانت نصائح الوالدة تتبخَّر في الهواء.
وصل (إيمت) إلى المدينة الصغيرة التي كان يعيش بها (رايت) في 21 أغسطس 1955.
وسريعاً استطاع الشاب الصغير أن يكوِّن مجموعة من الأصدقاء، وبعد ثلاثة أيام فقط من وصوله إلى المدينة، ذهب مع الأصدقاء إلى محل بقالة في الحيّ مملوك لأخوين من البيض.
يقال إن (إيمت) كان يتباهى أمام أصدقائه الجدد أنه يذهب إلى مدرسة مختلطة وأن بعض البيض أصدقاء له. وتحدى الأصدقاء الوافد الجديد بأن يتجرأ ويتحدث لامرأة صاحب المحل وقد فعل.
وما أن علم الأخوان حتى ذهبوا في منتصف الليل إلى منزل (رايت) واختطفوا (إيمت) من منتصفهم واصطحبوه إلى مكان بعيد، وهنالك انهالوا عليه بالضرب الشديد والتعذيب حتى إنهم أخرجوا واحدة من عينيه من مكانها.
ثم سرقوا محلجاً للقطن ربطوا فيه (إيمت) ثم قتلوه وألقوا بجثته في النهر.
ودام بحث (رايت) وجموع السود عن (إيمت) ثلاثة أيام حتى وجد أشخاص جثته طافية على سطح الماء، وأصرت والدة (إيمت) على ترحيل جثة إبنها إلى شيكاغو.
وفي يوم الجنازة، قامت الوالدة بفتح وجه الجثة حتى يراها الآلاف الذين احتشدوا لهذا اليوم.
وتناقلت الصحف والمجلات صورة (إيمت) البريئة الباسمة وصورته وهو متوفي، بينما تناقلت الألسن وصف بشاعة جريمة القتل.
صورة (إيميت) نحاصر (روزا)
وكانت صورة الشاب الباسم المشوهة تحاصر (روزا) وهي ترقب وجه السائق الذي كان يصر عليها أن تترك مقعدها بينما كانت هي بذات المقدار تصر على البقاء فيه إيفاءً لذكرى ذلك الشاب الذي دفع حياته ثمناً لاستعلاء جنس على آخر ولظنه أنه خلق ليكون أفضل من يمشي على الأرض من البشر.
إن قرار (روزا) بعدم تركها مقعدها كان قراراً صادقاً، نابعاً عن إحساس عميق بالمهانة والمذلة ومصراً على تنفيذ الصحيح الذي لا تصح الحياة بغيره.
ولا أظن أن في تلك اللحظات فكرت أنها تصنع تاريخاً أو تحفر باسمها في ذلك السجل العالمي الذي يحوي أسماءً ستبقى في ذاكرة الشعوب، لكنها قررت أن تنفذ فقط الصحيح.
وبالرغم من (سواد) التاريخ الذي يوثق لمعاناة السود، إلا أن الشفافية التي يتعامل بها المجتمع والشجاعة التي ينتقد بها نفسه تجاه ظلم جزء كبير من أعضائه، تدعو إلى الإعجاب.
فبدون هذه الصراحة وبدون النقاش الحامي وتدوين قصص المعاناة يصبح المجتمع وكأنه يدفن رأسه في الرمال خجلاً وهرباً مما قدمته يداه من ذنوب في خلال عقود قضت.
عبارات عنصرية في مصر
ودارت في خلدي وأنا أفكر في القرارات التي نتخذها خلال جزء من الثانية والتي تغيِّر حياتنا قصة الكاتبة المصرية (مني الطحاوي) الفائزة بجائزة سمير قصير لحرية الصحافة.
لقد كانت منى، أيضاً، تعتلي مركبة عامة بإحدى طرقات العاصمة المصرية منشغلة ومستمتعة بالموسيقى التي تعزف في أذنها حينما شهدت راكبة مصرية تضرب فتاة سودانية وسمعت، بعد أن أخرجت سماعات الموسيقى من أذنيها أسوأ العبارات العنصرية تخرج من فم المصرية ولا أحد يتحرك.
حتى حينما استنجدت الفتاة السودانية ببقية الركاب وخصوصاً أصحاب البشرة السمراء، لم يسع أحد كي يقف بجانبها أو يساندها.
وتحت شعورها بالغضب على الإهانة الواقعة على الفتاة سألت منى المرأة عن أسباب مهاجمتها للفتاة الغريبة ووقفت بجانبها حتى حينما انتقدتها المرأة وحاولت أن تحتد وإياها أيضاً.
إن منى، كما روزا، وكما غيرهن ممن سطّر وسيسطر التاريخ قصصهن، لم تكن تظن أنها ستفوز بجائزة تفوق قيمتها الإثني عشر ألف يورو.
لقد كانت صادقة مع نفسها حينما وقفت بجانب المرأة الغريبة ضد تلك التي من بلدها ولم تر في الموقف سوى الحق والحقيقة.
حتى حينما كتبت المقال، كانت صادقة في نقدها للمجتمع وفي فتح جروح العنصرية حتى تعالجها وتحاول تطهيرها ومداواتها.
إن النوايا الخالصة في تصرفاتنا وإصرارنا على الحق والتقيد بالصدق يحول من مجموع كل ثانية نعيشها إلى لحظات تنتظر أن تصنع التاريخ وتغير العالم بين كل حين.
كيف يتحمل الجنوبيون هذا الوضع؟
بقلم: مالك طه
مدير تحرير صحيفة الرأي العام السودانية

ما هو السبب الذي يجعل دولة الجنوب تقدم على وقف إنتاج البترول الذي يمثل للدولة الجديدة ما يمثله الحبل السري للجنين؟ هل الضرر الذي سيحيق بالشمال إذا توقف النفط أعظم من الفائدة التي يجنيها الجنوب إذا استمر الذهب الأسود في التدفق؟.
الأنباء التي ترد من جنوب السودان مزعجة ومقلقة، فالأسعار هناك ترتفع بوتيرة سريعة لا تطالها إمكانيات السواد الأعظم من الجنوبيين الذين تعيش أغلبيتهم الساحقة بلا مرتبات ولا مصادر دخل معلومة.
الغرب
الدول الغربية التي تتفهم في العادة مواقف الجنوب من الشمال، عجزت هذه المرة من أن تفهم السبب المنطقي الذي يدفع دولة الجنوب إلى إراقة جرة العسل، كما في قصة الأحمق الذي أراق العسل الذي يحمله خلال مجادلة له مع آخرين.
من أراد أن يعرف حجم الحماقة التي ارتكبتها حكومة الجنوب فليس مطلوباً منه أن يقرأ أكثر من تصريح فاليري أموس وكيلة الأمين العام للشؤون الإنسانية التي قالت إن قرار جنوب السودان بوقف إنتاج النفط سيجعل المزيد من سكانه يعتمدون على المساعدات الغذائية في واحدة من أقل الدول نمواً في العالم.
فاليري قالت: (الوضع في البلاد بالغ الخطورة واحتمال أن تشهد تراجعاً خطيراً احتمال واقعي تماماً)، وأضافت أن الجنوب سيشهد العام المقبل (موسم جوع أطول) ومبكر مقارنة بالعام الماضي. وأكدت أنه إذا توقف إنتاج النفط سيشعر كثير من الناس بالآثار وستزداد الاحتياجات الإنسانية حتماً والجهود المشتركة للحكومة ووكالات المعونة والمانحين لن تكفي.
وأشارت إلى أن العالم بأسره يشعر بالقلق لانهيار المحادثات بين دولتي السودان على النحو الذي انهارت به، وقالت إن جنوب السودان أكثر تأثراً بوقف النفط نظراً للحرب التي دمرته وحاجته لأن يبني من الصفر.
وقالت أموس، إن نحو (700) ألف من أبناء جنوب السودان مازالوا يعيشون في السودان، وسيعودون إلى بلدهم قريباً ليلحقوا بنحو (360) ألفا آخرين وصلوا أواخر العام قبل الماضي مما يفرض ضغوطاً كبيرة على الدولة الوليدة وعلى جهود الإغاثة لمساعدتهم.
التزامات
أطلت في النقل عن هذه المسؤولة بالأمم المتحدة حتى أبعد عن نفسي وعن الآخرين التصورات التي تقول إن حكومة الجنوب أقدمت على هذه الخطوة لأن هناك التزامات من بعض الجهات الغربية بتوفير المبالغ التي كانت جوبا تقبضها من عائدات النفط.. إذن ما الذي يجعل الحركة الشعبية تتخذ هذه الخطوة، وكيف يتحمل الجنوبيون هذا الضنك؟.
هناك عوامل كثيرة تساعد الحركة الشعبية على خنق أنبوب النفط ووقف إنتاج البترول، واحدة من هذه العوامل هو أن الجنوب ليس به حكومة بشمول المعنى، وبالتالي فإن قيادة الحركة الشعبية لا تشعر بالتزامات حقيقية تجاه المواطنين في خدمات الصحة والتعليم، وهذا يقود إلى تحرر الحركة الشعبية من عوامل الضغط التي تنشأ من فقدان موارد النفط، عكس الشمال الذي تتأثر حياة الناس به تأثراً بالغاً.
العامل الآخر هو أن المواطن الجنوبي يقتات هذه الأيام من نغمة الاستقلال، وينعم بقدر من الرضا الذاتي والشعور بالكرامة والحرية، ولن يعاقب حكومته بالخروج عليها أو التذمر من الآثار الفادحة التي يخلفها فقدان المورد المالي الذي ينجم عن قفل أنبوب النفط أو وقف إنتاج الحقول، وهذا العامل يهز شجرة الأسئلة الكبرى التي يستظل بها البعض هنا في الشمال في انتظار ثمار السؤال: لماذا لا تخرج المظاهرات في الجنوب رغم الأسعار الفلكية للمواد الغذائية، والغلاء الطاحن؟.
عين العقل
نظرت في نصين مختلفين لباقان أموم القيادي بالحركة الشعبية والقيادي في وفد الجنوب المفاوض، وعلى اختلافهما فإن النصين جاءا في سياق مادة صحفية واحدة (حوار صحفي في الأيام الأخيرة من عمر الشراكة)، النصان يلخصان كيف تنظر الحركة الشعبية بعين العقل في المرة الأولى، ثم كيف تمد أصبعها لتسمّل هذه العين وتنظر بأخرى لا ترى غير مرارات السنين، وعذابات التاريخ، وماضي الذكريات الأليمة التي تكونت مادتها - في مخيلة الحركة - من مآسي الحرب الأهلية وشيء من الأوهام حول غدر الشماليين ومكرهم ومخاتلتهم.
بعين العقل يقول باقان: (رغم الاحتراب بين الشمال والجنوب لكن هناك علاقات عميقة، فالجنوبيون أكتر ناس في الدنيا بيعرفوا الشماليين والعكس.. بين الشمال والجنوب علاقات غنية جداً، وبالتالي هم قريبون إلى بعض، تعلموا مع بعض وتزاملوا في الجامعات والمدارس، وقد ارتبط اقتصاد الجنوب باقتصاد الشمال وحالياً مع استغلال الحركة الإسلامية لبترول الجنوب (الذي استخرجوه من أنف التمرد كما يقولون)، فقد ربطوا هذا البترول بميناء بورتسودان في الشمال، وبالتالي فهناك علاقات عديدة).
العين الأخرى
وبالعين الأخرى يرى باقان أنه: (بجانب ذلك هناك علاقات سيئة قامت بين الشمال والجنوب.. الجنوبيون في الدنيا دي ما عندهم أي عداء مع أي زول غير الصفوة التي حكمتهم واضطهدتهم وقهرتهم ودخلت معهم في حرب قتلت ملايين البشر.. مافي زول قتل الجنوبيين مثلما فعلت حكومة الخرطوم.. هذه الحكومة.. قضت عمرها كله في قتل الجنوبيين وحربهم.. ما في حكومة في الدنيا قتلت الجنوبيين مثلها.. حتى الاستعمار الإنجليزي لم يفعل مثلما فعلت).
بمثلما قضت حكومة الخرطوم عمرها كله في قتل الجنوبيين في الماضي - كما يرى الصفوة في الحركة - فإن حكومة الجنوب إذا رضخت لهذه النظرة فإنها في الغالب ستنفق جزءاً كبيراً من الحاضر والمستقبل في الثأر لهذه المقتلة العظيمة، وليس بالضرورة أن يكون هذا الثأر هو محض حرب بالأسلحة الثقيلة والدبابات والراجمات، ولكن كل ما يؤدي إلى أذية حكومة الخرطوم أو الشمال كما تريد الحركة من الثأر فإنها ستفعله.
انقلاب الحقائق
الحقائق في هذه الحالة تنقلب إلى شيء آخر: أنبوب النفط الذي يعزز علاقات الجنوب بالشمال، يتحول - في نظر الجنوب- إلى شيء شبيه بالشريان الأورطي أو الأبهر للإنسان، فمثلما يوزع هذا الشريان الدم المؤكسد إلى جميع أنحاء الجسم عن طريق الدورة الدموية الكبرى، كذلك يفعل أنبوب النفط للشمال، يغذيه ويدر عليه العملة الصعبة، ولن يوظف الشمال هذه الأموال - في نظر الحركة الشعبية - إلا لمزيد من قهر الجنوبيين.
إذا سيطرت هذه النظرة على الحركة الشعبية (حكومة الجنوب) فإن القضايا العالقة مع الخرطوم لن تكون مادة للتفاوض على مائدة الوسطاء، تناقش على قواعد المنطق والمصلحة الاقتصادية والمنافع المشتركة، ولكنها ستكون أدوات لإدارة معركة اقتصادية كما في حالة النفط والمياه، أو مناوشات متقطعة مثلما هو متوقع في الخلاف على المناطق الحدودية، أو الحرب الشاملة بكل تعقيداتها ومآسيها وحماقاتها، وهو أمر لم يستبعده الرئيس عمر البشير.
ويبدو أن المرارات والاحتقانات التي خلفتها سنوات الحرب لن يمحوها الانفصال وقيام دولة جديدة، العكس تماماً.. الدولة الجديدة في اتجاه القيام على قواعد من الشكوك والريبة والعدو المفترض.
لو أن الساسة أعطوا التعايش فرصة.. فرصة دائمة وليست فرصة أخيرة، لو أنهم فعلوا ذلك، فإن النتيجة ستكون – بالطبع - أفضل من الصراع على حافة الهاوية.
سلاح النفط.. نذر الحرب القادمة
بقلم: بخاري بشير
صحافي وكاتب بصحيفة الرأي العام السودانية

بعد أن كان سلاح "وقف ضخ البترول" من دولة جنوب السودان عبر خط الأنابيب والميناء الرئيسي بدولة السودان، مجرد "كرت" للتهديد والتلويح أصبح سلاحاً نافذاً في وجه السودان من جنوبه المستقل في العاشر من يوليو الماضي.
وذلك منذ الحادي والعشرين من يناير الماضي.. وبعد الإعلان الرسمي لدولة جنوب السودان إيقافها ضخ البترول المنتج في أراضيها عبر المنشآت التابعة لدولة السودان مرسلة تهماً مباشرة للخرطوم بسرقة النفط.
حيث جاءت التهم من الناطق الرسمي باسم حكومة الجنوب برنابا بنجامين، ثم تبعه وزير النفط بدولة جنوب السودان استيفن ديو في العشرين من يناير الماضي في مؤتمر صحافي عقده بدولة الجنوب.
وجاءت ذروة سنام الاتهامات على لسان سلفاكير ميارديت رئيس دولة جنوب السودان بقوله: "إن الشمال سرق نفط الجنوب في وضح النهار".
تبع ذلك القرار الرسمي لمجلس وزراء حكومة الجنوب بوقف ضخ النفط تدريجياً بعد إجراء عمليات فنية معينة، وأخطرت حكومة الجنوب الشركات العاملة في مجال النفط باعتباها شريك في الإنتاج وصاحبة اتفاقات وحقوق سابقة.
آخر الخيارات
اذاً الحقيقة الماثلة الآن أن (سلاح النفط) قد أشرع في وجه حكومة الخرطوم، كآخر الخيارات الموجودة في طاولة دولة جنوب السودان، في أعقاب مفاوضات متعثرة ظلت تقودها الدولتان في أثيوبيا بشأن رسوم عبور البترول للأراضي السودانية.
فضلاً عن بقية القضايا الخلافية التي ظلت تراوح مكانها منذ استفتاء تقرير المصير الذي أفضى لانفصال الجنوب عن الشمال في يوليو الماضي، ولم تفلح الوساطات الأفريقية أو الغربية في تقريب شقة الخلاف المتجذرة بين الطرفين.
الخرطوم جاهزة
الخرطوم قللت من مخاطر التهديد الذي أصبح واقعاً، بما قالته وزارة الخارجية السودانية على لسان الناطق باسمها السفير العبيد أحمد مروح إن قرار الإيقاف إذا حدث ستكون أول المتضررين منه دولة جنوب السودان.
وأضافت الخارجية أن الخرطوم أكملت استعداداتها للقرار إذا صار في محل التنفيذ.
بل مضى الناطق الرسمي في إرسال جملة من التطمينات بأن السودان حقق الاكتفاء الذاتي من سلعة النفط دون المساس بنفط الجنوب.
وأن ما أخذه عيناً من النفط "المضخوخ" عبر خطوطه الناقلة ومن خلال الميناء الرسمي لدولة السودان ماهو إلا رسوم العبور واستهلاك المنشآت النفطية التي ظلت حكومة جنوب السودان رافضة له.
وبعثت الخارجية بإشارات تطمينية للمجتمع الدولي بأنها لازالت تتعاون إلى حد كبير مع حكومة الجنوب المتعنتة والتي لم تراوح نقطة الرفض.
وأوضح بيان الخارجية أن السودان ظل معتمداً بالكامل على إنتاجية نفطه منذ 10 يوليو 2011م وحتى 30 نوفمبر 2011م ولم يأخذ من نفط دولة الجنوب برميلاً واحداً.
كما لم يأخذ أي مقابل لتصدير نفطها عبر الأراضي السودانية، كما قالت الخرطوم "في بيان يوم الجمعة العشرين من يناير إن من حق دولة جنوب السودان مبدئياً أن تفعل ما تشاء بنفطها إن شاءت صدرته عبر السودان وإن شاءت فعلت خلاف ذلك".
وهذا إيحاء قوي بأن السودان ما عاد يخيفه سلاح النفط أو عدم تصديره عبر أراضيه.
أصابع القوى الأجنبية
السؤال الذي يطرح نفسه ثم ماذا بعد إيقاف ضخ البترول بالنسبة للسودان، وبالنسبة لدولة جنوب السودان باستخدامها أعلى سقف للتعامل مع الأزمة، من قال إن دولة جنوب السودان استخدمت هذا الكرت لوحدها يكون قد جافى التحليل السليم.
فالجنوب ومنذ أن كان حركة مسلحة يقودها العقيد الراحل جون قرنق وحوله عدد من المقاتلين، وحتى بلوغه مرحلة النضج السياسي وجلوسه للتفاوض مع حكومة الخرطوم حول قضايا الجنوب، وصولاً إلى مرحلة الدولة بعد الانفصال، ظل رهيناً لقوى أجنبية هدفها الأساسي استغلال خيرات هذا القطر مترامي الأطراف.
وماحدث مؤخراً من تطورات وإيقاف "ضخ البترول" رغم المخاطر الجمة التي تكتنف وضع دولة جنوب السودان الوليدة يؤكد أن وراء الأمر من ورائه.
فالحركة الشعبية التي تحكم جنوب السودان الآن في كل مراحل نشأتها ذات تحالفات استراتيجية مع الغرب.
بل إن البعض يرى حتى الآن أنها لولا الغرب ما حققت هذا الاستقلال، فهي استعانت بخبراء التفاوض الدوليين الذين لم تنقطع جولاتهم وصولاتهم دعماً لمواقف الحركة.
وذهبت إلى أكثر من ذلك عند تعيينها لعدد من الخبراء والمستشارين الأميركان في حكومة سلفاكير الأخيرة، ولازال هؤلاء موجودون في أرض الجنوب.
الضوء الأخضر
واقع الحال يلمح بوجود ضوء أخضر تلقته حكومة سلفاكير بوقف "ضخ البترول"، وهذا الضوء قطعاً هو تعهدات بسد النقص في ميزانية الدولة الوليدة القائمة في الأساس على تصدير البترول، ومن ثم تحديد النقطة التالية.
يرمي الواقفون خلف حكومة سلفاكير إلى أمرين ليس لهما ثالث، مهما تجملت مواقفهم بالإنسانيات، وأنهم وراء قضية الجنوبيين العادلة بنيل دولتهم - وقد نالوها.
الأمر الأول وهو الأهم (النيل من حكومة الخرطوم)، هذه الحكومة الصامدة في وجه مخططاتهم لأكثر من عشرين عاماً، ولم تفلح كل المحاولات للنيل منها.
واقع الحال يقول إنهم درسوا واقع السودان جيداً ووجدوا أن لحمته وسداه تقوم على البترول، لذلك قدروا أنه من الأوفق "خنق" هذا السودان.
ولن يتم ذلك إلا من خلال مورد استراتيجي، ووجدوا ضالتهم في البترول الذي تسيطر عليه حكومة جنوب السودان، أو هكذا زين لهم خيالهم.
أما الأمر الثاني فهو إيجاد موطئ قدم للشركات الأميركية والغربية على حد سواء في استثمارات جنوب السودان.
وبما أن النفط هو سيد الموقف هناك، لابد من دخول هذه الشركات مهما كان الثمن، وليس أدل على ذلك من البيئة التي صنعها وقف ضخ البترول.
فهو ببساطة طريق يفضي إلى خروج الشركات الصينية والماليزية والشرق آسيوية من سوق النفط في دولة جنوب السودان وإحلال الشركات الأميركية والأوروبية والفرنسية محلها، بعد تسديد قسط من التعويض تناله الشركات الصينية والأخرى العاملة في دولة جنوب السودان.
إذا قرأنا ذلك مع تصريحات معلنة لشركات أميركية وأخرى فرنسية بأنها على استعداد لبناء خط أنابيب بديل للموجود بدولة السودان إذا ما رأت دولة الجنوب ذلك.
الخروج ليس سهلاً
ونسي هؤلاء وأولئك بأن الشركات الصينية ورصيفاتها الشرق آسيويات لم يبلغوا ما بلغوه في إخراج النفط إلا بشق الأنفس وسهر الليالي وبذل الغالي والنفيس، الأمر الذي يجعلهم لن يخرجوا بهذه السهولة، وأن ذلك أمر دونه "خرط القتاد".
فالدولة الصينية لها صلات ممتدة مع المجتمع الدولي، وستستخدم كل ما لديها من "كروت" قبل أن تسحب شركاتها من جنوب السودان، وهذا ما ظهر من أول ردود الفعل الصينية بعد القرار، إذ بعثت الصين بإشارات واضحة لحكومة جنوب السودان، وقدمت مقترحات لحلحلة الأزمة عبر الحوار.
الحوار وليس غيره
أضرار إيقاف تصدير بترول الجنوب على جنوب السودان نفسه أمر لم تتحسب له حكومة سلفاكير جيداً.
فقد دعا وزير النفط بدولة جنوب السودان استيفن ديو في العشرين من يناير الماضي في مؤتمره الصحافي المشار إليه شعب الجنوب بتحمل تبعات القرار كما تحملوا أيام الحرب، وأكد ديو أن الدولة لديها من الموارد ما يكفي لإدارتها لحين إقامة خطوط جديدة لترحيل النفط بالجنوب.
ونسي السيد الوزير أن الدولة وليدة وتعتمد كلياً على تصدير النفط، بل إنها تخوض حروباً قبلية طاحنة أدت في آخر المطاف إلى نذر مجاعة ستضرب كل إقليم الجنوب إذا ما استمرت الأوضاع على ما هي عليه.
بقراءة سريعة لوقائع ملف بترول الجنوب وما سيجره من تداعيات على دولتي السودان وجنوب السودان تتراءى في الأفق بوادر أزمات لن يتم تلافيها إلا عن طريق الحوار، كما أشار الشريك الصيني، أو كما نادي من قبل الوسيط الأفريقي.
وبتحليل المؤشرات في غير اتجاه الحوار، كلها تشير إلى نشوب حرب شاملة على كافة الجبهات مع حدود الدولتين.
ويمكن إيراد ملامح هذه المؤشرات التي أولها إصرار حكومة سلفاكير على رعاية الحركات المسلحة في دارفور، ومساندتها لمشعلي حربي جنوب كردفان والنيل الأزرق ضد حكومة الخرطوم، وتعنتها في إيجاد حلول موضوعية لترسيم الحدود وأبيي وملف الديون، ولا زالت المفاوضات بين الطرفين تمثل حوار الطرشان.
فقد دفعت الوساطة الأفريقية بمقترح جديد لوفدي الحكومة السودانية وحكومة جنوب السودان لإنهاء الخلافات حول النفط خلال المفاوضات التي تجري بينهما.
ويتحدث المقترح عن جزئين يتعلق الأول بترتيبات انتقالية تستمر 30 يوماً بين الطرفين حول البترول والعمليات المتعلقة به، ويشمل الجزء الثاني رسوماً ودفعيات محددة تبدأ في التاسع من يوليو الماضي وحتى العام 2014.
وقالت مصادر عليمة إن الطرفين تسلما مسودة المقترح وعكفا على دراسة المقترح توطئة للرد عليه، ولا يعرف حتى الآن ما ستكون عليه الردرد.
أسوأ السيناريوهات
مهما يكن من أمر يجب على الحكومة في دولة السودان أن تتحسب لأسوأ السيناريوهات، وهو نشوب حرب شاملة على امتداد الحدود مع دولة الجنوب وتحركات محتملة لحركات متمردة في مناطق أخرى من السودان.
ولن يتم ذلك إلا من خلال عين ساهرة، وتحليل دقيق للمؤشرات المشار إليها، فضلاً عن تحركات دبلوماسية على الصعد الخارجية لتشكيل رأي عام مساند لمواقف الخرطوم.
سعوديون يستثمرون في النفط السوداني

كشف المستشار الاقتصادى في السفارة السودانية بالسعودية؛ عبدالعزيز أبو طالب، أن عدداً من المستثمرين السعوديين يساهمون في الاستثمارات البترولية السودانية. وتوقع المستشار الاقتصادي أن تصدر بلاده النفط الخام بكميات تجارية خلال ثلاثة أعوام.
وأشار المستشار الاقتصادي، في تصريحات لصحيفة "الشرق" السعودية، إلى أن هناك مجموعة من المستثمرين السعوديين يعملون في الخدمات اللوجستية والبنية التحتية النفطية السودانية.
وأوضح أبو طالب أن هناك تعاوناً بين البلدين في التنقيب عن الذهب والفضة والنحاس والمعادن الهامة في حوض البحر الأحمر، مشيراً إلى أنه تم عقد عدد من الجولات الوزارية ما بين وزارة البترول والثروة المعدنية في السعودية ووزارة الطاقة في السودان حول التنقيب، وأن العلاقات التجارية بين البلدين لم تتأثر بانفصال الجنوب.
طائرة تحمل مخدرات تقترب من أوباما
طائرة صغيرة دخلت في المجال الجوي لطائرة الرئيس الأميركي باراك أوباما
اعتقلت الشرطة الأميركية مهرب مخدرات بعدما قاده حظه العاثر إلى الدخول بطائرته إلى المجال الجوي للطائرة المروحية للرئيس باراك أوباما. وأرغمت طائرات مقاتلة تابعة لسلاح الجو الأميركي الطائرة الصغيرة على الهبوط ليتضح أنها كانت محملة بالماريجوانا.
وقالت صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" إن طائرة مدنية صغيرة دخلت المجال الجوي لمروحية أوباما، الخميس، قرب لوس أنجلوس. وذكرت الصحيفة أن سلاح الجو حاول الاتصال بقائد الطائرة لدفعه إلى الابتعاد عن مروحية أوباما، غير أنه لم يستجب، ما دفع القيادة إلى إطلاق مقاتلات من طراز F16 لإرغامه على الهبوط، وبعد نزوله إلى الأرض اكتشفت الشرطة وجود كميات كبيرة من الحشيش كان يحاول تهريبها جواً إلى الولايات المتحدة.
الصين تتفهَّم الاحتياجات الأساسية لشعب السودان
حوار: أدوالد كونغ وميشيال كاكزمارك
ترجمة: محمود الدنعو

"منذ أن غادر الأوروبيون السودان، نحن سعداء بوجود الصينيين لأنهم بعكس الأوروبيين يتفهمون الاحتياجات الأساسية لشعبنا". هكذا تحدّث سفير السودان في برلين؛ بهاءالدين حنفي، في مقابلة خاصة مع موقع (إيرواكتف).
مدافعاً عن التعاون السوداني الصيني وتداعيات انفصال دولة جنوب السودان، واصفاً الأوروبيين بأنهم تأخروا كثيراً عن السودان ولا ينبغي للسودان أن ينتظر طويلاً طالما هناك بدائل آسيوية متاحة.
* جنوب السودان كان يقاتل من أجل الاستقلال واحتفى بالاستفتاء في يناير ثم الاستقلال في يوليو الماضي... كيف تنظر جهمورية السودان لهذا التطور؟
المحزن أن الأجنبي لا يمكنه تخيل المشتركات بين الشمال والجنوب، أعلم أن السياسات كانت مشكلة ولكن في حال وضعنا السياسات جانباً فإن هناك عدداً من المشتركات، الأمر ليس عرب ضد أفارقة كما يتصور البعض هذه الاختلافات ضئيلة، ولكن تم التركيز عليها سياسياً.
النظام الراهن في السودان لديه عدد من المشكلات مع الغرب منذ حوالى 20 أو 25 سنة، لأنه يسعى إلى أن لا يخضع ميكانيكياً للغرب، شأنه شأن أغلب دول العالم الثالث الأخرى، الغرب جرب عدة تكنيكات مع هذا النظام: العقوبات، وضعه في قائمة الإرهاب، تعليق المساعدات الإنسانية، كل المضايقات والتحذيرات التي خضعت لها دول في الإقليم لم تنجح مع هذا النظام، هذه هي الطريقة التي يدار بها النظام الدولي، للأسف، كانت الولايات المتحدة وسيطاً غير محايد أبداً، كما يدعون دائماً، ليس في السودان فقط، بل في أجزاء أخرى من العالم.
الغرب يبحث دوماً عن شيء سلبي للسودان وعندما لا يجد شيئاً يبدأ الحديث عن حقوق الإنسان، ولكن حتى المواطن العادي يشعر بأن السودان لم تتم معاملته بشكل نزيه خلال الخمسة والعشرين عاماً الماضية، الدول الأوروبية استعمرت أفريقيا، وبريطانيا استعمرت السودان ولدينا روابط تقليدية تاريخية، وكذلك اقتصادية، ولكن الدول الأوروبية غادرت عقب انتهاء الحرب الباردة مباشرة وتركت فراغاً.
أوروبا كانت دوماً بعيدة عن السودان خلال الخمس والعشرين سنة الماضية، وكقيادة مسؤولة وبلد مسؤول كان علينا البحث عن بدائل، نحن سعداء بأننا وجدنا الصينيين، لا أدري أي سودان سيكون إذا لم نجد الصين، نحن نريد أوروبا، ومكانها موجود والأوروبيون يعرفون ذلك أكثر من أي شخص آخر، ولكننا لا يمكن فقط أن نجلس وننتظر حتى يقتنع الأوروبيون أن السودان أصبح مثالياً مئة بالمئة ثم يقررون العودة، لا توجد دولة تفعل ذلك، وبالتالي نحن لدينا الصين، الصين في كل مكان، الآن الأوروبيون بدأوا يفكرون في العودة بسبب الصين، ليس بسبب الرحمة التي في قلوبهم وإنما بسبب الصين و(الجيوسياسيات).
* هل أنت سعيد بقدوم الصينيين إلى السودان والسيطرة على موارد البلد؟
الموارد متاحة لكل من يأتي وينافس وينال نصيبه، ولكن الأوروبيين لن ينالون نصيباً طالما هم منتظرون أن تعامل المرأة بشكل مثالي وحقوق الإنسان والديمقراطية تصبح طبيعياً طبقاً لتصوراتهم، في هذا الجزء من العالم لدينا مشاكل حقيقية واحتياجات ضاغطة نحاول معالجتها بسرعة، وليس لدينا رفاهية انتظار الأوروبيين للعودة، ولهذا السبب اتجه السودان شرقاً، ذهبنا إلى ماليزيا وإلى الهند والصين، وجدنا بدائل في هذا العالم الذي لا يمكن فيه احتكار كل شيء، نحن نعيش في عالم الـ(جي- زيرو) البرازيل نهضت، الهند والصين وتركيا في كل مكان، الصينيون متاحون ونحن سعداء بذلك، أصبح من السهل الآن إيجاد البدائل، نحن لا نزال نريد الأوروبيين ولكننا لا يمكن أن ننتظرهم طويلاً.
* كيف يساعد الصينيون السودان؟
الصينيون يستثمرون في البنيات التحتية وفي صناعة النفط والمطارات في كل شيء، ولكن ما هي المشكلة إذا شيدت الصين جسراً أو حفرت بئراً للنفط أو للمياه تلبي احتياجات الناس الأساسية؟ حفر بئر للمياه ما علاقة هذا بالديمقراطية أو بحقوق الإنسان، إذا كنت تريد مساعدة الناس عليك بفعل شيء يعالج مشكلاتهم الرئيسة، عليك أن تفعل شيئاً، الأوروبيون لا يهتمون بهذه الأشياء.
* ربما يهتم الأوروبيون بالمجارز والرق؟
لا يوجد رق في السودان، ولكن حتى إذا كان هناك رق، العلاج لا يتم بفرض العقوبات على البلد، عليك الانخراط مع الشعب... الأفكار المجنونة التي روجت لها منظمات المجتمع المدني والتقطتها وسائل الإعلام الدولية شوهت صورة السودان، ولكن هذا خطأ، لدينا العديد من المشكلات ولكن حقيقية الرق ليس من بينها.
* الألمان والساسة... الألمان عبروا عن سعادتهم برؤية تقسيم السودان كحل لوقف العنف، هل شعرت بخيبة أمل من الموقف الألماني، ومواقف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة؟
أنا أرى فروقاً دقيقة لنهج ألمانيا بالمقارنة مع موقف الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة، حيث كان موقف ألمانيا عموماً إيجابياً حتى في أصعب الأيام، على سبيل المثال خلال أزمة دارفور، نحن لدينا أمل في تطبيع العلاقات الثنائية بعد الاستفتاء والانفصال.
ونأمل في رؤية خطوات حقيقية مثل زيارات الشركات ورجال الأعمال الألمان إلى السودان، ولكن هذا لم يحدث، لأننا لا نزال نعاني من مشكلات في النيل الأزرق وجنوب كردفان. كنت متفائلاً بأن الصفحة ستطوى وسنبدأ فصلاً جديداً، ولكن مع الأسف، شيئاً من ذلك لم يحدث.
أما خيبة الأمل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة فكبيرة، السودان كان راغباً في مناقشة القضايا العالقة قبل الاستفتاء، إذا كنت تريد إجراء الاستفتاء عليك الاتفاق على القضايا الخلافية أولاً، عليك حل عدد من القضايا، ليس مهماً كم تستغرق من الوقت، علينا التوصل إلى اتفاق حول النفط والمواطنة، نحن نستمع إلى آراء مختلفة في أوقات مختلفة، جميعها كانت شكلاً من أشكال الضغوط على السودان، السودان قام بتسوية من خلال قبول الاستفتاء قبل حل قضايا ما بعد الاستفتاء، الجنوب نال الانفصال والسودان يلام الآن على أنه لم يكن نشطاً في حل قضايا ما بعد الاستفاء، مثل النفط والحدود والمواطنة وغيرها هذا أمر غير معقول.
السودانيون يشعرون بأن الغرب ينتقدهم مهما فعلوا، السودان وافق على الاستفتاء لأنه صدق وعود الغرب، كنا نعتقد أن هناك تعاوناً سينشأ وأن الغرب سيأتي لمساعدة البلدين في الشمال والجنوب، ولكن ذلك لم يحدث، الولايات المتحدة أطلقت حزمة وعود خلال الأعوام الخمسة عشر الأخيرة ولكنها لم تف بها، وهذا هو السبب وراء كل أشكال خيبة الأمل.
* رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت التقى قبل عدة أشهر بالرئيس السوداني عمر البشير، بماذا خرج اللقاء؟
اتفقا على مواصلة الحوار حول القضايا العالقة بين الشمال والجنوب، كلا الرئيسين شددا على أنهما راغبان في التعاون ولا يريدان حرباً جديدة، نحن نريد نسيان الحرب التي انطلقت في العام 1955 أي قبل استقلال السودان بعام كامل ودمرت البلاد وعانى الناس كثيراً، وهناك اتفاق بين الصفوة من الجانبين بعدم العودة إلى الحرب حتى إذا لم يتم الاتفاق حول القضايا العالقة، ونحن نشعر أننا يمكن أن نحل مشاكلنا بدون الوساطات الدولية، تدخل الفاعلين الدوليين يجعل العملية تمضي ببطء، علينا الصبر، وعلينا حل مشاكلنا، لا يمكن للشمال ولا للجنوب أن يتقدم بدون تعاون بين الاثنين، نحن نعتمد على بعض ونشعر أن هناك إرادة سياسية للتوصل إلى اتفاق.
* بوصفكم سفيراً لبلادكم في بلد (ألمانيا) اتحد بينما البلد الذي تمثله (السودان) انقسم حديثاً، ما هو شعورك بذلك؟
أشعر بالخجل كون بلدي تقسم بينما دول أخرى تسعى إلى الاندماج لتشكيل تكتلات جديدة وتحالفات جديدة، نحن نقوم بشيء لا صلة له بالعالم الحقيقي، بشكل خاص للدول الفقيرة مثلنا في أفريقيا نحن بحاجة إلى الاندماج، فلدينا مشكلات مشتركة وحاجات ضاغطة مشتركة نحتاج إلى التعاون وإلى تشكيل كيانات كبرى حتى ننافس على المستوى الدولي.
هناك العديد من الدروس يجب تعلمها من التجربة الألمانية، ألمانيا دمرت ثم نهض الألمان من جديد، ومن الحطام، ثم أصبحوا قوة اقتصادية وتقسمت ألمانيا بسبب الحرب الباردة ونجحت في الوحدة مجدداً.
إسرائيل تتخوَّف من أيام "سوداء" مع إخوان مصر
صحافة إسرائيلية
ترجمة وتحليل: مركز دراسات وتحليل المعلومات الصحفية
تسود الأوساط الأمنية والاستخباراتية والسياسية في دولة الكيان الصهيوني درجة عالية من التوتر والقلق بعد التقدم الباهر الذي أحرزته جماعة الإخوان المسلمين والمجموعة السلفية الأكثر تشدداً في مصر، على صعيد الانتخابات البرلمانية التي يجري فرز نتائجها حالياً.
يأتي ذلك في ظل تزايد الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة الأميركية المناهضة لإسرائيل.
وتقول مصادر أمنية صهيونية مطلعة إنّ مراكز الأبحاث الأمنية والاستخباراتية في الدولة العبرية، أعلنت حالة طوارئ في ظل التقارير التي ترسلها سفارة تل أبيب في القاهرة والتي تشير إلى أن عملية فوز "الإخوان" باتت مؤكدة في ظل الاستعدادات المهولة والضغط الإعلامي الكبير والتنظيم الجيد لإدارة الحملة الانتخابية التي نفذتها الحركة.
وتضيف المصادر أنّ ورقة عمل أعدتها الأجهزة الأمنية تحذر من أيام سوداء ستواجهها الدولة العبرية مع احتمال انهيار معاهدة السلام وتطورات الأوضاع في سيناء رغم التأكيدات التي تسلمتها واشنطن من حركة "الإخوان" بأنّها ستحترم اتفاقية "كامب ديفيد" في حال فوزها، الأمر الذي تنظر إليه "تل أبيب" بعين الريبة والشك.
بالمقابل، تتزايد الدعوات السائدة في أميركا المناهضة لـ"إسرائيل"، والتي تركز على مدى جدوى المساعدة العسكرية الأميركية للكيان، والمنفعة التي تجنيها أميركا من العلاقات الاستراتيجية معه.
تضاؤل إسرائيل
ويحذّر السفير الصهيوني الأسبق في واشنطن؛ زلمان شوفال، من أن تؤدي هذه الدعوات في النهاية إلى تضاؤل الدعم الذي يجده الكيان الصهيوني في أميركا.
ويقول شوفال، إن الدعوات تتخذ حالياً أشكالاً وذرائع مختلفة في أميركا، فتارة تكون تحت شعار "الضرر" الذي يلحقه الدعم بالمصالح الأميركية في العالم العربي، وأخرى باسم منافسة الصناعات الأمنية الصهيونية للمصانع الأميركية، أو بحجة المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها أميركا.
لكن مساعد وزيرة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية والعسكرية؛ أندرو شابيرو، بث تطمينات للصهاينة خلال كلمة قدمها في 4 نوفمبر الماضي أمام منتدى سياسي في معهد واشنطن، قدم من خلالها تقييماً شاملاً لالتزام إدارة الرئيس باراك أوباما بتفوق "إسرائيل" العسكري النوعي في الشرق الأوسط.
ويرى شابيرو، أنه خلال الأشهر الأحد عشر الماضية، شهدت المنطقة واحداً من أبرز التحولات منذ نهاية الحرب الباردة، وهو أن الاحتجاجات الشعبية والانتفاضات في مختلف أنحاء المنطقة قد أوجدت آمالاً كبيرة لهذه المنطقة.
ويقول إنه مع ذلك، فإن الأحداث الهائلة في العام الماضي جلبت أيضاً عدم اليقين بالنسبة "لإسرائيل"، فإن التقلب الذي تشهده المنطقة هو مصدر للتفاؤل والقلق في آن واحد.
وفيما يتعلّق بإدارة أوباما يمثل الحفاظ على "التفوق العسكري النوعي" "لإسرائيل" أولوية قصوى بالنسبة لوزيرة الخارجية كلينتون والرئيس أوباما.
الشراكة القوية
إن "التفوق العسكري النوعي" هو قدرة "إسرائيل" على مواجهة وهزيمة التهديدات العسكرية الفعلية من أي دولة فردية أو تحالف دول أو فاعلين من غير الدول، مع التعرض للحد الأدنى من الأضرار أو الإصابات.
وتشكل المساعدات الأمنية الأداة الأكثر مباشرة التي تستخدمها الولايات المتحدة لضمان "التفوق العسكري النوعي" "لإسرائيل".
وتتلقى "إسرائيل" حالياً ثلاثة مليارات دولار سنوياً بشكل تمويل أميركي للتدريب والمعدات في إطار برنامج "التمويل العسكري الأجنبي".
ولوضع هذا الأمر في سياقه، يبلغ إجمالي "التمويل العسكري الأجنبي" للولايات المتحدة نحو 5..5 مليارات دولار سنوياً ويتم توزيعه بين حوالى 70 بلداً، ويذهب أكثر من 80 بالمائة من هذا التمويل لدعم شركاء الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط.
ولذا فإن "إسرائيل" تحصل سنوياً على 60% من تمويل المساعدات الأمنية الأميركية الموزعة من خلال "التمويل العسكري الأجنبي".
تمويل مساعدات
وبالنسبة للسنة المالية 2012، طلبت إدارة أوباما أكثر من ثلاثة مليارات دولار بشكل تمويل مساعدات أمنية "لإسرائيل" على وجه التحديد، وهو أكبر طلب في تاريخ الولايات المتحدة. وهذه الطلبات تفي بالتزام إدارة أوباما في تنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة مع "إسرائيل" في عام 2007 لتوفير 30 مليار دولار بشكل مساعدات أمنية على مدى عشرة أعوام.
إن دعم واشنطن لأمن "إسرائيل" يساعد في الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة ولو كانت "إسرائيل" أكثر ضعفاً، فإن أعداءها سيكونون أكثر جرأة. وبالتالي فإن ضمان قوة "إسرائيل" العسكرية وتفوقها في المنطقة يعد أمراً جوهرياً للاستقرار الإقليمي. ونتيجة لذلك فإنّ هذا الدعم يصب بصفة أساسية في مصلحة الولايات المتحدة.
كما تتفق الولايات المتحدة و"إسرائيل" حول عدد من المسائل الاستراتيجية. "فإسرائيل" هي حليف جوهري وتعد بمثابة حجر الزاوية لالتزامات واشنطن الأمنية الإقليمية. ويبدأ ذلك من مواجهة العدوان الإيراني، إلى العمل سوية لمكافحة الشبكات "الإرهابية" العابرة للحدود، إلى وقف الانتشار النووي ودعم التحول الديمقراطي والتنمية الاقتصادية في المنطقة.
المزايا الملموسة
وتحصل الولايات المتحدة أيضاً على عدد من المزايا الملموسة من جراء شراكتها الوثيقة مع "إسرائيل".
فعلى سبيل المثال، إن التدريبات المشتركة بين الدولتين تتيح للولايات المتحدة التعلم من خبرة "إسرائيل" في حرب المدن ومكافحة الإرهاب.
وتثبت التكنولوجيا "الإسرائيلية" بأنها عامل جوهري في تحسين الأمن الوطني للولايات المتحدة وحماية القوات الأميركية.
إن الروابط بين الحكومتين وشركات الدفاع الأميركية و"الإسرائيلية" قد حققت ابتكارات رائدة تجعل الجميع أكثر أمناً في النهاية.
ويشمل ذلك أجهزة الاستشعار وتكنولوجيا المركبات الجوية بدون طيار ومعدات المراقبة وأجهزة الاكتشاف للبحث عن العبوات الناسفة التي تدعم القوات الأميركية.
وتدرك الولايات المتحدة أنّ "إسرائيل" تواجه اليوم بعضاً من أصعب التحديات في تاريخها.
فرغم التغيرات الهائلة التي تؤثر على المنطقة، إلا أن التهديد الذي تمثله إيران لا يزال قائماً.
نووي إيران
فبرنامج إيران النووي يبقى مصدر قلق خطير، إلا أن إيران تجد نفسها اليوم أكثر عزلة عن المجتمع الدولي، مما يزيد من صعوبة حصولها على المواد لبرامجها النووية والصاروخية.
بيد أنّ المخاطر المنبثقة من إيران تتجاوز برنامجها النووي، وقد ظهر ذلك بوضوح في الشهر الماضي مع كشف النقاب عن مخطط إيراني لاغتيال السفير السعودي على الأراضي الأميركية.
إن دعم إيران لـ"حزب الله" وحماس، يُمكِّن هذه الجماعات من إطلاق الصواريخ على المراكز السكانية الإسرائيلية بدون تمييز.
كما أن الدعم الإيراني يمتد إلى سوريا، التي تمثل منذ فترة طويلة مصدر تهديد لأمن "إسرائيل". لكن رغم عدم الاستقرار في سوريا، فإن دعمها لـ"حزب الله" اللبناني يستمر بدون عوائق تقريباً.
ولا تزال سوريا الرابط الحيوي بين "حزب الله" وإيران، ويواصل النظام السوري تقديم الدعم العسكري وخدمات الإمداد والتموين الجوهرية لـ"حزب الله"، بما في ذلك توفير ممر آمن للمساعدات الإيرانية إلى الجماعة عبر طرق العبور براً.
حزب الله
ويحافظ "حزب الله" على وجود دائم في سوريا من خلال مكاتبه في دمشق. وهناك قلق متزايد في المنطقة من قيام سوريا بتوفير تكنولوجيا صاروخية متطورة إلى "حزب الله".
لقد جمع "حزب الله" عشرات الآلاف من الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى على الحدود الشمالية "لإسرائيل". كما تمتلك "حماس" عدداً كبيراً من الصواريخ في غزة، وجميعها تمثل خطراً جوهرياً.
ينطوي الحفاظ على "التفوق العسكري النوعي" لإسرائيل أيضاً على بناء القدرات العملياتية من خلال المناورات والتدريبات والتبادلات الشخصية.
كما ينطوي على بناء علاقات ثنائية وثيقة مع إجراء مشاورات مستمرة، بما في ذلك وضع "التفوق العسكري النوعي" لإسرائيل في الاعتبار عند إقامة تعاون دفاعي مع دول أخرى في المنطقة.
وأخيراً، يشمل ذلك أيضاً الحفاظ على وتعزيز، روابط الولايات المتحدة الوثيقة جداً مع البلدان في جميع أنحاء المنطقة.
تغيّرات المنطقة
إن التغيرات التي تؤثر على المنطقة تدفع واشنطن على مضاعفة التزامها لأمن "إسرائيل". وفي هذا الضوء، تتخذ الولايات المتحدة خطوات لمساعدة "إسرائيل" على تحسين الدفاع عن نفسها من تهديدات الصواريخ من "حزب الله" وحماس.
ولذلك طلب الرئيس الأميركي من الكونغرس في العام الماضي اعتماد مبلغ 205 مليون دولار لدعم إنتاج نظام دفاع صاروخي قصير المدى، قامت "إسرائيل" بتطويره يطلق عليه اسم "القبة الحديدية".
ويتجاوز تمويل "القبة الحديدية" مبلغ الثلاثة مليارات دولار الذي تقدمه الولايات المتحدة في نطاق "التمويل العسكري الأجنبي".
وبالإضافة إلى ذلك، تعمل واشنطن على توفير حماية أفضل "لإسرائيل" من تهديد الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى.
وتقوم الولايات المتحدة بتعزيز "نظام آرو" الإسرائيلي لمواجهة تهديدات الصواريخ الباليستية بعيدة المدى من خلال المشاركة في تطوير نظام "آرو-3" المتخصص في اعتراض الصواريخ الباليستية.
وتعمل واشنطن على تحديث نظام الدفاع الجوي والصاروخي الإسرائيلي "باتريوت"، والذي تم نشره للمرة الأولى في "حرب الخليج" عام 1991.
نظام رادار
كما نشرت الولايات المتحدة نظام رادار متقدّم لتزويد "إسرائيل" بتحذير مبكر من الصواريخ القادمة.
وعلاوة على ذلك، اشتركت شركات "إسرائيلية" وأميركية في تطوير "نظام ديفيدز سلينغ" للدفاع ضد الصواريخ الباليستية قصيرة المدى وصواريخ كروز.
ومن الطرق الأخرى للمساعدة على ضمان "التفوق العسكري النوعي" "لإسرائيل" هي من خلال المناورات العسكرية والتدريبات المشتركة. ففي الخريف الماضي أجرت الولايات المتحدة مناورات للدفاع ضد الصواريخ الباليستية أُطلق عليها اسم "جونيبر كوبرا" 2010.
وقد شارك أكثر من 1000 جندي أميركي في تلك المناورات، مما يجعلها أكبر مناورات عسكرية بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" في التاريخ.
غير أن ذلك التكريم لن يدوم طويلاً، لأنه في العام المقبل ستقوم واشنطن بدمج المناورات السنوية الرئيسية للقيادة الأميركية الأوروبية، "أوستير تشالينج"، مع التكرار السنوي لمناورات "جونيبر كوبرا". وسيشمل ذلك أكثر من 5000 من جنود القوات الأميركية و"الإسرائيلية" التي تحاكي (نظام) دفاع الصواريخ الباليستية الإسرائيلي، مما يجعلها إلى حدٍّ كبير المناورات الأكبر والأكثر أهمية في تاريخ التمرينات بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
كما تشارك القوات الأميركية و"الإسرائيلية" في مناورات عديدة على مدار السنة.
الطريقة الثالثة
والطريقة الثالثة التي تدعم الولايات المتحدة من خلالها احتياجات الدفاع "الإسرائيلية" هي ضمان تزويد "إسرائيل" بأنظمة متقدمة للغاية.
فمن خلال برنامج "المبيعات العسكرية الأجنبية" و"المبيعات التجارية المباشرة" بين الحكومتين، فإنه بوسع واشنطن تزويد "إسرائيل" بمنتجات وأنظمة متقدّمة تقتصر فقط على أقرب الحلفاء والشركاء. وخلال السنوات القليلة الماضية، أبلغت واشنطن الكونغرس بعدد من المبيعات الكبيرة، أجدرها بالملاحظة طائرات مقاتلة للهجوم المشترك من طراز "إف-35". وسوف تثبت القدرات المتقدّمة لطائرات "إف-35" بأنها تسهم مساهمة رئيسية في تعزيز تفوق إسرائيل العسكري لسنوات عديدة قادمة.
وبالإضافة إلى ذلك، تستفيد "إسرائيل" من "المخزون الاحتياطي الحربي" الذي تحتفظ به القيادة الأوروبية الأميركية في إسرائيل. ويمكن استخدام هذا المخزون لتعزيز الدفاعات الإسرائيلية في حالة وجود طوارئ عسكرية كبيرة.
وكما هو الحال مع العديد من شركاء الولايات المتحدة في الخارج، فإن "إسرائيل" قادرة كذلك على الوصول إلى الملايين من الدولارات من المعدات العسكرية المجانية أو المنخفضة الأسعار في كل عام من خلال برنامج "معدات الدفاع الزائدة" لوزارة الدفاع الأميركية.
التمويل العسكري
وعلاوة على ذلك، وعلى عكس المستفيدين الآخرين من "التمويل العسكري الأجنبي"، فإن "إسرائيل" هي الدولة الوحيدة المخول لها أن تضع جانباً ربع تمويلها من "التمويل العسكري الأجنبي" من أجل المشتريات الخارجية.
"إسرائيل" هي الدولة الوحيدة المخول لها أن تضع جانباً ربع تمويلها من "التمويل العسكري الأجنبي" من أجل المشتريات الخارجية.
وهذا الاستثناء يوفر دفعة قوية لصناعة الدفاع المحلية "الإسرائيلية"، حيث أنه يساعدها على تطوير قدرات إنتاجية محلية ويُمكّنها من الاستثمار في الأبحاث والتنمية، وهو أمر جوهري لتطوير نظم متقدمة.
وخلال إدارة أوباما، كان هناك تنشيط غير مسبوق للمشاورات الدفاعية الثنائية بين الدولتين.
فمن خلال المناقشات والزيارات المستمرة عالية المستوى، قام البلدان بإعادة تنشيط الحوارات القائمة مثل "المجموعة العسكرية السياسية المشتركة" بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" و"المجموعة الاستشارية لسياسة الدفاع"، من بين مجموعات أخرى.
وتغطي المناقشات ضمن "المجموعة العسكرية السياسية المشتركة" مجموعة واسعة من القضايا السياسية والعسكرية، لكنها تركز أولاً وقبل كل شيء على الحفاظ على "التفوق العسكري النوعي" لإسرائيل.
كما أن "المجموعة الاستشارية لسياسة الدفاع" توفر منتدىً رفيع المستوى يكرس نفسه لتعزيز المزيد من التنسيق في السياسات الدفاعية.
التعاون المتزايد
ويمكن العثور على مثال واحد على التعاون المتزايد بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" في جهودهما المشتركة لمنع واعتراض الاتجار غير المشروع بالأسلحة إلى غزة.
ففي عام 2009، بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل مشاورات مكثفة لمواجهة هذا التهديد. ومنذ ذلك الحين توسعت تلك الجهود إلى أن أصبحت جهداً دولياً أوسع نطاقاً يضم أكثر من 10 بلدان ومؤسسات دولية يطلق عليه "مبادرة مكافحة تهريب الأسلحة إلى غزة".
وفي ظل هذه المبادرة متعددة الجنسيات، تعمل هذه الدول على توظيف مجموعة واسعة من الأدوات الدبلوماسية والعسكرية والاستخباراتية وإنفاذ القانون لوقف شحن الأسلحة، لا سيما الصواريخ والقذائف، إلى غزة وهو ما يهدد التجمعات السكانية الإسرائيلية المجاورة.
كما تعمل الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل وثيق في عدد من المجالات الأخرى، مثل مكافحة تمويل "الإرهاب" ومكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل من خلال "مبادرة أمن الانتشار".
تمتد اعتبارات الولايات المتحدة بشأن "التفوق العسكري النوعي" إلى جميع قراراتها بشأن التعاون الدفاعي مع جميع الحكومات الأخرى في المنطقة.
ويعني ذلك أن سياستها تقوم على عدم إعطاء أو تقديم أي معدات أو خدمات عسكرية على نحو قد يشكل خطورة على حلفائها أو تسهم في انعدام الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط.
إن علاقات الولايات المتحدة الوثيقة مع البلدان في المنطقة تمثل أهمية بالغة لاستقرار المنطقة وأمن "إسرائيل". كما أن علاقاتها مع مصر والأردن ولبنان والعديد من دول الخليج تسمح للولايات المتحدة بدعم السلام والاستقرار في المنطقة بكل عزيمة وقوة.
دعم السلام
فعلى سبيل المثال، ساعدت علاقات الولايات المتحدة الوثيقة مع الأردن على دعم السلام في المنطقة وهي تمثل أهمية بالغة في ضوء عدم اليقين في سوريا.
كما أن شراكة واشنطن الطويلة وعلاقتها التعاونية الاستثنائية تنعكس في المساعدات الأمنية التي تقدمها إلى الأردن سنوياً والتي تتجاوز 300 مليون دولار.
ويستمر الأردن في تقديم الدعم للأولويات الإقليمية للولايات المتحدة، مثل عملية السلام في الشرق الأوسط ومكافحة التطرف وتحقيق الاستقرار في العراق و"عملية الحامي الموحد" أخيراً في ليبيا.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن علاقة الولايات المتحدة طويلة الأمد مع مصر ساعدت على دعم السلام في المنطقة.
وتؤمن واشنطن أنه في الوقت الذي تمر فيه مصر بمرحلة التحول السياسي، فإن أمامها فرصة كي تصبح نموذجاً لشرق أوسط ديمقراطي جديد وحتى قوة أكثر إيجابية لإرساء السلام والاستقرار في المنطقة.
ومع ذلك، تدرك الولايات المتحدة أن التغيير قد يكون مزعجاً وأن الهجوم على السفارة الإسرائيلية في القاهرة في سبتمبر/ أيلول الماضي قد أثار مخاوف مشروعة.
ثقة بمصر
بيد أن واشنطن على ثقة بأن مصر ستستمر في تقدير الأمن والفرص التي تمنحها معاهدة السلام بين مصر و"إسرائيل".
كما تشعر واشنطن بالحماسة من الخطوات الإيجابية والتعاونية التي اتخذتها مصر وإسرائيل منذ ذلك الحين، بما في ذلك التعاون على إطلاق سراح جلعاد شليط.
إن شراكة الولايات المتحدة الوثيقة مع مصر متأصلة في السلام الذي تم التوصل إليه في "اتفاقيات كامب ديفيد"، وكانت عاملاً مهماً في الحفاظ على السلام في المنطقة.
وعلى مدار الثلاثين عاماً الماضية، كانت معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر الأساس لـ"التمويل العسكري الأجنبي" السنوي بمبلغ 1..3 مليار دولار الذي تقدمه الولايات المتحدة إلى مصر.
وهذه المساعدات تساعد مصر في الحفاظ على قوة دفاع مهنية قوية ومنضبطة قادرة على العمل كزعيمة إقليمية وإحداث تأثير معتدل في المنطقة.
إن مصر بلد محوري في الشرق الأوسط وشريك للولايات المتحدة منذ فترة طويلة.
وقد واصلت واشنطن الاعتماد على مصر لدعم وتعزيز المصالح الأميركية في المنطقة، بما في ذلك السلام مع "إسرائيل" ومواجهة الطموحات الإيرانية واعتراض المهربين ودعم العراق. إن قوة ورفاهية مصر تمثل أهمية للمنطقة ككل.
إشارة رمزية
وينظر الشعب المصري، وليس فقط الحكومة المصرية، إلى المساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة على أنها إشارة رمزية لدعمها لبلدهم وتحولها الديمقراطي.
وفي هذا الوقت من التحول المهم، على واشنطن الحفاظ على المرونة للاستجابة للأحداث وتعديل مساعداتها وفقاً لذلك.
وعلاوة على ذلك، بدأت القوات الأميركية في العودة إلى الوطن بعد سنوات من الحرب في العراق، وستثبت جهود الولايات المتحدة الدبلوماسية وأعمالها التنموية وبرامجها للمساعدات الأمنية بأنها عامل جوهري في الحفاظ على وجود قوي في المنطقة.
والسبيل الأكثر أهمية الذي تعمل من خلاله الولايات المتحدة على دعم أمن "إسرائيل" هو من خلال جهودها لتعزيز السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
ولا يمكن تأمين مستقبل "إسرائيل" كدولة يهودية وديمقراطية من جهة ولا الطموحات المشروعة للفلسطينيين من جهة أخرى من دون حل الدولتين الذي يتم التوصل إليه عن طريق المفاوضات. كما أن إسرائيل نفسها ليست بمنأى عن رياح التغيير.
ومع حصول شعوب المنطقة على قدر أكبر من حرية التنقل والوصول إلى المعلومات وفهم أعمق للمشهد السياسي، ستصبح إسرائيل معرضة لقدر أكبر من التدقيق والفحص. وسيؤدي ذلك بشكل مؤكد إلى قيام ضغط متزايد للتأثير على الجهود المبذولة لتحقيق سلام شامل في المنطقة.
جهود دبلوماسية
كما واجهت "إسرائيل" جهوداً دبلوماسية متضافرة لتقويض شرعيتها وعزلها عن المجتمع الدولي. لقد عارضت الولايات المتحدة باستمرار الجهود الرامية إلى عزل "إسرائيل"، ووقفت بقوة إلى جانب "إسرائيل" وحقها في الدفاع عن نفسها بعد نشر تقرير غولدستون حول النزاع في غزة عام 2009.
ورفضت واشنطن حضور فعاليات تؤيد أو تحيي ذكرى "المؤتمر العالمي لمكافحة العنصرية" المعيب من عام 2001، والذي خص بشكل فاضح "إسرائيل" لحملة انتقادات شديدة.
كما أوضحت هذه الإدارة أن السلام الدائم والمستدام لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال المفاوضات وأن الإدارة لا تزال تعارض بشدة الجهود الأحادية للحصول على اعتراف بدولة فلسطين خارج إطار المفاوضات، سواء في مجلس الأمن الدولي أو في المحافل الدولية الأخرى.
ومع ذلك، تبقى الولايات المتحدة ملتزمة بسعيها لتحقيق سلام دائم بين "الإسرائيليين" والفلسطينيين على أساس هدفها المشترك مع الأطراف: وجود دولتين لشعبين "إسرائيل" كدولة يهودية ووطن للشعب اليهودي، ودولة فلسطين كوطن للشعب الفلسطيني، بحيث تحظى كل دولة بحق تقرير المصير والاعتراف المتبادل والسلام.