آخر 10 مشاركات : من بعض الصحف ( )           »          مقتطفات رياضية ( )           »          الحوار الذى بسببه صادر جهاز الامن صحيفة الأهرام اليوم ( )           »          عالم الجريمة والحوادث ( )           »          نظام "أبشر" لخدمات الجوازات الإلكترونية ( )           »          سدِّ النهضةالاثيوبي ( )           »          الهمة يا أمة ( آخر مشاركة : محمد أحمد إدريس - )           »          خفايا وأسرار ( )           »          ملفات الشرق الاوسط ( )           »          دنيا المطبخ ( )

الإهداءات


العودة   منتديات أبوراقة > الأقــســـام الــعـــامــة > منتدى المواضيع العامه


ماذا قالوا عن الراحل وردي

منتدى المواضيع العامه


إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 02-19-2012, 09:45 AM   رقم المشاركة : [1]
أبوسهيل
عميد الموقع
الصورة الرمزية أبوسهيل
 
اخر مواضيعي

المستوى: 81 [♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥]
الحياة 3024 / 3024

النشاط 6974 / 23320
المؤشر 65%


افتراضي ماذا قالوا عن الراحل وردي

محمد المكي ابراهيم يدافع عن وردي بمقال : "ياوردي مين يشتريك" ؟

في سبب نزول الوصايا العشر تقول الطرفة العبرية الساخرة إن الملاك ذهب إلى فرعون وقال له هل لك في بعض الوصايا فسأل الفرعون ما هي الوصايا؟ وأجاب الملاك انها شيء من قبيل لا تقتل..لا تزني فرفض الفرعون قائلا إن ذلك من شأنه أن يجعل العطلة الأسبوعية مملة جدا.

وذهب الملاك إلى الأشوريين وسألهم إن كانوا يرغبون في بعض الوصايا الربانية فسألوا أيضا ما هي الوصايا؟ وأجاب الملاك إنها أشياء من قبيل :لا تسرق ..لا تقتل فرفضها الأشوريون بحجة أنها مضرة باقتصاد البلاد. ثم ذهب الملاك إلى اليهود وقال لهم هل تريدون بعض الوصايا فسألوه :الوصية بكام؟ وحين قال إنها بالمجان قالوا له: طيب هات عشرة .ذكرني تلك الطرفة مقالان لاثنين من اعز أصدقائي وأوفرهم سهما من الحكمة والمنطق وجمال الاسلوب هما الدكتور عبد الله حمدنا الله والاستاذ مصطفي عبد العزيز البطل وذلك على التوالي تحت عنوان "قالوا لفرعون مين فرعنك " والآخر بعنوان "قالوا لفرعون مين مرمطك " وكلاهما كتابة عامرة بالبلاغة وحسن الدعابة وتكاد كلماتها تنفض أجنحتها من حبر المطبعة وتطير في الهواء من خفة روحها وإحكام سبكها وحبكها وحسن ارتكازها على الموروث من قرآنيات وأقوال سائرة وحكم. والمراد بالفرعون هو الفنان الأكبر محمد الوردي وذلك تعبيرا عن مطلق قدراته الفنية ومرجعيته في مجال الموسيقى والغناء كقولهم "عملاق المسرح" أو جبار الشاشة" كناية عن التفوق والإحسان والتقدم في ذينك المجالين.وتستمد التسمية شيئا من ترميزها وبالتالي مصداقيتها من الاصول الكوشية لذلك الفنان والكوشيون هم الفراعنة السودانيون الذين حكموا امبراطورية مترامية الاطراف امتدت من النوبة السفلى الى طيبة القديمة وهليوبوليس. وفي المقالين تقدير عميق لفن وشخص الاستاذ محمد الوردي واعتراف بما أسدى في ذلك المجال. . ولا أريد هنا أن أباري أيا من الكاتبين في أي من الصفات التي أقررت بها لكليهما فقد كتبا من القلب وكتابة القلب لا تبارى ولا تجارى كما أنني لا أريد أن أرد على ما كتبا بالتأييد أو التفنيد فأنا لا أدعى أنني اقرب منهما إلى الأستاذ محمد الوردي بقرينة أن دكتور حمدنا الله من معجبيه الكبار والاستاذ البطل ينحدر مثله من سلالة الفراعين الكوشيين .ولكنني أريد أن "أحوم" حول أمور أخرى يتناقلها الناس عن الفرعون الكبير همسا وجهرا وهي أمور أتناولها هنا تحت ثلاث محاور هي: حق الفنان في المال والثراء/ المدى الزمني للنضال / وثقافة الغفران.

حق الفنان في الثراء
الفن هبة سماوية تهبط على الموهوب بطريقة تكاد تكون اعتباطية ولا صلة لها بالمنشأ والمناخ فتميزه عن الأقران وتجعله محط اهتمامهم ومن ثم محط اهتمام الآخرين وكلما قدم ذلك الموهوب إبداعاته للناس كلما ازداد رفعة في نظرهم وتكالبوا على محبته وتقديمه فتراهم يجهلون أسماء الوزراء والكبراء والساسة والقادة ولكنهم يعرفون الفنان ويتعلقون بكل تفاصيل سيرته الشخصية. والفنان الموهوب دائما كبير النفس لا يرى لنفسه ضريعا في الناس والفنانون المثقفون من شاكلة الفرعون يعرفون قدر أنفسهم خاصة وانه رأى قيمة الفنان في بلدان أوروبا وأمريكا وفي كاليفورنيا حيث عاش ردحا من الزمان فكان يرى السياح والزوار يتقاطرون لرؤية القلاع التي شيدت مساكن للفنانين في شعاب الجبال وقمم الهضاب رغم ان بينهم كثير من الزعانف أقل موهبة منه وأقل تعبا في تجويد فنونهم خاصة ما كان منها سريعا خفيفا مثل الراب وهو سجع موزون يجري على وتيرة موسيقية واحدة لايحتاج ضبطها إلى كثير عناء.

ولا يأتي الثراء لأهل الموسيقى والغناء وحدهم وإنما يتجاوزهم إلى الممثلين والكتاب الصحفيين والروائيين إلا أنه للأسف لا يشمل تجارة الشعر الكاسدة. ولكن أهل الغناء هم الأكثر ثراء وذلك أن ريع حفلاتهم وجولاتهم الفنية يتكرر أكثر كثيرا مما تتكرر الفرص أمام الممثلين في صناعة السينما والمؤلفين في صناعة الكتاب. فالحفلة الغنائية يمكن أن تكون حدثا أسبوعيا أو شهريا بينما لا يجد أعظم الممثلين والممثلات أكثر من فرصة أو فرصتين في العام للعمل في تمثيل احد الأفلام. ومعروف أن للفنان نسبة ثابتة عن بث أغانيه في الميديا وحتى في مصر (المؤمنة) هنالك ما يسمى جمعية المؤلفين والملحنين (مقرها باريس) ترصد كل بث لأعمال أعضائها وتتقاضى لهم أجرهم المفروض وقد روى لي شاعر مصري شاب انه اعتزل العمل الحكومي وصار يعيش على ريع بضعة أغان غناها له مطربون كبار.

ومما يثبت أحقية الفنان في الثراء العريض كونه يعيش دون مورد ثابت ودون معاش تقاعدي ودون ضمان اجتماعي من أي نوع. والفنان العاقل هو الذي يدخر من رحيق أيامه الربيعية لسموم الأيام الصائفة آخذا باعتباره نفسه وعائلته وذوي قرباه وما يهمه من القضايا العامة على نحو ما فعل محمد الوردي مئات المرات وهو يقيم الحفلات الخيرية للمستحقين منذ شبابه الباكر إلى كهولته السعيدة المديدة (بإذن واحد أحد).ولكنه لابد من الإعتراف بأن الفنان السوداني يعيش عيشة القفراء ويكابد ما يكابدون من هموم العيش إلى جانب ما يقاسي من لوعة الغرام وجفاء المحبوب في أغانيه وألحانه. ولا أرى إلا أن محمدا عاش تلك الحياة الجاسية فسكن في ظاهر البلدة ناحية الكلاكلات ولم يمتط ما يمتطي أقرانه الفنانون خارج السودان أي اللامبورجيني واللنكولن او المرمسيدس اس . أف.أح. وذلك أضعف الإيمان.ومع ذلك كانت ألحانه تدخل السرور على قلوب الملايين وتنسيهم قسوة الدنيا وبأسائها مما لو بذلوا فيه الألوف المؤلفة لما كان كثيرا عليه.

لقد درجنا على الإعراب للفنان عن حبنا وتقديرنا بهدايا رمزية هي قدرتنا ومبلغ جهدنا مثال ذلك أن نقدم له قطعة من قماش مزركش (نسميها الدرقة) أو كأسا فضية أو قطعة بلور وكان ذلك نوعا من التيمم الذي يعبر عن مكنونات الحب والتقدير المعنوي أما الآن فقد توافر الماء (ما عدا في الحنفيات) ووجب إسباغ الوضوء . وخمسين ألف دولار ليست كثيرة على ورد الفن السوداني الفواح بل يستحق أضعافها ويستحق أن يمتد ذلك الصنيع بصورة نقابية إلى كافة رفاقه الفنانين:الكابلي ومحمد ميرغني ومحمد الأمين وأبو عركي والجابري في قبره وغيرهم كثير في حلبة الفن السوداني من مطربين وعازفين ومؤلفين موسيقيين وسيكون تكريم محمد مقدمة وتوطئة لتكريم كل زملائه من كرام المبدعين وعلينا ان نطالب لهم بذلك وبأسرع ما يكون.

إنه جميل حقا أن تحتفي أجهزة شبه رسمية بوردي الفنان الذي لم يقدم لها أي نوع من الملق الزائف كما فعل آخرون من ذليلي النفوس فأخطأهم التقدير وأصابه هو رغم انه لم يدل مثلهم بشهادة الزور ولانرى في ذلك المبلغ الزهيد ثمنا لوردي أو حتى محاولة لشرائه فليس في كل الخزائن ما يكفي لشراء من هو مثل محمد عثمان وردي الذي تصدق فيه (على اختلاف المناسبة) كلمة الفنان محمد عبد الوهاب التي يتساءل فيها قائلا : ياورد مين يشتريك؟ وذلك ما يجعلنا نتنسم في تكريم وردي رائحة طيبة زكية نريدها أن تنشر عبقها وتمتد إلى كافة الفنانين. ومهما قيل في تصنيف تلك الرائحة فإنها قطعا ليست جائزة سياسية ومخطئ تماما ذلك الذي قال الدكتور حمدنا الله أن وردي غني للانقاذ بانشاده المديح النبوي بقرينة أن المديح النبوي هو غناء الإنقاذ فالحق إنه غناؤنا نحن وغناء آبائنا وأمهاتنا وأجدادنا قبل أن تكون الإنقاذ وبعد أن تفنى وتروح. وقد كرر وردي مرارا وتكرارا سرد المقتنيات الثقافية السودانية التي ادعتها الإنقاذ وهي ليست لها : ملافحنا ومسابحنا ومصاحفنا التي توارثناها أبا عن جد وفي كل الأحوال لا يستطيع مدع أن يدعي انه أدخلنا دين الإسلام ليلة البارحة فالعقيدة شيء والإسلام السياسي شيء مختلف.الأولى محجة بيضاء ليلها كنهارها وهذا لجلج يتفاني فيه أهله بينهم قبل بقية الخلائق.

المدى الزمني للنضال
صحيح أن محمد الوردي أنشد أنشودة واحدة لانقلاب عبود وأردفها بأخرى لانقلاب النميري ولكنه يتوجب على الإنسان المنصف أن يلاحظ أن ذلك كان في بداية أمر الانقلابين وبفعل فورة الأمل التي يحدثها في النفس كل تغيير في الساحة السياسية وتلك الأناشيد – لو تمعنا فيها- هي كلمات ترحيب وإعراب عن أمنيات وحسن نوايا وليست تقييما للمراحل التي تمثلها إذ كيف نقيم انقلابا صبيحة وقوعه وقبل ان يتبين صرفه من عدله وظاهره من باطنه. وليس وردي وحده الذي يستشعر الحماس والأمل مع كل تغيير في البلد فملايين الناس يحسون نفس الإحساس ولكنهم للأسف يصابون بخيبة الأمل بعد كل تجربة.ولقد أدركنا عصر عبود في الثانوية وجاءنا في الأبيض مصطحبا معه الرئيس تيتو وهتفنا لهما بلغة الصرب: دوبرو دوسوا تيتو /عبود ومن بعده سرنا في موكب الترحيب بثورة النميري إلى أن علمتنا التجربة المريرة أن نكون من نقادها ورافضيها ومنتظري أمر الله فيها. ولقد علمتنا قسوة الأيام أن لا نفرح أبدا ولا نستبشر مطلقا ولا ننعق مع الناعقين فلكل زمان دولة ورجال ولو أيدناهم لاعتبرونا متطفلين على الحفل وطالبونا بإبراز بطاقات الدعوة. وحتى في غياب الصولة والدولة تجد من أهل المعارضة من لا يفرحون بانضمام احد إليهم خوف أن يطالب لنفسه بسهم في الفيء والغنيمة. وفي مثل تلك الأحوال يشرف الفنان أن لا ينتمي لآي حزب سوى ذلك الحزب المهيض الجناح الذي اسمه سين واو دال ألف نون.

ولامشاحة في كون محمد الوردي مناضلا سودانيا عظيما تغرب عن وطنه الجميل رفضا للذل والخنوع وضرب في ذلك أرقاما قياسية وتحمل آلاما عظيمة من عوز ومرض وفقد عائلي إضافة إلى عبء العمر الثقيل وحاليا يعتبر وردي متقاعدا جاء يقضي سنواته الذهبية في ربوع الوطن بين الأهل والأحفاد والأصدقاء وجمهرة المحبين. وليس من العدل تكليفه بأي مهام جديدة فقد قام بواجبه على وجه الكمال وعلينا نحن القاعدين والمخلفين ان نضطلع ببعض ما قام به في نضاله الطويل.

ينطبق ما أقول عن الوردي على غيره من مشيخة السودان ممن أعادهم الى الوطن فرط الشوق والرغبة في العيش في اكنافه وشفاء الروح من محبته قبل ان يؤذن مؤذن الغروب. ويقتضينا الذوق والخلق الكريم أن لا ننكد عليهم بالتجريح والملاومة وأن نبدي لهم ما يستحقون من التقدير على ما أسلفوا من الأيادي نحو الوطن وبنيه واذا كانوا قد ارتكبوا بعض الأخطاء في ماضي حياتهم الفنية او السياسية فليس ثمة ما يمنع من السكوت عنها ولو إلى حين. وفي كل الأحوال فإن دنيانا الماثلة هذه مليئة بالأخطاء بما يغنينا عن تصيدها في التواريخ القديمة للسياسيين المعتزلين والرجال والنساء المتقاعدين .

دعاني بعض ذلك إلى التساؤل كم ينبغي للإنسان أن يستمر في النضال والمنافحة ليموت قرير العين سليما من أصابع الاتهام- سنتان؟عشر سنوات أم ثلاثين أم هو حكم مؤبد لانهاية له إلا الرحيل النهائي؟ ما هو حكم اولئك الذين كافحوا من خلال المنظمات اليسارية أو الاسلامية أو المستقلة كفاحا مشهودا جليا ثم رأوا لأسباب يعلمونها أنه يكفيهم ما قدموا فهل يلحقهم ذلك بزمرة الخونة والمارقين وهل هم حقا أقل شأنا من منتقديهم والطاعنين عليهم .أسأل ماذا نريد من "قدامي المقاتلين" من امثال محمد الوردي؟الا يكفيهم مجدا ما قدموا طوال العقود؟ الا يكفيهم أنهم ماضون على حسن الخاتمة دون أن يتنكروا لتاريخهم وتراثهم.وأنا إذ أطرح تلك الاسئلة أعترف أنني لم اسمع أو أعرف عن الفرعون الكبير ما يضير سمعته من أعمال التزلف والرياء ولا أرى في استلامه الجائزة وإشادته بها ما يحط من مقامه الرفيع والذين كرموه بها كرموا في الواقع أنفسهم وقدموا بطاقة اعتذار ضمني لرجل فريد كل ذنبه أنه بعث في أمة تداركها الله غريبا ك (مهمد) صالح في ثمود .

ثقافة الغفران
من بين مائة وأربعة عشر سورة هي كتاب الله جعل المولي جل شأنه واحدة للمغفرة والسماح هي السورة رقم أربعين وهي سورة "غافر" المكية وفيها يقول تقدست اسماؤه(حم*تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم*غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير) وفيها أيضا هذه الآيات النيرات( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم) وإذا كان الله يقبل التوب ويغفر الذنب فمن نكون نحن البشر الفانين لنحاكم الناس ونصدر عليهم أحكاما غير قابلة للنقض أو الاسنئناف وهذه كلمة أقولها بحق من اذنبوا حقيقة في حق البلد والناس مناديا لهم ولنفسي بالمسامحة والغفران إلا ان محمدا ليس متهما ناهيك أن يكون طالبا للغفران ولكن هنالك آخرون يتعرضون للملاحقة شبه اليومية فقط لانهم أحسنوا إلى البلد والناس ثم –لإسبابهم التي تخصهم-توقفوا عن العطاء ومنهم من استغفر بجميل صنيعه اللاحق عما اقترفت يداه في السابق.وكلهم يستحق منا إعمال ثقافة الغفران والتمهل في الأحكام وعلى طريقة المؤرخين ترك الزمن يجلو الحقائق ويبرد التهاب العواطف وينزع عن اعيننا حجاب المعاصرة الكثيف.وتراني لا أكف عن التساؤل اين تذهب تضحيات الفرعون القديمة مثل حبسه عام 1959 ومواجهاته مع النميري ورجالاته التي وصلت درجة الاشتباك بالأيدي وما القول في اقامته الطويلة في مصر والولايات المتحدة.أهنالك يد عملاقة تمسح على تلك التواريخ وتجبها كما يجب الإسلام ما قبله وتلقي بها في غياهب النسيان أم أن عمل الخير كالنقش في صوان مروي والمصورات لاتطاله يد الزمان؟

وبمناسبة الحديث عن فعل الزمن اذكر طرفة قديمة حكاها لنا الفرعون قبل نيف وأربعين عاما عن واحد من أهلنا الكوشيين بلغه أن وردي قد حوكم بالسجن عشرين عاما لخروجه في مظاهرات حلفا فبسمل وحوقل واستعاذ بالله قبل ان يقول للسامعين (يعني وردي راح يطلع من السجن حقيبة على طول) يريد أنه خلال ذلك يتحول من فنان ناشيء مجدد إلى واحد من مغنيي حقيبة الفن القدماء

واختم قولي بالإعتذار للصديقين الكريمين عن أي رشاس يمس مقامهما الكريم ..واذا وقع شيئ من ذلك فيعلما أنها طلقة طائشة وعمل غير مقصود ولهما بطبيعة الحال تعميق ما طرحا من أفكار في مقاليهما بالرد على ما أسلفت وان يبديا ما يريان من رأي في الجهد الذي ابذله بهذا المقال لنصل معا إلى مقتضى الحقيقة والإنصاف بحق هذا الفنان الكبير.



التوقيع:

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

أبوسهيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-19-2012, 09:55 PM   رقم المشاركة : [2]
أبوسهيل
عميد الموقع
الصورة الرمزية أبوسهيل
 
اخر مواضيعي

المستوى: 81 [♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥]
الحياة 3024 / 3024

النشاط 6974 / 23320
المؤشر 65%


افتراضي

وردي.. ورحل آخر العمالقة

الخرطوم: أحمد دندش
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الازدحام الكبير الذى شهده شارع المستشفى تسبب في اغلاق الشارع بعد ان ترجل الكثيرون من سياراتهم امام الشارع، وراح بعضهم يركض من سيارته في هستيريا وهو ينتحب بصوت عال، اثر تناقل نبأ رحيل وردي، وبينما جلس شاب على ناصية الشارع وهو يبكي بحرقة، لم تتمالك إمرأة نفسها وألقت بجسدها على مقدمة تلك السيارة وهي تصرخ بعبارات حزينة، كانت عبارة عن مرثية لرحيل ذلك الفنان الذى أحبه كل السودان.

وقد كان السودان كله هناك، رجال أعمال.. صحافيين.. فنانين.. رياضيين.. دستوريين.. ضباط شرطة.. حتى الاطفال لم تمنعهم الصورة من الظهور، ولم تحرم دمعاتهم النزول في منابع الحزن الدفيق الذى شيد مملكته حول المكان وأحاله إلى بقعة من السكون الصادم.
أعلن كثيرون عن فتح بيوتهم لتقبل عزاء وردي وفي مقدمتهم الاستاذ أحمد طه الجنرال، الذى يعتبر من اصدقاء الراحل المقربين، وكان في حالة اخرى من الحزن،وأقام سرادق للعزاء بمدينة (كسلا).

عودة لسيرته الذاتية:
وبالعودة لمسيرة الفنان الراحل، فلن نجد خيراً من الاستاذ الراحل عبده يوسف صالح لنقتبس منه حياة الراحل محمد وردي فقد ذكر خلال توثيقه للراحل انه فتح عينيه على الدنيا في بيئة امتزج فيها الحرمان بالعطف المتدفق، تمثل جانب الحرمان في فقدانه والدته السيدة/ بتول أحمد بدر شريف، وهو رضيع وتدفقت شلالات العطف لتعوضه عن ذلك الحرمان المبكر، كان عمره حوالى سنة عندما فقد أمه، عاش بعدها مع أهل والده مع أن العادة جرت أن يعيش الطفل اليتيم مع أهل أمه التي فقدها خاصة وهي ابنة العمدة لكن جاء الإصرار من أهل أبيه أن يشملوه برعايتهم، وكان أبوه عثمان حسن صالح، ليس له شيء في الدنيا غير زراعته، يطوقه بعطف غير عادي ويسعى لتعويضه عن فقدان أمه. كان جده لأمه وجده لأبيه على قيد الحياة فأحاطاه بالرعاية بعد وفاة والده بسبب الالتهاب الرئوي عام 1941م، كفله بعد ذلك عمه صالح وردي وهو مساعد طبي قبل وفاة والده وعمره تسع سنوات، يذكر وهو صغير كانت لديه هواية الغناء خاصة عندما يذهب الى جزيرة (واوسي بصواردة) التي كان يزرعها أهل البلدة ولد الفنان (محمد وردي) في قرية صواردة على بعد 207كلم جنوب وادي حلفا في 19يوليو 1932م.

أيام في عطبرة والقاهرة:
كتب وردي الى جده في القاهرة الذي كان يعمل في السراي وطلب منه أن يرسل له مصاريف في حلفا ليركب القطار بدون علم أهله وعند وصوله مصر اقترح عليه جده أن يواصل تعليمه ويدخل الأزهر وكانت رغبة وردي أن يدخل مدرسة الموسيقى، مكث وردي عامين ولم يحل إشكال دراسته، وفي هذه الفترة تعرض وردي للمؤثرات المصرية بصورة أكبر، وبدأ يحفظ الأغاني باللهجة المصرية.

بداياته مع الغناء:
في عام 1956م ذهب وردي الى مدرسة التدريب في شندي ومكث فيها الى يوليو 1957م في هذه الفترة أصبح وردي فنان شندي ويغني في الحفلات وهناك التقى بالفنان إبراهيم عوض الذي كان وردي معجباً به للغاية فسأله وردي هل ممكن أدخل الإذاعة؟ فكان الرد محبطاً إذ قال له "إن مسألة الإذاعة دي صعبة جدا".. وبعد فترة جاء الفنان أحمد المصطفى، ذهب وردي اليه وغنى، كان تعليق أحمد المصطفى: (انت ليه تقلد إبراهيم عوض؟ انت صوتك أجمل منه وأجمل من صوت أي فنان) وقال له: انت تعال الخرطوم وأنا بوديك الإذاعة.. في الإجازة سافر وردي الى الخرطوم في شهر يونيو 1957م، وقد احتفى بوردي النوبيون ابتداءاً من الوزير محمد نور الدين الذي قدمه الى المجتمع العاصمي بقوله: (إن النوبة شاركوا في كل التحركات الوطنية وكانت لهم رموز ذات إسهامات واضحة مثل الفنان خليل فرح صاحب أغنية عزة المشهورة، ومن المفروض أن يهتموا بوردي كي يصبح خليل فرح الثاني)، ويذكر أن الوزير رتب مؤتمرا صحفيا في منزله دعا اليه رؤساء تحرير الصحف وقدمه لهم، فكانت اول ليلة غناء لوردي في الخرطوم.

الإذاعة والتسجيلات:
بدأ وردي في الإذاعة بالدرجة الرابعة حسب النظام المتبع، وكانت الحفلات تقدم حية بمعاونة أوركسترا الإذاعة والكورس الخاص بها في ذلك الوقت، وقدم وردي في الحفلتين الأولى والثانية أغنيات (يا سلام منك أنا آه) و (أول غرام) و (وليه نسيت أيامنا) بعد دخوله الإذاعة واعتماده في الدرجة الرابعة اشترك في نقابة الفنانين وبعد شهرين أجريت الانتخابات حيث أحرز وردي 36 صوتاً ودخل اللجنة التنفيذية، واستغرب البعض حصوله على هذا العدد من الأصوات. فدخل وردي العمل النقابي وساعده حسن سليمان الذي كان مرتاحاً لدخول عناصر جديدة ومتعلمة للجنة التنفيذية، ولم يكن العازفون يبدون اهتماماً بناشئة الفنانين، وبعدها راجت أغنيات وردي في برنامج (ما يطلبه المستمعون) وأصبح ينافس كبار الفنانين أمثال: ابراهيم الكاشف، وحسن عطية، وعثمان حسين، وابراهيم عوض، مهدداً وردي أنه سيرجعه الى الدرجة الرابعة مرة ثانية إذا لم يحافظ على هذا المستوى.

وبعد أقل من سنة انتقلت الإذاعة من مبناها القديم الى المبني الجديد (الحالي) فاستدعى متولي عيد – مدير الإذاعة – كبار الفنانين وأحضر وردي معهم ليقول إن وردي خلال الفترة الماضية أنجز أعمالاً فنية جديدة، وأنه يريد خرق العادة وينقله الى الدرجة الأولى في خلال عام، وسألهم عن رأيهم.. وكان وردي قبل ذلك غنى (الوصيـة) و (وذات الشامة) و (حرمت الحب والريدة) و (يا ناسـينـا).

منافسة مشتعلة:
بعد ذلك اشتدت المنافسة بينه وبين الفنان ابراهيم عوض الذي لقب (بالفنان الذري) بينما لقب وردي (بالفنان الصاروخي)، عندها بدأ وردي يشعر بتضارب بين وضعيته أستاذا وفنانا وظهر هذا في علاقة الطلاب به كما أن متطلبات سفره الى الأقاليم كانت في تزايد حيث كانوا يطلبونه في الحفلات هناك. وعليه كتب وردي استقالته الى ضابط البلدية المشرف على المدارس المحلية وقتها فتح الرحمن البشير رجل الأعمال المعروف حالياً، وكانت استقالة مسببة إذ إنه لا يريد ظلم الطلاب، كما أنه يريد التفرغ للفن، وكان ذلك في أبريل 1959م ليبدأ احترافه.

عودة للتعليم:
وعاد وردي الى ساحة التعليم مرة ثانية بصورة مختلفة بعد سبع سنوات عندما افتتح معهد الموسيقى والمسرح وقرر الدخول فيه فأخذ كتاب الاستقالة وذهب الى وزارة التربية على أساس أنه لم يأخذ حقوقه ويود إعادته للخدمة كي تفرغ للدراسة في معهد الموسيقى بمرتب نسبة لأن الدراسة نهارية، وبالفعل تفهموا وجهة نظره وأعيد للعمل وألحق وظيفياً بدفعته. حيث الدراسة في المعهد أربع سنوات قضى منها ثلاثاً ثم جاء الوقت الذي دخل فيه سجن كوبر وفصل من المعهد على أيام النميري، وبعد ذلك رجع وواصل من السنة الثانية وعندما شعر أنه تعلم ما يحتاجه من المعهد لم يواصل للحصول على الدبلوم فقد كان اهتمامه بالموسيقى وتعلمها من أجل العلم وليس للحصول على شهادة.

تجربته مع الحكم العسكري الأول:
كتب وردي عندما وقع انقلاب 17 نوفمبر الذي قاده ابراهيم عبود (في 17 بعثت ثورة... ثورتنا السليمة... جيشنا الباسل هب وعلى راية الجمهورية...) ثم جمع وردي طلاب السنة الرابعة وحفظهم النشيد بلحنه وأحضر شريطا قديما وسجل فيه وذهب به الى الإذاعة، وبعدها بفترة ذهب وردي الى جامعة القاهرة فرع الخرطوم لإحياء حفلة غنائية وفوجئ بمجموعة من الطلاب تهتف ضده: (يسقط فنان الفاشست) وبالرغم من عدم إلمامه بالسياسة وقتها فقد شعر بضيق، وبدأ يسأل نفسه لماذا يا ترى هتف الطلاب ضدي؟ وبدأ يتصل ببعض المثقفين والطلاب من أقاربه وأهله خاصة محمد توفيق أحمد الذي جمعه ببعض المثقفين الذين شرحوا لوردي أن حكومة عبد الله خليل كانت ستسقط عند افتتاح البرلمان في 17نوفمبر، وستتولى المعارضة الحكم، ولذلك سلم السلطة الى الجيش، وفعلاً ابتداءً من مطلع 1959م بدأ وردي في تغيير موقفه من النظام خاصة بعد حادثة إعدام مجموعة علي حامد العسكرية إثر اتهامهم في محاولة انقلابية كما بدأت نظرته الى الشعر تتغير.

نوفمبر 1961م يعتبر علامة أخرى فارقة في علاقة وردي بنظام عبود، ففي ذلك الوقت بدأت الخطوات التنفيذية لتطبيق اتفاقية مياه النيل، التي مهدت الى قيام السد العالي، وهو ما يتطلب ترحيل أهالي حلفا. اقترحت الحكومة ثلاثة أماكن خيارا للناس: إما منطقة حوض السليم في دنقلا، أو جنوب الخرطوم، أو حلفا الجديدة، اختارمعظم أهل حلفا حوض السليم خياراً أولاً، ثم جنوب الخرطوم خياراً ثانياً، وأخيراً حلفا الجديدة. وأرسلت الحكومة وفداً برئاسة طلعت فريد الذي قاد الجانب السوداني في المباحثات ليخبر الأهالي بذلك. وكان أن انفجر الغضب الشعبي وحوصر الوفد، ونظم النوبيون في الخرطوم اجتماعات في منزل وردي، ونتج عن هذه الاتصالات الدعوة إلى مظاهرات نوفمبر 1961م. وكان أول تحد شعبي للنظام العسكري، في تلك المظاهرات عرف وردي مسـيُل الدموع لأول مرة، واعتقل مع آخرين.

ورفع الحظر عن نشاطه، وأذيعت أغنية (نـور العين) أول عمل له بعد الإيقاف. وقد لعب عمر الحاج موسى دوراً كبيراً في الكثير من الظروف المماثلة التي اعترضت وردي في مستقبل حياته الفنية.

وردي في أكتوبر:
كان الوقت الهزيع الأخير من ليل 21 أكتوبر (تشرين الأول 1964م)، وكان وردي في طريقه من أم درمان الى منزله في ضاحية بري، وهو طريق يمر بجامعة الخرطوم، وجد وردي تجمهراً من الطلاب ولغطاً حول حادث إطلاق النار نتج عنه جرح ومقتل بعض الطلاب، فركب مع وردي بعض الطلاب وذهبوا الى مشرحة مستشفى الخرطوم حيث بقوا هناك حتى صبيحة اليوم التالي.

(اصبح الصبح).. ذلك النشيد الذي تعود صلة وردي به للشاعر المعروف محمد الفيتوري وبعد عودة وردي من ميدان عبد المنعم إثر تشييع الجثمان، ولم يكن قد نام طوال الليل، أخرج النشيد واستكمله، ثم ذهب الى حي العرب في أم درمان حيث كان يسكن الزبير عازف الطبلة المعروف الماهر، ووضعا اللمسات النهائية على النشيد، وسجلاه على شريط وعندما أعلن عبود حل المجلس الأعلى، وبالتالي انتصار الثورة الشعبية، أخرج النشيد الذي أذيع مباشرة وأصبح على كل لسان.

شعراء في حياة وردي:
من الشعراء الذين بدأ وردي التعامل معهم عقب ثورة أكتوبر الشاعر إسحاق الحلنقي، وهو صاحب أكثر أغنيات عاطفية غناها وردي بعد إسماعيل حسن. وأول قصيدة غناها له هي (جربت هواهم) ثم توالت الأغنيات (عصافير الخريف)، (صواردة)، (دوري يا أيام)، (فرحي خلق الله)، (الحنينة السكرة)، (استنيني)، (أقابلك)، (يلا وتعال)، وأخر) وتمتاز علاقة وردي بالحلنقي بالاستمرارية، وهو شاعر رقيق جداً، ولديه موهبة وملكة وضع الأفكار التي تطرح له شعراً كما يتصورها صاحبها. ومن الشعراء الذين تعامل معهم وردي بقصيدة واحدة، أو قصائد قليلة، كمال محيسي صاحب أغنية (بشوف في شخصك أحلامي)، وشاعر الحقيبة المعروف محمد علي أبو قطاطي، وهو من أحسن من يكتبون الشعر (المرسال)، (شن بتقولو)، (ساق الشتيل الني).

وتبقى العلامة البارزة في علاقته بالشاعر محجوب شريف حيث ارتبطا مع بعضهما، بصورة حميمة أكثر من عشرين عاماً، وبالرغم من فارق السن الذي بينهما وهو الرباط الذي عبر عن نفسه بصورة خاصة في مجال الأغنية الوطنية ولدرجة أن وردي صار يضن بألحانه على شعراء آخرين.

اهتماماته الرياضية:
وردي كلما يغترب ويعود لهذه الأرض الطيبة يبكي بصدق، وكذلك اشتهر بحبه للرياضة، ومن الرياضة اكتسب سـعة الصدر وسرعة البديهة وحضور الروح المرحة، والهلاليون يتخذون من هذا المقطع من أغنيات وردي نشـيداً لهم، (كان اسمها أم درمان... كان اسمها الثورة.. كان جنوبياً هواها، وكان العرس عرس الشمال... وكانت سـاعة النـصـر اكتمال الـهـلال).



التوقيع:

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

أبوسهيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-20-2012, 07:16 AM   رقم المشاركة : [3]
أبوسهيل
عميد الموقع
الصورة الرمزية أبوسهيل
 
اخر مواضيعي

المستوى: 81 [♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥]
الحياة 3024 / 3024

النشاط 6974 / 23320
المؤشر 65%


افتراضي

الخروج للبحر :الدنيـــا لونـــها...(وردي)

محمد عبد الماجد - مجاهد العجب - علي الطاهر
تصوير : ابراهيم حسين :

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
في بلدتنا يستعيض الفقراء عن (الخبز) عندما يكون غير متاح إلا للأغنياء ..بأغينة (المستحيل) يملأون بطونهم بـ (لو بي إيدي كنت طوعت الليالي)... وتُملأ باقات عرب البدو في البادية بـ (جميلة ومستحيلة) عندما يخلف (الخريف) وعده.

ويستبدل (السكر) في أطراف السودان ونواحيها القصيّة إذا عزّ الحصول عليه بـ (الطير المهاجر).. (كان تعب منك جناح في السرعة زيد).. ونختلف عاطفيا بـ (بعد ايه).. وترجع المياه إلى مجاريها الطبيعية بـ (لو بالصد أبيتني ولو بالنار صليتني لا لا أنا ما بنساك).
مازال طلاب المدارس في (جبيت وجوبا وعطبرة وبارا وتمبول) يقيدون على أغلفة كراساتهم الدراسية (الحزن القديم).

وتمشي معاي
خُطانا الإلفَةْ والوحشَةْ
وتمشي معاي... وتْرُوحي
وتمشي معاي وسط روحي
ولا البلْقاهو بِعْرِفني
ولا بعرِف معاكْ ..روحي

أحسب أن (المولود) في السودان يخرج إلى هذا الدنيا صارخا ...فتكون أول صرخاته وهو جنينا (لو بهمسة).. ثم يغدو الجنين طفلا فينشأ بـ (نور العين) ..فيصبح الطفل صبيا يقوي عوده مساسقة بـ (سواة العاصفة في ساق الشتيل الني)... ثم يصبح غلاما يتوقف عند (بناديها) حتى يصبح (فتى) تصحى فيه (يقظة شعب) ثم يمسي كهلا يتوكأ على (المرسال)... فشيخا يسترجع ذكرى (الناس القيافة).. هكذا هو الفنان محمد وردي اصحطبنا في كل مراحل العمر، ودخل إلى غرف قلوبنا المغلقة ..وجمل عاطفتنا المسكوت عنها وأصبح ناطقا رسميا باسم الحب يشارك العصافير الشدو الجميل.

محمد عثمان وردي يسكن في هذه النواحي من القلب ...حيث (أخادع نفسي بي حبك وأمنيها)... منحنا ذاك (الأمل).. ووصل بنا في نهاية المطاف إلى (حققنا أحلامنا والعاشق عقباله).
مثلما ثبتت ملامح الزول السوداني على (عيون عسلية ولون أسمر وقامة مربوعة) ...كانت أيضا ملامح الزول السوداني من حيث الحس والشعور متمثلة في (الحنين يا فؤادي ليه يعاديك ما بتعادي).
هذا محمد وردي نخرج معه في هذا المساء وهو يمثل (النيل) شموخا ..كأنه يمنح ذاك النهر الخالد (لحن الخلود).

نحن كنا نكتب في كل الكراسات التي ندون فيها حوارات آخر السنة.. هذا المنوال.
الاسم : سين من الناس.
العمر: الأعمار بيد الله.
الهواية: الاطلاع.
الأمنية : أن يكون السودان موحداً.
الفنان المفضل: محمد وردي.
الإجابات كانت تختلف في الاسم من طالب إلى طالب، وكانت تختلف الاجابات في العمر وفي الهواية وفي الامنية ..لكن كل الإجابات من نمولي إلى حلفا كانت تلتقي في (محمد وردي) عندما يكون السؤال عن (الفنان المفضل).
هذا محمد وردي ..يمنح صباحاتنا المزيد من الألق.

(1)
(صواردة) تلك الجزيرة التي تقع في أقاصي الشمال؛ ذات طبيعة خلابة ..نخيلها غير كل النخيل في السودان يرقص فقط عندما يغني محمد وردي.. وبيوتهم من طين مازال الحنين يسكنها، والقمر يضع ضوءه على البيوتات في عناق يجعل النخيل أكثر طولا ...من تلك المنطقة خرج محمد عثمان وردي وسط مكونات فنية كانت دعامة له ...وكانت سنده في أن يصل إلى تلك الحدود من (العبقرية) الفنية.
عندما رحل خليل فرح في عام 1932 ولد الفنان محمد وردي ..كأن الأقدار أرادت أن تقول لنا (هذا خير خلف لخير سلف) ...وخليل خرج من جزيرة (صاي) وهي جزيرة تقابل الجزيرة التي ولد وخرج منها عملاق الغناء السوداني محمد وردي.

ما أعجب الاقدار.. في العام الذي رحل فيه خليل فرح ..ولد محمد وردي ..رحلت قامة وجاءت قامة أخرى لونت حياتنا بالفرح الجميل.

محمد وردي لم يشاهد والدته ..رحلت من هذه الدنيا قبل ان يشعر بإحساس الامومة.. كان عبارة عن (قطعة لحم) أو دماء متجمدة... وزادت أوجاع الطفل الصغير عندما رحل والده وهو في السابعة من العمر ليكون الطفل (محمد) يتيما فقد أمه وأبوه في سن مبكرة.

لكن أسرة الفنان محمد وردي وعائلته كانت من العائلات الكبيرة في المنطقة جده والد أمه كان (عمدة) لجزيرة صواردة، وقد كان يغني ولا يفارق (طنبوره)، حتى ان السلطات وقتها عندما أخذته من تلك الجزيرة لأنه لم يخرج عوائد النخيل واقتيد إلى دنقلا ليسجن هناك لم يأخذ جده من بيته غير (طنبوره) وهو عمدة.. وقد ورث أولاده وأحفاده أغنية تدرب عليها الاحفاد وتعلموا عليها عزف الطنبور... وكانت تلك الاغنية هي أول أغنية يتغنى بها محمد وردي.

الى جانب هذا فقد كان "خيلان" الفنان محمد وردي يغنون وقد اشتهروا بذلك في المنطقة، وكانت والدة وردي نفسها صاحبة صوت جميل.

لوردي أختان غير شقيقتين ...وهو قد تزوج مرتين وله أبناء وبنات بعضهم مستقر في السودان وبعضهم خارج البلاد.

(2)
الطفل الصغير كان يبدو عليه التمرد وهو صغير ..دون كل الاطفال ملامحه فنية ..شعره الكثيف ولونه الابيض يمنحه شكلا فنيا مختلفا وقامته الطويلة تحكي عن نخيل صواردة الصامد.. شقاوته كانت تشير إلى ان هذا الطفل سوف يغير شيئا في تاريخ السودان.

عندما مات والد محمد وردي أوصى أعمام وردي ان يعلموا محمد، قال لهم وهو في فراش الموت: (الولد دا ما يشتغل تربال).. ربما كان الأب بحسه الأبوي يحس بعبقرية ابنه.

لذا كان أعمامه حريصين على ان يعلموه ..كانت المدرسة تبعد 27 كيلو من القرية التي خرج منها وردي ..عندما أخذه عمه وبعض أقاربه إلى المدرسة لتقييده طالبا أخذوا معهم زادهم وطنبورهم وأرادوا أن يستريحوا لبعض الوقت في طريقهم إلى المدرسة فطالبوا من الطفل الصغير ان يغني فغنى محمد وردي ذو السبعة أعوام فخرج سكان المنطقة كلهم ونزلوا لطرف النهر ليروا صاحب هذا الصوت البديع.

شعر محمد وردي وقتها أنه سوف يصبح فنانا وقال له عمه: (إنت من هسع بتغني ..ما أظنك تنفع في القراية).

عندما أصبح وردي على أعتاب الشباب كانت موهبته الفنية تشير إلى ان السودان على موعد مع فنان سوف يحدث ثورة غنائية كبيرة ..هكذا كانت تشير الدلائل.

كان محمد وردي يدرس في المدرسة الابتدائية وكان ناظر المدرسة يسترق السمع له من وراء الشباك ووردي يغني بين فواصل الحصص.

الناظر كان اسمه (إبراهيم عمر النحاس) كان كلما يسمع وردي يغني وهو يتخفى خلف شباك الفصل يقول له: (والله صوتك جميل ..غني يا ولدي).

ويحكي وردي لنا عن هذا الموقف ويقول كان الناظر يمسكه من (أضانه) ويقول له: (إنت يا ح تطلع مشخصاتي يا مغني).

ويتذكر وردي ويقول في عام 1960 كان يقدم أغنية (بعد ايه) في المسرح القومي تفاجأ بعد انتهاء الفاصل بناظر المدرسة (إبراهيم عمر النحاس) مع بناته السبعة يأتي له ويقول له: أنا ما قلت ليك ح تبقى فنان ..الناظر كان بنفس العصا التي كان يحملها في المدرسة.

الناظر قال لمحمد وردي وهو يشير إلى بناته السبعة يا محمد أنا ما عندي قروش البنات ديل وقت يعرسوهن أعمل ليهن حفلاتهن.

كان وردي وفيا وحضورا في زيجات بنات الناظر السبعة وقد أحيا لهن حفلات زواجهن.

(3)
المسيرة الفنية للفنان محمد وردي تقول إنه وضع أول لبناته الفنية بأغنية إسماعيل حسن (لو بهمسة) التي تغنى بها في سنة 1959 ..وكانت هذه الأغنية بتوزيعها الموسيقي الرائع تعلن عن فنان مختلف ..ومبدع سوف يدخل إلى كل القلوب.

في مطلع الستينات قدم وردي أغنية (خاف من الله) ..وقبلها كان قد قدم (المستحيل).. ثم جاء عام 1963 وكانت أغنية (الحبيب العائد) لصديق مدثر ثم قدم في نفس العام (مرحبا يا شوق).

كان الانتقال الأكبر للفنان محمد وردي حسب قوله بأغنية صلاح أحمد إبرهيم الذي كتب له (الطير المهاجر) فقدمها وردي في عام 1964.

بعد ذلك جاءت الاكتوبريات ..وأثرت سلبا نكسة 1967 في الفن وتراجعت الاغنية ..الى أن جاءت ثورة 1969 واقتنع بها وردي كما قال ووثق في شعاراتها ..إلا أنه انقلب عليها بعد سنة واحدة ..بعد أن تراجعت الثورة وانقلبت على شعاراتها.

في فترة مايو حصلت إبداعات ..ولم ينقطع حبل الوصل فكان أن قدم وردي (جميلة ومستحيلة) ..ثم غنى وردي في الفترة نفسها (وا أسفاي).

يقول الفنان محمد وردي الذي كان يحدثنا عن هذه السيرة في منزله بالمعمورة إن آخر أعماله الكبيرة والشهيرة كانت أغنية محجوب شريف (السنبلاية) التي قدمه في عام 1989.

بعد هذا العام هاجر محمد وردي ..وكانت حتى الأعمال التي يقدمها لا تظهر ولا تتاح لها فرص البث والإذاعة.
غنى وردي بعد عمليته في قطر أغنية للشاعر محمد بابكر..كما غنى لمحمد المكي إبراهيم وغنلا (سلامات) بعد اتفاقية نيفاشا.

وواصل وردي أعماله الجديد وغنى أغنية أخرى لصلاح أحمد إبراهيم ..وقدم لسعد الدين إبراهيم نتفق أو نختلف ونهر العسل.

ويقول وردي إن يده الآن في قلبه لأنه سوف يقدم في احتفالات الاستقلال هذا العام عمل للشاعر أمل دنقل بعنون (يا وجهها)... يقول مطلعها:
شاء الهوى أن نلتقي سهواً
كم كنت أفتقدك يا وجهها الحلو
كل الذي سميته شدوا من قبل ما أجدك
أضحى على شفاه الصبا لغوا
كونوا كما أهوى أمطر على الدفء والحلو

(4)
علاقة وردي بالثورات علاقة وطيدة هو لم ينكر انه غني لبعض الانقلابات العسكرية ..حتى ثورة مايو غني لها في عامها الأول ..لأنها كما قال كانت تحمل شعاراتهم ولكن عندما وجدوها انقلبت على تلك الشعارات انقلبوا عليها.

يقول وردي: قبل حكومة مايو كانت هناك حياة ديمقراطية ..وكانت حكومة عبود نفسها تتمتع بقدر من الديمقراطية ..ويكفي أنهم أول من أدخل التليفزيون في السودان ...وهم الذين أنشأوا المسرح القومي وكان فضلهم يمتد لإنشاء فرق المديريات أو فرق الفنون الشعبية التي يحفظ لها الفضل في نشوء الاغنية الشعبية بشكلها التراثي المعروف.

ظهور بعض الأعمال الرائعة في فترة مايو يرجعه محمد وردي إلى البنية التحتية التي كانت للموسيقى والفن والأدب في فترة حكومة مايو ...ويعتبر وردي ان (اللخبطة) في الفن السوداني بدأت منذ عام 1983 عندما ظهر نميري باسم (أمير المؤمنين) وتوقف الفن الجميل منذ ذلك التاريخ.

وسبق محمد وردي ثورة أبريل وهو يغني لها قبل أن تقوم.. حيث قدم بعد إعدام محمود محمد طه (يا شعبا تسامى).. وقبل الانتفاضة بشهر قدم في القاهرة في جامعة الزقازيق (ح نبنيهو البنحلم بيهو يوماتي).
وعن الوضع السياسي الراهن يقول محمد وردي إنه طالب بالحد الأدنى إذا انفصل الجنوب ونادى بأن تبقى شعرة معاوية بين الجنوب والشمال، وهو قد نشط في هذه المبادرة مع الأستاذ كمال الجزولي.

وكان محمد وردي يضحك عندما قلنا له إن هذه الحكومة كرمتك ومنحتك وسام الجدارة وأعطتك جامعة الخرطوم درجة الدكتوراة.

قال وردي البعض ظن أن الحكومة عندما تمنحني وسام الجدارة سوف أساند المؤتمر الشعبي.. واستغرب البعض عندما وقفت في الانتخابات الأخيرة مع الحركة الشعبية.

يقول وردي وسام الجدارة الذي منحته في القصر الجمهوري كان مكتوب فيه: (بما أنك قدمت بكل صدق وأمانة فنا رائعا وجميلا ..بكل إخلاص نحن رئيس الجمهورية نعطيك هذا الوسام المسمى وسام الجدارة).. ويضيف وردي هذا الوسام ليس منحة ولا منة وإنما هو حق ..لأنني قدمت الكثير وظللت في الساحة الفنية لمدة 60 سنة متواصلة... وكنت ملتزم بفني ومسؤول عن الذي أقدمه ..هل مع هذا العطاء ..كثيرة علي (حتة حديدة).. أنا لم أمنح ظرف ولا مال.

أما الدكتوراة من جامعة الخرطوم فقد كانت تقدير لي ونلتها بفضل غناي ..من ثم فإن الكثيرين الآن يمنحوا درجة الدكتوراة... ضحك وردي وقال أي واحد بقى يمنحوه دكتوراة ..الفنانين قربوا يفتحوا ليهم عيادات.. قالها وردي بطريقته الساخرة المعروفة.

(5)
وردي وثق لكل مراحل السودان الحديث الثقافية والاجتماعية والفينة ..ولا تستطيع أن تتجاوز أي مرحلة في تاريخ السودان الحديث دون الرجوع إلى أغنيات محمد وردي.
وردي غني لكل الثورات ..وغنى لوحدة السودان وتعتبر أغنية الشاعر مرسي صالح سراج (يقظة شعب) مثال حي لوحدة السودان.

قال وردي غنيت في (يقظة شعب) للغرب.
نحن أبناء ملوك الزمان
توجوا الفونج وزانوا كردفان
أفسح المجد ليهم خير مكان
نسبا
وغنى وردي في هذا النشيد الخالد للجنوب
قلب أفريقيا
قلب أفريقيا بوعي نابض
حل منا بالجنوب الناهض
منعة الغاب بليث رابض
قدما!!!
وغنى وردي للشرق
شرقنا يوم اللقاء كيف سعى؟؟؟
حين داعي البذل بالروح دعا
كيف يالسيف تحدى المدفعا
ودما
وغنى للشمال
حين خط المجد في الأرض دروبا
عزم ترهافا وإيمان العروبة
عربا نحن حملناها ونوبة
بدمانا من خلود الغابرين
هو يحدونا إلى عز مبين

بهذه التفاصيل الوحدوية فصل لنا الفنان محمد وردي نشيد (يقظة شعب) الاوبريت الكبير ..تأسف وردي وقال إن مثل هذه الأغنيات والأناشيد التي تقدم في الإذاعة ولا تقدم في التلفزيون.
وردي قال إنه وثق لهذا الشعب ..وأرخ لكل الثورات ..غنى للاستقلال نشيد (الاستقلال) الذي يعتبر (بيضة الديك) في إطار الأغاني التي تغنت للاستقلال.

اليوم نرفع راية استقلالنا ويسطر التاريخ مولد شعبنا
يا إخوتي.. غنوا لنا.. غنوا لنا..
يا نيلنا يا أرضنا الخضراء.. يا حقل السنا
يا مهد أجدادي ويا كنزي العزيز المقتنى

عاد وردي يحدثنا عن عظمة الشعب السوداني ويقول إن هذا الشعب الذي فجر الثورة المهدية وفجر ثورة اكتوبر وشال العسكر وفجر ثورة أبريل وشال العسكر ..ينتظر منه الكثير.

عن الوضع الآن يقول وردي الآن لا يوجد غنا.. العشرين سنة الاخيرة لم يظهر عمل يمكن ان أتوقف عنده حتى الأعمال الجديدة التي تخرج تغيب بواسطة السلطة ولا تقدم في الأجهزة الرسمية.

دور الفن الآن غائيا تماما لذا وصلنا إلى هذه المرحلة التي تنتهي إلى هذا الزوال والتلاشي ..لدولة كبيرة مثل السودان مهددة بالانقسام.

في السنوات الأخيرة ظهر صراع بين الشمال والجنوب، وبين الشمال والغرب، والشمال والشرق، ولم يسلم الشمال حتى من الصراع الشمالي الشمالي...هذا حدث نتيجة لغياب الفن.

طبيعي في ظل هذا الوضع أن تظهر أغنية مثل أغنية (راجل المرا والقنبلة وحرامي القلوب).. الآن أي حاجة ماشي للوراء ليس الاغنية فقط ..عندما لا تكون هنالك حرية في الإبداع لا يخرج إبداع ..وفي عدم وجود الديمقراطية من الطبيعي ان نتراجع كل هذا التراجع...الفنان الآن غير حر، والفنان نفسه مواقفه غير واضحة، وهو صاحب ثقافة وخلفية ضحلة لذا كل ما يخرج منه يكون ضحلاً.



التوقيع:

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

أبوسهيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-20-2012, 08:08 AM   رقم المشاركة : [4]
أبوسهيل
عميد الموقع
الصورة الرمزية أبوسهيل
 
اخر مواضيعي

المستوى: 81 [♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥]
الحياة 3024 / 3024

النشاط 6974 / 23320
المؤشر 65%


افتراضي

وردي.. ستظل في وجدان السودانيين.. إلى جنات الخلد أيها الراحل الكبير

غيب الموت مساء أمس هرماً من أهرامات السودان .. ملأت شهرته الآفاق، وقد صارت اغانيه على كل لسان. إذ صدح باجمل الكلمات شعراً عذباً رصيناً مؤثراً في مجالات العاطفة والرمزية.
رحل عن الدنيا الفانية الاستاذ الموسيقار الكبير عملاق السودان محمد وردي.

والذي لزم سرير المستشفى في الايام الماضية، حتى وافته المنية راضياً مرضياً. بعد ان دفع لنحو نصف قرن ضريبة الوطن، فحفظ الناس أغانيه وابداعاته عن ظهر قلب، هذا وتدافع السودانيون مساء أمس، جماعات وفرادى صوب مستشفى فضيل ومنزل الراحل. حيث ارتفعت حناجر الرجال بالبكاء.. وانهمرت الدموع من بين عيون النساء. في حزن قومي كبير وفاجعة وطنية عصيبة على السودان والسودانيين.

ولد الفنان محمد وردي في سنة 1932 في بلدة صواردة وقد توفي والده وهو في السنة الأولى وأمه بتول بدري أيضا توفيت عندما بلغ التاسعة من عمره فقد تيتم في سن مبكر ة فشق طريقه فعمل استاذا في شندي وجاء الى الخرطوم وفي سنة 1958 كان ميلاد امبراطور جديد الهب السودان بفنه حتى بات فنان افريقيا الأول
الفنان محمد عثمان حسن وردي ولد في (صواردة)، إحدى قرى شمال السودان وهي من أكبر عموديّات منطقة السّكوت التي تكوّن مع منطقة المحس ووادي حلفا(محافظة حلفا) التابعة لولاية دنقلا.
ذاق مرارة اليتم منذ نعومة أظافره، ونشأ مشبّعاً بالانتماء للآخرين وتحمّل المسئولية منذ بواكير الصبا، من (تكم) الساقية إلى مهاجر العلم في (شندي)، ومن شندي ركب قطر السودان عائداً إلى حلفا معلّماً في (كتاتيب) السكّوت والمحس ينشر في ربوعها المعرفة والحكمة.

أكّد وردي في أولى تجاربه في الغناء أنّه مشروع فنّان متميز، صوتاً وأداءاً وابتكاراً وخلقاً لكل جديد. برز نجمه في السّكوت وذاع صيته في وادي حلفا وحمل من أهل (دبيره) آلة العود وسافر إلى ام درمان ليقدم الغناء النوبي في الإذاعة السودانية حوالى 1957م ، وكما فعلها الخليل الشاعر من قبل، فقد استبقوه في الخرطوم بإصرار ليغني بالعربية لكل السودان.

قدّم وردي في مجال الغناء السوداني ما تضيق عنه هذه الأسطر. وللرجل جوانب عدة في مسيرته الإبداعية، التي يحصرها الكثير في كونه مطرباً، فنّاناً، موسيقياً، وطنياً منافحاً، بيد أنّ شخصية وردي الشاعر.
بدأ وردي مسيرته في الغناء النوبي بالتروّي الملحوظ في التناول، لم يغامر بملكاته الشعرية والموسيقية المبكرة في تجاوز الوجدان التقليدي (شأن المغامرين في قبيلة الغناء) ولكنّه تغنّى بها ووضع بصماته الخالدة في الكثير منها مثل أسمر اللونا وملاك والليله وو بلاّج ... الخ، ومن ثمّ وضع أشعاره ولون أداءه المتميز في خارطة الغناء النوبي جامعاً بين فنون الأداء لأغاني الطار وأغاني الطنبور، وقنّن الموضوعية كسمة ملازمة لمضامين نصوصه المغناة. هذه الموضوعية جاءت بديلاً مقبولاً لشكل المضمون الذي كان ملوّناً بالرمزية والعبارات الساخرة مثل أغاني ما قبل التهجير – وادي حلفا وأغاني القيل بمنطقة السكّوت.

المعروف عن وردي، أنه من أساطين المتحدثين باللغة النوبية.. والملمّين بشوارد مفرداتها ودقيق مأثوراتها وحكمها وأمثالها. وقد تميّز برهافة الحس ودقة التعبير عن مشاعره، وقد أشار في إفاداته الأخيرة إلى هذه الملكة الكبيرة بناصية اللغة أنها ليست نتيجة اجتهاد وبحث فحسب، ولكنها خاصية لغوية عرفت بها صواردة.
ولم ينسى وردي وطنه.. فتغنى بأجمل الكلمات:
يا شعبا لهبت ثوريتك
محجوب شريف
على اجنحة الفجر ترفرف
فوق أعلامك
ومن بينات اكمامك
تطلع شمس أعراسك
ومن أغانيه العاطفية:
صدفة وأجمل صدفة انا يوم لاقيتا
أسعد يوم يومي الحييتا
نور عينية ياما حبيتا
النظرات بريئة وممزوجة بخجل
البسمات تضوي زي نور الأمل
وجهك بين مسايرك زي بدر اكتمل
والشامة في خديدك زي طعم القبل
تسكر قلبي وتشعل حبي يشهد ربي انا بهواك

لذا لم يكن غريبا أن يؤلف عنه الكاتب المرحوم عبده يوسف صالح كتاب بعنوان ( محمد وردي فنان لكل الأجيال) أهم ما جاء فيه:
الشعب السوداني عرف الفنان المبدع الأستاذمحمد وردي وصفق له من خلال أغنياته العزيزة والخالدة ، وهو فنان السودان الأول والموسيقار الحائز علي جائزة نيرودا .. هو صانع الغناء الحديث ورائده الأول ، مسيرته الفنية والوطنية كانت مشواراً طويلاً تعاقبت فيه أجيال علي السودان ... أسهم بإبداعه وفكره وجهده في القصيدة الوطنية وحملها تاريخ كفاح ومجاهدات شعبنا السوداني منذ فجر التاريخ منذ بعانخي مروراً بملاحم كرري وأم دبيكرات ومعارك الاستقلال منذ ثورة ود حبوبة وكفاح جمعية اللواء الأبيض ونضال الخريجين بقيادة أزهري ورفاقه .. وبهذا أردنا الغوص والنفاذ الي أعماق أحد مطربينا الذين ما زالوا يواصلون بذلهم وعطاءهم ويتركون أعمالهم تتحدث عنهم ... فأناشيده الوطنية حفظ للأجيال تراثها في قوالب فنية تشدو بها العصافير .. إن تكريمه في السودان وخارجه واجب وطني .. ورغم أن الكتاب يزخر بعاطفة مشبوبة تجاه الإعجاب بالفنان وردي إلا أنه بالإمكان القول أنها وثقت لحياة الفنان الكبير بطريقة أفضل .. فالكتاب ملئ بمعلومات قيمة عن مولد وردي ونشأته وخلفيته الفنية والأسرية والإجتماعية والمهنية ،، وكذلك عن تطوره الفني منذ أن كان عازفاً علي أكثر الآلات الموسيقية بدائية الى أن وصل الى المستوي المرموق الذي وصل اليه .



تشييع مهيب للراحل وردي والبشير يؤم المصلين

في موكب مهيب تقدمه الرئيس عمر البشير وجموع غفيرة من الوزراء والشعراء والفنانين ورموز المجتمع والمواطنين شيّعت البلاد صباح أمس الهرم الغنائي الفنان والوسيقار محمد وردي إلى مثواه الأخير بمقابر فاروق بالخرطوم، وعدَّد عددٌ من مجايلي الفقيد مآثره مؤكدين دوره في إثراء الساحة الفنية. وأكد نائب رئيس الجمهورية د. الحاج آدم في مراسم الدفن أن الفقيد كان رمزًا ورقماً فنياً لا يمكن تجاوزه حتى أصبح فنان إفريقيا الأول، مشيرًا لدوره في رسم خارطة الغناء السوداني وصياغة وجدان أهل السودان، إضافة إلى مواقفه الوطنية المشهورة والتي عكسها في العديد من الأناشيد الوطنية، سائلاً الله أن يجمع أهل السودان وأحبابه به في مستقر رحمته. من ناحيته قال مبارك الفاضل المهدي: «إن الفقيد كان قامة فنية ونسيجاً كاملاً لوحدة ورمزاً من رموز السودان»، وأضاف: كانت له العديد من الإسهامات الوطنية التي أهّلته ليصبح فنان إفريقيا الأول.

الفنان محمد عثمان وردي تشكّلت شخصيته الباذخة من مكوِّنات شعّت بالتوهج واللمعان الذي ظل رفيق مسيرته الفنية الممتدة، التي لم يصبها التراخي والوهن بفضل ما يتمتع به من موهبة متفجرة لمست رهافة إحساسه وعزفت خالد الألحان، من نبع أرض النوبة الشمالية ارتوى بمعاني الإباء والكبرياء وعظمة المكان والأصالة التي لازمت حضارة النوبة بعراقتها فامتزجت وتفاعلت مع نفسه الفنانة في توافق مع إيقاع الحياة في الوطن بشموليته وأصبح الحادي الذي تقدّم قافلة الفن متفوقاً بما قدم من أقداح ملأت مشاعر الناس بثمالة الانتشاء في حب الوطن والدعوة للخير والجمال حتى حقق سيادة الأغنية وحاز صدارة مملكتها لينال التقدير الكبير الذي تربّع به على قلوب الناس.

رحلة ظافرة سارت ريحها رخاء على مدى خمسين عاماً قدم فيها من ضروب الغناء العاطفي والوطني ما جعله حتى الآن محط الأنظار التي أغرقته بالتكريم والألقاب والإعجاب.

نعيد نشر هذا اللقاء الذي اجرته الزميلة فتحية موسى السيد مع الموسيقار محمد وردي في العام 2008..

{ من أين نبدأ مع فنان إفريقيا الأول؟
- أبدأ بالنشأة الأولى على أرض النوبة، المحيط الصغير، في قريتي خلقت البدايات في أرض تشبّعت بعراقة التراث والحضارة.. إنسان النوبة في الشمال يبتهل بالألحان تردفها حضارته وطبيعته وتكسوها بألوان زاهية بريشة العزف على آلة الطنبور ودقات الدفوف.. تأثرت بكل ذلك في كنف أسرة فنية كان لأخوالي فضل وضع البذرة الأولى في نفسي.

{ كيف تم لك الخروج لأفق أوسع؟
- كان لا بد من الخروج للدراسة والعمل بمحطتي الثانية شندي ومعهد التربية. أخذتني مهنة التدريس ورافقني الطنبور ومن بعده آلة العود.. تأرجح نشاطي الفني المحدود آنذاك ما بين عطبرة وشندي من أواخر الأربعينيات أنزلت رحالي بعاصمة البلاد في رحلة البحث عن إخراج مخزوني الفني، فكان التلاقي في برنامج ربوع السودان. الاستقرار النهائي تم بعد نقلي الذي أسهم فيه الوزير طيِّب الذكر محمد نور الدين عام 57م. استقبلني جهاز الإذاعة بحفاوة من الأستاذ أبو عاقلة يوسف ـ رحمه الله ـ والبروفيسور علي شمو ـ متعه الله بالصحة والعافية ـ ومنها بدأت انطلاقتي الحقيقية التي تميزت بالأغاني للوطن وانفتح بعدها الطريق لأقدم ما قدمت.

{ الشعر الوطني في مسيرة وردي؟
- أول قصيدة وطنية كانت عن شهداء كرري «اشهدوا شهداء كرري يا بناة الوطنية» وكانت من تأليفي، أما ما بعد ذلك فتوالت الأغاني الوطنية التي أظهرتني أكثر عندما تفاعلت مع ثورة أكتوبر بل كنتُ في داخلها قيادة للمعارك بأغنياتي «أصبح الصبح» «ثوار أكتوبر»، «باسمك الأخضر يا أكتوبر الأرض تغني».. كلها أغاني خرجت ترددها حناجر الجماهير ولم يكن هناك سواها، حتى رقيص العروس كان يتم على إيقاعها.

{ تعددت الألقاب التي أطلقت عليك، فنان «إفريقيا الأول»، «الكروان»، «الإمبراطور» «الأستاذ» ما هو اللقب الأقرب إلى نفسك؟
- أحبها لقب «الأستاذ» فقد كنت معلماً الآن بعد أن أصبحت فناناً استطعت بروح العلم أن أوصل باقي رسالتي إلى آلاف المستمعين في الوطن وخارجه.

{ ماذا تعني لك جوائز الإبداع التي نلتها؟
- أولاً، أحدثك بأنني نلت أربعاً وسبعين جائزة إبداعية أولها جائزة دبلوم الموسيقا من شاعر شيلي يدعى «بابلو نيرود» وأخرى من لوس أنجلوس عبارة عن ماجستير في الفلوكلور وعزف الطنبور وغيرها الكثير مما يعرفه الناس أكيد المعاني والدلالات كبيرة منها أغني أحظي بحب الناس وأتمتع بالجدارة التي قيّمت أعمالي وقدّرتها.

{ غيابك عن الوطن لفترة طويلة هل أثّر عليك فنياً؟
- من المؤكد أن للغربة سلبياتها بجانب إيجابيات كثيرة. إيجابياً يبدو أن الغربة لم تؤثر على عطائي وعلاقتي بالأجهزة الفنية ظلت متواصلة من خلال الإذاعة وأشرطة الكاسيت، يعني كان هناك توازن وقدر من الذكاء، حقيقة كنت معارضاً للحكومة وهو لا يعني أن أعرض عن الشعب وأحرمه من صوتي. كما أن أغنياتي تعمّقت في دواخل الناس لذا ظلت باقية.
سلبيات الغربة حرمتني وأخذت مني الكثير فأحب شيء إلى نفسي مواجهة الجمهور واستماع الناس لي أثناء الغناء بالتمعُّن في الكلمات أثناء الأداء وفهمها وهو شيء اختص الله به إنسان السودان الجميل.

{ اللجان التي انبثقت من خلال تكريمك باليوبيل الذهبي اتفقت على تسجيل أفلام وثائقية لمسيرتك وعظيم عطائك. فهل أوفت؟
- التوثيق في حد ذاته من أنواع المحافظة على الفن وعطاء الفنان يحقق البقاء لتتعرف الأجيال اللاحقة على الإبداع السوداني الأصيل. أما عن توثيق أعمالي فهناك جزء نفذ وآخر قيد التنفيذ.

{ الأداء عند وردي بصمة واضحة وماركة أدائية مسجلة يصعب تقليدها وحضور وتفاعل يعحب أن يؤديه أي فنان بقدرتك العالية. ما هو سر ذلك؟
- الإنسان لا يجزئ نفسه ليصبح نسختين فهو نسخة واحدة فيها تفاوت في الحركة والتقليد. عملي كمعلم ساعدني في الحضور القوي عند الناس بجانب الخبرة والتجربة الطويلة. كلها من فوائد التدريس في الأداء وغير ذلك.

{ رأيك في فناني الجيل الحالي وطريقة تعاطيهم للفن؟
- لا أحب أن أشنّ هجوماً على الجيل الجديد، فليسوا جميعاً سيئين، عموماً أقول إن الثقافة السودانية هبطت وضعف دورها حتى تسللت الأغاني الغثة للمحيط الفني، وللأسف أن الإذاعات تروِّج لمثل هذه الأغاني. الوارد من الخارج صعيف أيضاً أدى إلى انفصام الفنان لضعف ثقافته الفنية، كما اخترق الأذن السودانية وأصابها بالصمم بعد أن تركت فنها لغيره. لا بدّ للدولة والفنان من وقفة صلبة لمقاومة هذا التيار الذي يقضي على الأخضر واليابس ويترك الفنان خالي الوفاض.

{ محمد وردي غنى لمايو والنميري ثم انقلب بعد ذلك على مايو ـ ما تبريرك؟
- لم أكن نادماً حينذاك لأن احتفائي بمايو حينها خرج من انفعالي بالبرنامج الذي أعلن سياسة اليسار وشكل حكومته كذلك، ورفع شعارات براقة لم يلتزم بها لاحقاً. كل الناس ظنوا أنهم سينهلون ماء عذباً ولكنهم وجدوا السراب. حينما أضاع نميري البنود التي تدعو لوقف حرب الجنوب والإعلان عن محاربة الفقر انقلبت على ذلك العهد ومثلي كل الشعب السوداني الذي احتفى به في البداية.

{ شعور محمد وردي وهو يغني للاستقلال كأول فنان يقوم بذلك؟
- شعور لا يوصف زاد في حجمي وقيمتي وأنا أؤدي هذه الضريبة المفروضة على كل فنان يعي دوره الوطني. على فكرة ما تخيّلت أن أغني للاستقلال وحدي، ظننت أن أفواج الفنانين لا بد أن تشكل حضوراً، فالاستقلال حدث تاريخي ضخم يهز النفوس خلدته بأنشودة «اليوم نرفع راية استقلالنا ويسطر التاريخ مولد شعبنا».

{ الوطن العربي والإفريقي عموماً لا يعرف عن الفن السوداني والفنان سوى المرحوم الفنان سيد خليفة ومحمد وردي هل هي مسؤولية الفنان أم الدولة؟
- الفنان والحكومة كلاهما يدخلان في دائرة الاتهام أضرب لك مثلاً في سنة ستين زرت بيروت لإقامة حفل للطلبة السودانيين هناك والتقيت بالفنانة الكبيرة فيروز وعرضت عليها النوتة الموسيقية لأغنية «يا ناسينا»، سمعت الأغنية وأشادت بالفن السوداني وبصوتي وكذلك فعل سيد خليفة،. هي مجهودات فردية تحتاج لدعم ولكنه غير موجود والحكومة غائبة في هذا الجانب المهم.

{ تصنيفك لفنانين من جيلك ولآخرين أتوا بعد ذلك؟
- من جيلي يوجد فنانون كثر منهم محمد الأمين، ابن البادية، صلاح مصطفى،. المرحوم خوجلي عثمان، أما جيل ما بعدنا فزيدان إبراهيم مقنع لا شك في ذلك.

{ هل لديك اهتمامات أخرى غير الفن؟
- جل اهتمامي بعد الفن القراءة فما زلت قارئاً جيداً، وبعد ذلك الزراعة والسباحة.
إحساسك وأنت أول فنان سوداني يجد التكريم في المهرجان العربي؟
- تكريمي ترك كبير المعاني بالنسبة لي وكذلك لبلدي السودان ففيه اعتراف عربي متفق من أهل المهرجان بالفن السوداني.

{ الثنائية المتفردة التي جمعت بينك والشاعر الراحل إسماعيل حسن وحققت كل هذا النجاح إلى ماذا تعزو أسباب ذلك؟
- كانت توأمة لم نخطط لها وليس كما يقال إن البيئة الواحدة المتشابهة هي التي جمعت بيننا، ولكنها الصدفة وحدها هي ما جمعنا، فكان تبادل المشاعر والسعي وراء الجديد. مثلاً أغنية «لو بي الصدر أبيتني» و«أغنية ذات الشامة» هي من الأغاني التي كتبها إسماعيل حسن تم لحنها وغناها في نفس اليوم وهو توافق في الشعور فإسماعيل حسن شاعر مرهف الإحساس مبدع، صهرتنا الكلمة واللحن في بوتقة واحدة وهذا سر العلاقة بيننا.

{ محمد وردي لم يغنِ للأطفال بالرغم من تاريخه الطويل؟
- الغناء للأطفال من أصعب أنواع الغناء، أتمنى أن أفعل في المستقبل إن مدّ الله في العمر، الوحيد الذي أجاد في هذا الضرب من الغناء ونال فيه درجة الدكتوراة وأحسبه يستحقها هو يوسف حسن الصديق.

{ الكابلي قال «القومة ليك يا وطني» وأنت قلت «في حضرة جلالك يطيب الجلوس» أي المفردتين أوقع من حب الوطن القيام أم الجلوس؟
- الوطن معزتو كبيرة لا حدود لها. التعبيران عميقان ولكن الجلوس أعمق بكثير.

{ محمد وردي تعامل مع مجموعة من الشعراء، الحلنقي، السر دوليب، محمد يوسف موسى، الجيلي محمد صالح، وغيرهم من منهم يجد وردي نفسه في كلماته؟
- كل هذه الكوكبة تغنيت بأروع ما لديها ولكني أعتبر الحلنقي سيد الأغنية العاطفية وهناك ملك الأغنية الشجية محمد علي أبو قطاطي «شن بتقولو» أتمنى له الصحة.

{ يقال إن وردي تمر الأغنية عنده بثلاث قراءات ثم يأتي التحديد والقناعة؟
- الأغنية لا بد أن تمر بتلك المراحل فوق السطور، بين السطور، وبعد السطور.. وبعض الأحيان يسبيك المظهر الأول وبعدها تجد الهفوات حتى في المضمون نفسه، لذلك يلزم التمحيص عن طريق المراحل الثلاث.

{ قصيدة «حدق العيون» شاعرها أبو شورة قال إنه كتبها خصيصاً لك؟
- محمد عبد القادر أبو شورة، صديق عزيز وذكر أنه كتبها ليلاً، وصباحاً زار جريدة الأيام ووجدني هناك جالساً فأخرج القصيدة وأعطاني لها فكانت حاجة غريبة جداً.

{ ما هي ميزة الإيقاع النوبي بين الإيقاعات الأخرى؟
- الإيقاع النوبي له مميزات فيه أشكال أربعة، فيه إيقاع شمال السودان وجنوب مصر ويسمى «الفاديجا» وإيقاع الكنوز الذي يشبه الدليب وإيقاع الرقي واسمه نوبي الشكل الرابع هو الدقلاش.

{ قيمة الملكية الفكرية في مفهوم الفنان وردي؟
- الملكية الفكرية قيمة وفائدة عظيمة تكمن في قيمة المنتوج من شعر وألحان ومن السهل التلاعب في السودان بذلك، لذا كان لا بد من الملكية الفكرية لحماية الحقوق وحفظها من القراصنة.

{ اقتراحك الذي تم إجازته بتمديد فترة الانتخابات ماذا كان الهدف وراء ذلك؟
- تمديد فترة الانتخابات تعني وجود فرصة أكبر لبحث وحل مشكلات الفن عموماً وخاصة بالنسبة لكبار الفنانين وليس من الضرورة أن يكون هناك رئيس للاتحاد أو من سيكون النائب. بقدر أهمية أن نصل لاتحاد المهن الموسيقية من اتحاد الفنانين وكيف نستطيع أن نحفظ للفنان والشاعر والموسيقي حقوقهم.. على فكرة العشرة أيام انتهت وطلبت التجديد مرة أخرى.

{ نتمنى ألا نكون قد أثقلنا عليك وأخذنا من وقتك؟
- أنا والله سعيد بكم وبـ«الإنتباهة» وهي المرة الأولى التي أتعامل معها ولي عظيم الشرف..
أتمني لكم التوفيق.



الزهور والوردي شتلوها جوه وردي :د. محمد عبدالله الريّح

في العام 1958 م ونحن طلاب بمدرسة خور طقت الثانوية، دعانا إخوتنا من طلاب الشمال القصي للحضور لمسرح المدرسة حيث سيقدمون فناناً جديداً قادماً من عمق الثقافة النوبية ليشنف آذاننا بغناء لم نسمع به من قبل. المدارس الثانوية في ذلك الزمان وكما كان الطلاب يتحزبون في ثلاثة أحزاب الجبهة الديموقراطية والإخوان المسلمين والمستقلين كانوا يلتفون حول حسن عطية وأحمد المصطفى وأبوداود وإبراهيم عوض والتاج مصطفى ولم يكن هناك في الساحة الفنية غيرهم. وجاء الفنان طويل القامة رفيعاً بهي الطلعة له شعر ناعم كثيف. غنى أغنية «يا سمارة الليلة يا سمرا وأغنية : يا سلام منك أنا آه يا سلام وربما أول غرام». ومن يومها لم تعد الكيمان الفنية في المدرسة كما كانت.. بمجيء الفنان محمد عثمان وردي تغيرت خارطة الاصطفاف الفني التلقائي عند الطلاب إلى خارطة جديدة.. لقد اقتحم وردي تلك الخارطة وتربع في منتصفها وانفتح وجداننا لتلقي سيل صافٍ من الغناء ذي النكهة المدغدغة للشعور«نور العين وتوابعها... » وقفز من بيننا مرددون لتلك الأغاني أمثال حسن عبدالعزيز وقناوي وغيرهم ويومها أدركنا أن نقطة تحول جديدة قد رسمت نفسها بدقة فائقة في تاريخ الغناء السوداني.

في العام 1960 خرجنا في تظاهرة مع إخوتنا من أهالي حلفا وكان وردي محمولاً على الأعناق هو والأستاذ المرحوم محمد توفيق الذي كان وكيلاً لوزارة العمل ونحن نهتف «حلفا دغيم ولا باريس». وتعرض وردي لضرب مبرح من الشرطة وتم اعتقاله هو ومحمد توفيق وعدد من طلاب الجامعة وقادة حلفا المناوئين للتهجير. ويومها شعرت بالتصاق وردي بقضايا أهله وهمومهم. في علم الجينات تحدث من وقت لآخر طفرات جينية قد تكون في صالح الكائنات الحية أو في غير صالحها. ولكن ما جاء به وردي هو طفرة في صالح الغناء السوداني لأن الطفرة جاءت مكتملة في الألحان والتأليف الموسيقي والتطور الذي لازم جميع خطواتها مما أجبر خطوة وطفرة أخرى أن تحدث في مجال الشعر الغنائي. من منا يتخيل أن يأتي شاعر مثل محمد علي أبوقطاطي بقصيدة تبدأ بمقطع من أغرب المقاطع يقدم فيه المشبه به على المشبه مثل:
سواة العاصفة بي ساق الشتيل الني
وفعل السيل.. وقت يتحدر يكسح ما يفضل شي
دا كان حبك.. وقت حسيتو. شفت الدنيا دارت بي.

الطفرة اللحنية والموسيقية التي أتى بها وردي أحدثت طفرة شعرية ذات قيمة شعورية عميقة الأغوار، مدهشة إلى أبعد الحدود. ما كان أن تحدث لولا أن وجدت مستقراً لحنياً لها عند عبقرية وردي.

وفي العام 1974م جئت من ألمانيا وأنا أحمل أسطوانة تسجيل لمؤلف موسيقي ألماني ألف قطعة موسيقية كلاسيكية سمّاها «أبناء إبراهيم» قصد أن يقول إن أبناء إبراهيم من أصحاب الديانات كالإسلام والمسيحية هم من أصل واحد ويقول إنه كان يبحث عن إلهام موسيقي ينقل له الإحساس بالصحراء وبأرض الديانات وكانت فرحته عظيمة عندما عثر على أغنية «الطير المهاجر» فأخذ منها مقاطع جعلها الفضاء اللحني الذي يدور في فلكه مؤلفه الموسيقي.

حملت ذلك للفنان محمد وردي في منزله بشارع 61 العمارات فاستقبلني في صالونه وكان به بيانو واستمعنا للقطعة الموسيقية للفنان الألماني وقام وردي بعزف مقاطع منها وشعر بوجود تأثيره عليها. وكانت ابنته «جوليا» صغيرة ولذلك عندما داعبتها في آخر حفل لوردي برأس السنة قائلاً:
- أنا لما شفتك مع أبوك إنتي كنتي قدر كدا. «وأشرت بيدي إلى ما فوق الأرض» قالت لي: وأنا لحدي الآن قدر كدا. وضحك وردي وضحكنا سوياً.

في تلك الحفلة ــ حفلة رأس السنة ــ التي سهرنا فيها مع وردي، لازمني شعور ثقيل حتى نهاية الحفل أن وردي يغني غناء مودع وقد كان قد اعتذر بلطف عن غناء نشيد الاستقلال قائلاً: أنا السنة دي ما عندي مزاج أغني للاستقلال وفعلاً لم يغنِّ وترك عادة لم يتخلَّ عنها منذ أن لحن نشيد الاستقلال للشاعر الدكتور عبد الواحد عبد الله يوسف. فتلك كانت أول مرة لم يتغن فيها بنشيد الإستقلال.

«قفا نبكي»
قد جفّت مآقي الدمع والآهات.
لم تجلس بشرفتنا ولم تمطر سحابات.
وحدها الخيل التي غرقت قوائمها
في أمواج بحرك يا شقيق العظمة الثكلى
ويا حزن المسافات
«قفا نبكي»
أحزان الزمان المعدني
على ريح الصبابات.

وعندما زرته في منزله مع صديقي الشاعر الجيلي عبدالمنعم «شاعر مرحباً يا شوق، والهوى الأول» قدم له الأخ الجيلي قصيدة كتبت على شكل رباعيات ووعد وردي بتليحنها. والآن أنا أودعه بالرباعية الأخيرة منها وكأنها قد كُتبت له . قال الأخ الشاعر الجيلي عبدالمنعم:
دع عنك سفح الدمع بين الطلول
ولوعة المحزون يوم الرحيل
انشر جناحيك وحلق بعيداً
واسطع سطوع النجم قبل الأفول.

رحمه الله رحمة واسعة فقد سطع سطوع ملايين الأنجم في حفلته الأخيرة قبل أفوله. ويا حزننا على عشرات الألحان التي لم نسمعها منه وغابت معه وإننا من بعده لمحزونون ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.



محمد وردي ... ذكريات وأسمار وأفكار (1-2): عبد المحمود نور الدائم الكرنكي

بعد رحلة عطاء إبداعي زادت عن نصف قرن، بعد أن أضاءت روائعه الملهمة فضاءات الوجدان والوطن لأكثر من خمسين عاماً، انتقل ملك الغناء السوداني محمد وردى إلى رحاب الله بمستشفي فضيل الساعة 10.25مساء السبت 18/فبراير2012م. فيما يلي ذكريات وأسمار وأفكار عن محمد وردي مبدع السودان الراحل.
قبل (17) عاماً كانت أول مرة ألتقى فيها الفنان محمد وردي. كان ذلك في عام 1995م في لندن. كان وردي يقيم بسبب السياسة في العاصمة البريطانية. كان عنوان وردي في لندن
14 Red Bridge Lane East
ILFORD..IJE 5EU
كان رقم هاتف وردي في لندن 0181-491-4558 وقد حصلت على رقم الهاتف والعنوان من صديق مشترك. وتصادف أن كان نجم التلفزيون السوداني، حسن عبدالوهاب في تلك الأيام في لندن، في زيارة عمل. وقد جاء قادماً من مقرّ إقامته في مدينة بون- ألمانيا.

أخبرت حسن عبدالوهاب بأن وردي في لندن. واتفقنا على زيارته. كانت الأجواء السياسية بين المعارضة والحكومة متوترة للغاية. ولكن لابدّ من كسر الجدار العازل، ليتدفق نهر السماحة السودانية بين الطرفين. فكان الاتصال هاتفياً بوردي في منزله، وأخطرناه بأن يتوقع زيارتنا مساء ذلك اليوم. وحدّدنا ساعة الحضور. وعندما وصلنا إلى منزل وردي استقبلنا ببشاشة كبيرة جداً. كان استقبالاً حميماً. كانت تلك المرة الأولى التي ألتقى فيها وردي، وإن كنت منذ الصغر أحفظ كل أغنياته تقريباً. شعرت أن الحميمية التي استقبلنا بها، تعطي الشعور أنه صديق قديم، أو ذلك النوع الذي تحسّ أن يمكن مصادقته منذ أول لقاء. في ذلك المساء تدفقت الأحاديث في ساعتين من الإلفة الأصيلة والمودّة. كان وردي في الواقع عكس بعض الكتابات غير الدقيقة التي اعتادت أن تتطاول وتسرف في دعواها، عن ما تسميه غرور وردي وغلظة وردي وقسوة تعامله. وتلك كتابات غريبة غير منصفة، في حق رمز وطني انساني. واحدة فقط من مآثره الإنسانية العديدة أن وردي رائد في رعاية علاج الفشل الكلوي للأطفال. ولا يدري أحد ماذا فعل شانئو وردي من أجل الطفولة والفن والوطن؟.

في ذلك المساء تحدث وردي بصدق، عن معاناته في الإغتراب والبعد عن الأهل والديار، كان يتفطّر ألماً ويقول: والله ما قادر أنوم!.قالها أكثر من مرّة. عندما كان يتحدث عن معاناته كنت أحس أنها بحجم موهبته، وبحجمه تمّرغه في شجن السودان وحب السودان. من ضمن أسمار تلك الليلة وأحاديث الإمتاع والمؤانسة، سألته عن أصعب لحن قام بتلحينه، فقال لحن أغنية (الودّ). قال حسن عبدالوهاب أليس لحن أغنية المستحيل؟ قال وردى: لا. تلحين (المستحيل) لم يكن صعباً. أصعب لحن كان لحن أغنية (الودّ). سألت وردي: هل استغرق تلحين (يا راجياني) زمناً فأجاب: لا. كان تلحينها سهلاً. ذكرت له كيف أنني كنت أستمع إلى تلك الأغنية في مرحلة الخطوبة. والحديث ذو شجون، تحدث وردي عن دوره في أن يسجِّل أولاد حاج الماحي مدائحهم النبوية في الإذاعة السودانية. لولا محمد وردي لما استمع الشعب السوداني إلى مدائح (حاج الماحي) في الإذاعة السودانية. وقد حكى محمد وردي قصة أوّل تسجيل لهم، ومَن كان حاضراً من رموز الفن والموسيقى.

قلت للموسيقار وردي كيف إن موسيقاراً بحجم برعي محمد دفع الله يستحق اعتباراً وتقديراً بحجم موهبته وعطائه. فوجدت أن وردي يكنُّ لبرعي محمد دفع الله احتراماً وحباً كبيراً. يذكر أن هناك ثلاث أغاني فقط من أغنيات وردي قام بتلحينها غيره. وهي أغنية (الوصية)، وهي من ألحان برعي محمد دفع الله، وأغنية ياطير ياطاير من ألحان خليل آحمد و (حرّمت الحب والريدة) من ألحان وكلمات الطاهر إبراهيم. عدا ذلك كل أغنيات وردي هي من ألحانه. وقد لحّن وردي لصلاح بن البادية أغنية (أيامك)، كما لحّن لعثمان مصطفى أغنية (مشتاقين). وضعت تلك الأغنية عثمان مصطفى في القمة منذ لحظته الأولى. ذكرت لوردي أن العديدين يحبون أول أغنية سجلها للإذاعة (بشوف في شخصك أحلامي). فتنفَّس وردي بارتياح قائلاً: أنا أحب هذه الأغنية، وهي من كلمات كمال محيسي، يذكر أن الشاعر كمال محيسي قد رحل عن دنيانا في شبابه الغض، وقد كتب عدداً من الأغنيات الجميلة مثل أغنية (أيامنا) لسيِّد خليفة.. (أيامنا في الدنيا معدودة.. ليه بس نبكيها.. ونتعذب فيها.. مادام الدنيا في إيدينا موجودة). كأنما كان كمال محيسي يتنبأ برحيله العاجل.
في تلك الليلة اتفق حسن عبدالوهاب ووردي على أن يحمل حسن خطاباً من وردي إلى عائلته في الخرطوم. حسن كان حينها بصدد زيارة السودان، وقد أخبرني حسن لاحقاً أنه سلّم خطاب وردي إلى عائلته.

في تلك الليلة ذكرت لوردي جمال اللحن الذي أبدعه برعي محمد دفع الله، للنشيد الذي يغنيه عبدالعزيز محمد داؤود (غالية الثورة غالية علينا.. منَّك كلّ خير راجينا.. نسلم ليك وتسلمي لينا). فقال وردي بانفعال الفنان بأنه كان يتمنى أن يغنّي ذلك اللحن، ثم صدح لثواني بمطلع نشيد (غالية الثورة غالية علينا) بأجمل صوت يمكن أن يستمع إليه إنسان، أو أجمل صوت يمكن أن يمتد إلى أثير الفضاء العريض. تلك الأغنية السياسية أو النشيد (غالية الثورة) من كلمات إسحاق الحلنقي.

محمد وردي فنان حقيقي وإنسان حقيقي. وقد اعتاد بعضهم في أيام خالية ظلم محمد الفنان الانسان ظلماً كبيراً، كأنما قدره احتمال التضحيات منذ اعتقاله في نهاية الخمسينات وسجن السبَّعينات عندما قضى في سجن كوبر عامين في عهد الرئيس نميري، حيث قضاها في زنزانة يفترش الأرض.

مفخرة الغناء السوداني محمد وردي، من القلة القليلة من فناني السودان الكبار، ممّن لايتكرر الواحد منهم إلا مرَّة واحدة كلّ عدة قرون. كانت تلك المرة الأولى التي التقيت فيها محمد وردي. كانت المرة الثانية في لندن في منطقة (سنت جونزوود)، في منزل الدكتور عزالدين على عامر، عقب رحيله. كان وردي في مجلس العزاء صامتاً حزيناً، وكنت قد تعرفت إلى الراحل د. عزالدين، قبل أربعة أيام من رحيله. وهو مهذب دمث الأخلاق.

وعند عزاء زوجته الأمريكية وابنته الوحيدة، ذكرت لهم أن د. عزالدين من كبار السياسيين السودانيين المحترمين، وإن هناك استعداداً تاماً لتغطية نفقات ترحيل الجثمان إلى أرض الوطن. فأجابت زوجته بعرفان ودموعها على عينيها أشكركم... أشكركم. كان ذلك في يونيو 1995م. المرة الثالثة التي التقيت فيها وردي كانت عبر الهاتف عندما سمعت بخبر الفشل الكلوي. كان وردي عبر محادثته الهاتفية، شجاعاً، فارساً، بمعنويات عالية وبشاشة فيّاضة. ونقلت الخبر إلى الراحل السفير أحمد عبدالحليم فاتصل بدوره بوردي. وقد تذكرت شجاعة وردي في المرض مرَّة أخرى لاحقاً. ذكَّرني إياها الراحل أحمد عبدالحليم. كنت قد التقيت بأحمد عبدالحليم، في منزله في لندن، عقب عودته من الطبيب، وقد سلَّمه نتيجة التشخيص وأخبره بالسرطان، كان احمد طبيعيَّاً للغاية، كأنه ليس طرفاً في ذلك الموضوع!. كان على نفس سجيته يتحدث ويضحك ويعلِّق، كأن لم يكن شيئاً، بينما السيدة الفضلى زوجته تأتي بالقهوة. كانت علاقتهما مثل عرسان في الشهر الأول. لم أرَ شجاعة في المرض كشجاعة أحمد عبدالحليم، وطوال أيام أعقبت ذلك، تلاقينا فيها مرّات، كان أحمد كأنّ السرطان لا يعنيه في كثير أو قليل. ومن بعدها ذهبنا معاً إلى المستشفى لتهنئة كريمته بالمولود (خالد بن الوليد). وفي المستشفى عرّفني الأستاذ أحمد بالسيدة زوجة السيد داؤود عبداللطيف التي جاءت برفقة ابنتها للتهنئة. كانت بنت داؤود مهذبة صامتة، ترتدي بنطلون وقميص (تي شيرت).

محمد وردي...بحيرة عظمى من الألحان الجميلة.
إلتقيت محمد وردي مرة رابعة في مناسبة عامة، وتبادلت بعض الحديث. وكانت المرة الخامسة في صيوان العزاء في رحيل السيدة عقيلته أم مظفر علوية الرشيدي. في كل مرة كان وردي هو الانسان والفنان العفوي الأصيل. وردي ملك من ملوك الفن السوداني، وملكاً من ملوك حضارة الفن السوداني، كان منظراً رائعاً ظهور وردي مرتدياً أزياء ملوك الحضارة السودانية في احتفالية الخرطوم عاصمة الثقافة العربية وهو ينشد نشيد (يقظة شعب)... (حين خطَّ المجد في الأرض دوربَه... عزم تهراقا وإيمان العروبة... عرباً نحن حملناها ونوبة). إذا كان لفن الألحان جغرافيا تُدرَّس، فإن محمد وردي بحيرة عظمى من الألحان الجميلة. كما أن محمد وردي شاعر عملاق يغني بألحانه العظيمة الأشعار الجميلة التي ينتقيها بعناية شاعر. تلك خاصية لايستطيعها إلا أصحاب المواهب الطبيعية الضخمة. وتلك أقلية نادرة، ذلك سرّ نجاحه المتفرد السهل الممتنع. تنقَّل وردي في أشعار أغنياته في قارة واسعة من أزاهير الشعراء... كمال محيسي (بشوف في شخصك أحلامي).. اسماعيل حسن (بعد إيه، المستحيل، خاف من الله، لو بهمسة، الرّيلة، وغيرها)... محمد عثمان كجراي (مافي داعي)... الجيلي عبدالمنعم عباس (مرحباً يا شوق، الهوى الأول)... صاوي عبدالكافي (أمير الحسن، حبيب القلب يا أغلى الحبايب).. صديق مدثر (الحبيب العائد)... أبو آمنة حامد (فرحة. بنحب من بلدنا)...
محمد الفيتوري (أصبح الصبح وغيرها).. محمد المكي ابراهيم (أكتوبر الأخضر. إنني أؤمن بالشعب حبيبي وأبي، وغيرها)... مرسى صالح سراج (يقظة شعب)... إسحق الحلنقي (عصافيرالخريف، ياراجياني، أقابلك في زمن ماشي، وغيرها).. السِّر دوليب (هدية)... محمد على أبوقطاطي (المرسال، سوات العاصفة)...
التجاني سعيد (من غير ميعاد، قلت أرحل)... عمر الطيب الدوش (الودّ، بناديها، وغيرها) ... الجيلي محمد صالح (الحِبيِّب)... صلاح أحمد إبراهيم (الطير المهاجر، يا ثوار اكتوبر)... عبدالواحد عبدالله (اليوم نرفع راية استقلالنا)... محجوب شريف (أحبك أنا مجنونك، وغيرها)... على عبدالقيوم (بسيماتك تخلِّي الدنيا شمسية)... محمد يوسف موسى (عذبني).كما غنى وردي لمبارك بشير ومحمد الحسن دكتور. تلك قائمة باثنين وعشرين شاعراً مميزاً. وهناك غيرهم. لولا شاعرية وردي وملكاته العالية، لما استطاع التنقل بنجاح في حدائق الشعراء. لإبراز أكثر لتلك الميزة (الورديَّة)، نقول بعد أن فارق الفنان التاج مصطفى الشاعر الملحِّن عبدالرحمن الريح، لم يستطع ان يقدِّم مثل (الملهمة) و (إنصاف)، وبعد أن فارق حسن عطية الشاعر الملحن عبدالرحمن لم يبدع مثل (لو إنت نسيت) و (حرمان) و (إنت حياتي)، وعندما انتقل ابرهيم عوض بعيداً عن الشاعر الملحن الطاهر ابراهيم لم يعد الفنان الذري كما كان. لكن تميَّز وردي بالتنقل في قائمة طويلة من الشعراء، محافظاً على تجدُّده وإبداعه وقمته. وتعتبر المقدمات الموسيقية في بعض أغنيات وردي بحد ذاتها اضافات خالدة للموسيقى السودانية، مثل مقدمات أغنيات (المستحيل، خاف من الله، بعد إيه. الطير المهاجر). وبغض النظر عن حرّ الأفئدة والحزازات السياسية، إذا كانت تغلي كالبراكين، أو لم تكن تغلي، فإن محمد وردي سياسي شجاع قضى سنيناً في سجون الرئيس جعفر نميري. ولا يفعل ذلك أبداً من يضع المال قبل المبادئ، بل يفعل ذلك من يضع المبادئ قبل المال، خاصة إذا كان فناناً جماهيراً ناجحاً مثل وردي.

وفي الأغنيات الوطنية والسياسية يتبوأ محمد وردي (قمة هملايا) إبداعية يستحيل تسلقّها... هناك نشيد إفرح وطني الذي اشتهر بأنه من كلمات اسماعيل حسن ولكنه من كلمات محمد وردي، وهناك نشيد (يقظة شعب) من كلمات مرسى صالح سراج، ويا ثوار أكتوبر يا صناع المجد (صلاح محمد ابراهيم)، إنني أؤمن بالشعب وأكتوبر الأخضر (محمد المكي ابراهيم)، وأصبح الصبح(محمد الفيتوري)، وشعبك يا بلادي (الطاهر ابراهيم)، واليوم نرفع راية استقلالنا (عبدالواحد عبدالله)، وهناك يا فارسنا ويا حارسنا (محجوب شريف)، من شعاراتنا مايو (محجوب شريف)، حنتقدم (محجوب شريف)، نحن رفاق الشهداء (على عبدالقيوم). هناك إجماع وطني كامل في الأغنيات العاطفية لمحمد وردي. لكن لدى البعض شيئ من تحفظات على مضامين بعض من الأغنيات السياسية. لكن تلك الاغاني السياسية أعمال ذات قيمة فنية متميِّزة، بغض النظر عن لونها السياسي. محمد وردي في أغنياته الوطنية والسياسية يعبِّر عن نبضه الذاتي ونبض الشعب. ليس محمد وردي فنان حزب أو أنظمة، إنما فنان شعب ووطن.

كتب الشاعر الرائع بدر شاكر السَّيَّاب... منطرحاً أمام بابك الكبير..أصيحُ في الظلامِ أستجير .. ياراعيَ النِّمالِ في الرِّمال.. وسامِعَ الحصاةِ في قرارِة الغدير... بذلك الوجد الصوفي كان السيَّاب منطرحاً في قصيدته (أمام باب الله).. أيضاً بغوغائية سياسية مزمنة، ظلّ الشيوعيوّن، منذ مهدهم في الستينات وإلى لحدهم الآن، ينطرحون أمام (باب وردي) ويروِّجون أن محمد وردي شيوعي. هذا غير صحيح. قال وردي في حضور حسن عبدالوهاب وآخرين (أنا ما شيوعي)... وردي ليس فنان حزب أو فنان أنظمة. محمد وردي (فنان عموم السودان)، شاء مَن شاء وأبَى مَن أبَى،.. كما يقول الشهيد الرئيس ياسر عرفات.

في جلال الموت صمتت قيثارة وردي، بعد أن رسمت ألحانها حبّ أرض السودان على الوجدان... (أدوبي) ليها ماضيها و(اطمبِر) ليها جاييها ... أفتِّش ليها في التاريخ واسأل عنها الأجداد... أفتِّش ليها في اللوحات... محل الخاطر الما عاد... وفي الأعياد... في أحزان عيون الناس ... في الضل الوقف مازاد. في جلال الموت صمتت قيثارة وردي. صمتها يقول لوحنِّيت لعهد الشوق أجيب من وين عُمُر تاني. صباح أمس الأحد 19/فبراير 2012م كان تشييع فقيد السودان الراحل محمد وردي إلى مثواه الأخير في مقابر فاروق. حيث مثوى الراحلين محمد يوسف محمد (المحامي. رئيس البرلمان) وأحمد هاشم البغدادي (المحسن الكبير. صاحب الأوقاف الشهيرة) وميرغني النصري (نقيب المحامين. أحد مؤسّسي حركة التحرير الإسلامي) وحسن عطية (الفنان. أمير العود) وحسن نجيلة (الأديب الشهير) ومحمد المهدي مجذوب (الشاعر الكبير) وعثمان حسين (الفنان مبدع الروائع) وحسن سليمان الهاوي (الفنان الشهير) والشاعر الدكتور (محمَّد عبدالحي) وحسن اسماعيل البيلي (وزير العدل) وعلى ميرغني (نقيب الفنانين) ورحمي سليمان (الصحفي الشهير) وعبدالعزيز شدو (المحامي. وزير العدل. رئيس البرلمان) يحي عمران (أوَّل حكمدار بوليس في السّودان) وصديق منزول (نجم كرة القدم السّوداني) وفيصل السيد (حارس مرمي الهلال) ومحجوب عمر باشري (الأديب الشهير) وأحمد محمد أبوالدهب (من مشاهير ضباط القوات المسلحّة)، وغيرهم من الأسماء الكريمة.



وردي !!: عصام الحسين

ما كنت لأكتب عن عوالم لها أهلها، لولا أنني رأيت أحد ركائزها تنهار، وأحد أهم أعمدتها تسقط، ما كنت لأكتب عن الفن المباح والإبداع الخالد والهوى العذري الذي أثرى وجدان الشعب السوداني الذواق وأنا عاجز عن تطويع المفردة المناسبة والحدث، ما كنت لأكتب عن وردي فقط لعشقي لفنه لأن الكتابة عن وردي تحتاج لأكثر من عشق.. لكن وردي يفرض وجوده هنا في حالة وطن.. لعشقه لهذا الوطن..

رحل وردي بعد أكثر من «54» عاماً من العطاء والإبداع، ومن التجربة الثرة، ومن البوح الشفيف، ومن اللحن السرمدي، ومن المفردة النابضة بالحياة مثل: «تلقى الحبيبة بتشتغل منديل حرير لحبيب بعيد»، و «تعال يلا نهاجر في بلاد الله ننسى الناس وينسونا وفوقنا الطيبة تدلى»، و«انت نشيد الصبح كلامك»، و«قلت أرحل... وأسوق خطواتي من زولا نسى الألفة»، رحل وردي وتحطمت قيثارة الفن السوداني الفريدة..

رحل وردي من غير ميعاد... لتُبكِه «بيوت الطوابي»، وتُبكِه «جروف النيل مع الموجة الصباحية»، وتبكِه «أرض البطولات، وجيل التضحيات»، ويبكِه «أبو جلابية وتوب»، وتبكِه «مهيرة» ويبكِه «الطير المهاجر» ويبكِه إسماعيل حسن وعمر الدوش وأبو قطاطي، وإسحاق الحلنقي وإبراهيم الرشيد برائعته «سليم الذوق»، وكجراي، والتجاني سعيد بـ «أرحل» ومحجوب شريف بـ «يا شعباً لهبك ثوريتك»...

رحل وردي الذي قال عنه السموأل خلف الله.. وزير الثقافة: «سد مروي علم ويمكن أن نشيد مثله، مصنع سكر كنانة علم ويمكن أن نشيد مثله وأحسن منه، وردي علم لكنه لن يتكرر» رحل وردي الذي تغنى للوطن، وللحبيبة، وللصورة، ولنور العين، ولذات الشامة، وللسمحة المستعجلة، وللقلب القاسي، وللتراث، وللبادية، وللحضر، وللبحر، وللطير، وللساقية، وللنوبة، وللعرب...

رحل وردي الذي تغنى بهمس «لو بهمسة»، وبجنون «أنا مجنونك»، وبحنين «الحنين يا فؤادي»، وبإدمان «أدمنت هواك»، وبقسم «قسم بي محيك البدري».. رحل وردي تاركاً خلفه كل هذا الجمال والإرث المتربع على عرش الأُغنية السودانية..

رحل فنان إفريقيا الأول الذي غنى للوطن قائلاً: «في حضرة جلالك يطيب الجلوس، مهذب أمامك يكون الكلام».. رحل وردي وتبقى فقط أن ندعو له بالمغفرة، ونصفح عنه بقدر ما قدم لهذا الوطن..

وندعو من هنا الجميع للصفح، ونخص بالدعوة، صاحب «الكلية» والذي ادعى أن وردي تنكر له، ونطالبه بالصفح الجميل، وكذلك نطلب من الذين كانوا حضوراً في أمسية عيد الاستقلال، نطلب منهم الصفح، ونخص بذلك من طلب لوردي أن يتغنى للاستقلال ورفض، رفض لأنه ما عاد يشعر باستقلال..

نطلب من الجميع الصفح، ويقيننا أن الذي عُرف بثراء فنه وتنوُّع أغانيه من الرومانسية والعاطفية والتراثية والنوبية والوطنية والثورية، والذي يعتبر أسطورة فنية وموسوعة موسيقية... الذي عُرف بكل ذلك سوف يجد من الصفح ما يكفي.. ليرتاح في مرقده الأبدي إلى قيام الساعة..
ألا رحم الله وردي، وأسكنه مسكناً مباركاً.. آمين...



التوقيع:

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

أبوسهيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-20-2012, 08:50 AM   رقم المشاركة : [5]
أبوسهيل
عميد الموقع
الصورة الرمزية أبوسهيل
 
اخر مواضيعي

المستوى: 81 [♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥]
الحياة 3024 / 3024

النشاط 6974 / 23320
المؤشر 65%


افتراضي

ورحل امبراطور الاغنية الوطنية السودانية محمد وردي قبل ربيع الشعب السوداني

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ياشعبا لهبت ثوريتك
المجد والخلود للشهيد الاغنية الوطنية السودانية الامبراطور الدكتور محمد عثمان وردي الذي ظل يرسم لوحة جمالية رائعة ذات السحنة العربية والوشم الزنجية في الوجدان العالم العربي والافريقي ومما لاريب فيه فان الربيع السوداني قد فقد علما من اعلام الثورة السودانية التي اصبح قاب قوسين او ادني من احتثاث نظام الفاشي الغاشم عمر البشير رئيس قوي الارتداد التاريخي الظلامي الجبهة الاسلامية القومية) وعندم ترحل ايها البطل الشامخ الابي في هذه المرحلة الدقيقة والمفصلية سوف لن تكون ثمة وتر مشدودا للفن الاصيل مثلما كان يتطلع الشعب السوداني الي افاق الحرية والخير والانسانية والجمال ان فالراحل المقيم الدكتور محمد وردي يمثل التوهج والنبل لانه تغني للتنوع الثقافي السوداني كما انشد شجيا للغلابة والغبش الشرفاء

يابلادي -يابلاد الشمس -أرض العرايا الطيببين .يابلادي
سرقوك.نهبوك .من سنين وسنين يابلادي.وابناؤك يابلادي في البادي كادحين.يابلادي
كم طريد.كم قتيل.كم سجين يابلادي
خضبوا الغابات بالدماء. تركونا في العراء. تركونا دون قوت . دون ماؤي أو كساء.
أنا افريقي حر والحرية في دمي ولسوف أحطم الاغلال مهما كمموا فمي
ارض جومو يابلادي .أرض ناصر . أرض لوممبا العريقة .يابلادي
أنت أمي يابلادي أنت اغلي الجبيبة يابلادي.سوف نمضي يابلادي في ارضك الخصيبة يابلادي
سوف يعلون العلم .راية النصر الخصيبة يابلادي.

وفي هذا السياق ان فنان افريقيا الاول الراحل محمد وردي قد تماهي مع قضايا الشعوب الافريقية التي ظلت ترزح تحت اغلال واطواق الاضطهاد والاسترقاق سواء من قبل النطام الاستعمار الاجنبي الرجل الابيض الذي مارس سياسية الفصل العنصري او من قبل الانظمة الشمولية الدكتاتورية التي تدعي الوطنية و تشن حروبا اهلية ضد الشعوب التي تنشد الحرية وحقوق الانسان. ومهما يكن من أمر فانه يبدو أن القارة الافريقية قد فقدت في هذه لحظة أعظم ابنائها البرر الذين حملوا شعلة الحضارة والابداع اذ ان الفنان محمد عثمان وردي بصوته الذهبي واغنياته الشجية قد دخل في قلوب الملايين من عشاق فنه العفيف والشفيف وعليه ان العملاق والشاعر الانسان محمد عثمان وردي قد مجد ثورة الشعب الارتيري ونضالاته من اجل نيل الاستقلال المجيد كما تغني عن مشروع السودان الجديد وهو ايدويولوجيا الذي تتبناه القوي الحديثة في السودان من اجل بلورة التنوع الثقافي التاريخي والمعاصر الذي يتشكل قوس قزح في جماله وروعته ومما يجدر ذكره فان عبقريته الفذه قد شكلت حضورا رائعا ومتفرد وهو ان الاستاذ والملحن الكبير محمد وردي برحيله المفاجئ فقد السودان قيثارة اللحن الجميل اذ يحتاج ابناء وبنات الشعب السوداني الي لحنه الطروب اكثر من اي وقت مضي وبهذا امست الساحة الفنية السودانية حزينة وعلي أئ فان علي الشعراء الديمقراطيين الاحرار في السودان الذين يمتلكون ناصية الابداع الاستاذ محمد المكي ابراهيم الذي كتب الاكتوبريات في ديوان امتي والشاعر جمهورية الحب اسحاق الحلقني وشاعر اغاني افريقيا محمد الفيتوري والشاعر اسماعيل حسن والشاعر الثوري الالمعي محجوب شريف المضي قدما في بلورة مشروع هذا الوطني العملاق محمد وردي لكيما تظل شعلة تضئ افاق الاجيال القادمة وان يقفوا سدا منيعا امام قوي الهوس الديني(الاسلاموي) التي تريد الانقضاض علي الفن الجميل كما حدث للمشروع الفني للراحل مصصطفي سيد احمد اذ حاول فنانو الدفاع الشعبي والجنجويد محوه الأ ان الذبد الذي انتجه هؤلا الدفاع الشعبي يذهب جفاء اما الفن والابداع الذي انتجه الاستاذ الراحل مصطفي سيد احمد فيمكث في الارض.وعندم نتحدث عن العطاء الفني الثر للمناضل الفذ الراحل محمد عثمان وردي انما نعبر عن صفحات تاريخ فن مشرقة ناصعة اذ انه يمثل رائد المدرسة السودانوية لاسيما حين يتغني عن المجد والسؤدد الشعب السوداني الحر النبيل وهو يخوض معارك الشرف والكرامة من اجل الحرية والاستقلال والانعتاق. وفي هذا المضمار فان رحيل الموسيقار السوداني محمد عثمان وردي ابن مدينة الحب والفن صورادة سوف يترك فراغا في الوسط الفني السوداني لاسيما ان مدرسة الاغنيات الهابطة قد تنامي في منذ مجي جماعة الاسلام السياسي(المؤتمر الوطني) ودون ادني شك ان الفنان والشاعر والملحن الكبير محمد وردي كان موسوعا موسيقيا واسطورةفنية خالد. وبهذا نعزي كل عشاقه فنه كما نعزي بصورة خاصة منتدي يوسف كوه مكي للفكر والثقافة.

نلتقيك اليوم ياوطني لقاء الاوفياء قد تنادينا خفافا
لك يا ارض البطولات وميراث الحضارات.نغني اليوم لامتي ارث الكفاح
هاهنا يبتسم النهر القديم لنعانغي.لتهراقا.ولمهدي .لعلي عبد الطيف . ولعبد القادر الحبوبة .للقرشي
ولشهيد وصمود العزة في كرري .نذكر الان جميع الشهداء. وكل من خط لتاريخ سطرا بالدماء
نذكر الان جميع الشرفاء. وكل من صاح في وجه الظلم لا.
نحن ابناؤك في الفرح الجميل. نحن ابناؤك في الحزن النبيل
ونغني لك ياوطني كما غني الخليل .ومثلما غنت مهيرة تلهم الفرسان جيل بعد جيل
ونغني لحريق المك لاسماعيل باشا في المتمة
ونغني حيمنا استشهد في النضال عبد الفضيل الماظ
فلتعد حرا أبيا في مهابة
مشار كوال اجيط
منتدي يوسف كوه مكي للفكر والثقافة

سودانيز أونلاين



رحل الجميل المستحيل ..رحل محمد وردي.. بقلم د.الريح دفع الله عبد الرحيم

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
رحيله مؤلم مفجع بقدر ما كانت حياته رائعة و سيرته خالدة ونموذج نادر للفن و الغناء و العمل الوطني..ليس علي مستوانا المحلي فقط بل علي مستوي العالم ..فقد كانت حياته نموذجا نادرا ودليلا قاطعا وساطعا على ان للفنان رسالته وواجبه وقضيته...محمد وردي يترجل عن دنيانا ليعيش في الخالدين ...عاش فينا ...وعاش معنا و بيننا شاركنا أفراحنا وصنع الكثير منها ..محمد وردي لم يغب عن أسماع السودانيين و أفئدتهم وأسماعهم.ففي اللحظة التي اكتب فيها الالاف اداروا مؤشرات أجهزتهم ليسمعموا ابداعا من ابداعاته....هو الضيف الدائم في مناسباتهم الشعبية والرسمية...هو الحاضر دوما بين أفراد الأسرة يسمعون أنغامه ويرددونها ويهدونها فيما بينهم في الأعياد والمناسبات..عبر الأثير ..أو مكتوبة أو مهموسة...أغانيه أحاديث العشاق و زاد الابطال.ووقود الثورات..يهمس بها الحبيب لحبيبته فيزداد الحب بينهما و تزدهر المشاعر..أو يرددها الابطال و السياسيون فتقوى عزائمهم و يتناسوا خلافاتهم ..اليوم نرفع راية استقلالنا ..ويسطر التاريخ مولد شعبنا....يا اخوتي غنوا لنا ..

من غير ميعاد ....و اللقيا أجمل في الحقيقة بلا انتظار..صحيتي في نفسي الوجود ورجعتي لعيوني النهار....
بدأ الاستاذ وردي حياته معلما مدرسا في مدارس بلادي المختلفة ..في صواردا مسقط راسه ..ثم أراد فضاءا أرحب ..فخرج إلي السودان و العالم عبر بوابة العاصمة الخرطوم التي أحبها....محترفا الفن ليتربع علي عرش الفن و الابداع طوال حياته ومسيرته الحافلة الناصعة...يذكر أن الاستاذ وردي منذ ان بدأ مسيرته وعطاءه ظل يرتفع ويرتقي في سلم المجد حتي جلس علي قمته ومكث ينادي في الناس ويحضهم ويحثهم من عليائه...للقيم وللحرية ....غني للفقراء ..غني للوطن غني للحرية..غني للثورة ...يا شعبا لهبت ثوريتك.....تلقى مرادك والفي نيتك..عمق احساسك في حريتك...ابقي ملامح في ذرتك...

الكلمة التي تصله يكتب لها الخلود...والشاعر الذي يموسق أبياته وردي حتما في الخالدين...صاغنا وجدانا وقيما.معنى ووطن...تعلمنا منه الاخلاص للاوطان والنقاء مع الحبيبة ..والعيش للقضية ....كنت وأنا يافع ...مثلما هو الحال كذلك مع الملايين ..اسمع و استمتع باغانيه وموسيقاه..دون ان اعي كثيرا من المعاني غير الاخلاص و الجودة العالية للكلمات و الالحان التي لا تستطيع الا ان تشدك اليها...وتصيغ وجدانك وتجمعك حولها الى هدف..

كنت في غاية السعادة حينما اسمع اغنياته وتتسلل دونما استئذان الى خاطري موسيقاه العذبة الندية...في سيارة عامة او في دكان ..او من استيريو قوم يحتفلون او يحيون مناسبة كانت خاصة او عامة...ذاك هو وردي...أخلص لفنه ورسالته...ووضع المعيار لغيره في الفن الاصيل..الفن صاحب الرسالة والفنان الرائد بفنه ..الخادم لشعبه ..المخلص لوطنه.......وطنا وطنا..وطنا البي اسمك كتبنا ورطنا..احبك...أحبك ..حقيقة واحبك ..مجاز....كان اسمها ام درمان كان اسمها الثورة..وكان العرس عرس الشمال...

وردي فنان شجاع ...عاش لفنه و لوطنه وخدم بفنه وطنه ومواطنيه...في كل مراحله ظل وفيا لقضيته..مهموما بها و قد كانت احب الاغاني اليه نور العين...وكان دائما يهديها للشعب السوداني لأنه يعتقد أن الشعب السوداني هو نور عينه...هكذا كان يقول ولطالما سمعته يقول ذلك في كل لقاءاته....والشعب السوداني أيضا قد وضع الاستاذ وردي في عينه وقلبه...

الاستاذ وردي صاحب عزيمة لاتلين ابدا ولا تقهر ...رغم مرضه إلا انه لم يتوقف عن الوصول إلى جمهوره وجماهيره...يصلهم داخل وخارج الحدود ..يشاركهم مناسباتهم وافراحهم ويتقاسم معهم المشاعر...الاستاذ وردي من القلائل الذين تطلب اغانيهم الوطنية في الحفلات العامة و الخاصة ويصر عليها جمهور الحاضرين..ويطرب لها أيما طلب...لا لشئ إلا لأن وردي قد تكاملت فيه وتماهت كل المعاني الوطنية والثقافية والسياسية والعاطفية...ذلك لانه قد حول الغناء و الموسيقى الى رسالة عظيمة ..توحد ولا تفرق...تثقف ولا تجهل ..تنير وتنور وتبدد غياهب الظلام...وطن بالفيهو نساوي نحلم نقرا نداوي ..مساكن كهربا وموية تحتنا الظلمة تتهوي...وطن للسلم اجنحتو ..ضد الحرب اجنحتو....

محمد وردي هو المؤسسة الوطنية الثقافية التي تخرج فيها الملايين ....وما فعله ..لم يسبقه اليه أحد ...فهو النموذج الحي للسوداني الوطني الغيور الملتزم....الذي له في كل ضرب من ضروب الحياة سهم وافر....يشحذ همتك وانت في حقلك او في متجرك أو في مصنعك أو مدرستك...أو في سيارتك...يكسب معركته باوتاره المشدودة....وبصوته الشجي الطروب..وبحنجرته القوية ..والتي ظلت كذلك الى اخر لحظة...بطول النيل وعلو وطعم النخيل...

رحلت عنا وما جيت ....رحلت وكل الارض بعدك منفي....وا أسفاي.....بعد المستحيل
ايه....

اللهم ارحم وردي ..اللهم اغفر له ...عزاؤنا لاسرته ولشعبه فكل الشعب السو
داني اسرته وخاصته ..كل فرد منا قد اقام سرادق العزاء في نفسه ويحتاج لمن يعزيه...فوردي واحد وقد مضى...
سودانيز أونلاين



وردي فنان جنوبي وسوداني!!!/منعم الجاك

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بلغني الأن فجيعة رحيل المبدع والفنان الكبير جداً محمد وردي. أول ما خطر بذهني وانا اطوف به في شوارع جوبا حينها في الأمسية السابقة لإحتفال إستقلال جنوب السودان، حيث طلب مني خليني أشوف جوبا، وكان أن حضر حينها للمشاركة في ذلكم الحدث الكبير المهيب لميلاد دولة جنوب السودان. قال لي حينها فيما معناه انا " ما فاضل لي عمر كتير ودي بلدي، شوف الهواء دا نضيف كيف؟ داير لي واطه هنا في جوبا دي أربط اولادي بها لانها لو مشت هسع بسبب ناس الخرطوم ديل وسياستهم بيجي يوم أكيد حنكون سوا.... الرابطنا بالجنوب ما بقدر المؤتمر الوطني يقطعوا ".

المفارقة العجيبة الثانية في إبداع وإختراق محمد وردي للوجدان السوداني، جنوبه، شماله، شرقه، غربه ووسطه، بل في تجاوزه للسياسة وتهكمه عليها، حين شارك في حفل العشاء الذي أقيم بمناسبة ميلاد دولة جنوب السودان بجوبا، وبمشاركة كل، اعني كل، قيادات الاحزاب السياسية، جنوباً وشمالاً، بإستثناء المؤتمر الوطني، وغنى حينها اغنية أصبح الصبح، ورقص عندها حتى شيخ الترابي، تفاعل الجنوب والشمال الى حد دهشة الغرباء عن ذلك الوجدان، الوجدان الذي خلقه وردي وحده، الوجدان الذي دعا الجنوبيون في لحظة تحررهم وميلاد إستقلالهم، ان يقولوا : الجنوب لن يحتفظ فقط بالعلم القديم للسودان الموحد كما طالب رئيس الجنوب من رئيس الشمال، حيث قال شعب الجنوب سنحتفظ أيضاً بمحمد وردي فهو منا. وردي فنان جنوبي، نوبي، سوداني شمالي!
سودانيز أونلاين



وفقدت النوبه هرما بقامه وردي / صفيه جعفرصالح

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
رحل الهرم النوبي والاسطوره النادره بحنجرته الذهبيه والتي قلما ان تتكرر في الساحه الغنائية ... رحمه الله عليه رحمه واسعه والعزاء موصول لكل محبيه...... رحلت وفي بعدك كل الارض اصبحت منفي وبرحيلك رحل معك زمن الطرب الجميل والاصيل...
.
فقدت النوبه والرطانه اهم أعمدتها للحفاظ علي اللغه والتراث النوبي العظيم والذي حاول الراحل الإبقاء علي بريقه وديمومته طيله مشواره وحبب الرطانه للأجيال الشابه حتي وان تعذر عليهم الفهم الا ان الإحساس بالنوته الموسيقيه النوبيه هو القاسم المشترك للفهم والاحساس باللغه النوبيه واستطاع الراحل ايضا ان يمد جذورنا النوبيه للمدي البعيد واصبحت الموسيقي النوبيه علامه بارزه في التاريخ الغنائي ..
وكان حقيقه فنانا وهرما وعملاقا وامبراطورا لانه استطاع بعبقريته تلك ان يكون فنان الأجيال كلها بلا منازع ولربما هوالفنان الوحيدالذي استطاع ان يتفرد بتلك الخاصيه النادره وان يكون فنان ملهما وان يكون فنانا محليا وعالميا وسوف تظل اغانيه مرجعا وتراثا ثقافيا للمكتبه الغنايئه السودانيه.....

رحلت يا صاحب يا بلدي يا حبوب ... ياجلابيه وتوب... واليوم نرفع رأيه استقلالنا.... رحلت في زمن لا يزال يفتقد الرصانة في إلكلمه واللحن الأصيل والحنجرة التي سوف لن تتكرر ....رحلت وصوتك لايزال نقيا طريا طربيا ذهبيا صوت لم تهزمه السنون ولا المرض صوتا قويا شامخا بشموخ قامتك الفنيه ولربما كانت هذه عبقريه وعطاء الهي مميز ان يظل صوتك عاليا مبهرا كعادته لآخر لحظه في حياتك ...

ربما تعطلت لغه الكلام وخاطبت عيني في لغه الهوي روحك النقيه بنقاء عطائك ومسيرتك الطويله التي اسعدت والهمت مشاعر ووجدان الكثيرين من الذين عاشوا علي وحي اغنياتك وتفاعلوا معها لانك كنت تغني لهم وتحس بهم ومن منا لم تهزه اغانيك واحساسك العالي وانت تعطر سماء الكون بطربك وتشجي النفوس بالحانك وتعطي الإحساس لكل منا بانك تغني له فقط..... هذه هي احدي عبقرياتك في إثراء الفن والسر في محبه كل الناس لك صغيرهم وكبيرهم ...

من الصعوبه ان تجتمع محبه الناس وان تتفق الامزجه وان لايكون هنالك خلاف باي صوره من الصورالمعتاده للخلاف و خاصه في المجال الابداعي الا انني اجزم ان لا احد اختلف علي محبه وتقدير وردي ومن منا لم تطربه اغنياته الخالده وكماا قلت سابقا ان من احدي عبقرياته الفنيه انه استطاع بفطرته الفنيه ان يكون فنان كل الأجيال واستطاع بطربه الأصيل ان يدخل كل القلوب وكل الأعمار بفنه الراقي الذي لأمس الجميع دون استثناء......

يعجز الكلام في حضرتك لان الحزن طغي والالم دفين والسلوي فيما ابقيته لنا من تراث غالي ومرجعيه موسيقيه رائعه علي مستوى اللحن والكلمه والصوت عالي النبره......
الا رحمه الله عليك وأحسن الله مثواك وتقبلك قبولا حسنا وغفر لك ورحمك رحمك رحمه واسعه...
والهمنا الصبرعلي الحزن العميق والأسي الذي غلف قلوبنا في زمن الضياع هذا ...رحلت ولم تبقي لكي تطربنا كما عهدناك في افراحنا واعيادنا القادمه. سنفتقدك كثيراً وندعوا لك دوما بالرحمه وسوف تظل ذكراك باقيه خالده ....
سودانيز أونلاين




في رحيل الهرم الكبير محمد عثمان وردي أصحاب الرسالات خالدون في ذاكرة شعبهم ..ودعنا إنساناً ومعلماً ومناضلاً

حاتم الجميعابي
ودعت البلاد السبت الماضي أحد إهراماتها وقاماتها السامقة في مجال الغناء والموسيقى. رحل عنا الموسيقار محمد عثمان وردي كسحابة صيف، نزلت على شعبنا كالسيل الجارف الذي لا يبقي ولا يذر، وأنا أخادع نفسي بي رحيلك واهرب حتى من تخيل أنك غبت عنا وأذرف دموع الحسرة في عيني اخفيها، فالرحيل حملاً ثقيلاً فوق طاقات الإحتمال للنفس البشرية حينما تفقد عزيزاً لديها، رحل وردي وساق خطواته سريعاً نحو الدار الأخرة بعد أن أيقن بأن النسيان سيطر على اللألفة على شعبنا، فإختار الرحيل المر عن هذه الدنيا الفانية، رحل الرجل الذي نذر نفسه لحب الوطن بكل مكوناته الإجتماعية والثقافية، حمل مشروعاً رائداً في التغيير عبر عنه بالموسيقى والكلمة المصاغة، جعل منه حديثاً للأجيال المتعاقبة. فمازالت البلاد تُسقط أذهارها واحداً تلو الآخر ويسيطر عليها الحزن من كل جانب فما أن صحونا من حزن فقد الراحل "زيدان إبراهيم" حتى سقطت الذهرة "المدخورة لليوم الشين" كما يقول المثل الشعبي، حزناً عميقاً يسطر على البلاد المكلومة طولها وعرضها.

الكتابة عن رحيل إنسان ومعلم ومناضل كـ " وردي" تتطلب فيما تتطلب الإتزان والبلاغة وإمعان الفكر والنظر في حياة هذا الهرم والتي أمتدت على ما يقارب الـ (80) عاماً والتي خلف فيها رصيداً من الأغاني التي بلغ أكثر من 300 أغنية رفد بها مكتبة الأغنية السودانية، تنوعت وتشكلت بها شخصيته الغنائية، تميز الهرم السوداني فيما تميز بالغناء للوطن فقد أنتج من خلال تجربته الفريدة 88 عملاً وطنياً أشهرها " أكتوبريات" والتي جسدها وتغنى بها خلال الفترة التي أعقبت ثورة الشعب في أكتوبر الأخضر عام 1964م. والتي مازالت تشكل عنواناً وطنياً لرمزية "ودري" الفنان – الإنسان - المبدع المتجه والمشرئب نحو الخلود. فقد أصبح أحد رموز الثورة في مجالات الفنون المختلفة.

فنان إفريقيا الأول كما يحلو لنا أن نناديه من مواليد 1932 بقرية صواردا جنوبي مدينة عبري بالولاية الشمالية. غنى وردي للعديد من الشعراء السودانيين وكانت له ثنائية شهيرة مع الشاعر "إسماعيل حسن" أنتجت أكثر من 23 أغنية.

نشأ وردي يتيماً وتربى في كنف عمه، وأحب الآداب والشعر والموسيقى منذ نعومة أظافره فهو بالتالي موهوب منذ النشئه نهل من عمق الأصالة في شمالنا الحبيب تجرد وتفرد في ذلك. ثم رحل لمدينة شندي بولاية نهر النيل وأكمل تعليمه هناك، وعاد لمدينة حلفا بعد أن درس بمعهد تأهيل المعلمين وعمل معلم بالمدارس الوسطى ثم الثانوية العليا. وبدأ ممارسة الفن كهاوٍ حتى عام 1957م عندما تم اختياره بواسطة الإذاعة السودانية (هنا أمدرمان) بعد تجربة أداء ناجحة وإجازة صوته ليقوم بتسجيل أغانيه في الإذاعة. ومن هنا كانت بداية التفرد عند الراحل ومضى في مسيرته ومشروعه النهضوي في مجال الغناء لم ينفصل "وردي " عن منطقته "النوبة" فقد قام خلال تجربته بإدخال الأدوات الموسيقية التي تميزت بها المنطقة في مجموعة من الأعمال المختلفة حتى أصبحت ملازمة له في حله وترحاله، لم يكتفي بذلك بل غاص في أعماق الطمبور تلك الآلة الساحرة والتي شكلت إضافة نوعية لموسيقاه وأغنياته، والتي تعاون فيها مع مختلف الأسماء والشعراء من كافة أنحاء البلاد حتى أصبح الفنان الشامل، حاملاً للأدوات الموسيقية السودانية في جميع أسفاره ، لم تمنعه عالمية النوته الموسيقية من أدخال بعض الأدوات الموسيقية السودانية على فرقته الغنائية والتي زادت موسيقاه ألقاً وجمالاً إستثنائياً .

رحل وردي وخلف وراه تراثاً غنائياً تنهل من الأجيال القادمة، غناء عاطراً تعدو به الريح
فتختال الهوينى. رحل كالحلم الجميل يحمل براءة الأطفال الصغار عنوانها للألفة المؤدة لكل إنسان سوداني. فاجعتنا أكبر من حد إحتمال الإنسان، لما لا ! وهو الفنان الذي لم تفصله قيود الشهرة عن محبيه ومعجبيه، عاشاً واضحاً متواضعاً مهتماً بالإغنية السودانية وإبرازها في كافة المحافل الدولية، وإنساناً مناضلاً في وجه الجبروت والطغيان، معبراً عن نبض هذا الشعب فحقق فعلاً رسالة الفنان المرتبط بشعبه وقضايا أنسانه، لدرجة يمكن أن نسميها العشق اللامتنهي لتراب هذا البلد.

العزاء لأهل الفقيد وأصدقائه ومعارفة وأسرته الكبيرة والصغيرة ولفرقته الموسيقية التي تعاقب عليها أجيالاً وللشعب السوداني في هذا الفقد الكبير الذي منيت به بلادنا. ونُذكر بأن أصحاب الرسالات خالدون في ذاكرتنا الوطنية الخربة، وسيظل هذا الهرم أحد الذين يعيشون في دواخلنا، بالرغم من تغييب الموت للجسد، فمشروع وردي الغنائي حتماًَ سيكون أحد أدوات الخلود لتجربته الثرة .عذراً أيها القراء الكرام فالحديث عن الراحل يحتاج إلى صفحات وصفحات فكل يوم عاشه في حياته يحتاج إلى كتاب نغوص في إنسانية الهرم الغنائي السوداني ولكن أسير بمنطق " ما قل ودل" عله يسعفني في الإتكاءة على جدران الرحيل المر.
نعاهد وردي بكلمات شاعر الشعب محجوب شريف بأن نبنيهو البنحلم بيهو يوماتى .. وطن شامخ وطن عاتى .. وطن خيّر ديمقراطى .. وطن مالك زمام أمرو .. ومتوهج لهب جمرو .. وطن غالى..
سودانيز أونلاين



وداعاً يا أمير الحسن/ أيمن مبارك أبو الحسن

الشعوب تحتفي برموزها لا تجهلهم، فهي تحفظ ذاكرة مشعة لا تنطفي. والشعوب وفيــة لكل من ترك أثراً لديها. وهذا الحال للرموز التي لا ترقى أن تكون أسطورة.. فكيف الأمر إذا تجاوزت هذه الرموز من مجرد الرمز إلى أسطورة حقيقية.

عندما رحل الزعيم جمال عبد الناصر خرجت مصر عن بكرة أبيها في جنازة مهيبة ما تزال الذاكرة المصرية تحفظها. وعندما رحلت أم كلثوم وعبد الحليم وقبلهم غاندي وتشرشل ظهرت مكانة هؤلاء لدى شعوبهم.
ومحمد وردي لا يقل أثراً وتأثيراً عن هؤلاء. هو أسطورة تكفي للإحتفاء، وأيقونة متوهجة سطع نورها في سماء الفن اكثر من خمسين عاماً دون أن يخفت بريقها، أو يضعف. محمد وردي الفنان الأسطورة ... ليس مجرد مغني، هو ذاكرة لعصر كامل ، كان شاهداً عليه ومشاركاً فيه ومتفاعلاً معه. محمد وردي مثل الوطن ظل شامخاً صامداً لم يبدل مواقفه أو يتزحزح عنها. حافظ على مبادئه وجاهد للمنافحة عنها، فأحترمه مناهضوه قبل مريديه. ومن ذاك غير محمد وردي... أيقونة الفن والتاريخ وذاكرة شعبه. عطاء غير محدود لأكثر من خمسين عاماً كانت كفيلة أن تشكل الوجدان السوداني وتصوغ خارطته الإبداعيـة.

محمد وردي جسد الصورة المثلى للفنان الحقيقي، وهي صورة بالضرورة ألا تنفصل عن الجانب الإنساني والأخلاقي، وارتباط الفنان بقضايا شعبه وهمومه، لا ينفصل عنها أو يبتعد منها حتى إن ناله من ذلك رزاز النقد ومحاولات التشويه لهذه المواقف الإنسانية التي لم يملك منها فكاكاً ... لأنه فنان إنسان.

عندما نقف على أي تجربة وتحديد عبقريتها ربما لن نجد معياراً للتقييم أكثر من معيار خلود التجربة. شكسبير كان عبقرياً ومعيار هذه العبقرية هو خلود أعماله التي تناقلتها الأجيال واحداً بعد الآخر ... لم تجد الأجيال اللاحقة صعوبة في استيعاب أعماله أو الاستمتاع بها... وذلك هو سر العبقرية.

ومحمد وردي تجلت عبقريته في خلود أعماله، فصارت صالحة لكل الأجيال. فنانون كثيرون عبروا على ساحة الفن فأخذوا زمنهم ثم مضوا لكنهم لم يفلحوا أن يخلدوا أعمالهم للأجيال الجديدة، فظلت أعمالهم حبيسة لجيلهم دون أن تخترق أجيالاً لاحقة. لكن عبقرية وردي تتجلى أن معجبيه هم الشباب والأطفال والشيوخ.
عبقرية وردي تتمظهر كذلك في تمكنه من إختراق الأذن السودانيـة في كل مكان بهذه الأرض... هو فنان السودانيين –كلهم- بتنوعهم الإجتماعي والعرقي والجهوي. وردي الصوت المتفرد والكلمة المتفردة، والقضايا الكبرى بعيداً عن المزايدة والهتافية. كان دائماً يقول أنه يغني للوطن، وينتمي لحزب الغلابة والمساكين والشعب، وهو سر آخر من أسرار العبقرية التي لن تتاتى إلا لوردي.

صحيح أن الشعوب تحتفي برموزها، لكنها لا تحزن لرحيل هذه الرموز إلا إن كانت فوق العادة تضعها في مصاف الأساطير مثل الراحل محمد وردي، فقد عم الحزن كل أرجاء السودان حاضره وبواديه ... ريفه ومدنه.. بل حتى النخيل قد مالت أعسافها حزناً على الفقد الجلد كما عبر عن ذلك بصدق أحد أصدقاء الراحل بقريته صوادرة.

برحيل وردي يفقد السودان هرماً من أهراماته، وأيقونة ساطعة كان شعاعها يضيء تاريخنا وحاضرنا. رحم الله محمد وردي وأبدله داراً خيراً من داره ... رحمه الله بقدر ما أسعد هذا الشعب وبقدر الفرح الذي تمدد لوجداننا وانداح لمسام مشاعرنا.
سودانيز أونلاين



د.أبراهيم حسين يكتب تأسية..في زول "وردي" مات، انه صوت يدخلك بلا استئذان

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
"أقابلك" أيها الراطن زمنا مديدا بحب هذا الوطن " الحدادي مدادي".. أكثر من خمسة عقود وأنت أمينا..تعطي..وتقف شامخا لاتتزحزح مناتلا كل الانظمة ،تهدهد "التاتاي" و تسكت "الخشامة "كيا للعوازل".كنت أسدا في نضالك بطول قامة نخيل البلاد..التي نضمت أنت و سماعين ود حد الزين دوبايا وسع الجميع - من دون فرز- حيث لايوجد فنان يتفق عليه الجميع الا وردي "مكانك صميم الفؤاد" "ياسمح يازين"، "ذات الشامة" تلونت كما الحرباء شامتها حزنا يقطع أنياط الداخل علي غير العادة. تعال أيها "المرسال" وقل : " لحظة من وسن تغسل عني حزني" علي اسطورة الفن الشامل ،ان الذي "بيني وبينك و الايام" عشق اهذا الفسيح،"أرفع صوتك هيبة وجبرة و ثق "جميع الاغاني اتكالن عليك" ، "عصافير الخريف" لم تنه الحزن ولولة عند " المقرن" الكلوم تنسج "الطواقي" وشاحا قاتما تتر خيطا لايقول الا مايرضي الله في فقدك، احمرت "عيون البنات الصفاهن سماك" وسقط الكحل كرات من دموع و"هيبة الرجال" كحل جفنها الوجل ، يعيش المغني " غريب وحيد " يحمل "سيفا مرصعا بالنجوم" المنتحبة ترعا للماقي دون احتقالية ممكنة ، " الناس القياقة" أصابها دوار ، تمزقت "القمر بوبا" وصار الموكب حافيا "في حضرة" من نعشق ثمالة طيب مغناه،،،،

"أرحل" وثق أن مثلما دخلت القلوب بلااستئذان فان ذكراك نقش فرعوني باق قدم التأريخ "ياأعز الناس"، عملت "المستحيل" وانت تصارع المرض وظلم الحاكم ولامرد الي حكم العزيز الخبير ، ألحانك تمشي كائنا بين الناس تبخترا كما الطاؤوس زهوا، حالنا "طيرا مهاجرا" أدمنك حد العصب العميق، وتشرد بعدك ،كنت من تواسي الثائر وتشدنا تفاؤلا الي الامام علي اختلاف الاجناس ، كنا نحلم بثورة تغني فيها " لزمن لسه" و"لزمن جاي". أنا و"طفلة وسط الزحمة منسية " نكفكف الدمع هتونا ، نسأل الدوش عنك وننشد " علمنا الحجا والقراية" ، "لوزة القطن اليافعة" تدندن وصلة نوبية وتغمز بعينها اليسري" أنا مجنونك"،"مسكين البدأ يأمل" أن فراغك بين المغنين يمكن سده ، "نشاف الريق" يزداد في باحة اطلقت الي أرباع فنانين لايدرون أن هذة الرسالة موهبة لايمكن التشعبط فيها خلال أجهزة اعلام تتوافق مع النطيحة وماأكل السبع ،ان ساق الشتيل النئ مهطرشا "قسم بي محيك البدري" ، كنت وستظل تصحي فينا "يقظة شعب" بما تلبس وتنطق وتستنطق تعبير لايفهمها أهل السطح ، أيها الكائن الممشوق عزة نوبية مستحقة غنيت لحونا طالما "طرب لها النيل وانتشي" محتسيا من مراقد "كرري التي تحدث عن رجال" كما الاسود نخب النصر،،،،

هامستني" فراشة مجنحة" هامت بك و ذوبا اليك واسغفلتني لتبث بعض رحيق مسموم مائل للسواد رغم مايكسوها من بياض أنه خبر موتك : في زول "وردي مات" ، "سمرة اللون" كانت علامة ، والبنات العيونهن صفاهن سماك" لم ولن يخيفين " قصة حب طويلة" جمعت بينك وبيني و بينهن في حب هذا السودان الرحيب،"علي أجنحة الفجر" تجلجل ضحكتك وعند اختفائها شرق الغنا وأصبحت "كل الارض منفي" كسر حاجب الوتر وتململ زرياب ، شرخ اللحن حينما صار يباع الي الرأسمال وحنفة مغنواتية عنوة واقتدارا، في "حضرة جلالك يطيب" أن أقول : ان عشقك ليس محض "صدفة" ، يامن تربصت بنا ردحا أنت من يهش الاحزان البانية وناموس الظلم الجاثم، لك "الود" قراطيس من قبلات علي أهداب أطفال بلادي ،،

"أمتع نفسي بالدهشة" وأنت تتهادي منسابا قبل اللحن علي المسرح الطلق تغني " سيد نفسك مين أسيادك" فتطبع قبلة من خنوع علي جبين وطني، "ماك هوين" يفوح عطر أنفاسك "لهبا ثوريا" وبموتك يتقاسم كل أهل السودان حزنا جديدا ، رحلت وأنت تري النيل يزرف دمعا انفصالا الي جزء محبب لك بالجنوب ، ان الوطن الان تقطع أوصاله بدراية كما الضب الاشقر ولكن دون تعويض للذنب لادفاعا ولااخفاء، "بالله ياطير قبل ما تشرب تمر علي بيت صغير" معزيا في محمد عثمان ، بنات السودان لم يدهن كناتيل شعرهن وكيف لا و انت من غني لهن "مين في الدنيا أجمل من بناتنا"، موتك فصد كبدهن ،،،

"ياأعز الناس" لاتهتم لاذل الناس وهم يتناوشونك و اخرين يتهامسون بسبب وبغيره ، كنت مثل "بدر التمام" وأنت تعزف اخر مساهماتك "نجفة" ، "ستبقي للنخلة طولها" و"للايام فصولها " ولاندري أن القدر لك النهاية الحتمية لكل كبد حية عند هذة المحطة ، امل أن تدرس وطنياتك الي الجيل الجديد بمناهج التربية حتي نثبت أنه" وطن الاحرار والصراع" رحمك الله بقدر ماأعطيت وانا لله وانا اليه راجعون.
سودانيز أونلاين



عزت معانيك يا( سمح يازين)/عبدالله عبدالعزيز الأحمر

ترحل يا ابن اكتوبر الأخضر!
كيف العزاء إذن؟
ترحل وفينا منك ومن كلماتك وعزماتك عطر وسحر وتبر...
ترحل وبنا منها شقاء وعناء ورجاء!
يالك، وقد عاندتني الكلمات منذ اليوم.
وكل عظيم يرحل تعجزنا - برزءه- عبرة الحزن ومشقة التصور ان نقول وداع
أما وقد فعلتها انت فقد والله بتت في عضد ايامنا، وتركتنا يتامى في ساحة مولد ياهذا الصوفي
تركت احضان العاشقيك خواء
انت ورٌدنا ووِردنا
ياسمح يازين
من يغني للوطن المكلوم، مثلما غنت مهيرة تلهم الفرسان جيلا بعد جيل؟
من إلاك يا ...
آه وأنسكاب الدمع يشعلني ويشعلنا
كنا ننتظرك مع إشراقة صبح – بالنضال- يصبح
بلا سجان يصبح
بلا سجن يصبح
أه يا بلادي، آه يا وردي
سوات العاصفة بي ساق الشتيل الني
وفعل السيل وكت يتحدر ويكسح ما يخلي شي
ده كان (خبرك)
وكت حسيت وشفت الدنيا دارت بي
رحمك الله رحمة واسعة
بقدر ما اسعدتنا جميعا
وبقدرما كنت حادينا وشادينا وملهمنا في كل الأزمان العصيبة فليرحمك الله رحمة واسعة
سودانيز أونلاين



والقيود إنسدلت ... جدلة َ عـُرس ٍ في الأيادي كتب صلاح الباشا

ويدور الزمان دورة كاملة ، ويعيش شعب السودان الأسي والحزن النبيل الذي كتب فيه الشاعر عمر الدوش باكراً ، ليشدو بها وردي السودان الذي رحل عنا بالأمس بعد أن ظللنا نعيش معه وبه منذ صبانا الباكر حين كنا نرخي أذاننا إلي المذياع وهو يغرد برائعة الأستاذ الشاعر الدبلوماسي محمد المكي إبراهيم في نهاية العام 1964م : بإسمك الأخضر يا أكتوبر الأرض تغني ، والحقول إشتعلت قمحاً ووعداً وتمني ، والكنوز إنفتحت في باطن الأرض تنادي ، بإسمك الشعب إنتصر ، حائط السجن إنكسر ، والقيود إنسدلت جدلة عرس في الأيادي .

نعم .. عشنا منذ صبانا إنتشاءات عالية المقام ونحن نفجر أول ثورة الشعبية في التاريخ الإنساني في 21 أكتوبر 1964م بعد الثورة الشعبية الفرنسية التي حدثت في القرن الثامن عشر الميلادي ( 1789 – 1799 ) برغم أن أسباب الإنتفاضتين ( الفرنسية والسودانية ) مختلفتان ، فالثورة الفرنسية مثلا كانت أسباب إندلاعها حسب الوقائع التاريخية كالتالي : (كان مجتمع فرنسا على شكل هرم تراتبي يوجد في قمته طبقة النبلاء الذين لا تزيد نسبتهم عن 1.5% من السكان ثم تأتي طبقة الإكليروس المستفيدين من عدة امتيازات فهم يحتكرون حوالي 22% من الاراضي الزراعية المنتجة كما انهم معفوون من الضرائب، ثم الطبقة الثالثة العريضة والتي تتشكل من البروليتاريا الناشئة المحرومة من المشاركة السياسية ، وتمثل هذه الطبقة الكادحة أسفل الهرم ، وكانت تعاني من ثقل الضرائب وأعمال السخرة ، لكن كانت هناك ضرائب العشور التي تفرض على الفلاحين وهي مقاسمتهم النقود أو الارباح من جني المحاصيل مما جعلهم أول طبقة من الثوار الحاقدين على قيادة فرنسا وعلى لويس السادس عشر حاكم زمانه .) .. أما ثورة أكتوبر 1964م السودانية فكانت تنطلق من مفاهيم أخري ومطلوبات أخري ولأسباب تختلف كثيرا عن الفرنسية ، وينحصرها جلها في المطالبة بالحريات السياسية وبإيجاد الحل السلمي الديمقراطي لمشكلة الجنوب التي بدأت تتمدد وقتذاك ، وهذا وحده يوضح أن الطبقة الوسطي في السودان هي التي تشكل مركز الوعي السياسي وقيادة المجمتع ، وأن الراحل المقيم المسيقار محمد وردي يمثل أحد أهم أركان هذه الطيقة الوسطي التي تقود المجتمع السوداني وبإيمان مطلق منه بهذ الدور ، برغم ما سببه له من متاعب في مختلف الحقب السياسية التي مرت علي بلادنا.

كان إنشاد وردي للأكتوبريات هي التي كانت تعمل علي ترسيخ القيم الوطنية الرفيعة في أذهان الجماهير ، وبما أن وردي الذي إنطلق فنيا وبسرعة البرق خلال الأربع سنوات الأولي من قبوله مغنيا بإذاعة هنا أم درمان في العام ( 1957م ) فإن تمدد غنائه الذي شغل كل أهل السودان بصوته الجديد الذي يتفجر حنية وتطريب ، فضلا علي التأليف الموسيقي لأغنياته التي كانت تنافس بعضها البعض ، فإن كل ذلك قد مهد له الطريق كي تسكن أناشيده الأولي داخل وجدان أهل السودان .

إن الحديث عن إمبراطور الغناء الأفريقي يطول ويطول ، والتجربة الوردية الفنية تحتاج جهدا متواصلا في عملية التوثيق لكل أعماله الموسيقية ، حتي نضع للأجيال القادمة تراثا مكتوبا يعمل علي الحفاظ علي الهوية الفنية السودانية ، خاصة وأن الراحل المقيم الموسيقار محمد وردي قد إتصف بالجدية في تنفيذ الأعمال الفنية ، وظل يبحث عن الجديد في التأليف الموسيقي ، بمثل بحثه الدؤوب عن المفردة الشعرية الجديدة أيضا والتي وجدها بالكامل عند مجمل شعرائه الذين تغني لهم وفق قناعات محددة تجعله يهتم جدا بإبرازها للناس وتتميز بموسيقاها لتخاطب الأحاسيس تماماً .

وتبقي أعمال وردي سواء الوطنية منها أو العاطفية بحيرة كبري لا ينضب معينها مدي الدهر ، ذلك أن أي أغنية من أغنياته تنافس بعضها البعض ، وهذا ما جعل وردي يصرح من وقت لآخر بأنه ينافس نفسه فنياً ، وهذا لعمري تعبير فيه زخم كثيف من الصدق نحو الإهتمام بالمسؤولية الفنية في مضامين رسالته التي آمن بها حتي رحيله بالأمس ، حيث يؤمن وردي إيمانا ً تاماً بالدور الإجتماعي للفنان نحو مجتمعه ، فالفنون هي التي تقود المجتمع وليس العكس . وهكذا كان وردي يري أنه لابد للفنان أن يحس بآلام مجتمعه وبمعاناة شعبه ، وهو ما ظل ينادي به ويجاهر ، ولم يكن يهتم كثيرا بالنتائج التي كنت دائماً تعمل علي عرقلة مشواره الفني ، لكنه ظل يتخطي كل الحواجز التي توضع في طريق مسيرته الفنية ، فيخرج من المعتقلات المختفلة ليواصل إنشاده لشعبه دون تردد أو وجل .

هكذا كان هرم أفريقيا الفني وإمبراطور الغناء الأفريقي كله الذي تربع علي عرشه وعلي مدي أكثر من نصف قرن من الزمان .... وأبداً ما هنت يا سوداننا يوما علينا... وإلي اللقاء.... ونلتقيك اليوم ياوطني لقاء الأوفياء ، لنظل نعيش معك يا وردي حلو تطريبك في زمن ماشي وزمن جايي وزمن لسه ،،،،،،،،
سودانيز أونلاين



في حضرة فنه يطيب الجلوس/نورالدين مدني

كلام الناس
*التقيت به لاول مرة وهو في طريقه للخرطوم مودعا عالم الطباشير لينتقل الى رحاب العود والنغم الجميل،استمعت اليه اول مرة ايضا عندماكان يغني علي سلم القطار للناس البسطاء الذين كانوا يستقبلون القطارات في محطاتهم ليتفرجوا على ناس المدن وهم يعرضون عليهم بعض انتاجهم للبيع وكان في ذات القطار الموسيقار الكبير محمدية قادما من بورسودان الى الخرطوم وكانهما على موعد للقاء في دنيا الفن والا بداع

*من اوائل الاغاني التي استمعنا لها في تلك الفترة(يا سلام منك انا اه)و(اسمري اللونا)التي كان يؤديها باللغة النوبية طربنالها دوز ان نشعر بانها من تراث مختلف فقد كنا نطرب لكل ماهو جميل بغض النظر عن هويته التراثيةوظللنا نطرب لكل اغنياته سواء كانت للمحبوبة ام للوطن او الشعب

*طربنا ل(صدفه)و(نور العين)و(القمر بوبا)و(اشوف في شخصك احلامي)و(امير الحسن)و(الناس القيافة)و(وسط الدايرة)و(الطير المهاجر)و(الود)التي ابدع في اعادة توزيع موسيقاها الفنان العالمي انريا رايدر ،كما طربنا لاغانيه الوطنية الخالدة (راية الاستقلال)و(اكتوبرالاخضر)و(يا شعبا لهبك ثوريتك)،وطربنا لاغانيه النوبيةدون احساس بما اصبح يردد هذه الايام من كلام عن التهميش والهيمنة الثقافية فقد كان الراحل المقيم يغني لكل اهل السودان التليد،كنانحبه بكل ما يمثل من ثقافةتجسد التنوع الثر دون ان نصنفه سياسيااو جهويا او قبليا،كان يطيب لنا الجلوس والاستماع لعظمة فنه كما كان يطيب له الجلوس للشعب وجمهوره تقديرا واحتراما وعرفانا

*عندما عاد من الغربة الاضطراريةاستقبلناه بكل مشاعر الحب وحرصنا على حضور اللقاءات والليالي الغنائية التي مهدت لعودته النهائية الى اهله وشعبه سواء في منزل رجل الاعمال الكبير اسامة داوود ام في ارض المعارض ببري او في النادي العائلي،وكنا نحرص على التعبير عن مشاعرنا تجاه عطائه الفني الثر كما حدث في احدى حفلاته بارض المعارض

*كنا نتابع اخباره قبل اجراء عملية نقل الكلى له وبعدها وذهبنا اليه في منزله بصحبةصديقه الصحفي الكبير شيخ المراسلين السودانيين محمد الفاتح سيد احمداحد بناة وكالة السودان للانباءان لم نقل احد مؤسسيها في عهدها الذهبي بقيادة ربانها الراحل المقيم الاعلامي الكبير مصطفى امين

*احببنا وردي لانه كان يعبر عن مشاعرنا ويغذي وجداننابعظمةفنه، نعلم ان لكل بداية نهايةلان الموت حق وانه سبيل الاولين والاخرين،لذلك فاننا نودعه بذات الحب الذي خلده بيننا،سائلين المولى عز وجل ان يتغمده بواسع رحمته وان يتقبله قبولا حسنا وان يلهم اسرته و اله وذويه ومحبيه وعشاق فنه الصبر وحسن العزاء

*انا لله وانا اليه راجعون
سودانيز أونلاين



أبكيتنا يا وردي فأنت السودان و السودان هو أنت

محمد عثمان محمد - مستشار قانوني
الرياض - السعودية


ما كنتُ أحسبُ قبل دفنكَ في الثّرَى
أنّ الكَواكِبَ في التّرابِ تَغُورُ

اليوم يبكى السودان الوطن.. بخارطته القديمة .. قبل السودانيين ..على وردي.. ففنان في قامة وردي يذكر حين يذكر الوطن و النيل و التاريخ وأبطال السودان و نخلات حلفا و وادي الباوقة و الغابات وراء تركاكا ... تلخص شخصية وردي الكاريزمية عبارة كتبها الطيب صالح نوردها بتصرف «هو من طراز مبدعين يظهرون في حياة الأمم خلال فترات متباعدة كان فناناً في أمة أحبها وأحبه كثيرون... وكان أمة في فنان ».إن وردي هو السودان، و السودان هو وردي ، لأنه جمع في إبداعاته الوطنية بين قدرات وإبداعات فنان عملاق، راقي الإحساس، و عميق الفكر و الإنتقاء ، بمستوى رفيع قل أن يجود الزمان بمثيل له.
قبل رقدة وردي الأبدية تحت سماء السودان الوطن التي تعج و تتلألأ بالنجوم(كما كتب الطيب صالح في وصفها : صافية زي العجب والقمر يلهلج زي صحن الفضة.. ) فقد همهم المشيعون «جنازة رجل» قبل دفنه . لكن، أي رجل واروه الثرى، إنه الرجل الذي شدي للوطن بشدو لم يسبقه أحد إليه (ها هنا يبتسم النهر القديم لبعانخي و لطهراقا لعلي عبد اللطيف و لعبد القادر الحبوبة .. للقرشي ) و نحن نضيف إلى هذا البيت الخالد من أناشيد وردي إسم و ردي (ها هنا يبتسم النهر القديم لوردي و لبعانخي و لطهراقا.. لعلي عبد اللطيف و لعبد القادر الحبوبة .. للقرشي... )
وفي هذه اللحظة التي تطفح بالمشاعر نقول أن كل السودانيين .. جنوباً و شمالاً .. الذين وحدهم الراحل العظيم في حب الوطن بأناشيده الخالدة قد ماجت مشاعرهم و ماجت وفاضت في وحدة وطنية حزناً عليه بل وتنادوا للإلتقاء بمشاعرهم في رحاب الوطن و كأنهم يلبون نداء وردي (نلتقيك اليوم يا وطني ..لقاء الأوفياء .. قد تنادينا خفافاً كخيول الريح في جوف العتامير تنادينا .. لك يا أرض البطولات و ميراث الحضارات ... ) يا لعمري كم هي رائعة تلك الكلمات في محراب الوطن و كم جعلها لحنها اروع . ، لقد مرت على الوطن و علينا ساعات و ساعات ستظل باقية والوطن و نحن في حالة ذهول وفجيعة، وسط بحور دموع تغرق بحور الشعر فما أعمق الحزن وما أفقر الكلمات. كان وردي في حياته أكبر من الحياة وسيظل ...

تبكيك يا وردي جروف النيل مع الموجة الصباحية يا أجمل و احلى (زول في الدنيا ) .. فالحزن الجديد بوفاتك صار متأصلاً كما الحزن القديم .. بل و إن حزننا عليك ينبعث فينا متجددا مع كل نسمة جاية من الوطن يا وردي تقول لنا (أيام زمان ما برجعن..) ..بعد أن نعاك الناعي لم تعد النسمة التي تأتي من الوطن (تعود عبر المستحيل نديانة زي صدف البحر )كما علمنا فنك الرفيع .. بوفاتك يا وردي توقفت خيول الريح في جوف العتامير .. حزنت غابات الوطن .. تنكست راية إستقلاله .. إمتلأت شجناً وديانه ..قمم جباله ... بكى خلوده ... حزن النيل و لا شك ارتجف .. ارتعشت اهرامات الوطن .. و هيبة رجاله و صفاء عيون بناته .. إنتحبت السواقى وخيوط الطواقى وسلام التلاقى ودموع الفراق انحدرت حرى من أشجا ر النخيل فى الشمال وغا با ت الأ بنوس فى الجنوب وجبا ل التا كا فى الشرق وجبل مرة فى الغرب ... إن فنك يا وردي مثل نهر النيل المعطاء يشق أرض الوطن و يرويها ...حاملاً معه الترا ث والخير والبشا ئر ... تبحر مراكب ريدنا معه نحو (أفق بعيد ) ترفرف عليه غيوم تمطر حنانا و مودة و ألفة علي نخيل بلادنا لتقول له سلام !!!!!!

• سلام علىك يا وطني السودان فأنت اليوم يوم وفاة فنانك الكبير وردي كما غنى لك شامخ وكلك جــروح ،،، وممكون بهمك صابـر ساكت ونفسك تبـوح ،،، والسـر خافي وظاهـر يا روح غريب مسـتهام يا نجمة وســط الظلام مني عليك الســــلام ... .
و يا وردي :
لما تغيب عن الميعاد
بفتش ليك في التاريخ
واسأل عنك الاجداد
واسأل عنك المستقبل
اللسع سنينو بعاد
وفي أحزان عيون الناس
وفي الضل الوقف ما زاد
بناديك
سودانيز أونلاين



التوقيع:

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

أبوسهيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-20-2012, 09:25 AM   رقم المشاركة : [6]
أبوسهيل
عميد الموقع
الصورة الرمزية أبوسهيل
 
اخر مواضيعي

المستوى: 81 [♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥]
الحياة 3024 / 3024

النشاط 6974 / 23320
المؤشر 65%


افتراضي

نعزي السواقي .. وخيوط الطواقي !!

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
{ ويغادرنا (هرم) فني آخر شاهق، جذوره تغوص في أعماق حضارة (النوبة) التليدة، وسادتها بناة (الأهرامات)، يغادرنا إلى الدار الآخرة وسط آهات وأنََّات الملايين من أبناء الشعب السوداني الحزين في موسم الأحزان المتوالية!!
{ «محمد وردي» أسطورة الفن في بلادنا، وفنان أفريقيا الأول، رحل ليلة أمس عن دنيانا، بعد معاناة طويلة مع المرض، تاركاً وراءه تاريخاً طويلاً امتد من خمسينيات القرن المنصرم، حافلاَ بالإبداع، ذاخراً بالدهشة ودافقاً بالفرح النبيل.
{ رحل «وردي» ذاك الشامخ.. الباذخ.. العملاق الذي غنى للشعب في انتفاضاته وثوراته، وانقلاباته (يا شعباً لهبك ثوريتك.. تلقى مرادك والفي نيتك).
{ ولم يلق الشعب مراده.. ولا الفي نيتو!! وينتظر بشيء من الأمل أن يكون القادم أحلى، في زمن بلا أفراح، بلا بشريات!!
{ مضى كبير الغناء في بلادنا، محبوب الملايين في السودان، إثيوبيا، إريتريا، تشاد، نيجيريا ومصر وغيرها من بقاع المعمورة، مضى خاشعاً تائباًً إلى رحاب الله يرجو رحمته، ويطلب مغفرته، ويأمل في عطفه، إنه الرؤوف الغفار.
{ كان قيثارة استثنائية.. وانكسرت !! كان مدرسة في الموسيقى، وجامعة في الغناء!! قدم لمكتبة الفن السوداني رصيداً هائلاً من ألحان معجزة، مبهرة، نغمات تسري مع الدماء، تمنح الجسد العافية، وتهب القلب الحياة، فتغني العيون قبل الحناجر.. تغني الضمائر!! يا نور العين.. إنت وينك وين!!
{ نعزي فيك شعبنا.. ووطنا البإسمك كتبنا ورطنََّا.. نعزي السواقي.. وخيوط الطواقي.. ونسكب عليك دموع الفراق.
{ نعزي هذا البلد (الحبوب).. أبو جلابية وتوب، وسروال ومركوب، وعمة وصديري.. وسيف وسكين!!
{ نبكي.. ونحلم مع «وردي» أن يكون مكان السجن مستشفى.. مكان الأسرى ورديَّة.. مكان الحسرة أغنية.. مكان الطلقة عصفورة تحلق حول نافورة.. وتداعب (شفع) الروضة!!
{ رحل «وردي» وبينا وبينو والأيام.. قصة حب طويلة.. شيدناها بالآمال والعشرة النبيلة. لكنه هاجر أخيراً مودعاً الآلام وطعنات الكلى، ليرتاح هناك في الدار الآخرة.. عند رحمن.. رحيم.
{ إنا لله وإنا إليه راجعون.



"صواردة" تبكي وردي

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
أقيمت بمنطقة صواردة بالولاية الشمالية، مسقط رأس الفنان الراحل محمد وردي، سرادق العزاء لتقبل التعازي من أهله وعشيرته وعموم مواطني الولاية الشمالية، حيث عدّد الحضور مآثر الفقيد ومشواره الغنائي الحافل بالعطاء، بينما أعلنت الحكومة السودانية عن تخصيص جائزة عالمية باسمه.

وقال عدد من أسرته بصواردة إن الفنان وردي ولد بالمنطقة في العام 1932م وانتقل إلى الخرطوم في العام 1957م وعمل في شبابه بالولاية الشمالية أستاذاً لمادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية وكان مولعاً باللغة النوبية ومجيداً لها.

كما أقام سودانيون ببعض العواصم والمدن العربية سرادق عزاء لتلقي التعازي في الموسيقار وردي.

إلى ذلك قال رئيس المجلس الأعلى للثقافة والفنون بولاية الخرطوم؛ محمد عوض البارودي، إن هذا التدافع، ممثلاً في رئيس الجمهورية؛ عمر البشير، يؤكد حالة الحزن بالدولة في أعلى مستوياتها، وأعلن أن الدولة الآن تطرح أفكاراً لتخليد ذكرى الراحل محمد وردي في شاكلة جائزة عالمية تحمل اسمه أو مهرجان دولي يخلد ذكراه.



عزيزي محمد وردي.. كل الود..!ا

رقية وراق
أكتب الان عما ظلت الكتابة عنه تبدو لي شديدة الصعوبة كل الوقت. هل يمكن لي أن اصف علاقتي مع صوت وردي على الورق؟.. تلك ظلت منطقة تحد لم اعبرها حتى الان… استمع الى صوت وردي في اغنية (الود( وأشعر أن روحي تنغسل وينجلي عنها كل الغبار.. أشف و أطير خفيفة الى فضاءات لم يسبر غورها انسان، ولو كان بمقدوري أن أوزع (الود) مثل الهواء للناس جميعا” لتملأهم بما تملؤني به لفعلت أعبر الان الى هذا :الشاطئ من شطََآن الود
صحيح انو الزمن غلاب
لكن انحن عشناه ومشينا
على عذاب وعذاب وعذاب
دروبنا تتوه
ونحن نتوه
ونفتح للامل أبوب
وأرتفع الى قمم أمالي مطمئنة للوعد الذي يقطعه صوت وردي القوي الواثق بامكانية فتحنا لهذه الابواب ولو استعصت
وخوفي عليك يمنعني
وطول الالفة والعشرة
وأتجاوب هنا مع علاقة حب رهيفة تتكون لغتها اليومية من مفردات الراحل المقيم (عمر الدوش) الحميمة، وكم هو جميل الخوف على الحبيب أو الحبيبة خلال العلاقة الانسانية ولكن دون أن يتحول ذلك الى ثقل القيد والامتلاك كما لا أشعر في مناخ المقطع الرقيق
أهداني شريط الود شقيقي خلال اجازة قصيرة قضيتها مع أهلي زودوني خلالها بما يمكن أن يساعدني على تحمل الابتعاد عنهم، ولفترة طويلة كان استماعي لهذا الشريط صعبا” خصوصا” في حالة الوحدة، فقد أستمعت
اليه لأول مرة بعد أنقطاع سنوات طويلة مع شقيقاتي والوقت قبيل
.مغيب وظننتني سأجن
استمعت الى صوت وردي خلال ( الود) وكأنني أعيد اكتشافه في دورتي
الدموية . كمجذوب في ساحة المولد كنت أو كامرأة سودانية اتخذت من الزار حلقة وجد أكملت فيها بعنف التفاعل كل جمل الكلام والجسدالمبتورة . كنت أردد لشقيقاتي بذهول: كيف فرطت في الاستماع الى هذه الاغنية كل تلك السنوات؟ أحسست الموسيقى تتخلل مسام جسدي جميعا” وسط ذلك الدفء الاخوي وقد تبقت أيام فقط على أنتهاء اجازتي،
تمددت الاغنية في أثير الغرفة وكأنها جزء متموج من زمن له طعم الجذور والدموع .. وشيئا” فشيئا” بدأنا جميعا” في بكاء صامت ثم ما لبثت الدموع التي جاهدت كل منا في اخفائها أن تحولت الى نشيج اسري صاحب الموسيقى . اختنقنا بالعبرات ولم ينقطع حبل الود .. بكيت يالقدال (قدر ما الله اداني*) . بكاء وتفاعل مع الاغنية جذبني من سريري لاحضن ارض الغرفة وكأنني أقبل كل أهلي وكل ما يشكل ملامح الوطن عندي. انتهت الاغنية مخلفة بيننا صمتا” يشبه صمت أجواء المعابد و كانت اللحظات تتحول الى عبرات ذكرى حارقة في حلق الزمن الاتي بعد السفر . كنا نتفاعل مع الاغنية ونحن نبكي (الغزرة واللمة) واجتماع الشمل ، فقد انفرطت عقود الاسر السودانية وتفرقت الحبات في
.أرجاء الدنيا الواسعة عندما انشد وتشدد خيط الوطن
:أدير الشريط من جديد وأستمع وحيدة ويخترقني هذا المقطع
وهسع رحنا نتوجع
نعيد بالحسرة
نتأسف نتأسف
على الماضي اللي ما برجع
على الفرقة
الزمانها طويل
ومن جديد اشتاق .. اشتاق الى صديقات وأصدقاء دراستي بالسودان وأتذكرهم واحدة واحدا” .. أشتاق الى أجواء صداقاتهم الحبيبة وأحس مسافة الابتعاد بامتدادها الشاسع خلال الغناء
تحررني موسيقى (الود) من كل الهموم اليومية وتدعوني الى أن اقدم أفضل ماعندي انسانيا” الى العالم الرحب . تذكرني موسيقى (الود) أن الابداع هو هواء روحي وماء قلبي .. يذكرني صوت وردي أن أكون ذاتي الحقيقية أبدا” وأحسني ممتلئة بالثقة في عالم نحتاج فيه الى
.الوقوف على اقدامنا بثبات على ارضه
تلفني (الود) بأجواء حنان متداخل … حنان حقيقي كأنه قادم من عيني أمي ، أشفى من المحزن والمزعج والمخيف، ثم أحسني مصدرا” لذات الحنان وكأنني ما عدت الا رحما” وصدرا” حانيا” . أشفى من غلظة
.البشر وقسوتهم ولا أعود الا قلبا” متسامحا”
أدير ألاغنية من جديد وأنا أتأمل صورة وردي على غلاف علبة الشريط … طويلا” شامخا” كأنما احتمال ان يكون قصيرا” ماخطر للحياة ببال، اتأمل القامة المتوشحة بالزي السوداني الناصع البياض وكلمة (الود) مكتوبة على القلب كما أراد مصمم الغلاف ولو شاء لكتبها على قلبي أيضا” . أتأمل الابتسامة الواثقة والقامة التي تشبه قامات التماثيل التاريخية النوبية العظيمة، وأدعو من الفضاءات التي أسبح فيها عبر صوتك يا وردي ، أدعو كل خضرة الكون
.الرطيبة أن تعطي حديقة قلبك الخضراء أصلا”، المزيد
هل يمكن وصف الصوت الانساني في اللغة بالأناقة؟ كم هو أنيق صوت وردي. هكذا احسه انيقا” راقيا” فاخرا” ، واعجب لشجاعة من حاولوا
.تقليده
هل يمكن أن يكون للصوت لون ورائحة؟ كيف لا وأنا أغرق في عمق اللون في لوحة
.الود البنفسجية وعبير وردتها يغرق المكان
يذكرني صوت وردي بأن العطاء شرط الابداع وأن التواصل ممكن رغم تشتت ناس السودان، وأشعر كم أننا محظوظون
أن تفتحت اذاننا على عظمة هذا الصوت الماجد البهاء
ظل حبي لصوت وردي من ثوابت قناعات حياتي وجزءأ من ثقتي في سلامة الذوق وأنا صغيرة . يسألني شقيقي الاكبر وأنا طفلة عمن يكون فناني المفضل، فأجيب بثقة الكبار : محمد وردي طبعا” ، فيرد هو بحماس : يا سلام عليك!. كنت منذ صغري أحرص على لقاءات وردي الاذاعية والتلفزيونية وأذكر أنه قد قال خلال لقاء اذاعي أنه كان يصر على اعادة النظر والتبديل في توزيع موسيقى الود لتناسب الاذن السودانية حتى أغضب اصراره (اندريه رايدر)الموسيقار اليوناني الذي وزع موسيقى الاغنية. طوبى ياوردي، فقد ناسب توزيع رايدر وكلام الدوش وصوتك الاذن السودانيه في (الود) مثلما يناسب الانف الشذا والعين الضوء ،
.ومثلما يناسب الكف لمس الحنة عشية أحتفال بهيج
تلهبني المقدمة الموسيقية الملحمية (للود) بروح من الحماس فكأنني على اهبة الاستعداد للاشتراك في ثورة عظيمة تطيح بحاكم ظالم ثم ما
:ألبث أن اسقط فورا” في رقة الغناء
أعيشا معاك
معاك
..لو تعرف
دموع البهجة والافراح
كيف يستطيع صوت وردي أن يبدا قويا” قاطعا” يبهر الانفاس، ثم يعود
رقيقا” يؤرجح الاكتاف بالرقص المتناغم؟
كم مر من الوقت وأنا أستعيد شريط الود وأعيد اكتشاف نغمة أو كلمة جديدة، درجة فرح أو حب أو وجع في صوت وردي لم أكتشفها من قبل. أذوب طربا” في أصداء اللغة النوبية الأم على صوت وردي وتعجبني
:طريقته في تضخيم حرف الراء
وفي عينينا كان يكبر حنانا
زاد وفات الحد
:وكذلك في
زمان ماعشنا في غربة
ولا قاسينا نتوحد
وهسع رحنا نتوجع
:وياصوت وردي كم
أحبك.. لا الزمن حولني عن حبك
.. ولا الحسرة
انتهت الود ولم أدر الشريط هذه المرة .. قررت الخروج الى الشارع والحياة العريضة بزادي .. أؤدي واجبات اليوم جميعا” ولا أنسى مطالب الروح .. استنشق الهواء الرطب وكأنني أشكر كل ذرة أوكسجين تهديها الحياة الى رئتي .. أحس وجودي عميقا” وحقيقيا” كأنني ألامس كل خلية في جسدي وكل كرية دم. اشعر بقيمة الجمال تزداد نصاعة في داخلي .. أشعر ببداية امساكي بخيوط عوالمي الماضية من جديد . أحس وجود كل ورقة شجر صغيرة وكل قطرة ماء.
أعبر الممر الاسمنتي من باب البناية التي أسكنها الى موقف السيارات الخلفي وكأنني في موكب عرس .. أعد نفسي بالانحياز للحلم والامل ولو عز ذلك.
أنظر الى الافق اللا محدود وأشعر بصفاء كصفاء النيل يغطيه، وفي قلب هذا الصفاء أرى الهة الحب والفن والجمال تمد أيديها الرقيقة نحوي
:وتقودني بحنان وهي تقول
· مرحبا” أيتها الابنة العائدة
· الف مجد أيها الفنان العظيم
حريات



صباح الحزن أيها السودان الجميل !

روائي وصحافي سوداني
Khalidewais2012@gmail.com

سيمر وقتٌ طويل
قبل أن يولد – إن ولد -
(سوداني) نبيل هكذا
غني بالمغامرة هكذا
إنني أغني جماله بكلمات تئن
وأتذكر نسيماً حزيناً بين أشجار (النخيل)..
الشاعر الإسباني، فدريركو غارسيا لوركا
........
يا محبوبي
لا تبكيني
يكفيك ويكفيني
فالحزن الأكبر ليس يقال
الشاعر السوداني، محمد الفيتوري
........
· لن يمر يومٌ أكثر مشقة وحزناً على هذا الشعب الحزين الحزين أكثر من هذا اليوم. ذهب محمد وردي، أطول النخلات في السودان، وأبهى الأقمار المعلقة في سمائه، وأحلى العنادل.
· مَن مثل وردي عمّر وجدان السودانيين الجمعي بأغنيات الحب وسوناتات العشق في أصدق صوره ! مَن مثله وظّف عبقريته الموسيقية ليرسم الحب في المشهد السوداني كائناً بجناحين من ضوء !
· مَن مثله أغنى أرواحهم حتى الثمالة..حتى الثمالة بشرابٍ صافٍ في عشق وطن، كان يراه وردي على طريقته، شامخاً فتياً عاتياً، حراً ديمقراطياً !
· مَن غنى لشهداء الحرية في السودان مثله، مَن غسل أقدام بيعانخي وتهارقا والمهدي والخليفة ومهيرة والمك نمر وعلي عبداللطيف والماظ بماءٍ النيل المقدّس، ورشّّ على تيجانهم عطر الصندل المخبوء في جوف صوته !
· لم يكن أسطورة في الغناء السوداني وحسب، لم يكن إمبراطوراً في إفريقيا وحسب، كان رمزاً شاهقاً في ثقافتنا، وواحداً من الذين صاغوا الوجدان حجراً مذهباً على حجرٍ من نور.
· كان الأخير الذي تبقى لنقول في كل ميناء نعبره في رحلات منافينا الطويلة: نحن من بلد هذا العملاق !
· وردي منحنا هويةً خاصةً لوطن مزقته الحروب ودمرته إرادة السياسيين الفاشلين، فكان هو الإرادة السودانية الحرة، وهو الجسر بين تاريخ مثقل بالتاريخ والبطولات الكبرى، ومستقبل نرجوه مزداناً بالأغنيات والشموخ.
· مَن منا تتفتق عبقريته الوطنية ليجلس على الثرى بتواضع وهو يغني: “في حضرة جلالك يطيب الجلوس، مهذب أمامك يكون الكلام” ! مَن ليكون أكثر تهذيباً في حضرة وطن عشقه بجنون، ومنحه بجنون، وأفرط في عشقه إلى درجة الهذيان الجميل: “وعنّك بعيد أنا أبيت الرحيل..وبيك اعتزاز الصباح الجميل”.
· الوطن في عيني وردي “نهر قديم” يسيل بالعطر والتاريخ الذي يجهله أنصاف المثقفين الذين أضحوا “ساسة” الزمن الردىء. الوطن في عينيه طفل منسيٌ في حفل، عليه هو وحده أن يهدهد حزنه، ويعيده إلى حضن أمه: النهر، الصحراء، البحر، عمق الإنسانية !
· وردي عاصفةٌ ملونة من الكلمات والألحان ضربت السودان برفق ولين من غابته إلى صحرائه، من بحره إلى نهره، ومن عليائه إلى عليائه !
· خائنٌ هو السوداني، وخائنةٌ هي السودانية. خائنٌ للغاية من لا ينفطر قلبه ويتصدع اليوم. فوردي، صنو الوطن، وروحه. حين يفرد قامته لكأنما هو الوطن من يفرد هامته ليتنفس عشقاً..ووعداً وتمني !
· وردي هو أول الأحزان وآخرها. وردي هو الحزن الأكبر الذي لا يُقال !
· وردي هو أيقونتنا التي ندخرها من الماضي السحيق. قارورة معتقة عبأناها من أنفس عطورنا وأقواها أثراً وأجودها طيباً.
· لكل بيت قصة مع وردي، ولكل حكاية قصة مع وردي. لكل عاشق وعاشقة، لكل ثائر من أجل الحرية، ثمة أغنية دوزنها وردي من دم إبداعه ودموع معاناته: “لو بهمسة”، “الطير المهاجر”،”بعد إيه”، “خاف من الله”، “الحزن القديم”، “بناديها”، “نور العين”،”أرحل”، “عرس الفداء”، “أكتوبر الأخضر”، ” “يا شعباً لهبك ثوريتك”. لكل ذكرى رشة عطر من وردي، ولكل همسة حب بعض منه، ولكل صرخة ثائر نبض منه !
· يا الله يا وردي، تمددت في كل حياتنا. تمددت في عروقنا وشراييننا وأوردتنا. تمددت في قصص عشقنا وفي أدق تفاصيل نضالنا من أجل الحرية.
· يا الله يا وردي، كيف نعشق من بعدك؟ ومن سيغني لنا إن سقط الطغاة؟ من سيغني: “يا شعباً لهبك ثوريتك..تلقى مرادك والـ..في نيتك..عمق إحساسك بي حريتك..يبقى ملامح في ذريتك” !
· إنها هي ملامح روحك الحرة زرعتها فينا جميعاً وأنت تغدق علينا معانٍ كبيرة..كبيرة، وترسم لنا وطناً ملوناً في الفضاء، نتقافز – كالأطفال -لنمسك بخيوطه المذهّبة كأشعة الشمس. وطنك يا وردي يرحل معك. يرحل وطعم الدمع على شفتيه، وما من وطن لنا، ما من وطن يتسع لأحلامنا، ما من شىء سوى المنافي يا وردي !
· أنت المعلّم يا وردي. أنت مدرستنا الإبتدائية والمتوسطة والثانوية. أنت جامعتنا الأكثر عراقة. وهل علمونا في الدروس كيف أن الدماء تدوس على جلادها وتستشهد بجلال؟ هل علمونا أن “الشعب أقوى وأقدر..مما كان العدو يتصور”؟ و”مكان السجن مستشفى..مكان الطلقة عصفورة..تحلّق حول نافورة”؟
· مَن – يا وردي – علمنا هذا الوطن غني إلى هذا الحد، وبهي إلى هذا الحد، وعظيم إلى هذا الحد، وخرافي وموجع وحزين وجميل كطفلٍ مشطت شعره أمه في صباح العيد.
· مَن يا أيها البهي زرع الضياء في كل ركن وكل قلب؟
· اليوم يا وردي سقط القلب. اليوم أصبحت كل ذكرى ملحاً يكشط الروح، لأنك في كل زاوية من كل شىء في حياتنا.
· كم نحن نحبك أيها السوداني الجميل، وكم نحن حزانى اليوم.
· والحزن الأكبر ليس يقال !
حريات



ادلهمت ... وردي .. بقلم: د. حسن بشير محمد نور - الخرطوم


اتشحت القلوب بالسواد في بلاد السودان بعد أن أصبحت الكوارث تتكاثر في مسار تراكمي مؤدي إلي فواجع محتومة، لكن بمثل هذا الحال وبفقدان رموز وأركان هي من ثروات البلاد القومية ومن أصولها الإنسانية الراسخة، سيصبح "الحزن شيء طبيعي". هذا زمان تدلهم فيه الخطوب وتطوف فيه الأحزان مورقة الأغصان تغرق الأصحاء الأسوياء في الدموع المرة. لن يصبح الصبح و(للفجر جناحان يرفان )علي الوطن كما كان عليه الحال بالأمس، بل سيكحل (الخزن المآقي) وسيشد وثاق البلاد ويبعثر الكثير من الأفراح عن القلوب التي كانت تستأنس بوجود عملاق مثل وردي بجوارها وتسمع صوته الجهور ورأيه الشجاع، الذي كان يبشر دائما بان هذا الوطن، مهما كان (وما سيكون)، لن يصبح وطنا منكوبا، بل سيتعافي من كل داء مهما كان عضال، كان يعطي الأمل، يشيع الفرح ويبشر بعطاء مستدام وبمستقبل يستأصل النكبات والخطوب.
لقد كنت وردي طوال حياتك أنسانا استثنائيا، كما كنت فنانا استثنائيا، موجب العطاء متفردا في طبعك وإبداعك. بذلك ستستمر ثروة قومية مثمرة وفيرة العطاء حتي بعد رحيلك.
عن إي شيء لم يغني الوردي؟، للصبح ، للنهار، لليل، للخضرة، للجمال، للأوطان، للأمل، للحياة، غني بلغة مجيدة يفهمها الجميع أن كانت عربية أو نوبية أو موسيقية عالمية أو أخري ربما ستفك رموزها في زمن أخر.اليوم سيذكرك الشعراء، الأدباء، المبدعون في كل الأزمنة، الكبار الصغار ، الرجال والنساء ، الشباب والأطفال، الأمهات والآباء، من احبك ومن أباك ، لأنك فرضت وجودك عبر مشوار طويل من الإبداع جعل اسمك منقوشا في ذاكرة الإنسانية، في وجدانها، غرسا عميقا في الروح والكيان.
سيبكيك السودان، أفريقيا، أركان الكون وهي تردد كلمات عذبة عبر ألحانك وإنعاما عبر موسيقاك، ستظل أعمالك خالدة ما دام علي الكون بشرا يسعي بالحب والإبداع والجمال.من يمكنه ان لا يسمع كلمات مثل (..يا وطني يا وطن الأحرار والصراع
الشمس في السماء كالشراع
تعانق الحقول والمراعي
وأوجه العمال والزراع
يا وطني ..

أصبح الصبح كأن الزمن الماضي على الماء نقوش
فارفعي راية أكتوبر فالثورة مازالت تعيش
وأنا مازلت في البعد أنادي
يا بلادي
يا مغاني وطني..)
ستظل أنت هكذا في البعد تنادي وتقول مع الفيتوري، صلاح عبد الصبور، إسماعيل حسن والعشرات والآلاف مع الملايين... ( لو لحظة من وسن، تغسل عني حزني، تحملني، ترجعني إلي عيون وطني، يا وطني،،) أنت فعلا قد جعلت (للنضال رائحة) وطعم ولون.
ارقد بسلام ... وردي،،، فلن تظل فخر هذا الجيل فقط، بل كما كنت فخر أجيال سابقة، ستظل فخر أجيال المستقبل ما دام هذا الوطن يسير ويبقي بين الأوطان.
لك المغفرة والرحمة بقدر ما أعطيت وبقدر ما بذرت في الأرض من فرح وبقدر ما نشرت من الفن والجمال. فليسكنك الله فسيح جناته مع الشهداء والصديقين ويجعل لك مغفرة من كل ذنب وحسنة في كل خطوة خطوتها وكل كلمة نطقت بها، والصبر والسلوان لأسرتك واهلك ومحبيك في كل زمان ومكان،، وإنا لله وإنا إليه راجعون.



ليه يا نور العين .. بقلم: سعيد عبدالله سعيد شاهين- كندا- تورنتو

خبر صادق فى فحواه كاذب فى معناه وردى مات
الحقيقه وردى ذهب فى رحلة الحياة السرمديه ، عندما ينضب النيل ، لحظتها يمكن أن نصدق ، يا سماوات أفريقيا وأحراشها ، يا مسارح العالم ، يا كل الأنغام والوتريات ، يا جنوبنا الحبيب عندما أطعت فورمان وردى وفتحت النوافذ لتعليم اللغة العربيه ، حسب شهادة أوقانست ، يا تابيتا بطرس ، يا كل نحل وقبائل وشعوب وسحنات السودان قديمه وحديثه ، وردى الذى فى حضرت جلالك جلس لأنه يطيب الجلوس ، بكل أدبه بكل خجله بكل روعته يستأذنكم ، يا ترهاقا وبعانخى ، أتى اليكم حفيدكم ، يحكى لكم عنا ، يطمئنكم أن عهد الفراعنه لم ينتهى أو يندثر ، عهد الحضارات الراسخه أتاكم وردى بكل عنفوانه وشموخه عنفوان وشموخ حضارة فى مسيرتها الأبديه إلى أن يرث الله الأرض وما عليها ، ليه يا نور العين كده ؟ هل مللت منا ؟ حاشاك وأنت المهذب ، الليله إنت وينك ووين ؟
إستغفر الله العظيم ، اللهم لا نقول إلا ما يرضيك إنا لله وإنا اليه راجعون ، اللهم أتاك وردى بعد أن أكرمته حيا بحب الناس له ، نسألك بعزتك وجلالك أن تكرمه وهو بين يدى رحمتك ، اللهم أجعل قبره روضه من رياض الجنه ، وأسكنه مع من إصطفيتهم من الصديقين والشهداء ، رفيقا لهم فى الجنه ، وأكرمه بحسن الرفقة لهم ، اللهم ألحقنا بهم وأنت راضى عنا غافرا لنا ، ولا حول ولا قوة إلا بك يارحمن يا جبار . اللهم ألهمنا جميعا الصبر والسلوان .



التوقيع:

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

أبوسهيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-20-2012, 01:07 PM   رقم المشاركة : [7]
أبوسهيل
عميد الموقع
الصورة الرمزية أبوسهيل
 
اخر مواضيعي

المستوى: 81 [♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥]
الحياة 3024 / 3024

النشاط 6974 / 23320
المؤشر 65%


افتراضي

البشير.. نقد.. الترابي وآخرون
وردي.. فنان يسمعه الكبار

فتح الرحمن شبارقة
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
يُحكى أنّ الفنان الراحل محمد وردي عندما عاد إلى أرض الوطن الذي هجره لمدة (13) عاماً بعد مجئ الانقاذ، تفاجأ برحابة الاستقبال وكرمه من الرئيس البشير ووزير الدفاع الفريق عبد الرحيم محمد حسين وقيادات أخرى في الدولة والحزب الحاكم، فعلق على ذلك بطريقة لاذعة عندما قال، والعهدة على الراوي: (أنا لو عارف الجبهجية ديل بحبوا الغُنا كان جيت من زماااان).

لكن في الواقع ليس قادة (الجبهجية) وحدهم مَن يحب وردي بالضرورة، فهناك القادة الشيوعيون والاتحاديون وغيرهم الملايين من عامة الشعب الذين اختلفوا في كثير من القضايا إلاّ أنّهم - وعلى اختلافهم - اتفقوا على وردي إلاّ قليلاً فيما يبدو، فقد كان الراحل صاحب فكرة ومشروع، ولم يكن محض مغنى يطرب الناس ثم يمضوا إلى حال سبيلهم من غير أن يحدث فيهم أثراً ويحفر عميقاً في دواخلهم.

ولعل المفارقة الجديرة بالإشارة هنا، أن كلمات وردي العذبة طاردت حتى أذني الشيخ الراحل محمد هاشم الهدية الرئيس السابق لجماعة أنصار السنة، فعلّق ذات مرة في برنامج (أسماء في حياتنا) التلفزيوني على أغنية المستحيل بصورة تندر معها البعض عندما زعم بأن وردي هو فنان أنصار السنة، رغم موقفهم العقدي من الغناء والمعازف، فقد اعتبر الشيخ الهدية وقتها أغنية المستحيل من الأغاني التي تحمل في جوفها قدراً لافتاً من التوحيد والتسليم بالقضاء والقدر، خاصة في هذا المقطع الذي يقول:
(لو بإيدي كنت طَوّعت الليالي
لو بإيدي كنت ذللت المحال
والأماني الدايرة في دنياي ما كانت محال
دي الإرادة ونحن ما بنقدر نجابه المستحيل
دي الإرادة والمقدّر ما بنجيب ليه بديل
دي الإرادة أجبرتني في هواكم من قبيل)

علاقة الرئيس البشير مع الفنان محمد وردي وأغانيه غير منكورة، بل ربما تكون فيها شئ من الخصوصية كتلك العلاقة التي جمعت الراحل وردي مع الفريق عبد الرحيم محمد حسين وزير الدفاع، فالرئيس - حسب مقربين جداً منه - يسمع وردي كثيراً كما يسمع الفنان الراحل عثمان حسين كذلك ولعل حبهما لهذا الثنائي الإبداعي تجلى في الصلاة على جثماني الفقيدين والوقوف على مواراتهما الثرى قبل أن يعود مغبراً بالأحزان.
علاقة الرئيس، تعدت مجرد الاستماع إلى الغناء معه في جلسة خاصة كما ظهر في إحدى الصور المتداولة على نحو واسع.. لكن البشير في حبه لوردي لم يكن إستثناءً فيما يبدو، فقد تقاسم معه ذلك الحب قيادات ذات وزن سياسي ثقيل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

الأستاذ محمد إبراهيم نقد سكرتير الحزب الشيوعي السوداني من أشد المعجبين بالفنان الراحل محمد وردي، وليس في الأمر عجبا، فقد كان وردي رفيق نضال وسجون ومغنى منذ تهجير النوبيين في عهد عبود، وإلى أن تخلى عن إنتمائه الحزبي الضيق واتجه إلى رحابة الوطن الفسيح يثرى وجدانه ويلهب حماسه ويقدم في كل يوم دروساً مجانية في اللحن والنغم الفريد.

الفنان عبد الكريم الكابلي يمكن أن يطلق عليه فنان الإمام السيد الصادق المهدي، وربما أسرته كذلك فهو أكثر من يسمعه الإمام، لكن الإمام يسمع كذلك للفنان محمد وردي، والذي يبحث في عربته سيجد (أشرطة كاسيت) للفنان الوردي. تعامل الإمام مع الأستاذ وردي كفنان وكإنسان كذلك كان يسأل عن أحواله باستمرار ويزوره في مشفاه، وكان حاضراً معه في مشواره الأخير بمقابر فاروق.

وردي السياسي، طغى على وردي الفنان في بعض الأحيان، فالتف حوله الكثير من القيادات، أو اقترب منهم أو اقتربوا منه بعد أكتوبرياته الخالدات مثل قصيدة محمد مفتاح الفيتوري التي يقول مطلعها:
أصبح الصبح... فلا السجن ولا السجّان باق
وإذا الفجر جناحان يرفان عليَ
وإذا الحزن الذي كحل هاتيك المآقي

ثم حدثت جفوة بينه وبين كثير من القيادات السياسية خاصة على أيام نظام نميري الأولى عندما كان يمجِّد مايو وقائدها على حساب التعريض بالأحزاب من قبيل: (إنت يا مايو الخلاص يا جداراً من رصاص)، و(يا فارسنا وحارسنا.. يا بيتنا ومدارسنا.. كنا زمن نفتش ليك.. وجيتنا الليلة كايسنا). ثم كفّر وردي عن أغانيه تلك عندما قال بعد انقلاب هاشم العطا في العام 1971م للنميري: (لاك حارسنا ولا فارسنا يا القفّلت مدارسنا).

وبالتالي، لم يكن مستغرباً أن يتسم موقف الرئيس الراحل نميري الفني من وردي بالتذبذب بعد أن تأثر كثيراً بموقف وردي السياسية المتقلبة، حسبما أكد لي أحد المقربين من الراحل.

د. جون قرنق دي مبيور رئيس الحركة الشعبية السابق، كان من أكثر القيادات السياسية حباً وسماعاً لوردي، فقد كان لا يكف عن المجاهرة بسماع أغانية وترديدها أحياناً في مجالسه الخاصة، وربطت بينه ووردي على أيام التجمع الوطني الديمقراطي في أسمرا علاقة يمكن وصفها بالصداقة، حتى ان قرنق قد قام بزيارة للفنان وردي إبان أيامه المعدودات التي قضاها بالخرطوم ودعاه لزيارة رومبيك للغناء هناك.

الحديث عن غناء وردي في الجنوب ربما يشكل مدخلاً مناسباً لعلاقة وردي بالدكتور حسن الترابي، فقد كان الترابي أحد حضور الحفل الذي أحياه وردي بأحد مسارح جوبا في يوليو الماضي بمناسبة حفل إعلان الدولة. وقتها لم يكتف بالحضور، وإنما صعد لخشبة المسرح و(يُبشر) أمام وردي وبقي للحظات لم يترجل فيها عن المسرح فور (تبشيره) وإنما وقف بمحاذاة وردي وهو يُلوِّح بكلتا يديه للجمهور قبل أن يلتقط فيما بعد صوراً تذكارية.

صعود الترابي إلى خشبة المسرح و(التبشير) أمام وردي ربما يشير للوهلة الأولى لخصوصية علاقة الترابي بوردي والجنوبيين الذين هنأهم الترابي بدولتهم الجديدة، ولكن عندما تحدثت مع السيدة وصال المهدي بالأمس، نفت لي أن يكون زوجها من الذين يسمعون الأغاني سواء أكان الفنان وردي أو غيره، أما هي فقد أكدت أنها تستمع أحياناً إلى أغاني الحقيبة الرصينة، ولكنها لم تستمع لوردي منذ أن هاجمهم في بدايات مايو بأغنياته التي يقول فيها: (يا مايو يا سيف الفداء المسلول.. نشق أعداءنا عرض وطول).

مهما يكن من أمر، فإن الفنان الراحل محمد وردي كان كبيراً في كل شئ فيما يبدو، وبالتالي ليس غريباً أن يحبه الكبار بصورة لا ينافسه فيها أحد من الفنانين، كما هو الحال مع العامة والمثقفين كذلك. ففي ثراء فنه وتنوع أغانيه من الرومانسية والعاطفية والتراث النوبي والأناشيد الوطنية والثورية ما يكفي لحبه، حب فنه بالطبع. وإن اختلف البعض مع آرائه السياسية الجريئة، ولكنهم يتفقون معه فنياً، فاختلاف الرأي لا يفسد لـ (الغناء) قضية.



عناوين الرحيل و السقوط في اختبار الإبداع
وردي .. (سامح دمعتنا المعذورة)

د. عبد المطلب صديق
مثلما كان وردي دوما نافورة متدفقة فنا وإبداعا وجمالا ، كان يوم رحيله أيضا مناسبة للإبداع وموسقة الكلمات المعبرة عن حرقة رحيله . ذات يوم نصحني أستاذ الفلسفة بالجامعات المصرية الدكتور نصار عبد الله بان تمجيد الموتى لا يكون بالبكاء والعويل عليهم ، بل بتكملة ما بدأوه من أعمال .وإذا كانت البداية عند الهرم الافريقي النوبي محمد وردي هي الابداع ، فهي مناسبة لنرى ماذا قالت صحف الخرطوم في رثاء ونعي فنان افريقيا الأول .. فقد كان رحيله امتحانا قاسيا للمبدعين من حملة الاقلام ورؤساء الفرق الاخبارية الموسيقية التي تعزف أجمل الحانها كل يوم دون أن يلتفت اليها أحد .

قالت الاحداث : وداعا نور العين ، وقد كان وردي كذلك ، بل كان مثل المها حين تزداد شدة سواد العين في شدة بياضها. وقالت السوداني : وردي « قلت أرحل « وأكلمها من عندي .. وأسوق خطواتي من زول نسى الالفة .. وأهاجر ليك من مرسى لي مرسى .. روحت وجيت .. في بعدك لقيت كل الارض منفى.

هاجر وردي الى اثيوبيا ومصر واريتريا ولندن وأمريكا ، وهناك اشتد عليه المرض فعاد الى الدوحة في مساء يوم خريفي حزين يحمل أوجاعه باحثا عن كلية تعيد اليه الامل في الحياة ..هناك كان ينتظره صديقه المبدع والموسيقار بمفهوم عزف مشارط التطبيب لإزالة الأوجاع الدكتور الفاضل الملك .. لم تكن مجرد عملية جراحية كانت صحبة جميلة بين فنان وهب حياته للفن ، فأحسنت الدوحة وفادته، وإعادته الى اهله طيبا معافى.

ولم تكذب الرائد اهلها فقالت : وردي يا أعز الناس في رحاب الله . ومزجت الصحافة بين الفن والسياسة وذلك ما كان يعشقه الراحل فقالت ورحل وردي عاشق الحرية والسلام . كان وردي محبا للحرية والسلام .

ذات يوم حمله حظه للسفر على طائرة أثيوبية من أديس ابابا الى القاهرة وهو في عنفوان معارضته للحكومة ، واضطرت الطائرة لسبب فني للهبوط بمطار الخرطوم وفوجئ رجال الامن بالفنان الكبير ضمن قائمة ركاب الطائرة فطلبوا من الكابت انزاله لأنه مواطن سوداني مطلوب للتحقيق وسوف يسمح له بمواصلة الرحلة بعد اكمال التحقيق معه ، لكن قائد الطائرة الاثيوبية رفض الطلب الحكومي رفضا باتا متسلحا بإرث قديم للخطوط الأثيوبية . وعاد وردي الى الخرطوم وغنى في حضرة الانقاذ عندما طاب له ذلك ، هكذا وردي أحببناه عندما غنى : انت يا مايو الخلاص ، ويا سيف الفدا المسلول .. ولأكتوبر الاخضر ولعصافير الخريف . وقالت الأهرام اليوم رحيل أسطورة الغناء وردي .. وهكذا كان وردي أسطورة قلما يجود الزمان بمثلها .

وتفردت الرأي العام حقيقة لا مجاملة .. سامح دمعتنا المعذورة وداعا وردي .

وسقطت بعض الصحف في امتحان الابداع وتطويع الكلمات .. فقالت التيار : في ذمة الله وردي .. واليوم التالي وفاة الفنان الكبير وردي ، وجاء في آخر لحظة في ذمة الله .. محمد وردي .

هيئة الاذاعة البريطانية بي بي سي قالت : رحل كروان أفريقيا محمد وردي وأتبعت الخبر بمقطع قصير من أغنية من غير ميعاد مع تعريف للمستمع العربي بفنان السودان الاول وكروانه المغني . وربطت بين موته ورحيل نجمة البوب الامريكية وتني هيوستن ، ويا لها من صدفة حين قررا الرحيل معا ، ولمثل هذه التزامنية اكثر من معنى في عالم هوليوود ، وهي صدفة و من غير ميعاد. وبكت الخرطوم ونيوجرسي عندما سكتت عصافير الخريف في ذات المساء.

أرجو المعذرة على هذه القراءة الصحفية لعناوين نعي الراحل وردي في عدد من الصحف السودانية وأهمس في أذن زملائي ، بأنه لا يليق أن تنعى قامة مثل وردي بتلك الكلمات المألوفة لسبب بسيط هو ان الراحل قيمة متفردة في كل شيء.



كان سودانياً أولاً وأخيراً
محمد وردي الفنان في مواجهة السياسي

تقرير: عمرو شعبان
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
لحظة محفوفة بالمخاطر وغضبة السلطان، ممهورة بلون الدم القادم لا محالة، حين تقرر فيها إعدام جوزيف قرنق ومحمد وردي، بحكم أن الأول من قيادات الحزب الشيوعي، وأن الثاني من المحسوبين عليه وأول من تغني لهاشم العطا في انقلاب الحزب الشيوعي المشهور على النميري في 1971م.. القرار جاء بترحيل الشخصين بعربة السجن الى حيث النميري لينفذ قراره المشئوم بكوبر.. هنا يبرز مكر التاريخ وتتجلى سخريته، فالضابط المناوب يطلب من أحد أفراد الحراسة أن يحضر وردي.. فرد الحراسة ظنه محمد وردي الفنان بينما كان الضابط يقصد وردي آخر يرتدي الكاكي ويصنف من جنوده.. يتم إنزال الفنان من عربة المصير المحتوم.. فتمضي الساعات ويعيش وردي وينتقل جوزيف قرنق، ويقهقه التاريخ، مهدياً الشعب السوداني حياة فنان بهامة وردي...

معتقل الأنظمة التي غناها
محمد عثمان حسن صالح حسن صالح وردي (لم يكن حكراً على أحد).. عبارة ربما تعكس مدى شمول واستقلالية فنه في التعبير عن شعبه وأحلامه وطموحاته أفراحه وأتراحه آلامه وأحزانه .. لكنها تبدو عبارة مترددة إذا تم النظر لها في سياق رحلته السياسية التي تحاصرها الاستفهامات، ويظللها الغموض..
ويبدو أن عدم القدرة على ضبط وتحديد انتماء وردي يلج من باب تغنيه للجميع باستثناء الإنقاذ، فتغني لحكومة عبود وهي لا تزال في المهد صبياً (في نوفمبر هب الشعب، طرد جلاده)، بيد أنه عاد طبقاً لسيرته ونفض يديه عن عبود إبان بيع وادي حلفا وتهجير أهلها، لينشط في التظاهرات ضدها حتى تم اعتقاله، ليخرج من المعتقل على أعتاب أكتوبر منظماً، وان لم يتم تحديد الجهة التي نظم بها أو فيها..
مجئ أكتوبر 1964م ربما كانت جائزة الفنان الثائر فتغني لها وردي فكانت (أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باقِ.. وإذا الفجر جناحان يرفان عليك.. وإذا الحزن الذي كحل هاتيك المآقي ... والذي شد وثاقاً لوثاق).. بيد أنه عاد ونفض يده من أكتوبر متغنياً لمايو1969م، الأمر الذي يفسره بعضهم باستحكام نفسية الفنان ونظرته للأمور على سلوك وردي، مستبعدين انحيازه للانقلابات أو الحكومات العسكرية.

لكن راصدين لمسيرته سجلوا أن ميوله اليسارية وجنوحه الاشتراكي هو ما دفعه للتخلي عن الحكومة الديمقراطية والتغني لمايو ذات الطابع الاشتراكي فغني (كنا زمن نفتش ليك وجيتنا الليلة كايسنا.. يا حارسنا وفارسنا يا بيتنا ومدارسنا).. بيد أن وردي سرعان ما ارتد على عقبيه عن دعم مايو متسقاً مع خطا الحزب الشيوعي وانقلابه المعروف عام 1971م بقيادة هاشم العطا على النميري بسبب انقلابه على الحزب وتردده في تبني النهج الاشتراكي الصارخ، فتغنى قبل اكتمال اليوم الثالث للانقلاب (نرفع سد ونهدم سد... واشتراكية لآخر حد) ليعود النميري ويقوم بسجنه بعد ذلك..
خرج وردي وعاد بقوة في انتفاضة مارس ابريل وطفلتها الديمقراطية الثالثة متغنياً (السجن ترباسو انقلع.. تحت انهيار الزلزلة.. والشعب بأسرو طلع.. حرر مساجينو وطلع.. قرر ختام المهزلة)، ليعيش وردي بين فنه وشعبه حتى توقيت خروجه بعد انقلاب الإنقاذ.

تبريرات تبدله السريع
كثيرون وصفوا تغنيه لكل الأنظمة بالكبوة أو السقطة، فيما يرى آخرون أن تبدله السريع نتاج لعشقه الفطري كفنان لفعل التغيير، وتحليقه في سماوات الحلم الجميل بسودان فسيح ومريح، ما يجعل تركيزه على السياسة ضعيفاً في مقابل نتائجها على أرض الواقع والشارع العام، وبالتالي فعدم حدوث تغيير في الشارع العام وحياة الشعب يجعله يكفر بالنظام الموجود حتى لو تغنى له بدون حياء، لكن المحلل السياسي إيهاب محمد الحسن قطع بأن وردي وقبل أن يكون فناناً كان معلماً معروفاً بالتزامه الماركسي، ويتميز بأنه حاد في قضاياه وغير مهادن في مشروعه السياسي، وقال لـ(الرأي العام) : وردي حرص على استصحاب تجربته الفنية في سياق مشروعه السياسي وطور رحلته الفنية على ضوء تجربته السياسية.

شيوعية وردي
(الحزب الشيوعي أعرق أحزاب الساحة السياسية تنظيمياً، وتحديد انتساب أعضائه له من عدمه قلما يمكن إلا بتصريح العضو نفسه عن انتسابه، ربما للظروف التاريخية التي نشأ فيها الحزب والوسط الاجتماعي الخاص كالمجتمع السوداني)، بهذه المسلمة التنظيمية فان القطع بانتساب وردي للحزب الشيوعي يعد ضرباً من الخيال، لجهة أن سيرة الرجل لم تسجل عنه إقراره بذلك، وأن أشار الي التزامه بأحد الأحزاب وقال في لقاء أجرى معه لإحدى إذاعات الـ FM إنه كان عضواً بأحد الأحزاب وقد استقال منه متجهاً نحو القومية والاستقلالية، لأنَّ معجبيه من السودان ينتمون لكل ألوان الطيف السياسي.. ورغم ذلك ظل وردي يوصف بالشيوعي والانتماء لليسار وهو في خضم ذلك التزم الصمت، وهو ما فسره مريدو اليسار ومنتسبوه بموافقة ضمنية من فنان أفريقيا الأول، بينما رأى في صمته رافضو السياسة وكارهو اليسار نفياً مهذباً من رجل مهنته العزف على أوتار المشاعر الإنسانية بعدم إيذائها ..

ويرى محللون أن ثمة مؤشرات يمكن الاستناد إليها في التزام وردي بصفوف الحزب، أبرزها تلك المرجحة لتنظيمه في صفوف الشيوعيين في سياق بروزه السياسي إبان قضية وادي حلفا، بحكم أن الشيوعيين في ذلك الوقت كانوا أول من تبنى قضية وادي حلفا ودافع عنها وأصدروا بصددها البيانات، وهو الموقف الذي ساهم تاريخياً في أن ينتسب معظم أبناء النوبيين لشيخ اليسار السوداني فيما بعد بأعداد كبيرة.. مؤشر آخر يستند إلى طبيعة الحزب الشيوعي في الاستقطاب والتجنيد التي كرست سمعته بأنه حزب مثقفين وأنتلجينسيا في ذلك الوقت، ما يجعل استهدافه لوردي الموهبة الصاعدة أمراً يتسق مع تطور الأحداث، وهي ذات الفكرة التنظيمية التي استند إليها الإسلاميون فيما بعد..

لكن مصدراً مرموقاً بالحزب الشيوعي السوداني بدول المهجر فضل حجب اسمه، أكد شيوعية وردي من خلال مشاركته في العيد الأربعين للحزب الشيوعي عقب الانتفاضة وقال لـ(الرأي العام): في العيد الأربعين غنى محمد وردي آخر أغنية في الاحتفال - يا فارس الحمي. وأضاف، (ناهيك عن أن معظم أغاني الكورال في تلك الفترة كانت من ألحانه).. ويشاع في أيام الديمقرطيه الثانية كان الحزب الشيوعي السوداني يعلن عن ندواته التي يقيمها في كل الإحياء.. تطوف السيارة وعليها المايكروفون ويعلن للناس إن الحزب الشيوعي سيقيم ندوة سياسية في الميدان الغربي في جامعة الخرطوم يتحدث فيها الاساتذة محمد إبراهيم نقد .. التيجاني الطيب .. وسعاد إبراهيم احمد ويشارك في الندوة الفنان محمد وردي فيأتي عشرون ألفاً للندوة تسعة عشر ألفاً ليستمعون للفنان محمد وردي وألف ليستمعوا لقادة الحزب الشيوعي .

النقاط فوق حروف شيوعيته من عدمها، وضعها وردي نفسه حين ألمح لعضويته بالحزب الشيوعي في معرض رده على الأستاذ عبد الفتاح عرمان عام 2009م، حينما سأله عن سر توتر العلاقة بين وردي ومحجوب شريف فقال : (هذا حقيقة ، زي ما بقول هو أن الاختلاف سياسي، وأنا ليس لدى ضده اى شيء ولكن هو بيفتكر انا كنت عضواً في الحزب الشيوعي، والآن أصبحت مع الحكومة، هذا اعتقاده الشخصي لذلك نحن منقطعين عن بعض).

العودة.. النقمة
ويبدو أنه بمثل ما تم تقييم عودة مولانا محمد عثمان الميرغني للسودان، كونها شهادة انفتاح على الحريات من قبل الحكومة، رأى البعض في عودة وردي للخرطوم في ظل بقاء الإنقاذ بعد ما يزيد عن ثلاثة عشر عاماً شهادة لصالح الحكومة، ما أثار نقمة الكثيرين وأن لم يخصم من حجم معجبيه وعشاقه فكانت عودته برعاية أسامة داؤود وشركة دال، الأمر الذي قوبل بهجوم باعتبار أن تاريخ الرجل لا يسمح له أن يأتي محمولاً على أكتاف شركة تجارية رأسمالية بينما هو اشتركي، وهو هجوم وصفه المتابعون وقتها بأنه يتجاوز الإبعاد الإنسانية في عودته لأرض الوطن من المنافي..

إطلالته الداوية باستاد الهلال برعاية دال يومذاك حسمت كل أشكال الهجوم، ومثلت أكبر دلائل سطوة الرجل رغم كيد السياسة، ورغم ذلك لم يسلم وردي من (رشاش كلام) بلغ حد أن وصفته سعاد إبراهيم طبقاً لما نقله الأستاذ عادل سيد أحمد أن (وردي انتهى .. أصبح إنقاذيا .. مرات مع البشير .. وساكن سُكنة مع عبد الرحيم محمد حسين..!) الأمر الذي تجاوزه وردي وقال في لقاء له مع الأستاذ مصطفى أبو العزائم (أنا لست إنقاذيا ليس لاني اكره الإنقاذ وإنما لاني لا أميل الى الحكم الشمولي لأنه دائما ما تكون حكومات تطيل عمرها باللا ديمقراطية والسودان من حظه السيئ أن في كل مرة ينقلب الشعب ثم تأتي حكومات شمولية بالقوة).

وردي والهوية
وردي السياسي راهن على هوية مزدوجة عاش مؤمناً ومدافعاً عنها طبقاً لإفادته، هويته كفنان في مواجهة السياسي عبر عنها بقوله : (أية ايدولوجية وأي فكر (يقولب) الفنان المنتمي لهذه الايدولوجية يضع نفسه في مشنقة لأنك تؤمن برؤى الحزب في كل شيء. تؤمن بالايدولوجيا و فكر الحزب هذا جيد، ولكن انا تغني بتعليمات هذه انا رفضتها) وأضاف وردي حينها لعرمان : ( انا لا يمكن (اتقولب) حتى الايدولوجية الدينية هذه انا ضدها ولن (اتقولب) لذلك حدث الخلاف بيني و بين الآخرين).

تصدى وردي أيضاً في معرض رحلته لمحاولة إسباغ الهوية العربية عليه ومصادرة خصوصيته الثقافية والطابع الثقافي النوبي في فنه وعبر هذا دافع برفضه المقولات التي تتحدث عن أن أنه لو لم يتغن باللغة العربية لما عرفه أحد ، وقال : (انا أستطيع أن اعبر عن فني باللغتين العربية و النوبية و انا اعتبر نفسي غير عربي).

وردي.. سوداني فقط
بغض النظر عن تراجع دور وردي السياسي ربما بحكم المرض كما يرى مريدوه، إلا أنه دمغ بالسلبي في مخيلة الثائرين أو المعارضين أو الرافضين للإنقاذ، الذين يرون في العمل المعارض خريطة واضحة ومباشرة دونها لا يكتسب الآخرون صفة النضال، إلا أنه يبدو أن وردي الفنان كانت له رؤيته الخاصة، ومعارضته الخاصة طبقاً لتلك الرؤية، يؤكد ذلك تغنيه لكل تغيير جاء ونكوصه عن تأييده حينما يكتشف أنه تغيير قشري لا ينتمي للشارع ولا يحقق حلم المناضل الحقيقي في راحة الشعب لا حكمه.. ليمضي وردي الفنان والسياسي، مورثاً تركة قوامها حب الشارع فقط وولاء منقطع النظير لشعبه، غنى في خضم الحرية وغنى وهو مبعد عنها خلف سور المعتقلات، مؤكداً أن للنضال ثمناً وللفن ثمناً وللشهرة ثمناً كذلك ، لكن قليلين هم من يسددون الثمن جملةً وهم في القمة.. رحل وردي وهو سوداني أولاً وأخيراً..



تلقى خبر رحيله فى مدينة الثغر وذرف الدمع السخين
(ود الأمين) حزن عميق لفراق وردي

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
فجع الموسيقار محمد الامين بتلقيه نبأ رحيل زميله الاستاذ محمد وردي مساء السبت الماضي اثناء مكوثه ببورتسودان بعد مشاركة فى ختام فعاليات مهرجان السياحة الخامس، رحل وردي وعاد ود الامين من بورتسودان يفتقد رفيق دربه ،وقف في صالة المغادرة ببورتسودان يتلقى التعازي في وردي ، وانتظره المعزون فى ردهات مطار الخرطوم يقاسمونه الحزن ويشاطرونه الدموع، وكان وقع رحيله عليه عصياً،فما استبقى دمعاً لم يذرفه على فراق وردي.

وكان منتدى الكنبة الثقافي بمدينة بورتسودان،يحتفي بتكريم الاستاذ محمد الامين والأستاذ محمد عبد القادر نائب رئيس تحرير (الرأي العام ) والأستاذ حسن فضل المولى مدير قناة النيل الازرق والأستاذ هثيم كابو والملحن احمد المك وزوجته الفنانة افراح عصام التي ابرها بأغنية (هدية) فلم تبخل بحزن ودمع على فراق الامبراطور وكانت قد شاركت فى تشييعه بمقابر فاروق ، منتدى الكنبة درج على تكريم الوفود الزائرة للمدينة خلال مهرجان السياحة الخامس الذي شارك ود الامين فى ليلته الختامية باستاد بورتسودان،ليكون تكريمه مساء السبت، بعد مرور الساعة العاشرة مرت على هاتف نائب رئيس التحرير الاستاذ محمد عبد القادر مكالمة نقلت اليه رحيل الامبراطور وردي،ليقف المنتدى حدادا على روحه وينفض متوكئاً دموع الحاضرين،خبر رحيل وردي جعل من رفيقه محمد الامين يدخل فى نوبة من البكاء الحاد، وعجل بسفره الى الخرطوم هو ومرافقيه لحضور تشييع وردي وإلقاء النظرة الاخيرة على مرقده.

محمد الامين فى حفل اقامه السبت قبل الماضي بنادي الضباط الخرطوم، تقدم بخالص الدعوات بشفاء وردي الذي نقل فى ذات الامسية الى العناية المكثفة بمستشفى فضيل بالخرطوم،حتى ان دموع ود الامين لامست خشبة المسرح ليلتها، ليمر اسبوع ويتركه وردي وحيدا يواصل عطاء المعتقين فى ركب الاغنية السودانية الاصيلة.



اهتمام اعلامي دولي برحيل (أيقونة) الغناء والموسيقى

كتب : محمود الدنعو
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
حظى نبأ رحيل الموسيقار محمد وردي بتغطية اعلامية واسعة من قبل وكالات الانباء والصحافة العالمية واللافت ان وكالة الصحافة الفرنسية ووكالة الاسيوشيدت بريس الامريكية اتفقتا على وصف وردي بـ(الايقونة) حيث عنونت الوكالة الفرنسية خبرها بـ(سودان مورن ميوزيكال ايكون وردي) او السودان يشيع ايقونة الموسيقى وردي ، بينما اختارت وكالة الاسيوشيدت بريس عنوانها كالأتي : (ايكونك سودانيز سنغا محمد وردي داي) او وفاة ايقونة الغناء السوداني محمد وردي ، وزادت صحيفة الواشنطون بوست التي نقلت الخبر عن الوكالة الامريكية على عنوان الوكالة عبارة (هو ببلورايزد نويبان ميوزك) او الذي يعتبر أشهر موسيقيي النوبة ، الاتفاق بين الوكالتين على وصفه بالايقونة ، يجسد المكانة الرفيعة التي يحتلها وردي الذي دائما تعرف به الاغنية السودانية.

والايقونة هي كلمة يونانية قديمة وتعني الصورة وهي في المعتقد المسيحي صورة او لوحة تجمع كل شىء يتعلق بالعبادة من صلاة وعقيدة وغيرها ، ومنها استعار الناس معنى الشمولية والرمزية وكان وردي كذلك فناناً شاملاً وفناناً رمزاً استطاع ان يوحد وجدان الشعب السوداني خلف اغنياته الوطنية والرومانسية فصار نسيج وحده فى زمن الانشطارات الكبرى.

الكثير من الصحف ووكالات الانباء العالمية التي اهتمت بالخبر وافردت له مساحات واسعة كانت تشير الى شعبية محمد وردي التي تتجاوز السودان الى شرق افريقيا حيث اريتريا واثوبيا والى اقصى الغرب الافريقي حيث نيجيريا والكمرون وتشاد المجاورة ، حيث تشير الى وجود معجبين بفن الراحل وردي رغم فوارق اللغة ، ومن الاشارات التي تداولتها وسائل الاعلام العالمية بعد التأكيد على عقبريته الموسيقية وعذوبة الاداء للاغنيات كانت الاشارة الى مواقفه ونشاطه السياسي ، وذهب البعض الى تشبيهه بالموسيقار الراحل بوب مارلي الذي غنى للانسان والحرية فى افريقيا والعالم اجمع .. وتم فى الكثير من القصص الاخبارية التي بثتها وكالات الانباء ابراز نشاطه السياسي ودخوله المعتقل خلال عهد الرئيس السابق جعفر النميري في سبعينيات القرن المنصرم وانه عارض نظام الانقاذ الراهن واختار المنفى الاختياري لاكثر من عشر سنوات عاد بعدها فى العام 2005 ليدعم وحدة السودان بعد اتفاقية السلام الشامل ، ولكن الاقدار السياسية كانت اقوى من أماني وردي حيث صوت الجنوب لصالح الانفصال و اعلن دولته المنفصلة في يوليو من العام الماضي.



اخر تسجيلات الفنان الراحل محمد وردي في الاذاعة والتلفزيون

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
ظل الفنان الراحل محمد وردي في حضور وتالق دائم عبر شاشة التلفزيون القومي واثير الاذاعة السودانية ورفد المكتبة التلفزيونية والاذاعية بمجموعة من الاغنيات الخالدة .

وأطل وردي عبر شاشة التلفزيون في اخر تسجيلاته في أول أيام عيد الفطر في برنامج على جزئين بعنوان (لقاء السحاب) ضم الفنان محمد الامين والبروفسير علي شمو في لقاء ثلاثي يتم لاول مره تناول ماضي الذكريات وقدمه المذيع الطيب عبد الماجد واخرجه شكر الله خلف الله وقدم وردي مع محمد الامين في ثنائية اغنية (نور العين ).

وزار محمد وردي اخيرا الاذاعة السودانية وسجل سهرة من اربعة اجزاء بعنوان (قمم ) في شهر رمضان المبارك مع الشاعر هاشم صديق بحضور مدير الاذاعة معتصم فضل ونائبه عبد العظيم عوض وتقديم الاعلامي حسين خوجلي واخراج انعام عبد الله وتناول اللقاء البدايات الفنية واعلن وردي انتهاءه من تلحين قصيدة غنائية جديدة لشاعر عربي كبير وتحدث عن ألحان الغير التي يطرب لها وكشف عن أسماء أفضل الفنانين السودانيين الذين يستمع لهم وعن تجربته في تلحين النصوص المسرحية وقدم من الاغنيات (بيني وبينك والايام وامير الحسن ويا ناسينا) .

وزار مدير التلفزيون محمد حاتم سليمان اخيرا منزل الفنان الراحل وردي ضمن زيارات شملت مجموعة من الفنانين .



اتحاد الصحفيين: كان وردي حافظاً ومخرجاً لمقدرات الشعب السوداني المبدع

نعى الاتحاد العام للصحافيين السودانيين للأمة السودانية رحيل الفنان محمد وردي.وصف الاتحاد الراحل بعملاق الفن والأدب والإبداع ليس على المحيط الداخلي وإنما المحيط العربي والأفريقي، لقد كان شعلة فنية متقدة وكان على الدوام وردي رمزاً شامخاً عطر سموات الإبداع تغنى للوطن وللإنسان وللطبيعية عبر ألحان خالدة وأشعار باسقة جميلة هفت إليها القلوب.إن الفنان الراحل محمد عثمان وردي برهن عبر مسيرته الإبداعية الطويلة بأن السودان أرض الجمال والخير وشعرائه وفنانوه الأقدر على غرس القيم الجمالية وأخرجها فناً طروباً اذكى الوجدان وأطرب القلوب التف حول فنه الكبار كما تغنى الصغار لقد كان الفنان وردي قيمة جمالية لن تتكرر وسيظل رمزاً للإبداع والجمال والمحبة كما كان وطنياً غيوراً على وطنه وحافظاً ومخرجاً لمكونات هذا الشعب المبدع.ألا رحم الله الموسيقار وردي وألهم آله وذويه الصبر وحسن العزاء( إنا لله وإنا إليه راجعون)



بينى وبينك والأيّام!

كمال حنفي
طفولتى كانت فى تلك المدينة قبل أنْ يعبثَ بعنفوانها السد العالى... شهدت تلك المدينة الفنان محمد وردى فى المسار بين محطة السكّة حديد ومينائها النهرى وهو يضع يداه على رأسى مُداعباً شعرى الطفل!

طفولتى لم تقف مع هذا الفنان عند حد مداعبة شَعر طفل... فقد أتى بعدها الفنان إلى مدينة وادى حلفا فى حفل غنائى مفتوح تهيأت له تلك المدينة قبل أنْ تغرق... كان ذلك الحفل يحمل أغنيات اسماعيل حسن الأولى مع وردى: من (الوصيّة) إلى نور العين، وكان على خشبة مسرح دار سينما وادى حلفا... كان كل شيئ فى ذلك الحفل مبهراً لطفولتى، لكنّ الأكثر ابهاراً لها كانت أغنيّة (الحبيّب) التى كان وردى يصاحب الفرقة الموسيقية بعوده الوترى وفى ذات الوقت بآلة طبيعيّة هى الصفير الذى يخرج بالنفخ الهوائى من بين شفتيه!

تقلّب وردى فى مراحله الغنائيّة والموسيقيّة مثلما يتقلّب لاعب الجمباز المحترف... وتنقّل بين الشعراء بذكاء يراعى لكل واحد مرحلته... لذلك يمكن للاكاديميين أنْ يجعلوا أطواره الموسيقيّة وأطواره الكلاميّة سبعة للأولى وثمانية للثانية!

وردى الفنان لم يختلف عليه أحد من السودانيين فقد أخذهم من آذانهم إلى كل اقاليم الجمال... كذلك غناؤه الوطنى تذوقه السودانيّون مثلما يتذوقون حلاوة (اللّكّوم)، يملأ أفواهم ويرطّب حلاقيمهم ويغازل وجدانهم... لكنّ غناء وردى السياسى لم يكن معه كل السودانيين، فهكذا هى السياسة يأخذ منها كلٌ بما تحدّثه به نفسه ولو كان غناءً!

لا يعيب وردى أنّه غنّى لكل الأنظمة ثمّ غنّى عليها، فقد كان يتحرك مع تيار التاريخ... فعل ذلك مع حكومة نوفمبر وحكومة مايو، حتى إنّه غنّى ليوليو هاشم العطا فى أيّامها الثلاثة التى عاشتها... ولكنّ الإجماع الوطنى تحقّق فيما ردّده للشعب فى ثورتيه الاكتوبرية والابريلية... يونيو هى الوحيدة التى لم يغنّى لها، وحسب علمى أنّه لم يغنّى عليها!

حينما يزور الموت فناناً بعد إكماله عقد السبعينات فلن يكون أمامنا غير الدعاء له بالمغفرة والرحمة... دعاء واسع لفنان واسع وََضعَ يداه العازفتان يوماً على شَعْرى الطفل!!



وأضحى خطبنا .. جللا

السر قدور
لقد فقد السودان برحيل الفنان العملاق محمد وردي ركيزة من ركائز الإبداع الفني وعلماً من اعلام الوطنية قل ان يجود الزمان بمثله .. لقد ظل وردي لما يزيد على نصف قرن يتربع بقدراته وابداعه وموهبته الفذة على قمة الفن السوداني وسفيرا له في افريقيا والعالم.

لقد كان وردي احد العبقريات في التأليف الموسيقي وفي الاداء بل هو صاحب المدرسة الفنية التي سيطرت على الغناء السوداني طوال نصف القرن الماضي ويعتبر ظهوره نقطة تحول جوهرية في مسيرة الغناء والتلحين .. لقد وصف إبراهيم الكاشف محمد وردي بأنه أستاذ مدرسة الغناء الحديث .. ان محمد وردي هو الفنان الذي كان ينافس ألحانه بألحانه تجديدا وإبداعا.

وقد ظل وردي فنانا وطنيا شديد الارتباط بقضايا الوطن وإنسان الوطن وقد بدأ وردي رحلة الفن بالغناء الوطني ذلك عندما ألف نشيدا ولحنه وقدمه مع طلبته في احدى مدارس منطقة حلفا صبيحة يوم الاستقلال عام 1956 وظل بعد ذلك على امتداد عمره الملء بالابداع يواصل العطاء في مجال الغناء الوطني الرفيع.

وظل وردي فنانا مبدعا وشخصية قيادية في كل مناشط المجتمع والحياة السودانية وكان يؤمن إيمانا راسخا بأن الفن هو رسالة وطنية تهدف الى خدمة المجتمع ورقيه.

ومحمد وردي هو اول من سعى الى تجديد الغناء السوداني عندما قدم التجربة الرائدة في اغنية ( الود ) التي وزعها الموسيقار الايطالي اندريه رايدر الذي كان يوزع اغنيات محمد عبد الوهاب.

وعاش وردي فنان السودان وافريقيا حريصا حتى آخر لحظات حياته على تقديم الفن الرفيع نصا ولحنا.
ان العصر الغنائي الذي عشناه خلال نصف القرن الماضي هو بلا شك عصر محمد وردي وسيستمر هذا العصر الى اجيال لاحقة بما ابدع هذا الفنان من فن صادق وأصيل.

نعم لقد فقد الوطن أحد ركائز فنه واحد اعلام الثقافة الوطنية.

العزاء لأسرته ولأصدقائه ولزملائه من أهل الفن والعزاء لكل أهل السودان .. وأختم بقول المحجوب وهو ينعي مبارك زروق :
ما كل جرح اذا عالجته اندملا
عز العزاء وأضحى خطبنا جللا
رحم الله فقيد الوطن الفنان الكبير محمد وردي الذي سيظل. ...



وردي يا كبدي

جعفر عباس
دي الإرادة ونحن ما بنقدر نجابه المستحيل/ دي الإرادة والمقدر ما بنجيب ليه بديل، فالموت أمر يحدث «غصبا عني وغصبا عنك»، وهكذا خبا «نور العين» الذي كان يوقظنا صبيحة كل يوم جديد في كل سنة جديدة حاملا إلينا الهدايا والبشارة: هاذي يدي ملأى بألوان الورود قطفتها من معبدي، ثم يرفع يديه بالدعاء: يا شعباً لهبك ثوريتك تلقى مرادك والفي نيتك/ عمق إحساسك بي حريتك يبقى ملامح في ذريتك.. غنى وردي للحب والجمال في الناس والوطن بإحساس «صاحب الواجب»، فقد كان يعتبر الغناء أمانة ومسؤولية ومن ثم كانت أغنياته تصل للناس مكتملة العناصر: شعرمصفى وموسيقى تتآلف فيها مختلف الآلات لتتناغم مع حنجرة من طراز امباير ستيت، .. تحلق بك فوق هام السحب عبر عشرات الطبقات فتمر بك خلال دقائق كل مواسم البِشر: السماء الراعدة التي تفتح صنابيرها فتلقح الجسم والأرض العقيم ثم ندى الربيع البديع ثم موجة برد يدهشك كيف أنها لا تجعلك ترتعد .. وكيف ترتعد وهذا الصوت الدافئ المشحون بالشجن الصواردي يحتضنك ويضمك إليه.

عرفت معنى أن الفن عند وردي مسؤولية لأنني لازمته ليل نهار وهو يستعد لأول حفل جماهيري له بعد خروجه من السجن عام 1972، وشهدت نحو خمسين بروفة باوركسترا كاملة لأغنية «قلت أرحل» التي قدمها لأول مرة في الحفل الذي أقيم بحدائق المقرن.. وفي ساعة الصفر وصلنا المقرن بسيارته الأمريكية الكركوبة، وكانت الساحة قد ضاقت بالخلق.. وظل وردي جالسا في السيارة والاضطراب بادٍ عليه، وكانت تلك أول وآخر مرة أرى فيها وردي يتهيب الوقوف أمام أي نوع من الجمهور، قلت له: يا وردي.. يكفي هؤلاء الناس ان تظهر أمامهم وتحييهم ثم تعود الى بيتك دون أن تؤدي أغنية واحدة، فقد عاشوا محرومين منك طوال أكثر من سنتين.. قال: خليني شوية.. بعد قليل أتانا الكمانجست احمد بريس يحتج على تأخر صعود وردي، فقلت له: اصعد يا بريس على المسرح وابدأوا في عزف المقدمة الموسيقية لـ»قلت ارحل» .. وقد كان: تن تررم بمبم بم.. تن تررم بمبم بم... وهب الآلاف وقوفا وخلال ثوانٍ كان وردي قد قفز خارجا من السيارة... وصعد على المسرح، وضاعت المقدمة الموسيقية وسط صرخات الفرح.. الفرح لكونه أمام الجمهور بلحمه وعظمه.. ثم بدأ العزف مجددا، و»رحلت وجيت / في بعدك لقيت كل الأرض منفى».. والله بكيت كما يبكي أب يرى أكبر أبنائه ينال شهادة عليا بامتياز ، أو يرى ابنته تزف إلى عريس يعشقها.. وعاش وردي معظم سنوات عمره يسوق خطواته من «بلداً نسى الإلفة/ يهوم ليل ويساهر ليل ويطوف من مرفا لمنفى».. وتذكرت تلك الأمسية عندما اهتزت ارجاء سوق كوستي بالصياح والهتاف، فقد كانت حكومة عبود العسكرية قد أوقفت بث أغاني وردي بسبب نشاطه المعارض لها، وفجأة قررت رفع الحظر وبث راديو أم درمان «يا نور العين» فكان الفرح العام العفوي.

توثقت علاقتي بوردي في سجن كوبر، وبعدها لم تعد علاقة بين مطرب ومعجب، كنا نسعد بمجالسة بعضنا البعض لنناقش القضايا العامة ونضحك، فقد كان وردي منجما للطرائف التي أبطالها أهلنا النوبيين، ولا أذكر قط أنني طلبت منه ان يغني في جلسة خاصة، ولكنني كنت قادرا على استدراجه للغناء بأن أدندن بإحدى أغنياته فيلتقط الطعم ربما صونا لأذنه من التلف، ولا أستطيع أن أقول الكلام المعلب عن كونه سيظل حيا في فؤادي ووجداني، لأن فقده سيظل في قلبي ماثلا مثل ثقب الأوزون في الكون الذي يصعب رتقه وترقيعه.. نعم أغنياته حاضرة في خاطري منذ صباي، ولكنها لن تعوضني عن فقد الإنسان في «ميمد إسمان».. يا رفيقي الميت الحي كموتي وحياتي/ أرضعتني أمك السوداء يوما/ وكست عظمي لحما/ .. آوتني يتيما/ أرضعتني وبكتني/ يوم فوجئت بقطاع الطريق القتلة/ فلتمارس أمنا الثكلى بكائي وبكاءك/ مرة أخرى بكائي وبكاءك/ ريثما يولد أبناء القرون المقبلة.. وأعدك يا حبيبي بأنني سأبذل مع محبيك كل ما في طاقتنا لتحقيق حلمك ونبني الوطن الحدادي مدادي ليصبح شامخا عاتيا وخيّرا «ديمقراطي».. أيها الجميل المستحيل.. وردي يا كبدي/ يا من أعجزت الناي/ إني أعجز عن كلمة/ لما ساقوك إلى... ليرحمك الله.



عبقري الأغنية السودانية .. بعد الرحيل

عيسى الحلو
ü مدخل:
الكتابة عن عبقري الغناء السوداني ، الموسيقى المتفجر بالنغم ، الراحل العزيز محمد وردي .. هي الآن وفي هذه اللحظة الحزينة صعبة جداً ، ان لم تكن مستحيلة. وذلك لان انفعال الحزن الجارف يفقد القلم رشده واتزانه .. ويدفع به نحو العاطفة .. وان ما نريد مدحه هو ضوء عالٍ .. لا تملك امام اشعاعه إلا التماسك لتكون في قامة ابداعه الرصين ..

والصعوبة الأخرى .. هي ان مثل هذا الفن يحتاج لقريحة نقدية ذات قدره على الغوص لاصطياد جواهر المعاني في بحور هذا الفن العميق الأغوار والملئ بالأسرار والجمال ..

ü وردي بدأ المسألة كلها من محبة بصيرة ومبصرة للغناء .. فهو أولاً ربط ما بين احزان وأفراح الناس بالمكان الذي احاطهم .. وأثر فيهم بمثل ما أثروا فيه .. إذاً الفن عند وردي هو هذا التأثير المتبادل ما بين الناس والمكان .. فكانت الألحان النوبية التي تسربلت بأشعار ناس الوسط .. فجاءت أولى تأملات وردي هنا هي هذا التمازج بين أطراف الثقافة السودانية في أغنية »يا سمارة .. الليلة يا سمرا« .. ثم جاءت الخطوة الثانية حينما غنى بعربية مفصحة أغنية الحبيب العائد للشاعر صديق مدثر .. ولم تنجح الأغنية ، كما كان وردي يتوقع وقد عزا وردي هذا لكونه مغني سار في طريق العامية السودانية خاصة في ملمحها النوبي .. إلا ان هذا التفسير لا يمكن الأخذ به خاصة ان وردي قد غنى بالعربية أناشيد ثورية كتبها الفيتوري ومحمد المكي إبراهيم ونجحت فنياً وجماهيرياً ووصلت إلى قمة الابداع الغنائي والموسيقي.

ü وهنا كانت أهم المحطات الفنية التي وقف فيها وردي متأملاً مساره الفني ومتفكراً فيه ، وذلك لأن فن وردي لم يكن فناً عفوياً تمليه الفطرة الساذجة ، بل كان فناً مدروساً وموجهاً وفق مسار منضبط برؤية فكرية وجمالية ولعل هذا المسار هو ما أوصله إلى اليسار السياسي والفني حيث انبتت كل مواقفه السياسية المعروفة والتي على ضوئها حدد موقفه الابداعي جمالياً وفكرياً .. ولهذا بالضبط كانت كل فترة من فتراته الفنية بمثلما ترتبط بسابقتها ترتبط في ذات الوقت بلاحقاتها ..

مما أعطى مساره الفني وضوحاً في المسار ، والرؤية ووحده بنائيه تمثل رؤية شمولية لتأريخه الإبداعي .
عند أغنية »من غير ميعاد« بدأ وردي يرى الطريق من حيث ارتباط المعنى بالشكل الفني.
غنى بالعامية ذات الجذر اللغوي العربي وهي أشارة لتلاقح النخبوي والشعبي وتلازم العروبي بالنوبي وبالأفريقي عموماً .. وطور هذا المسار عندما مازج بين النغم النوبي الافريقي وإيقاعات الوسط »الشمالي«. وتأكيداً لهذا الاتجاه القومي غنى »يا وطني يا حبوب« حيث مزج المضمون بالشكل .. والجهوية بالقومية ..

ü في هذا الخط الفني العام .. لم يهمل وردي تفاصيل الايقاع اليومي الوجودي فغنى اغنيات وجدانية عاطفية تعبر عن أشواق الانسان السوداني وهو مشروط ومحدد بمناخ ثقافي واضح المعالم فغنى لإنسان الريف »أغاني اسماعيل حسن« التي مازجت بين اليومي والأشواق الروحانية وفق الإطار الصوفي الذي لون هذا الوجدان .. في عموميته ..

ü وكان هنا خط آخر يوازي هذا الخط ، حيث انسان الطبقة الوسطى باشواقه وطموحاته وتطلعاته كما صوره الحلنقي .. »عصافير الخريف« و»الناس القيافة« و»عذبني وزيد عذابي«..

ü وعندما بلغ نضجه الفني .. غنى وردي خلاصة كل هذا المسار وذلك في أغنية صلاح أحمد إبراهيم »الطير المهاجر« .. حيث العامية ذات الأفق العربي الفصيح ، وحيث الموضوع الملحمي الكبير حينما تتلاحم حوارات الأنا والآخر .. وهنا تصل الموسيقى الغنائية أو البناء الدرامي الموسيقي كمعادل للبناء الشعري .. وهي أغنية من كبريات أغاني وردي حيث تتلخص فيها كل خطوط البناء الفكري والجمالي الذي يمثل عالم وردي الغنائي ..

ü ولعلنا نتساءل أين هي مرحلة التقاء وردي بمحجوب شريف؟
- نحن هنا لا نتابع هذا الخط وفق الترتيب الأفقي التأريخي .. ولكننا نراقب خط التطور كما يظهر في هواجس وانفعالات وردي حينما تظهر كإشارات من خلال ما يقدمه من ابداعه في ذهنيته يوماً بعد يوم وواقعة غنائية بعد أخرى .. أي وبعبارة ثانية أننا نستشرف مستقبل ما يأتي في أغاني وردي وذلك من خلال منهج قراءة متراجع إذ ننطلق من ماضي أغاني وردي إلى مستقبلها الذي أصبح الآن ماضياً بدوره وذلك كما لو كنا نقرأ وردي المستقبلي من خلال أولى أعماله لنصل إلى آخر هذه الأعمال .. ومثل هذا المنهج لا يتيح لك فنان ما ان تستخدمه إلاَّ إذا كان فن هذا الفنان يخضع بدوره لهذا المنهج وتلك هي عبقرية هذه الموهبة الغنائية النادرة ..

ü وللتأكيد .. اعطانا وردي أشارة ابداعية جمالية وتقنية مبكرة .. لعلها في بداية السبعينيات حينما ذهب بأغنيته الجديدة وقتذاك »الود« إلى القاهرة وأعطاها للموزع الموسيقي الإغريقي »اندريا رايدر« الذي كان يوزع لعبد الوهاب أغنياته »الجندول« و»عيد القمح« وأغاني فيلم »غزل البنات«.. وهي إشارة أثمرت فيما بعد لعله اوائل السبعينيات حينما وزع الموصلي أغاني إبراهيم عوض.

ü وإذا رجعنا للوراء قليلاً مرة أخرى .. نجد ان وردي هو من قدم الأغنية في وحدتها الدرامية موسيقياً وشعرياً كما فعل في أغنية »قلت أرحل للتيجاني سعيد، حينما تجئ الأغنية في بنائها الموسيقي والشعري مكونة من بناء درامي كمقدمة ووسط ونهاية .. وفي كل وحدة تأخذ ملامحها الميولودية والإيقاعية في علاقات متشابكة في جدلية من التكوينات التي تتحول في مسافاتها الزمانية والمكانية ..
لم يكن وردي عبقرية وليدة صدفة .. بل هو عبقرية اختارها زمانها السوداني المحدد والحتمي لتعبر عن عبقرية فريدة من خلال عبقرية قومية ، وهذه هي عظمة الفنان وردي.. له الرحمة والمغفرة ..



عندما بكى وردي

د. بخيتة أمين
بدعوة كانت حروفها بهجة والوصول لدار معتصم داؤود صاحب الدعوة كان عصياً وحراس كثر وموسيقى والحان ومايكرفونات »تلعلع« وثريات في غاية الابداع ترحب وتتلألأ بمقدم الفنان محمد وردي لأرض الوطن .. والذي لم تصله دعوة الترحاب كان »زعلاناً« الكل يريد ان يلتقي بوردي وجها لوجه عقب غيبة امتدت لسنوات وظهر وردي في بدلة بيضاء وربطة عنق حمراء وقامة قامة .. ونهضنا جميعاً لنحتضنه في حفاوة أهل السودان بالعائد طوعاً والدموع تبلل الاثواب والشالات والعمائم ..

كانت المناضد مستديرة الشكل وجلست أنا بين وردي وعبد الرحيم محمد حسين وأفزعتني رطانة الرجلين التي تحولت لعناق ودموع وتشابكت اكتافهما في لحظة يصعب وصفها ورفضت دموع وردي ان تكف عن النزول وتحول الحفل للحظات أثيرة وأنيقة وقاسية الحروف فالكل كان عناقاً ومناديل الورق المعطر كانت هدايا الحضور لذاك الفتى النوبي جميل الخصال و فشل ليلتذاك في الغناء لان دموعه طاوعته في الاستزادة وقال لي : يا صديقتي الأثيرة أنا بكيت الليلة كبقية ليال في حياتي ظللت اسكب الدمع مدراراً كلما جاء اسم السودان وكلما غنى فنان للسودان وكلما كان هناك حفل لسودانيين فدموعي توجعني وتفضحني عندما أقاموها ، وسأظل أبكي حتى بعد وجودي في وطني لأنني اضعت سنوات من عمري باكياً ..

وأكفنا ترتفع بالدعاء لك وأفواهنا تمدحك بالخير الذي قدمته وأسديته وخلفته ان الثناء الحسن عمر ثانٍ وولد مخلد وميراث عامر وتركه مباركة طيبة ..



التوقيع:

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

أبوسهيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-20-2012, 01:54 PM   رقم المشاركة : [8]
أبوسهيل
عميد الموقع
الصورة الرمزية أبوسهيل
 
اخر مواضيعي

المستوى: 81 [♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥]
الحياة 3024 / 3024

النشاط 6974 / 23320
المؤشر 65%


افتراضي

إضافة جديدة لآثار شعبنا..

مصطفى أبو العزائم
مثل جبل البركل و إهرامات البجراوية.. مثل ذكرى بطولات كرري رجوعاً إلى حريق المك في قلب الدخيل.. مثل غناء مهيرة، وبطولات ترهاقا وبعانخي، مثل الزعيم الراحل إسماعيل الأزهري، ومثل الإمام المهدي، أصبح الأستاذ الفنان الموسيقار والدكتور محمد عثمان حسن وردي، رمزاً وطنياً وذكرى تفخر بها الأجيال، بعد أن وُسِّد الثرى في مقابر فاروق بالخرطوم.

شهدتُ وأنا طفل لم أبلغ الحلم بعد، شهدتُ تشييع الزعيم إسماعيل الأزهري في مقابر البكري بأم درمان، والتي لم تكن بعيدة عن منزلنا في شارع كرري، وقد انشغل وقتها الكبار عنا بالحدث الجلل، رغم بطش النظام المايوي (الجديد) الذي كان يهدد (بضرب) كل من تسول له نفسه الإخلال بالأمن (بيد من حديد).. وما كنت أتصور أنني سأرى مشهداً مثل ذلك المشهد المهيب أو قريباً منه حتى، وقد كانت الشوارع محاطة برجال الشرطة والجيش، وعدد من الطائرات تحلق فوق رؤوس المشيعين، وقد وقف مولانا السيد محمد عثمان الميرغني متحدثاً بعد مواراة الجثمان الطاهر الثرى، ليخرج هو نفسه زعيماً جباراً مهاب الكلمة مرهوب الجانب له وزن يكافيء الاسم الكبير الذي يحمله.

شهدتُ تشييع الزعيم الأزهري - رحمه الله - وما حسبت أنني سأشهد يوماً تشييعاً يحتشد فيه عشرات الآلاف، لكن ذلك حدث بالأمس مع انتقال مسرح الحدث (الأليم) من مقابر البكري في أم درمان إلى مقابر فاروق بالخرطوم، حيث يمكنك أن تلتقي بكل شخص تعرفه مثلما يمكنك ألا تلتقي بأي ممن تعرف.

غاب موسيقار الأجيال عن دنيانا، لكنه باقٍ داخل وجدان شعبه وأمته، وباقٍ في آثاره الفنية الخالدة، مثلما غاب قبله عدد من الرموز وبقيت أعمالهم. ومن مصادفات القدر أن يوم رحيله صادف الذكرى الثلاثين لرحيل رفيق دربه الشاعر المرهف إسماعيل حسن (ود حد الزين)، والذكرى الثالثة لرحيل الروائي السوداني العالمي الأستاذ الطيب صالح، والذكرى الخامسة لوفاة أمير الحقيبة وكروانها المغرد بادي محمد الطيب، رحمهم الله جميعاً.

التقيت بالراحل كثيراً ومنذ أن سرت أغنياته في أثير أم درمان، ومنذ أن تفتحت أعيننا على الدنيا، أحببت ذلك الغناء الجيد، وأصبحت من معجبي فنه، أجريت معه حواراً تلفزيونياً غنى فيه الأغنيات الوطنية الصعبة، وامتد اللقاء إلى ما بعد منتصف الليل ونحن إلى جوار جسم سد مروي العملاق، ومعنا الدكتور عبد الطيف الحميد والأستاذ أسامة عبد الله والفرقة الموسيقية.. ثم استضافتنا - معاً - داخل منزله في العمورة ابنتنا الإذاعية الموهوبة شادية عطا المنان في برنامج بثته الإذاعة الرياضية على حلقات تحت عنوان (النيل والقمر)، وسألته الأستاذة شادية عن أمر ظل الكثيرون يسألونه عنه، وهو الغناء للأنظمة خاصة تلك التي تجيء في أعقاب المارشات العسكرية بدءاً من انقلاب (17) نوفمبر وانتهاء بانقلاب (25) مايو 1969م.. انفعل الفنان وردي، فهذا السؤال كان كثيراً ما يستفزه، ويسعى خصومه إلى إثارته ومحاولة ربطه بالأنظمة الديكتاتورية.. طلبت منه إلا يرد وقلت لمقدمة البرنامج دعيني أرد بالنيابة عنه.. وقد كانت إجابتي تتمثل في أن الفنان محمد وردي، رجل منحاز للشعب تبهره الشعارات البراقة التي تتبناها تلك الأنظمة في بداياتها، فينفعل بها انفعال الفنان.. ويغني، لكن الأنظمة تنكص عن كل شعار ترفعه، ولا يسكت وردي، بل ينقلب عليها، لذلك نجده الفنان الأكثر تعرضاً لحرب الأنظمة ومضايقتها.

تنفس الراحل وردي الصعداء، وتهللت أساريره، وتبنى تلك الإجابة منذ ذلك الوقت.. بل بعد أن قالها عدة مرات رداً على الأسئلة الاستفزازية.. لم يحاول أحد أن يطرح عليه ذلك السؤال مرة أخرى.

اللهم ارحم عبدك وابن عبدك وابن أمتك محمد عثمان حسن وردي، ونسألك اللهم أن تتقبله القبول الحسن وأن تغفر له ذنبه وأن ترحمه رحمة واسعة، وأن تقيه عذاب القبر وعذاب النار وأن تدخله جنتك مع الصديقين والنبيين وحسن أولئك رفيقاً.. و«إنا لله وإنا إليه راجعون».



وردي و المشروع

عبد العظيم صالح
هل هناك من جديد تضيفه الكتابة عن وردي!!؟ لا أعتقد .. فقد كان كتاباً مفتوحاً لكل جماهير الشعب!!.. أكرر الشعب «ولا نقول المتلقين».. فالإطار الدلالي ليس بين «مطرب وجماهير».. إنه إطار بين قائد وشعب!!

تحت هذا المعنى كانت عبارات عبد الوهاب محمد عثمان وردي واضحة أمس أمام قبر وردي بمقابر فاروق بالخرطوم أمس.

قال للجموع التي رفضت مغادرة المكان ولسان الحال يقول «وسط الدائرة أجمل مشاعر نايرة».. قال عبد الوهاب وردي سيكون العزاء بمنزل الشعب السوداني.. منزل وردي بحي المعمورة!!. في هذه اللحظة لا يمكن «فصل» الملكية.

الزحام و التدافع في استمرار و زيادة .. ظللت مرابطاً بإرادة الصحفي لأعرف متى سيخف الزحام.. مضت دقائق.. ربع ساعة.. نصف ساعة.. «زهجت» وغادرت!!.. ثلاث نسوة كنّ ينتحبن.. يقفن أمام القبر والفارق بينهن ثلاثة أجيال!!.. قالت التي في الوسط: المرض ما بقتل اليوم هو اليوم!!.. في رحلته الأخيرة لصواردة أصر على الذهاب رغم المحاذير واعتلال الصحة!!.. هل كان يحس بدنو الأجل عندما أصر على الذهاب لأرض الميلاد والموعد الأول لبشارة مشروعه الثقافي!!؟

أمس شعرت بالفخر بوردي وبسودانيتي.. فهل هناك أجمل من «رجع الصدى» وأنت ترى كل هذا التدافع النبيل نحو الجثمان ولسان الحال يقول بشوف في شخصك أحلامي!!.. ومن الطرف الآخر يتردد صدى يقول «فهل أيامي تنساها وتسلاها.. إذا ما غبت عن عينيك.. هويتك صرت ولهانك وعشقت الدنيا دي علشانك.. كتير جددت ذكراها.. كتير غنيت من شوقي إليك»!!

الشعور بـ«الزهو» أمر غريب وسط الدموع والمآقي المتورمة!!.. نعم هناك «ألف فرصة » لجمع كل هذا الشتات السوداني المشتت.. في بوتقة واحدة كمثل البوتقة التي تجسدت أمس عقب رحيل وردي!!.. إنه ليس مجرد مطرب.. بل صاحب مشروع وطن يستلهم روح الجمال والمحبة والتوازن والخير.. وهي مفردات تسري في أوصال «هذا» الإنسان الذي يسكن «هذه» الأرض!!

في لحظة تحولت الساحة «لهايد بارك» لم يكن مألوفاً في مثل هذه الأماكن .. حواء الطقطاقة قالت «كلمات جديدة»!!.. وتحدث آخر عن الوطنية في أغانيه.. وقدم كثيرون إفادات لم تكن جديدة!!.. الجديد «تجديد» المشاعر و الأحاسيس و القناعات لهذه العبقرية ألم نقل إنه ظل كتاباً مفتوحاً وصاحب مشروع .. حاول من خلاله إعطاء دور« من نوع خاص» للكلمة واللحن والفنان.. حمله ردحاً من الزمن مضى به .. اختلف الناس حوله أو اتفقوا .. المهم نال صاحبه «نبل الفكرة» و«نقاؤها » وهذا ما أكدته له جموع الشعب السوداني عند رحيله وأعطته شهادة الوطنية الحقة وودعته بدعاء التوحيد «لا إله إلا الله».. وختامه مسك.



غياب عن الميعاد!!

يوسف عبد المنان
غسلت الخرطوم أحزانها ومواجعها وفواجعها بالدموع والأحزان وليل طويل هبت عواصفه الشتائية منذ النهار.. واتكأت الخرطوم على وسادات الأمل وعيونها في الدمعات وحيلة لتودع الهرم والإنسان والمعلم والفنان الأول بعد معاناة مع المرض.. فانطفأت الشمعة التي أضاءت سماء بلادنا عام 1957.. حيث ميلاد وردي الفنان بعد ميلاد وردي الإنسان بنحو 25 عاماً من الزمان..

من غير ميعاد قال وردي إنه سيرحل لبلاد أخرى إلى جوار إسماعيل حسن.. وغرب حارة عمر الدوش.. وجنوب صاحبه الذي باع العمر كله وباقي العمر عليه دين.. وإلى شمال عثمان حسين.

وفي رحيل وردي وغيابه بدون ميعاد وهو يبحث عن التاريخ وعن الظل الوقف ما زاد.. وبهمسة جروف النيل مع الموجة الصباحية.. وفي أكتوبر الأخضر يهمس وردي لعشاقه دي الإرادة وهو عاجز في صمته عن مجابهة المستحيل.. ومستلقٍ على ذراعه وأياديه فشلت في (مطاوعة) الليالي والدموع النازلة من أهل الطرب والفن والغلابة والصبابا في الحارات الحزينة.. وفي الأعياد وقد توقف الظل بالأمس وما زاد..

غنى وردي قبل أيام في رأس السنة ولوح بمناديل معطرة برائحة تراب الوطن.. في الليلة الأخيرة التي غنى فيها وردي تسلل قيادات الدولة والمجتمع.. دبلوماسيون وضباط في القوات النظامية.. أخفوا اللحي بالعمامات البيضاء.. ووزراء (تنكروا) في ملابس مزركشة ونظارات سوداء من أجل الإصغاء لغناء نظيف عفيف شريف يدغدغ الأحاسيس النبيلة ويغسل القلوب من الكدر والحزن وينقي القلوب مما علق بها من (أدران) وأحزان وعلل..

صمت في ليلة السبت مزمار محمدية عن اللحن الشجي.. وجفت ينابيع الحنان في أشعار إسحق ود (الحلنقة).. وماتت حروف اللقيا عند ود المكي وقطار غرب السودان.. ألف وردي بين شعراء الشرق والغرب وموسيقى الوسط والجنوب.. وأسس لحزب العاشقين ببطاقات مجانية لوطن محنك عميق الدروس.. مجيد المهابة.. مديد القوام.

(اتفقنا) والصادق الرزيقي والسفير إدريس محمد علي وضباط الجيش (....) والقاضي (....) والتاجر ورجل الأعمال آدم عبد الرحمن على قضاء ليلة رأس السنة في خيمة وردي.. والصادق الرزيقي (بحسه) إن شاء الله ما آخر غنا.. لكن طفلتي مودة أصدرت حكمها لصالح مطرب مغمور جداً لا أذكر اسمه حتى اللحظة.. ولكنه مشهور عند جيل مودة.. وحينما أصبح الصبح هاتفني الأصدقاء (غنى وردي لعصافير الخريف وغنى لكجراي ولمحجوب شريف وكأنه لم يغنِ من قبل).

وفي انتظار وردي.. أن يغني مرة أخرى ناح الأحباء و(المريدون) وأعضاء حزب الطرب الجميل برحيل الهرم وفنان أفريقيا الذي يتأبط فتى (الأمبررو) في الغابات (الراديو) للإصغاء لوردي.. و(أمبررو) حالة استثنائية.. إنهم قوم بلا جنسية أو وطن.. ولوردي يذوب قلب حامل السلاح في الغابات.. والنهاب في العماري.. وعامل البناء في مارنجان الكمبو.. وتقف لوردي في مهابة وخضوع حسناوات بورتسودان.. وشايقيات القدير.. و(أعاجم) صواردة.. وبقارة تلودي.. وزغاوة أميرو.. وللجعليين نصيب من النهر الإبداعي الذي لا ينضب.. والطبعة الفنية الأخيرة التي نفدت الآن من الأسواق وتركت دموعنا (هوامى) كالمزن في الهملان!!



أسفاي.. رحل المعلِّم وانهارت رافعة الفن الجميل!

طه النعمان
كانت ليلة كئيبة نشر عليها الحزن النبيل أجنحته.. وكان صباحاً أغبر تقاطرت فيه الجموع إلى حيث المرقد الأخير في مقابر فاروق.. كانت سحابات الدموع تعبئ العيون فتحجب الرؤية إلا قليلاً، ثم تنهمر تُبلل العبرات المختنقة، كل يعزي نفسه ويعزي من هم حوله، تساوى الناس في الإحساس بالمصيبة «مصيبة الموت» -كما وصفها الرحمن- التي حلّت بهم جميعاً بواحد من أعز ما يملكون وما يدخرون.. دُخري زمانهم محمد وردي.

لم يكن وردي واحداً من المغنين، بل كان هو الغناء يمشي على قدمين، كان رافعة الفن الجميل والأناشيد السماويات التي عبأت أفق الوطن، وعلمت الشعب عشق الوطن ومعنى التضحية والشهادة والاعتزاز بأرضه وتاريخه المجيد في مقاومة الاستعمار. غنى للحرية والاستقلال، غنى لأكتوبر وأبريل، وغنى للأسود الضارية في كرري، مثلما غنى لنور العين ولعصافير الخريف ولأحلام الشباب وللفرح الراقص «فرحي خلق الله واتني»، وللطير المهاجر في أصقاع الدنيا المحلق فوق نيل بلاده يهدي السلام للوطن وللحبيبة «البتشتغل منديل حرير لحبيب بعيد».

غنى وردي لكل الشعراء العظام في وطنه، شعراء الحب والعاطفة الدفاقة وشعراء الكفاح الوطني وا لثورة المدافعين عن حق الشعب في الحرية والتقدم والكرامة والعدالة، غنى للفقير «المرمي تحت الشمس»، ولعلي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ.. غنى لصلاح أحمد إبراهيم ومحمد المكي إبراهيم ومحجوب شريف ولعمر الطيب الدوش وعلي عبد القيوم ومبارك بشير وكجراي، مثلما غنى لإسماعيل حسن وإسحق الحلنقي ومحمد علي أبوقطاطي، وغنى شعره الذي كان يكتبه باللغة النوبية «لغة المحس»، وكان في كل ذلك قمة لا تدانيها القمم، و عطاء غير مقطوع ولا ممنوع، يصدر عن روح مترعة بالمواهب والإبداع غنية بالتنوع، وبصوت شجي متفرد يصعد بك إلى عوالم الفرح والحماسة الطاغية، ويهبط بك إلى عوالم الحزن والجزع والبكائيات الموجعة.

كان محمد وردي الإنسان رجلاً نسيج وحده، شكلاً ومضموناً، كان مديد القامة متمدد الأطراف، ذا أصابع طويلة كأنما خلقها الله للضرب على الأوتار والآلات الموسيقية، وذا أذنين عريضتين ربما أراد الله أن يجعلهما أشبه بسماعتين كبيرتين «للساوند سيستم» تلتقطان حفيف الريح بين العشب والأشجار وزقزقة العصافير وهدير الرعود ليصبغه ويمزجه ويصنع من ذلك كله موسيقى تطرب السامعين وتخترق وجدانهم بلا مقومات.. إنه الفنان في أبدع صوره، أو هو صورة الفنان في أبهى وأرقى أحوال تشكلها.

عرفت محمد وردي، كما عرفه كثيرون غيري من معاصريه ومجايليه، فهو كان كما «ليلى» كل يدعي وصلاً بها، وكان قلبه الكبير وروحه المرحة يمنحان مساحة كافية لكل محب أو معجب أو طالب وصل، وكنا ثلاثة على علاقة وثيقة به، يمنحنا من وقته العزيز قدراً لا بأس به من الاهتمام، وكنا ثلاثتنا صحافيين نعمل في مؤسسة واحدة هي وكالة السودان للأنباء أوائل سبعينات القرن الماضي، الراحل محمود محمد مدني وصديق محيسي رد الله غربته وشخصي. كنا نستمتع بموانسته ولا نطلب منه الغناء، فأنس محمد وردي ليس أقل روعة من غنائه، فهو ذو صوت نحاسي مجلجل في الحديث، ومخارج ذات وقع نوبي على فصاحتها، وكانت الطرفة والنكتة والسخرية على طرف لسانه.. كان مزيجاً من الحدة والانفعال والتهور والرقة والإلفه واستيعاب الآخر في الوقت ذاته، فتحتار وأنت تخالطه وتعامله وتحاوره إلى أي الضفتين تركن أو ترسو مراكبك، الغضب أم الرضاء، حتى يعمك دفق حبه وكرم خصاله فيغسل ما علق بنفسك وتعود المياه إلى مجاريها.. حينها تتذكر أنه «الفنان».. وهكذا خلقه الله - نسيج وحده- فتلتمس له العذر.

هذا التفرد، الذي طبع شخصية محمد وردي، عاد على أهل الفن ومسيرة الفن في بلادنا بفائدة عظيمة، فلوردي يعود الفضل في الارتقاء بمكانة الفنان في عيون جمهور المتلقين والمستمعين السودانيين، كان الفنان قبل محمد وردي، وقد سبقه فنانون عظام، لا يحظى بالتقدير الواجب والمعاملة التي تؤكد هذا التقدير، خصوصاً في ما يتصل بحقوق الفنان، وكان محمد من أوائل، إن لم يكن الأول، الذي واجه مثل هذه المعاملة التي لا تليق بقدر الفنان بشجاعة وصرامة جلبت عليه بعض السخط ممن لا يقدرون الفنان حق قدره، ذلك لأنه كان يشترط على أصحاب الحفلات والمناسبات الخاصة دفع ما عليهم من التزامات مالية تجاه الفنان مقدماً إن لم يكن يعرفهم ويثق في التزامهم، وكان كثيرون غيره من زملائه يتساهلون في مثل هذه الالتزامات ويتركونها لتقدير أصحاب الحفل أو المناسبة، وقد ينتهي الأمر إلى إهدار حقوقهم و «مرمطتهم» وضياع هيبتهم، وهذا ما لم يكن يرضاه «المعلم» وردي. فهو يرى في «الفن» عملاً يستحق التقدير المادي، لما بذل فيه من وقت وجهد ومعاناة حتى صار لحناً وغناء يطرب السامعين، وعلى من يستمتع بهذا«المُنتج» المكلف التكفل بدفع الثمن. وعندما يصبح هذا العائد- عائد فنه وجهده بين يديه- تجد ذات الرجل، الذي كان يصر على انتزاع حقه، جواداً كريماً متلافاً للمال يبدده في لحظات على الأصحاب والأقارب، فتصيبك الدهشة ويأخذ بك العجب أي مأخذ!

وردي الآن بين يدي مليك مقتدر، ونسأل الله الذي وسعت رحمته كل شيء أن يلطف به وينزله مكاناً علياً في جنان الخلد بأكثر مما قدم لشعبه ولشعوب القارة، وأن يجعل كل زخة طرب ولحظة فرح نالها مستمعوه ومحبوه برداً وسلاماً على روحه وتميمة غفران على جيده ودعوة عتق من النار.. آمين



وردي.. وداعاً يا أغلى الرجال..

مؤمن الغالى
يا حبيب الشعب.. هل أبكي أم أغني.. والشجن أكبر مني.. والأسى أعمق من صوتي ولحني.. كيف أبكي وأغني.. سأغني.. سأغني.. سأغني.. أغني رغم أن الكلمات مالحة في فمي.. حزين حد النواح والفجيعة.. وأنا أكتب بالدموع وداعاً حزيناً دامعاً لك يا أغلى الرجال.. يا مصباحاً انطفأ وكان ينير دياجير المسالك والمعابر والدروب.. يا قوساً انكسر وكان يبعث في أرواحنا النشوة والمتعة والدهشة.. يا حنجرة كم صدحت للوطن.. ثم للشعب.. ثم للأحبة رابحين وخاسرين..

سأغني.. لأن الموت.. لم يأخذ معه.. شجى الألحان.. وفاتن الغناء وبهيج النشيد.. ولكن ماذا أقول.. هل أكتب مثل حروفنا لكل الذين يغادروننا خلسة.. أو بعد وداع.. أو في مر فراق.. لأقول كنت فناناً صاخباً.. صادحاً صامداً.. صافياً كما فضة على الجدول يترقرق.. هل أقول كنت فارساً ومبدعاً.. ورصيناً.. وبديعاً.. أرفض فهذه بعض نوافلك يا وردي.. فقد كنت السهل والجبل.. كنت الولاء والوفاء.. كنت الأرض والعرض.. كنت الشمس والحقول والأطفال والمطر.. كنت الرائد والحادي.. كنت الهتاف الهادر الراعد.. كنت الهمس المنساب الصاخب..

وما أفقر الكلمات يا وردي.. وما أقل الحروف وهي تجهد نقاطها وأشكالها لترسم نذراً يسيراً من فيوض إبداعك وأمطار إعجازك.. وبحار إمتاعك.. كيف نستطيع أن نسطر ما سطرته أناملك الموهوبة.. وألحانك الشجية.. وحضورك الباهي الوسيم.. وقلبك الذي يمتليء ويفيض ويتدفق بحب وطن.. وشعب.. ظللت على الدوام تهبه من روحك العبقرية.. وهل نقف في محطة عرس السودان وفدى لعيني طفلة غازلت حديقة في الخيال.. أم نزور محطة هيام النهر.. ذاك الذي يستلهم حسناً.. أم صوتك المجلجل في فضاء الكون.. نحن في الشدة بأس يتجلى.. أم نستريح تحت ظلال شجرتك الوارفة وأنت ترسم للوطن الطريق.. ولنا تغزل من صفق الورود.. تعريشة الأمل.. وكيف هي أشواقك وأشواقنا شاهقة لوطن عاتي.. وطن خيّر ديمقراطي.. وبالله عليك يا وردي.. هل كانت أماني ريانة.. وأحلاماً بطول وعرض الوطن أكثر من تلك الأحلام والتي حتماً وصدقاً وحقاً وقسماً ستتحقق..

ومكان السجن مستشفى.. مكان الأسرى وردية.. مكان الحسرة أغنية.. ومكان الطلقة عصفورة تحلق فوق نافورة.. تمازح شفّع الروضة..

من أي جهة أخوض في محيط إبداعك.. أيها البهي الفخيم.. وهل احترامك لذاتك.. أم احترامك لفنك.. وأنت تنقل الفنان.. إلى لسان عالي التهذيب.. سامي المكان.. سامق الوفاء للوطن.. للشعب.. للأحبة.. لا لم تنقل الفنان فحسب.. بل نقلت حتى الفن ليتربع على قمة هرم الإنسان والأوطان.. وهل أقف عند مشرع ذاك الدلال.. بل «الدلع» الذي وهبته لنا.. وأنت تساهر الليالي.. وتنفق من عصبك وروحك.. وسهرك.. وعرقك.. لتقدم لنا روائع الأغاني وحلو الأطباق.. وهل ننسى أنك أبدعت في صياغة رائعة الدوش ألحاناً «الود».. ثم إمعاناً في تدليل جمهورك.. حملتها إلى القاهرة.. ليعيد توزيعها اندريه رايدر.. لتليق بشعب أحببته.. وقاسيت مرارة السجون.. وضيق الزنازين.. فداءً له.. وتكريماً له..

هل أتحدث عن ذلك.. أم غنائك السعيد.. للرابحين حبهم.. وأنت تزفهم إلى أكواخ السعادة.. تجتاز بهم المسالك الوعرة.. تعبر بهم الدروب الصعبة حتى يرسو زورق أحلامهم على الضفاف العشبية المزهرة.. ثم تهبهم أنشودة الفرح.. قالوا بتحبو قلت ليهم مالو.. إيدي على إيدو الهنا مشينالو وهل أتحدث عنك منديلاً رطيباً يجفف دموع الخاسرين عشقهم.. تسامرهم وهم يسامرون النجوم.. بل يساررون النجم في الظلم.. تهدهدهم يا وردي.. حتى تغمض عيونهم من رهق السهر.. ونسيت ضوء القمر في أجمل ليالي.. وشعاع النجوم يبهر كاللآليء..

أقول هذا.. أم أذهب إلى حدائق المناجاة الحالمة.. وخرير الجداول.. وإبهار ضياء القمر.. وحفيف صفق الشجر وعطر الورود.. ويا بدوري في الظلام والظلام يحجب لي دربك..

يا لروعتك وأنت حتى عندما تفزعنا.. نحسب أن الضوء قد انسحب من الكون.. عندما تشدو.. خوفي منك خوفي تنساني وتنساها الليالي.

أيها الحبيب.. لن أقول وداعاً.. أنت مركوز في آخر بوصة من أفئدتنا.. لن نذكرك لحظة واحدة.. لأننا لن ننساك لمحة عابرة.



غياب بوصلة الوفاء

عبد العال السيد
تتشابك دروب الحياة ، تزهو أقمار تتسلق عصب الذائقة وتشكل وجدان أمة ،وفجأة ترحل هذه الأقمار إلى الضفة الأخرى مخلفة وراءها إرثا من الإبداع يظل نابضا كما الهواء يتنفسه الناس ، في كل لحظة من حياتهم ، هكذا كان العملاق الراحل محمد وردي ـ رحمه الله ـ شامخا في فنه وفي معطياته الحياتية كافة ، فمن عمق الشمال صوارده حيث البدايات إلى كافة أنحاء الوطن ، حواضر ، بوادي ، قرى ، صحارى وغابات شكل محمد عثمان وردي ذائقة الملايين جيلا بعد الآخر ، وتعدت شهرته حدود الوطن إلى دول غربي وجنوبي القارة السمراء فحمل لقب فنان إفريقيا الأول بلا منازع .

أذكر البارحة الأولى كنت أعمل ضمن وردية الليل في مهنة المتاعب ، فجاءتني اتصالات من زميلي رحلة العمل النهارية ، عبد الله عباس ومختار العوض ، وثمة رسائل واتصالات كثيرة من السودان والخليج تنعي الراحل الكبير محمد وردي ، رسائل ومكالمات مغموسة بالدموع حزنا على الراحل الكبير ،لحظتها فتحت أمامي شريط وكالة الأنباء الفرنسية علني أجد خبر نعي الراحل الكبير ولم أجد غير أخبار الدماء التي تهطل في سوريا ، وسلسة من أخبار سوداء اعتادت عليها العيون ، للأسف وكالة الأنباء الفرنسية لا ادري إن كان لها مراسل في السودان أم لا ،لكن من المعروف متابعتها لأخبار النجوم والمشاهير على امتداد العالم لكنها غابت للأسف عن وفاة العملاق الكبير ،

قلت أجرب المحطات السودانية ، للأسف كانت الشروق التي تحمل شعار شمس السودان التي لا تغيب تبث برنامجا محنطا لا يودي ولا يجيب ، فيما كان تلفزيوننا القومي بسلامته هو الآخر يبث برنامجا آخر مساخه كعادته ودقي يا مزيكا لحن العشوائية ، وفي المقابل كانت صاحبتنا الجميلة قناة النيل الأزرق كعادتها في تكريم المبدعين حاضرة على سنجة عشرة في هذا المصاب الجلل فالتحية لصديقنا الجميل مدير إدارة البرامج في النيل الأزرق الشفيع عبد العزيز وكوكبة العاملين في هذه القناة المهضومة .

رحل العملاق محمد وردي وبقيت سيرته وعطاءاته الفنية حاضرة ونابضة في الذاكرة الجمعية للسودانيين وستظل كذلك مجسدة مسيرة إنسان عشق العطاء الإبداعي وحصد أوسمة الحب من الملايين داخل وخارج حدود الوطن ،ولكن يظل ثمة سؤال جارح هل نحن قدر عطاء المبدعين وتكريمهم وتخليد ذكراهم وحفظ الجميل لهم ، للأسف بورصة الوفاء تسجل غيابا كبيرا لدينا ، فقبل وردي انتقل إلى الضفة الأخرى ، الطيب صالح ، عثمان حسين ، إبراهيم عوض ، خليل إسماعيل ، زيدان إبراهيم وقبلهم مصطفى سيد احمد ـ رحمهم الله جميعا ـ ورغم أن عطاء الراحلين وحده يخلدهم في الوعي الجمعي لكن نظل نعاني من الوفاء تجاه من رحلوا من مبدعينا إلى الضفة الأخرى رحم الله العملاق محمد وردي والعزاء لكل السودان .



آه يا أعز الناس

عابد سيد أحمد
بكت الناس رحيل الموسيقار محمد وردي لانه لم يكن فناناً عادياً وانما كان هرماً شامخاً فى ساحة العطاء الفنى زان بالدرر جيد الفن ودخل قلوب الناس بلا استئذان ،،، فالفنان المؤسسة وردي مثله تلتقي عنده الاجيال،،، الشيء الذي جعله فناناً لكل الاجيال مما جعل شموخه وجماهيريته تتصل وتتزايد مع مرور الاعوام ولا تتناقص وهى حالة لا تتوفر إلا للقامات السامقه واصحاب سحر الاسطورة ........ ووردي للذين يعرفونه عن قرب فنان ملتزم فى فنه وفى سلوكه انطلاقاً من مهنته كمعلم فى بداياته والتى شكلت فيه وردي الفنان المثقف والعارف بدوره ورسالته وقد ظل يمارس هذا الالتزام فى فنه الذي قلما نجد من بين اغنياته اغنيه يمكن ان توصف بالهابطة كلمة ولحناً مما جعله فناناً قمة فى كل شيء واذكر عندما كنت اقدم برنامج (من بلدنا) بقناة النيل الازرق انه قد اعطانا درساً فى احترام المواعيد ...... فقد حددنا له ان ناتيه للتسجيل معه فى الرابعة عصراً ولكننا بجرجره اغلب السودانيين اتينا له فى منزله فى الخامسة والنصف فاستقبلنا بحفاوة جعلتنا ننصب الكاميرات استعداداً للحوار معه لكنه سارع بتوجيه اسرته بالاسراع فى اعداد طعام الغداء لنا وظل طوال ساعات الطعام يحثنا على الاكل وكان يحكي لنا خلاله الطرف ويضحك معنا فى روح جعلتنا نظن ان الحلقة التى سنقوم بتسجيلها عقب وجبه الغداء الدسمه ستكون بروعة الوجبة ولكنا تفاجأنا بعد الشاي باعتذار لطيف من الموسيقار بان التسجيل لن يكون اليوم ولا بد من ميقات جديد ناتي فيه دون تاخر حتى لدقيقة واحدة ،،، فحاولنا ان نقنعه بان الطريق هو سبب التاخير ولكنه اصر على ان لا يتم شيء إلا فى الموعد المحدد المتفق عليه واردف بان فناناً مثله يجب الا يسمح بعدم احترام الوقت فلم نجد بدَاً من (لملمة) اجهزتنا والعودة والاتفاق معه على موعد جديد التزمنا فيه بالحضور فعلاً دون ان نتاخر اية دقيقة وفى ذلك اللقاء او تلك الحلقة جلس معنا وردي فى حديقته التى اقامها امام منزله والتى يستقبل فيها ضيوفه ليلاً بعد ان احضر الربابة الآلة التى قال انه قد جاء بها من قرية صوارده النوبية واصر يومها ان يغني بها فارتباط وردي بالريف البعيد وبيئته لم تغيره العاصمة او بريق الشهرة والنجوميه فقد كان يتحدث معنا بالعربية ثم يتجاذب الحديث مع بعض ضيوفه النوبيين بالنوبية وفى ذلك اللقاء سالته عن سر اصرار وردي على انتقاد الاخرين بصراحة شديدة تفتقد الدبلوماسية فقال لي نحن النوبيين لنا وجه واحد لا نقول كلاماً امام احد وناتي لنقول غيره من خلفه لذلك نقول عن الابيض ابيض والاسود اسود دون ان نحتاج لتلوين الاشياء وهكذا ظل وردي صادقاً مع نفسه ومع الاخرين وفى ذلك الحوار الذي بثته قناة النيل الازرق حدثني وردي عن البيئة التى شكلت شخصيته وعن اناس كانوا وراء سمات الشموخ التى تميز بها وعن تعلقه باهله وبالوطن الكبير فالفنان وردي اتسم بالصدق فهو عندما غني لمايو حارسنا وفارسنا واكتشف بعد حين خطأ تقييمه لما اختاره ليغني به عاد وغني لا حارسنا ولا فارسنا ودخل السجن حبيساً على موقفه الجديد وعندما جاءت الانقاذ اختلف معها فى الاول لكنه عاد فى الاخر ووقف مع وحدة الصف الوطنى وملأ مسارح الخرطوم بعطائه الجميل بعد سنوات طويله من البقاء فى المهاجر.

اخيراً
لا يختلف اثنان فى ان الحديث عن سمات ومزايا الراحل الفنان محمد وردي بحاجة الى مساحات ومساحات بل الى مجلدات،،، انه مؤسسة كاملة شاعر وملحن ومغنى واداري ونقابي ومثقف جميل فى كل شيء ،،، لك الرحمة اخي وردي بقدر عطائك الجزيل.



وطنا بإسمك كتبنا ورطنا

فدوى موسى
يظل «وردي» في خاطرنا الجمعي عصياً على النسيان والتجاوز.. تلك القامة الفنية السامقة في كبرياء يمليه جلال ما قدم للوجدان السوداني.. وتلازمني له حالات إنسانية منفعلة مع مفاصل حياتي الطفولية إلى المراهقة والعقلانية.. ويلازمني تذكار أول خطاب غرامي يصلني في حياتي وأنا استحي من نفسي أن أجرؤ على فتحه ولكن الفضول وحب اكتشاف العوالم الجديدة يدعوني لذلك، فأتفاجأ باختصار الراسل لكل ما يريد أن يُعبِّر عنه في أغنية جميلة لـ«وردي والحلنقي» احتفظ لنفسي بترديدها كلما تذكرت تلك الأيام الطفولية على الأعتاب.. فلم أجد بداً حينها من زجر الراسل مع الاحتفاظ بكلمات تلك الأغنية في خاطري حتَّى الآن ولسان حالي «يا له من مكار وداهية عرف كيف يختط في دواخلي تذكار أرساله لذلك الخطاب».. وتمضي الأيام وتتفتق فينا بعض الأحاسيس بالشأن العام فنجد في خيارات وردي «أصبح الصبح.. ويا شعباً لهبك ثوريتك.. وأكتوبر الأخضر.. و.. وألخ»، فيحرِّك فينا الأحاسيس الوطنية مطلع كل ذكرى للاستقلال «اليوم نرفع راية استقلالنا..» ونظل نرفع روحنا الوطنية مع تداعيات أحداث الوطن الجسام و«وردي» فيها الباعث والملهب للحماس «بلا وانجلى».. وإن أنسى لا أنسى ذلك الاحتفال الذي ردد فيه «وردي» «في حضرة جلالك يطيب الجلوس مهذب أمامك يكون الكلام.. لأنك محنك عميق المهابة عميق الدروس.. شبابك تشابك شديد الزحام..» لأبي قطاطي.. فألهب حماس الحضور بالمسرح وانفعلنا كما لم ننفعل من قبل لأنه كان قادراً على مس أوتار الشجن والوطن فيما يشبه الحراك الانفعالي الصادق، ألا رحم الله «وردي» الذي أطرب وأزكى وعمق فينا أدبيات مكنته من انتزاع المكانة السامية كفنان للقارة السمراء.. فلتبكي العين نور العين.. ولو كنا بكينا على الصورة.. سامح دمعتنا المعذورة يا غنوتنا ويا بهجتنا ويا مرسى عيوننا المبهورة.. ما نحن بطبعنا ناس طيبين غلطاتك عندنا مغفورة.

آخر الكلام

ويبقى وردي الذي أطربنا وحببنا في التفاعل مع أحداث وطننا.. لأنه تغنى «وطنا باسمك كتبنا ورطنا.. أحبك.. أحبك..»



وردي فناننا الذي أحببناه

رأي : بروفسير الفاتح الطاهر دياب:
في الخمسينيات.. العصر الذهبي للأغنية السودانية وفي ظل سيطرة الراديو على الانتاج الفني، ووسط مجموعة كبيرة من العمالقة الكاشف- أحمد المصطفى- التاج مصطفى- عثمان حسين- وابراهيم عوض- ظهر محمد وردي ليتلمس أولى خطواته في مجال الغناء، وقدم أعمالاً مبتكرة في شكلها ومضمونها، تمرد فيها على تقاليد الغناء السائدة، آنذاك فملأ الساحة الفنية بحضور طاغٍ ومذاقٍ متميز وفلسفة خاصة، فكان علامة فارقة في مسيرة الأغنية في بلادنا.

البداية:
في منتصف يوليو عام 1957 بدأ مشوار وردي التنويري، رصداً للواقع بكل معطياته السلبية والإيجابية، وغوصاً في أعماقه، بحثاً عن الجديد، فكان كل عمل يقدمه يعتبر إضافة جديدة، وخبرة جديدة، ومكانة فنية جديدة، وجماهيرية أكثر تألقاً وتأكيداً على النجاح، وبعد كل خطوة أو إضافة يحققها يقف مع نفسه ويعيد حسابه وترتيب أوراقه، حتى تكون خطواته أكثر وثوقاً، ويقول «كل ما أصبو اليه هو النجاح وحب واحترام وثقة الجمهور بي» لقد فهم وردي أن النجاح له حسابات لا يعلمها أحد، وبالتالي فعليه أن يسعى لتحقيق الجيد، ويترك النجاح للظروف وحدها.. المهم دائماً إحساس الفنان بأن ما يقدمه يحترم فيه نفسه وفنه، وجمهوره، وأن الفن عطاء لا أخذ.. فقدم برؤية ثاقبة، وبايقاع متوازن في نهاية الخمسينيات عدة أعمال متميزة، نذكر منها «لو بهمسة» و«بعد ايه» و«نشيد الاستقلال» و«هام ذاك النهر» وكانت تلك من أميز وأمتع مراحل حياته الفنية، وبفضل موهبته اللحنية التي تزيدها خبرة السنين بريقاً، وبتميزه بشخصيته القوية وثقافته الرفيعة، وأدائه السهل الممتنع، وملامحه المرنة، وطبقات صوته الواسعة، وبموهبته الأصيلة بتنوعه المستمر في أعماله، وصل وردي في نهاية الخمسينيات الى الصف الأول وسط أقوى واضخم جيل في تاريخ الأغنية السودانية، فأثبت أن الجمهور يبحث دائماً عن الفنان الذي يحترم عقله ومشاعره ووجدانه، فالفن دائماً وأبداً هو الامتاع والإفادة.

وردي والسياسة:
بعد قرار تهجير أهالي حلفا من منطقتهم الى خشم القربة في أوائل الستينيات، عارض وردي القرار، وخرج في مظاهرة ضمت الآلاف من أبناء حلفا، فاعتقل، ثم أفرج عنه بعد أسبوعين، فبدأ وعيه السياسي يتفتح وينمو، يدرك أن السياسة مرتبطة بالفن، ومن خلال الفن بدأ وعيه واحساسه الوطنيين في التشكيل المتسارع، مما صقل أصالته الشعبية، وتفجر كل ذلك من خلال مشاركته الفعالة في ثورة اكتوبر عام 1964م

وكان من الطبيعي والضروري أن يكون هناك فنان يعبر عن تلك الثورة وأهدافها، خاصة والأغنية الثورية قادرة على احتواء معاني الفعل الثوري بأفضل من أي مقال سياسي صاخب، وكان وردي ذكياً يفهم مزاج الشعب في مسيراته وفي هتافاته، وما يحتاج اليه ويعرف مقاييس الأغنية الوطنية، وقد حشد لأجل ذلك مجموعة من العناصر يمكن تلخيصها في:

التلقائية والوضوح- العفوية في التعبير- التفاؤل المشرق- البساطة في التلحين- استخدام الأوزان الخفيفة الراقصة- مرافقة الرقص الجماعي الحماسي لبعض أشكالها- التعبيرات المشرقة في كشف الغضب والتمرد والرفض- طرح مفاهيم الثورة وطموحات الجماهير.

فقدم «أصبح الصبح»، «أكتوبر الأخضر» و«ثوار اكتوبر» واستطاع أن يطوع أصعب الكلمات ذات المعاني والمفاهيم السياسية، الى جمل لحنية رشيقة سهلة الحفظ، لتصبح في اليوم الثاني أغنية الشارع يرددها الرجال والنساء والأطفال، الى جانب أعمال زميله الفنان الكبير محمد الأمين المتميزة، والواسعة الانتشار، إن تفاعل الجماهير مع كل ما كان يقدمه من أعمال وطنية ملأته ثقة بنفسه، وضاعف من حبه وعشقه للفن، كما يقول هو نفسه، ثم بدأت أواخر الستينيات مرحلة جديدة في تاريخ الأغنية السياسية، أصبح المجال واسعاً، وكان وردي أحد مبدعي تلك المرحلة، بل مبدعها الأول فقدم أجمل الألحان التي رددتها الجماهير آنذاك، وبعد اخفاق الحركة التصحيحية في يوليو عام 1971 أعتقل لمدة تزيد عن العام، وفي ظلام السجن ازدادت قناعة وردي بأن يواصل نضاله ضد النظام المايوي مهما كان الثمن، وبعد خروجه من السجن أخذ يهاجم مايو والمايوية بألحانه المتميزة، مما جعل جهاز الأمن القومي يضع اسمه على لائحة المغضوب عليهم وتحت الرقابة المستمرة، كانت حالته المادية في تلك الفترة سيئة للغاية، فطرد أطفاله من المدارس لأنه لم يكن قادراً على دفع المصروفات الدراسية، وقاطعت الإذاعة تسجيلاته، وكذلك التلفزيون، وكان القائمون على أمر المناسبات والمسارح يخشون غضب السلطة، فلا يجرؤون على دعوته لاحياء حفلاتهم، ولكن وردي لم ينكسر بل ظل يغني لأصدقائه ومعارفه في السودان وخارجه، أغنياته التي كان يغنيها ضد مايو مستخدماً ذات القوالب التي كان قد صب فيها أغنياته لمايو في أول عهدها، عندما كان مؤمناً بأهدافها، واحتفظ بالشكل وغير المضمون- أي احتفظ باللحن وغير الكلمات- وهذه الأغاني معروفة لدينا ومضامينها تعني أن مايو مثل نوفمبر، خيبت آمال وتطلعات الجماهير، ولابد من ثورة تعيد الديمقراطية المغتصبة، واقترب بتلك الأغنيات أكثر فأكثر من الشعب، يحس ألمه ومعاناته ويلمس بنفسه أحزانه وتعطشه للحرية.

قمة النضوج:
أما أغنياته العاطفية في هذه المرحلة قد بلغت قمة النضوج، والعمق والجدية فقدم «الود» عام 1970م و«قلت أرحل» عام 1971 و«أسفاي» عام 1973م «أناديها» عام 1974م و«جميلة ومستحيلة» عام 1976م و«الحزن القديم» عام 1979م و«الوتر المشدود» عام 1980م كما قدم أغنيات وطنية حوربت من قبل جهاز أمن الدولة هي «وطنا» و«عرس الفداء» وكان موفقاً كعادته في اختياره للأغنيات وفي وضعه لألحانها، حتى في اختياره لعازفيه، فتميزت تلك الأغنيات بالجمال والثراء اللحني والدقة، والتوازن بين النصوص الشعرية، والجمل اللحنية، فكانت أعمالاً فنية متكاملة أحبتها الجماهير ورددتها بشكل عاصف، وأشاد بها النقاد.

غناء مابعد الانتفاضة:
بهذا المفهوم بدأ وردي مع رفيق مشواره الشاعر محجوب شريف مرحلة ما بعد الانتفاضة فقدم أغنيات للوطن والثورة، وارتقيا بالأغنية الوطنية من واقع مجتمع مارس/أبريل فكانت الأعمال الكبيرة «بلا وانجلا» وغيرها.

فنان افريقيا:
لقد شارك وردي في تربية وجدان الشعب السوداني، بل أصبح واحداً من أبرز رموز الثقافة الغنائية في عالمنا العربي وافريقيا، بأغنياته المتميزة المتفردة، وأحد رموز السودان الدالة على رقيه وتحضره الفني، وبتغلغله العميق في وجدان الناس وعقولهم صارت أعماله من أكبر التأثيرات على حياة الناس، بما تشتمل عليه من قيم تؤكد قامته كفنان مثقف، زود نفسه بوعي عظيم وعرف كيف يوظف طاقاته الهائلة- لقد حمل وردي ببراعته وثقافته أمانة كبيرة وهي رفعة السودان، والتعبير عن حضارته بأصدق صورة، أمام أعين العالم من خلال جولاته الفنية الناجحة، ونتيجة لذلك نال جائزة فنان افريقيا الأول، ولوردي نظرة فلسفية للحياة وللوطن، فهو يريد أن يعيش أهل السودان في عصر النوافذ والعيون والآذان المفتوحة، يريد الحريات بلا حدود، والخيال الوثاب أيضاً بلا حدود، يريد الطلاقة للعقل والوجدان، والأفكار حتى يستطيع الإنسان أن يبدع في ظل ديمقراطية معافاة، فالديمقراطية عنده بما تضمنه من حرية التفكير، -حرية التعبير- وحرية اتخاذ المواقف لايجب أن تكون محل مساومة.

ندعو الله من أعماق قلوبنا أن يتقبل وردي وأن يرحمه رحمة واسعة، فقد عاش رحمة الله عليه رمزاً ورائداً لمسيرتنا الفنية وسيظل بإذن الله.



وداعاً سحر الاسطورة

رأي: فيصل يس :
كنا جلوساً في ردهة مبنى «عمارة السُكر» التي كانت تصدر منها صحيفة «الاقتصادية» الاسبوعية... برئاسة تحرير الأستاذ نجيب نور الدين... كنا نجلس عم عيسى ابراهيم المدقق اللغوي وشخصي والمدير العام لتلك المؤسسة... كانت دائرة اللقاء حول ما أثاره ذاك المدير عن أن وردي «متعجرف» ومتكبر... وأنه عندما سئل ذات مرة عن ترتيب الفنانين في السودان... قال وردي أولاً وثانياً وثالثاً... وعاشراً.. ثم ود الامين ثم.... و ...!!

قلت لهم بأن هذا تواضعاً من قامة في مثله... لأنني لو كنت أملك ما يملك من خامة الصوت الشجي.... لقلت أنني الأول وحتى المائة... ثم يأتي بعدي من يأتي..!!

كان السؤال من عيسى ابراهيم... عن «انت يازول وردي دا بتدافع عنه كدا ليه»؟؟

ذهبنا حيدر محمد علي المدقق اللغوي... وعبد الرحمن جبر والأستاذ عبد العظيم المحامي... وشخصي في وقت متأخر - على الدفن - ظهر أمس لتقديم العزاء في وفاة الموسيقار الدكتور محمد عثمان وردي...!!

في الحقيقة هالني ما رأيت من تدافع المبدعين والشعراء والعازفين والممثلين... والرموز السياسية... وحتى قادة المعارضة...وفوق هذا كم هائل من قبائل السودان واتجاهاته المختلفة... جنوب وشمالاً... شرق وغرباً... هبوا جميعاً وقد وحدهم حب هذا العملاق القامة... كما لم توحدهم لا السياسة... ولا كرة القدم... !!

ونحن في خضم شلال هائل من الحزن... المتدفق وكم الشجون ... كنت محتاراً أن كيف لي أن اكتب عن هذا الحدث... ولكن لفت نظري تعبير الزميل جبر... الذي قال أن السودان قد فقد شيئين من اعظم ما يهبهما الزمان... النفط - بانفصال الجنوب - ... ووردي برحيله!!

فأحسست بأن هذا تعبير كاف....!! بالرغم من أن فيه ظلم لوردي... فوردي أغلى من أي نفط... ومن أي معادن و... و... !!

ولكن... لا نقول إلا ما يرضي الله... و(حليل الكان بيهدي الغير.... صبح محتار يكوس هداي)...!! إنا لله وإنا إليه راجعون..



من غير ميعاد.. السودان يشيع الامبراطور في موكب مهيب

الخرطوم: عبد الرحمن جبر:
شيعت البلاد صباح أمس أمبراطور الأغنية السودانية و الافريقية الفنان محمد عثمان وردي في موكب مهيب تقدمه السيد رئيس الجمهورية المشير عمر حسن أحمد البشير، وعدد من الوزراء، وقيادات القوات المسلحة والشرطة، وزملاء الراحل من أهل الإبداع، وجماهير غفيرة من أبناء الشعب السوداني، وتمت مواراة جثمانه الثرى بمقابر فاروق بالخرطوم.

ü ولد محمد وردي في العام 1932م في بلدة «صوارده» إحدى قرى شمال السودان، وهي من أكبر مناطق السكوت بمحافظة حلفا التابعة لولاية دنقلا.. بدأ حياته بالتعليم وتدريس الطلاب، واتجه بعد ذلك للغناء، وسطر الفرعون وردي اسمه بأحرف من ذهب في مسيرة الأغنية السودانية، عبر عطاء مدهش امتد لأكثر من خمسين عاماً، جسد خلالها معاني الوطنية عبر أعمال شكلت الوجدان السوداني، منها «يا شعباً لهبك ثوريتك- أكتوبر الأخضر- يا شعباً تسامى- بنبنيهو البنحلم بيهو يوماتي- عرس السودان- وطنا بي اسمك كتبنا ورطنا- عرس الفداء» وغيرها من الأعمال التي دعمت ثورة أكتوبر، وثورة أبريل، وعبرت عن معاني الوطنية الحقيقية، كما أثرى الفرعون وألهب القلوب عبر أعماله العاطفية التي تعتبر مصدر فخر لكل أبناء السودان، ومازال صداها يتردد حتى الآن مثل «أعز الناس- الطير المهاجر- هجرة عصافير الخريف- أقابلك- يا بلدي يا حبوب» وغيرها من الدرر الغنائية، كما تغنى وردي باللغة العربية كان هناك نصيب في مسيرته الفنية للأغنية النوبية التي تعبر عن انتمائه النوبي بايقاعات أهله، بالإضافة إلى تفرده في التلحين، فهو موسيقار لا يشق له غبار، ولا ننسى جوانبه الإنسانية العظيمة، لذلك لم يكن غريباً أن تنهمر الدموع من بين عيون الرجال والنساء، تعبر عن حزن قومي وفاجعة وطنية عصيبة على السودان وأهله.

«إنا لله وإنا إليه راجعون» لا نملك إلا أن نقول هذا.. بهذه الكلمات عبر الفنان حمد الريح رئيس اتحاد المهن الموسيقية، فوردي هو فقد غير عادي، وفقده كل السودان وخارجه، ونسأل له الله الرحمة.

وعجز لسان الفنان شرحبيل أحمد عن وصف للموقف، وقال هذه هي إرادة الله تعالى، وردي فنان سيكون خالداً في قلوبنا وقلوب كل السودانيين، وهو اخونا وصديقنا.

وعبر رفيق درب الراحل الشاعر إسحق الحلنقي عن حزنه، وقال إن فقد وردي هو فقد عظيم، فقد عاش سفيراً للجمال السوداني في أي مكان في الدنيا، والسودان فقد شمساً كانت تشرق غير الشمس التي نعرفها ونسأل الله له الرحمة.

وقال السفير اليمني الدكتور صلاح علي أحمد العنسي: محمد وردي لم يكن حكراً على السودان فقط، وانقل عبر صحيفة «آخر لحظة» تعازي الشعب اليمني للشعب السوداني في هذا الفقد الجلل، فوردي كان يحب اليمن، وفي آخر لقاء لي معه طلب مني أن ابلغ تحياته للشعب اليمني الذي أحبه جداً، فقد احسنوا استقبالي وكأني وسط أهلي.

ü وذكر الأستاذ محمد خير فتح الرحمن مدير قناة الشروق الفضائية أن البلاد فقدت وردي، وهذا التشييع الضخم له، يعكس جزءاً مما يشكله في الوجدان السوداني بكل اختلافاتهم، توحدوا اليوم عند مقبرة وردي وهو فقد جلل.

ü وبكى الفنان كمال ترباس وقال: فقدنا الموسيقار الفنان الدكتور وردي «ديناصور» الأغنية السودانية، وأعزي كل الشعب السوداني في وفاته.

ü وقال الموسيقار حافظ عبد الرحمن وردي رمز مميز أثرى الأغنية والفن السوداني، ورسم أشياء قوية يصعب تجاهلها بالجمال والقوة، وترك بصمات جميلة على الناس أن يهتدوا بها وأدى رسالته على أكمل وجه.

ü الفنان عثمان مصطفى قال: إن هذا يوم حزين فقد فجع الشعب السوداني برحيل هذا القامة والرقم الذي يصعب تجاوزه، لما قدمه لهذا الشعب وليس بمقدورنا الحديث عنه، لأن أعماله هي التي تتحدث عنه، ووردي لا نقيمه نحن فهو أستاذ الجميع رحمه الله.

ü دكتور راشد دياب قال: وردي فنان بمعنى الكلمة ونتألم لفراقه، لأنه فنان شامل ويدافع عن حقوق الناس وحرياتهم، وله أهداف بعيدة جداً من أجل الوطن، وأحس بأنه يمثل تاريخ الثقافة السودانية الغنائية والطرب الأصيل، فهو قبل كل ذلك إنسان يحب مهنة الفن وأعطاها قيمة بتعبيره عن وجدان الشعب السوداني بصدق، فقد دفع حياته خادماً لوطنه واعزي كل الشعب السوداني فيه.
ü وقال الشاعر محمد يوسف موسى رئيس اتحاد شعراء الأغنية السودانية، فقدنا فناناً عظيماً وشاملاً ومطرباً كبيراً من الجيل العظيم، وهو فنان غني عن التعريف وترك إرثاً جميلاً، من الغناء السليم والمعافى، الوطني والعاطفي، وسوف يظل بيننا بابداعه سيكون مدرسة لمن بعده.

ü وذكر الأستاذ جمال الوالي رئيس نادي المريخ أن وردي هو هرم من اهرامات السودان التي رفعت اسمه داخلياً وخارجياً، نسأل له الله الرحمة.

ü وأشار الأستاذ مكي سنادة إلى أن وردي له تأثير عظيم جداً على وجدان الأمة الافريقية كلها، تأثروا بأعمال وردي، نعم رحل عن دنيانا ولكنه باقٍ فينا.

ü وقال الدكتور الفنان عبد القادر سالم إن هذا يوم حزين في تاريخ الشعب السوداني، لأننا فقدنا فناناً عبقرياً وعملاقاً، تغنى للقيم والمثل، وظل يجدد ابداعه دوماً، وهو الفنان الأول في السودان وهو حالة استثنائية يحتاج لكتب للحديث عن ابداعاته رحمه الله.

ü وقال المخرج شكر الله خلف الله إن وردي هرم في الأغنية ترجل عنها، ولكن علينا المحافظة على ما تركه، فمن الصعب أن يسد فراغه الذي تركه.

ü ويعزي الفنان شكر الله عز الدين كل الشعب السوداني في رحيل محمد وردي، وقال وردي وطن وعلم ورقم، ونسأل له الله الرحمة والمغفرة.

ü وقال الفنان وليد زاكي الدين فقدنا المدرسة الفنية الراحل المقيم محمد وردي، فهو أحد أعمدة الفن السوداني، وكان حريصاً على حب الوطن، ويعكس وجه السودان المشرق عبر رسالته، ونعزي أنفسنا وكل الشعب السوداني في رحيله وننعي كل المشاعر الحزينة في وداعه.

ü وأكد الشاعر ابو شورة أن البلاد فقدت رمزاً من الرموز الثقافية والفنية والأدبية والاجتماعية، فهو فقد أمة بحالها، لأنه وثق للسودان في كل مراحله وطنياً وعاطفياً.

ü وترحم الشاعر التجاني حاج موسى على روح الفنان محمد وردي، وقال هذا يوم حزين بفقدان شخص بحجم أمة كاملة، وإن رحل بجسده لكنه باقٍ فينا بأعماله، ولن تنساه ذاكرة الأغنية السودانية، فهو فنان عظيم رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.



فرعون الأغنية السودانية في آخر حوار قبل الوداع

حاوره : عبد الرحمن جبر : تصوير : سفيان البشرى :

نعيد اليوم نشر آخر حوار إعلامي في كافة الأصعدة من صحافة و إذاعة و تلغزيون مع الامبراطور الراحل الفنان محمد وردي الذي وافته المنية مساء أمس الأول.

فنان كبير ترك بصمة واضحة لا تخطئها عين، امتد عطاءه الوطني والعاطفي وشمل كل الأجيال، أُطلقت عليه العدد من الالقاب منها (الأمبراطور) و(الفرعون) وغيرها، لكنها أقل قيمة مما قدمه لهذا الوطن، فيكفي ذكر اسمه فقط حتى تهتز كل القلوب والعقول.. إنه الفنان الكبير الدكتور محمد وردي هذا الهرم الغنائي العملاق.. (آخر لحظة) جلست إليه بمنزله وأتحفنا بكرمه الفياض في الاستقبال، وكرم آخر في الرد على كل الأسئلة الساخنة بشجاعة يحسد عليها وليست غريبة عليه فهو محمد وردي وكفى.. أدرنا معه حوار مطول جمع بين الفن والسياسة وغيرها من المواضيع التي تهم الساحة الغنائية في السودان.. فكانت ردود الفرعون وردي على النحو التالي:-

الفن بصفة عامة رسالة في مختلف المجالات.. ماهو الدور الذي لعبه الفن تاريخياً من أجل استقلال السودان عبر الأغنية على مدى الحقب السياسية المتعاقبة؟
- رسالة الفن هي التعبير عن واقع الناس، بمعنى أن الفن لا يمكن أن (يعرض خارج الدلوكة) ويكون في حسبانه مشاكل وهموم الناس ورؤيتهم للمستقبل وتعميق روح الأمل عندهم، واستمرار الفن يطالب بالتقدم.. لذلك يعتبر الفن ناقد لا يرضى بواقع الحال أياً كان.. وكان للأغنية دور كبير عبر تاريخ السودان لمقاومة المستعمر من مهيرة الشايقية ضد الاستعمار التركي التي غنت «يا الباشا الغشيم قول لي جدادك كر»، وحسن خليفة العطبراوي غنى «يا غريب يلا لي بلدك»، وغيرها من الأعمال، وأنا لم أمارس الغناء في تلك الفترة لكن الفنان السوداني تغنى لجنود الوطن وللبلاد وهذا يؤكد مواكبة الفن لجميع ظروف الوطن.

الفن بمختلف دروبه.. هل تعتقد بأنه أدى رسالته في المجالات الأخرى؟
- نعم الفن ساهم في مختلف قضايا الوطن من تنديد القبلية، ومساندته لمؤتمر الخريجين قبل الاستقلال بالغناء والمال، وهكذا كان الفن في السودان يساهم في جميع المؤسسات الخدمية.

السياسة والفن.. أوجه الشبه والقواسم المشتركة والخطوط المتباعدة؟
- أنا ضد الفنان السياسي المباشر، ولكن لا يوجد أي فاصل بين الفن والسياسة لأن السياسة في الأساس عبارة عن «صحن فول ورغيف العيش»، فالشعب يكافح من أجل لقمة العيش والتعليم والعلاج وغيرها والفن هو تعميق هذه المطالب، وهناك من يتحدث عن أن الفن ليس له أي دخل بالسياسة وهذا (مغفل) فالفن تنويري وتثقيفي لذلك يجب أن يشارك في جميع ظروف وأحول البلد.

هل تعتقد بأن من حق الفنان أن (يضرب) أو يتوقف عن عطائه لأي أسباب سياسية أو غيره؟
- التوقف الفردي مرفوض، ولكن اتحاد الفنانين لو له أي رأي أو مشاكل أو مواقف مع الدولة وأجهزتها الإعلامية التي تجحف في حق الفنانين عليهم أن (يضربوا) عن العمل كما (أضربوا) في السابق ضد الإذاعة والتلفزيون.

نصيب الأغنية (الوطنية) ضئيل جداً مقارنة بالأعمال العاطفية؟
- الأغنية الوطنية لا تعني الغناء للوطن في المناسبات وهذه النوعية من الغناء تحتاج لصدق، ولا يستطيع أي فنان التعبير وإلهاب مشاعر الشعب، فمن لا يملك هذه الخاصية فاليمتنع عن الغناء للوطن حتى لا تكون الأغنية الوطنية ركيكية وسهلة الكلمات والألحان بمعنى (مضيعة للوقت)، وعلى مدى تاريخ الأغنية الوطنية في السودان كانت تلهب أحاسيس ومشاعر الناس، فأنا مثلاً حضرت ثورة أكتوبر وثورة أبريل والأغنية الوطنية كان لها دور كبير جداً في المشاركة وسط الشعب، فعندما أُجبِر الرئيس السابق إبراهيم عبود بالتنازل عن السلطة تغنيت «أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باقِ» واستمرت أناشيد أكتوبر من «شعبك يا بلادي» و«أكتوبر الأخضر» وغيرها وكلها أعمال من مواليد ثورة أكتوبر.. وفي ثورة أبريل تغنيت «بنبنيو البنحلم بيهو يوماتي» و«يا شعباً تسامى» و«عرس السودان» و«وطنا بي اسمك كتبنا ورطنا» و «عرس الفداء» و«يا شعباً لهبت ثورتك»، وهذه الأناشيد الوطنية تركت أثر كبير جداً في الشعب منذ تلك الفترة وحتى الآن.. فعندما يكون الفنان صادقاً ولديه معرفة بوطنه.. تاريخه وجغرافيته وحياته واجتماعياته يتعمق في الغناء للوطن، ولكن لا أعتقد بأن أي فنان يستطيع أن يفسر علاقته بالثورة وبالجمهور.

مقاطعاً.. هل تعني بهذا الحديث أن الغناء للوطن يحتاج لنوعية خاصة من الفنانين؟
- نعم.. لذلك محمد الأمين كان ظهوره في ملحمة ثورة أكتوبر ولكن لا تستطيع أن تحسب الآن أي فنان آخر كان له الحمية والوطنية في التعبير عن الثورات.

رأيك في الوضع السياسي الراهن؟
- الوضع السياسي الحالي أدخل شمال السودان في مطب، أولاً التقسيم الذي حدث في الجنوب والذي ظهرت آثاره بوقف البترول والتحرش الموجود بين الشمال والجنوب ومشكلة دارفور ثم جنوب كردفان والنيل الأزرق، فعدم المرونة في سياسة النظام الحاكم أدخلت السودان في أمر ضيق فمهما إدعى النظام بأن الحالة مستقرة فهناك ظواهر تدل على أنهم غير قادرين على وحدة البلاد ولا على علاقتنا مع الجيران ولا التقدم للأمام.

هل قدمت أي تنازلات سياسية أم رأيت أن الحالة العامة قد تحسنت سياسياً؟
- انفعل شديداً وقال: أتنازل لمن وعن ماذا..!! فأنا يا عبد الرحمن لم أعود للوطن من أجل النظام ولكن لإجراء عملية تغيير الكُلى، ودعوتي للجلسة في منزل الفريق أول عبد الرحيم محمد حسين فهو من بلدياتي وأنا أقدره وأحترمه كثيراً، فقد ضمت الجلسة السيد رئيس الجمهورية وعدد من الوزراء وكانت جلسة عادية لم أقدم فيها أي تنازلات ولم يكن فيها أي خلاف أو وفاق بيننا إلى أن جاءت ظروف الانتخابات الأخيرة والتي أعلنت فيها موقفي بالتصويت لياسر عرمان ولكنه انسحب، فالحكومة أخذت موقفي هذا بأنني أقف ضدها ولم تحترم حرية ارادتي.

مقاطعاً.. أثارت علاقتك مع الراحل جون قرنق والحركة الشعبية العديد من التساؤلات والاستفهامات.. ما سر هذه العلاقة؟
- الراحل جون قرنق صديق عزيز جداً وفقده السودان كثيراً ولو كان موجوداً لتغيَّر الوضع الحالي، وليس عيباً أن أنتمي للحركة الشعبية لأنها حركة لتغيير السودان القديم لسودان جديد وأنا مؤمن جداً بهذا الطرح.

هل ترى بأن المناخ الحالي ملائم للتعبير بحرية أم أن هناك تحفظات؟
- أبداً لا توجد أي حكومة شمولية تستطيع إعطاء حرية الرأي كاملة فالرأي رأيها، بدليل أن هنالك الآن مسألة ايقاف الصحف، ومسألة جذب الفنانين لها، ويكفي أن قانون مجلس المهن الموسيقية والمسرحية تمت إجازته ووضعت قياداته من فنانين منتمين للنظام مثل علي مهدي وصلاح مصطفى وعبد القادر سالم، والنظام الحاكم وضع هذا المجلس ولكن اخترقه بنفسه بدعوى أن القانون هو لحماية الملكية الفكرية، ولكن مع ذلك الادعاء أتوا بفنانين في عيد الاستقلال استباحوا اغنياتي وأنا موجود، وسبق أن تغنيت في عيد الاستقلال الماضي ومنحني رئيس الجمهورية وسام الانجاز والجدارة، فهل شخص يحمل وسام الجدارة تنتهك حقوقه الفكرية والمادية وياتوا بفنانين يرددوا أعمالي دون استشارتي مثل كورال كلية الموسيقى والدراما وسيف الجامعة وعصام محمد نور وعمار السنوسي وغيرهم، وبصراحة أكثر هذا القانون كذب واضح.

مقاطعاً.. هل تعني بهذا الحديث أن مجلس المهن الموسيقية والمسرحية غير صالح للدفاع عن حقوق الفنانين؟
- نعم.. فالفنان لو لديه أعمال غنائية وجمهور لا يرتضي اطلاقاً بأن يكون موظفاً، فقيادة مجلس المهن الموسيقية والمسرحية الحاليين يتقاضون أجرهم من الحكومة ولو كانوا يمتلكون أي شعبية أو قاعدة جماهيرية لما ارتضوا لأنفسهم ذلك، بل كان الأجدر بهم أن يتقاضوا أجورهم من أعمالهم الغنائية ولكنهم (مفلسين) فنياً، فأي موظف يستطيع أداء علمهم هذا ولكن ليس الفنان لأن الفنان يعتمد على فنه وابداعه وعطائه وتقدير الجمهور له.

صرحت من قبل وعبرت عن غضبك في ترديد أغنياتك الوطنية من قبل بعض المطربين في أعياد الاستقلال؟
- نعم.. وهذا (إفلاس)، فاذا كان الفنان لا يستطيع الغناء لوطنه منذ الاستقلال وحتى الآن ويستعين بأعمال الغير بدون أي (خجل) فما معنى ذلك غير (إفلاس فني)، وثانياً تشجيع الدولة لهذه المسألة هي إنتهاك لحقوق فنان أعطى الوطن الكثير ولديه القدرة على العطاء أكثر والزمن كفيل باظهار الحقائق أما الزبد فيذهب جفاء.

هل تعني بهذا الحديث بأنك سوف تتجه لمقاضاة كل المطربين الذين تغنوا باعمالك؟
- نعم كلهم بما فيهم الدولة.. لسماحها بهذا العبث السخيف.

دور المطربين كان ضعيف في تعزيز الوحدة قبل عملية الانفصال بين الشمال والجنوب؟
- لم يكن ضعيفاً بل كان غائباً تماماً ولم يظهر لهم أي دور، بل بالعكس هنالك فنانين هللوا وفرحوا كثيراً بالانفصال وشاركوا الصحفي الطيب مصطفى أفراحه بذبح الثيران وتغنوا لذلك ومنهم أعضاء في مجلس اتحاد الفنانين وهذا شيء مؤسف للغاية بل يعتبر من أسوأ ما فعله الفنانين في تاريخ السودان لأنهم فرحوا لتقسيم وطنهم.

قيام وزارة خاصة بالثقافة.. هل خدم القضايا الثقافية أم أنها كانت اسماً على غير مسمى؟
- ليس هناك أي تقدم تحرزه هذه الوزارة ولا تمتلك أي تخطيط لاعطاء الفرصة للمبدع الحقيقي من أجل إبراز أعماله، وأعتقد أن عمل هذه الوزارة هو (عبث) واستهانة بالإنسان السوداني كمستمع وكمثقف.

هل تعني بهذا الحديث أن وزارة الثقافة الاتحادية لم تقوم بالدور المنوط بها حتى الآن؟
- ضحك وقال ساخراً: أنا لا أعرف الدور المناط بيها شنو..!! ولا هي ذاتها شنو..!! فهل هي وزارة شكلية فوقية..!! هذا الوزارة لم تخدم الفن في شيء.

عفواً محمد وردي.. وزارة الثقافة الاتحادية أقامت الأماسي الموسيقية في الخرطوم وأم درمان.. ألم تخدم هذه الخطوة الغناء في شيء؟
- هذه الأماسي «كلام فارغ» ولم تخدم أي شيء، فماذا قدمت.. وماهو الإبداع الذي حوته.. وما السبب الحقيقي من قيامها.؟ فهي عملية دعاية من وزير الثقافة لنفسه، فهل سمع الناس إبداع في تلك الأماسي، وهل قدمت بها أغنية جديدة رسخت عند المستمع، وكلها دعاية فارغة وأهدرت أموال الدولة، وكنت أتمنى أن تصرف هذه الأموال في الابداع الحقيقي ولكنها تصرف على كل من هبَّ ودبَّ.

هاجمك أحد أئمة المساجد في الأيام القليلة الماضية وأتهمك بالكفر وغيره؟
- إمام المسجد كاذب، فأنا لم أرى في حياتي إمام مسجد يصلي بالناس ويكذب، فقد قال إن وردي بلغ سن الـ (90)، وأنا عمري (79) عاماً، وأعطاني (11) عاماً مجانية (كتر خيرو)، واتهمني بالمساهمة في (أعياد الكفار ويقصد أعياد الميلاد)، فنحن نعترف بسيدنا عيسى عليه السلام كنبي، فعلى ماذا الهجوم إذن..!.. فأنا تغنيت في أعياد الميلاد خاصة وأنها تصادف أعياد الاستقلال، فالمسيحيين أخواننا في الوطن ولم تكن هناك أي مشكلة في التعايش بيننا على الاطلاق، فنحن نشاركهم أفراحهم وأحزانهم لتعميق الأخوة والمواطنة، ومثل حديث إمام المسجد غير الموفق هذا يخلق فتنة.

تقصد بهذا الحديث بأن هناك أيادي خفية تحارب الغناء؟
- نعم.. وإمام المسجد الذي هاجمني هذا «عينة» منهم، وقبل ذلك جاءت جماعة أمام مبنى اتحاد الفنانين (وشتمونا)، ولكن إذا كان هؤلاء كفروا الإمام الصادق المهدي..!! فهذه جرأة غير عادية.

ما رأيك في اتجاه عدد كبير من الفنانين لتجربة المديح النبوي الشريف عبر قناة ساهور الفضائية وإذاعة الكوثر؟
- هذه فوضى وعبث وتقليل من قيمة القداسة الدينية، فقد عرضت ساهور والكوثر مدائح عديمة القيمة وجه الشبه فيها كيفية كسب المال بمدح الرسول صلى الله عليه وسلم، فالمديح للمصطفى عليه السلام «عندو ناسو» لأنه يحتاج لقدسية وخشوع وليس تغني وتنشد مدائح بألحان أغنيات مثل «القمر بوبا» و«سمسم القضارف» واحدهم يمدح ويقول «رسول ذي ده اصلوا ما شفنا» فهذا تقليل من قيمة القداسة الدينية، فأنا عندما استمع لأولاد الماحي يمدحون الرسول صلى الله عليه وسلم أشعر وأحس بصدقهم في حب الرسول ولكن حب «القروش» ظاهر عند الآخرين.

مقاطعاً.. هل تعني بأن قناة ساهور وإذاعة الكوثر ساهمتا في تدني الذوق العام للاستماع للمدائح النبوية الشريفة؟
- نعم.. فقد هبطت بمستوى المدائح النبوية ومستوى التذوق لها، وهي تعمل على تدني هذه الرسالة العظيمة بأعمال «هشة وغثة»، وأنا لا أدري من أين تأتي قناة ساهور وإذاعة الكوثر بهذه الأموال التي تصرفها على أشباه الفنانين الذين فشلوا في الغناء فأتجهوا للمديح وفشلوا فيه أيضاً، وهذا سؤال محير، فقناة ساهور وإذاعة الكوثر تهبطا بالرسالة وعلى النظام الحاكم إيقافهما فوراً .

بمناسبة القنوات الفضائية.. بصراحة شديدة أصبحت تتجنب استضافتك لارتفاع أجرك المادي؟
- نعم.. ولكن الواضح أن بعض القنوات (أفلست) لأنها قامت بدون تخطيط، فأنا لم أسجل طوال الفترات السابقة عمل كبير إلا في قناة الشروق بعد أن أوفت بالتزاماتها المادية تجاهي، والآن أنا بصدد أن أسجل لها كل أغنياتي الوطنية من الأول إلى الآخر وهذا سرد لتاريخ السودان الحديث.

الساحة الفنية الآن بعيون محمد وردي؟
- ليست مثل السبعينيات أو الثمانينيات، ولم يحدث قبل الآن أن يُجلد الفنان بقانون النظام العام بسبب تصاديق الحفلات، وهذا الفعل سبب إرهاب للفنانين، بالإضافة إلى أن هناك فبركة في قانون حقوق الملكية الفكرية، فالقانون الذي تقدمنا به عام 1986م رفضه الوزير كمال عبد اللطيف ووضع القانون الحالي، فمشكلتنا الأساسية مع الإذاعة والتلفزيون فكيف تحل لأن هذه الأجهزة هي الخصم والحكم في نفس الوقت، وهناك (بلبلة كبيرة) في القانون، فهو قانون مزيف ومن وضعوه أخترقوه ولم يحترموا الإبداع الفكري للفنان.

انتشرت في الآونة الأخيرة الإساءات بين المطربين على صفحات الصحف بصورة لا تشبه الفن وأسلوب الفنان؟
- ديل ما فنانين، فقط يرفعوا أصواتهم في الصحف وليس لديهم أعمال فنية يتحدثون عنها، وهذا فراغ إبداعي وسقوط، وهؤلاء فنانين غير مؤدبين ينشروا غسيلهم الوسخ.

بصراحة.. أنتم متهمين بمحاربة الفنانين الشباب وكادت أن تنعدم عملية تواصل الأجيال؟
- «أنا لا أحارب أحد» وأسعى لتواصل الأجيال لضرورته، واتجهت لذلك بنفسي لمساعدة الشباب ولكن بعد تمحيص دقيق جداً لم أجد فنان شاب أفضل من طه سليمان لأنه صاحب صوت رائع وأداء رائع وتطريب عالي جداً لذلك تعاونت معه بالألحان، فتواصل الأجيال لم ينعدم وما أقوم به مع طه سليمان هو جزء من هذا التواصل، ولكن بصراحة إنعدم التواصل في أشياء كثيرة ومجالات عديدة.

وردي قلت من قبل بأن الأصوات الغنائية النسائية الموجودة حالياً ضعيفة جداً؟
- نعم.. ومازلت عند رأيي، فالأصوات النسائية الحالية تحتاج لتربية صوتية وهي أصوات غريبة، وللأسف الشديد هذا لا يحدث إلا في السودان، فالصوت الجميل هو الصوت المدرب الذي يعرف المقامات التي يغني فيها والتي تتناسب مع صوته وللأسف هذه المعرفة غير موجودة.

الألقاب التي أطلقت عليك وأنت أهلاً لها مثل «الأمبراطور والفرعون والعملاق» وغيرها.. هل كنت تحلم بالوصول إلى ما أنت فيه الآن من نجاحات؟
- لكل مجتهد نصيب، فكل تلك الألقاب أطلقها عليَّ الجمهور إلا لقب (الفرعون) الذي أطلقه عليَّ صديقي العزيز الأستاذ الراحل حسن ساتي ويرجع سر هذا اللقب للعلاقة التاريخية بالفراعنة فهم جزء من تراثنا النوبي، وأنا لست مثل مغنواتية اليوم الذين يطلقون الألقاب على أنفسهم.

من تقصد بالمغنواتية الذين يطلقون الألقاب على أنفسهم؟
- مثل أحمد الصادق، فماذا قدم هذا المغنواتي، فهو عديم إبداع ولم يقدم شيئاً حتى الآن وهو نتاج عن تدني الذوق العام، وكما يقال «هذا عطاء من لا يملك لمن لا يستحق».

ألا تعتقد بأن هناك اختراق للثقافة السودانية من قبل المطربين العرب وفُرضَت علينا؟
- نعم هناك اختراق للفن والثقافة السودانية بدليل أن الآن أصبحت (العروس) السودانية تزف بزفة على الايقاعات المصرية والغربية وغاب الفن والتراث السوداني، ولذلك يجب أن نقف ضد الاختراق الثقافي ونغلق الأبواب في وجهه.

هل تعني بأن لديك أفكار جديدة لذلك..تُرجِع طريقة الزفة السودانية لأصلها؟
- نعم.. نحن نمتلك من الايقاعات السودانية ما يكفي لصنع وعمل زفة العروس، واشتركت في ذلك مع الشاعر اسحق الحلنقي في إنتاج عمل جديد بايقاعات «السيرة» ونال إعجاب الجمهور، وذلك لوقف التغول الأجنبي وحماية التراث السوداني.

من واقع خبراتك الفنية الطويلة.. كيف ننقل الأغنية السودانية للخارج؟
- وسائل الإعلام التي تنقل الفنان المحلي للخارج ضعيفة جداً وليس لديها أي اهتمام بالمبدعين، والفنان السوداني الجيد ينجح في أي مكان مثلما نجحنا نحن في أفريقيا، ولدينا تراثنا الحقيقي ولكننا لم نوجه ثقافاتنا في الاتجاه الصحيح فنحن أفارقة أكثر من عرب لذلك يجب أن نوجه أعمالنا صوب أفريقيا.

رأيك في برنامج (أغاني وأغاني)؟
- لا أعتقد بأن هناك ضرورة لهذا البرنامج فليس لديه أي وجود، فما معنى أن يحضروا فنانين لترديد أعمال الفنانين الراحلين أو الحاليين فأين أعمالهم الخاصة.!

ألا تخاف من أن تخلق لك هذه الردود والاجابات الملتهبة أي عداوات؟
- أولاً أنا لا أخلاق على الإطلاق، والأهم من ذلك أن الحقيقة عمرها ما كانت مخيفة، وأنا أتحمل نتيجة وتبعات كل ما قلته.

أخيراً الفرعون محمد وردي ماذا تود أن تقول؟
- أولاً أنا أشكر صحيفة (آخر لحظة) لشجاعتها، وأشكرك أنت بالأخص يا عبد الرحمن فقد نشرت لي من قبل أحادث وتصريحات كثيرة وهذه هي رسالة الصحافة الحقيقية بدون أي تزييف أو خوف لذلك أشكركم.



التوقيع:

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

أبوسهيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-20-2012, 02:04 PM   رقم المشاركة : [9]
أبوسهيل
عميد الموقع
الصورة الرمزية أبوسهيل
 
اخر مواضيعي

المستوى: 81 [♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥]
الحياة 3024 / 3024

النشاط 6974 / 23320
المؤشر 65%


افتراضي

وداعاً.. أمير الحسن : من صـواردة إلي ما وراء الدنيا..ملف خاص بمناسبة رحيل الموسيقار محمد وردي

محمد شريف :
بالله يا طير قبل ما تشرب تمر علي بيت صغير
وورى الثري بمقابر فاروق في تشييع مهيب تقدمه رئيس الجمهورية
محمد وردي ...واضيعة الوتر اللي ما غنيت معاه ولا عزف
شيعت البلاد امس الفنان الدكتور محمد وردي الي مقابر فاروق بالخرطوم في موكب مهيب تقدمه رئيس الجمهورية المشير عمر حسن أحمد البشير وعدد كبير من قادة العمل السياسي والفني والرياضي وكافة الوان الطيف السوداني، وورى الثرى وسط التهليل والتكبير وبكاء الرجال والنساء وكان الجميع يدعو له بالمغفرة ودخول الجنة مع الصديقين والشهداء وحسن اولئك رفيقا ، وتحدث من داخل مقابر الفاروق بالخرطوم مجموعة من احباب واصدقاء واقارب وجيران الراحل محمد وردي واجتمعت اصواتهم حول عبقريته وتجربته النادرة وعطائه الكبير .

الحاج ادم : شخصية لا تحدها حدود
نائب رئيس الجمهورية الدكتور الحاج ادم اكد على عالمية الفنان وردي ، مبينا انه شخصية سودانية لا تحدها حدود وصلت لكل العالم بفنها المختلف، وقال ان السودان فقد قامة من قامات الوطن، وخص الحاج ادم بالتعازي اسرة وردي ومحبيه على نطاق السودان والعالم اجمع، وقال ان وردي اثرى وجدان قطاع واسع من قطاعات الشعب السوداني وكان الدليل على حب الناس له الجموع الغفيرة التي هرعت لتشييعه وودعته بالدموع ودعت له بحناجر قوية، وقال الحاج ادم انه حرص على زيارته بالمستشفي وطمأنته الطبيبة المشرفة على علاجه بانه في تعاف مستمر لكن لكل اجل كتاب، وقال يجب ان يأخذ الناس من تاريخه الطويل والوقوف على كل ما قدمه لتوحيد السودان والعالم العربي والافريقي، وطالب الحاج ادم بضرورة الدعاء لوردي بالدعوات الصالحات، وقال اسأل الله ان يغفر الله لوردي ويتجاوز عن سيئاته ويزيد من حسناته .

وزير الدفاع :ثروة قومية
الفريق الركن عبد الرحيم محمد حسين وزير الدفاع وصف وردي بالثروة القومية وقال ان البلاد فقدت رمزا من رموزها وقمة من القمم ، موضحا انه ادخل الفرح في نفوس جميع الناس وبكته كافة اطياف الشعب السوداني وحزن عليه الجميع، وقال رغم الم الفراق سيظل وردي بعطائه الضخم باقيا في وجدان الشعب السوداني وكل العالم .

سوار الدهب : فنان متفرد
المشير عبد الرحمن سوار الدهب وصف وردي بالمتفرد ، مبينا انه رفع شأن السودان وسجل تاريخا ناصعا ونجح في كافة المجالات وكان يوم رحيله يوما حزينا لان السودان فقد احد اعلامه البررة الذين سجلوا امجادا سامقة .

صلاح قوش :كان مخلصاً لوطنه
ووصف صلاح قوش الفنان الراحل وردي بصاحب الحس الوطني العالي وقال كان قامة ورمزا وكتب صفحة في تاريخ السودان، وقال قوش انه لمس خلال المؤسسات التي عمل بها تعاونا من وردي وقال انه كان مخلصا لوطنه ولكل افراد الشعب السوداني وسأل الله ان يجعل البركة في ذريته .

تابيتا بطرس : اهتم بالهامش والمستضعفين
وزيرة الدولة بالكهرباء والسدود د.تابيتا بطرس قالت وردي كان فنانا شاملا غني للوطن والاستقلال والحب والجمال واهتم بالهامش والمستضعفين والارامل واليتامي وتربع داخل القلوب وغني واجاد اغنيات النوبيين وكان حتي ايامه الاخيرة يسخر حنجرته الذهبية للغناء وادخال الفرح في نفوس السودانيين وقالت انه مضي للامجاد السماوية وترك ارثا كبيرا من الفن السوداني ولم يمت بل سيظل باقيا وخالدا في الدواخل مثل عثمان حسين وزيدان ابراهيم وكل الكبار .

مدير الاذاعة : نجم ربوع السودان
مدير الاذاعة السودانية معتصم فضل قال ان وردي بدأ عظيما وشكل منذ اطلالته الاولي عبر برنامج ربوع السودان بهنا ام درمان اضافة حقيقية لمسيرة الاغنية السودانية مبينا انه اثري مكتبة الاذاعة بروائع الاغنيات وشارك بفعاليه في برامج وسهرات وحفلات الاذاعة، مبينا ان اخر تسجيلاته بالاذاعة كانت سهرة رمضانية من اربعة اجزاء بصحبة الشاعر هاشم صديق تحدث فيها عن علاقته المتميزة مع الاذاعة السودانية ، مشيرا الي اهتمام وردي بتجويد اغنياته قبل تقديمها للجمهور وقال ان اغنية قلت ارحل علي سبيل المثال استمرت بروفاتها اكثر من ثلاثة شهور قبل ان تري النور .

مدير الشرطة :كان باراً بأهله
مدير عام قوات الشرطة السودانية الفريق اول هاشم عثمان الحسين قال ان وردي كان بارا لاهله وافتقده كل السودان وقدم اعمالا جليلة للوطن وسأل الله ان يجير السودانيين في مصيبتهم وطالبهم بالدعاء للفنان الراحل .

موسى :رحل بجسده
رئيس اتحاد شعراء الاغنية السودانية محمد يوسف موسي قال ان الفنان وردي رحل بجسده فقط لكنه سيظل باقيا تتردد اغنياته في كل مكان في السودان وتحتفل بها كل الدول العربية والافريقية مشيرا الي انه قدم اغنيات وطنيه ظلت باقية جيلا بعد جيل .

سالم :غناء رغم المرض
الامين العام لمجلس المهن الموسيقية والمسرحية الفنان عبد القادر سالم ثّمن مواقف وردي البطولية وقال انه قاوم المرض سنوات طويلة ليغني للسودانيين جميل الشعر واللحن، وقال ان وردي وحد الناس في كافة ولايات السودان المختلفة وبكاه الجميع حزنا على رحيله المر .

الأب فيلو ثاوث فرج :عمّق مفهوم الوطنية
وقال الاب فيلو ثاوث فرج ان الألم يعتصره لرحيل وردي الفنان المتمكن الذي دخل قلوب السودانيين موضحا انه شخصية اتفق على حبها الجميع وليس حولها اي خلاف، مبينا انه قدم اغنيات نوبية من التراث وجدت حظها من الانتشار خارج البلاد وكان له دور وطني كبير في تعميق مفهوم الوطنية وقال ستظل ذكراه باقية في القلوب والدوائر العلمية والمعرفية .

محمدية :وردي لم يمت
عازف الكمنجة الشهير الموسيقار محمدية قال ان وردي لم يمت وسيظل باقيا بين الناس باغنياته التي يختار كلماته والحانها بعناية فائقة وسيظل في قلوب الناس مثل عثمان حسين وأحمد المصطفى وقال انه ترك للسودانيين ما يفتخرون به امام الاخرين من اغنيات جميلة .

مجذوب أونسة : أعز الناس
الفنان مجذوب اونسة قال ان السودان افتقد رجلا من اشجع الرجال وفنانا من اعز الناس يشهد له التاريخ بالنضال الطويل والابداع الجميل وشارك في كل المناسبات وله مكانة خاصة في القلوب.

الحلنقي : فنان نادر
الشاعر اسحق الحلنقي قال ان وردي نشر الفرح المباح في كل البيوت واهدي السعادة والسرور لكل ابناء الشعب السوداني، وقال ان وردي فنان نادر لا يتكرر وهو احد العظماء .

تمتام : هرم من الاهرامات
الفنان ياسر تمتام اشار الي انتشار اغنيات محمد وردي في افريقيا وقال لا يختلف اثنان في ان وردي فنان افريقيا الاول واغنياته محل احتفال الكبار والصغار حتي الذين لا يعرفون اللغة العربية يرددونها في المحافل المحلية والعالمية .

عاصم البنا :حال الدنيا
الفنان عاصم البنا قال وردي ما كثير على ربه وحال الدنيا دائما تفرق بين الناس وبرحيل وردي رحل فنان عالمي قدم اغنيات متميزة جدا .

كمال حامد : التوثيق التوثيق
الاعلامي كمال حامد اوصي بضرورة توثيق ونشر اعمال محمد وردي لفائدة الاجيال الجديدة مشيرا الي انها اعمال شكلت وجدان الشعب السوداني .

مختار دفع الله : عبقرية وشموخ
الشاعر مختار دفع الله قال ان الفنان محمد وردي ارتقي بذائقة الامة السودانية ورفد مسيرة الغناء بالدرر والروائع وكان فنانا مؤثرا وشامخا وعبقريا وصاحب صوت شجي لا يتكرر .

عوض الكريم عبد الله : تاريخ جميل
الفنان عبد الكريم عبد الله اشاد بتجربة وردي الفنية الطويلة وقال انه صار جزءا من تاريخ السودان وبذل جهدا مقدرا في تطوير الاغنية السودانية .

حسين خوجلي : زمانا فات وفنانا مات
الاعلامي حسين خوجلي وصف وردي باحد معالم السودان المعاصر مبينا انه وهب نفسه منذ صباه الباكر لتجربته الفنية وعمل على تجويدها وظل يبذل لها الغالي والرخيص ويخلط العام بالخاص وظل حفيا برسالته الفنية التي اسعدت الملايين وقال ان وردي ليس مطربا او مغنيا فقط بل حالة ثقافية غني للسودان لافراحه واتراحه وثوراته وتاريخ وتطلعات وامال شعبه وبرحيله كادت تتحقق مقولة زمانا فات وغناينا مات مع انه فنان غني للكهول والشباب .



واأسفاي... أخيراً استراح الطير المهاجر

سليم عثمان
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
قال تعالى :(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ (155) وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ(156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(157)(البقرة).

بكى المساء الوردي وارتعشت كل النجوم عشية السبت،قبل منتصف تلك الليلة السوداء وليست الوردية ليلة السبت 18/2/ 2012فاضت روح رجل عظيم نبيل من أهل السودان ،الى بارئها ،فقد غيب الموت المر الفاجع، الاستاذ الفنان الموسيقار محمد عثمان وردي ، رحل عن دنيانا الفانية ،بعدما لونها بالفرح الجميل النبيل ،لأكثر من نصف قرن من الزمان ، وهاهو برحيله المر يلونها أيضا بالحزن النبيل،مثلي مهما أوتي من بلاغة الكلم ، ورشاقة القلم لا يستطيع أن يعطي الرجل حقه ، فقد كان بحق هرما من اهراماتنا السامقة ،بل كان فوق شموخ اهرامات البجراوية، كان قمة القمم ونجم النجوم ،كان نخلة باسقة نمت فوق جداولنا ونيلنا،ورمت (بتمراتها) ويانع ثمرها على الكل ،فأطعمت الجوعى بكل حلو الالحان والموسيقى العذبة الحنونة، التى تسربت فى دمائنا،وردي ابن صواردة فى أقص« شمالنا الحبيب ،حمل الكثير من شمم تلك البيوت الطينية التى ولد فى إحداها والتى ما عرفت الغدر ولا اليأس ولا التواري، فقد رأيت البيت الذي ولد فيه هذا العملاق فى برنامج توثيقي قدمته قناة النيل الأزرق، التى زارت المنطقة رفقة نجله الموسيقار عبد الوهاب ،وكأنها كانت بذلك التوثيق تودعه وذات القناة بثت خبر وفاته خلال برنامج (مافي مشكلة )حيث وضعت شريطا اكتسى بالسواد ،الذي تفلح به كل سوداني تلك الليلة.

الدكتور الفاضل الملك الطبيب اختصاصي الكلى الذي زرع له كلية هنا فى مستشفى حمد بالدوحة، حينما زاره فى مشفاه الاخير ناشد محبيه بالدعاء بأن يعجل الله له الشفاء،إبنه عبد الوهاب هو الآخر حاول أن يطمئن محبيه، بأن والده بخير وسيغادر غرفة العناية المكثفة عما قريب،ليقدم باقة جديدة من أغنياته، وما كان يعلم أحد من الناس أن الموت ينسج خيوطه بإحكام حول عنق هذا العبقري الجميل ، بعدما قدم لنا روائع خالدات ،تحكي عظمته وشموخه وكبريائه ، كأسطورة لن تتكرر فى عالم الفن الغنائي الملتزم فى السودان ، الدكتور وردي ابن الشمال البار الذي منحته جامعة الخرطوم أعرق جامعاتنا شهادة الدكتوراة الفخرية عام 2005 نحس أن الجامعة رغم عراقتها هى من تشرفت به لا هو ،وردي ابن السودان كله حينما حطت أقدامه أرض الخرطوم لأول مرة عام 1953 حمل معه الكثير من وداعة أهل الشمال و الكثير من حنانهم ،ربما شيئا من الحانهم ، ومن ايقاعات المنطقة الممزوجة ، بالأماني العذاب ، وردي أيها الإنسان النبيل كم يملأنا البكاء والنشيج ؟ حين يأتي صوتك صداحا رقيقا رخيما ، من تحت نخلة (قنديلة أو بركاوي )سامقة فوق جدول وخميلة أو على شاطئ نيلنا الهادر فى الشمال و الذي تمددت بكبريائك وشموخك على طوله ، وحين ينضوعن النفس غطاءها،ويغور فى دهاليزها ، هذا الحزن النبيل يفتح أبوابا ما كان لها أن تفتح ، يستثيرمردتها، يحفر أخاديدها ، فتجري فيها أنهار مالحة، كيف لا وطعم الموت فى حلوقنا ليس مالحا فحسب بل هو الحنظل بعينه ،تفزع فيها اطيار مكسورة الاجنحة ، ايها الطائر النورس الجميل ،كما هو حال كل محبيك ويلذ للطقس الآن والناس يوارونك الثرى أن يسقط مغشيا عليه.

ومن محاسن الصدف أن جثمانك الطاهر يوارى الثرى ومؤتمر التعليم بدأ اعماله فى نفس اليوم بالخرطوم ،وشخصك الراحل قد زار الخرطوم مشاركا فى مؤتمر مماثل عقد فيها عام 1953 أى قبل 59 عاما، ترى هل يفلح هذا المؤتمر فى اصلاح حال التعليم فى بلادنا؟

ما لأنفسنا تموج كبحر ضل طريقه فى غيابك؟ نحن ما اخترنا مساحات الحزن الرابضة تحت أعيننا،بل يد المنية من فعلت ذلك ، كنت أتابع حتى ساعات الصباح الأولى فى النيل الازرق أناسا كثرا يعزون أنفسهم فى رحيلك ،حيث غازل هذا المد الموجع احاسيسهم وأصابها فى مقتل،كيف لا ؟وأنت من جملت باغنياتك الدرر الخالدات كل حياتهم ،وحقا أنت نسيج الفدا هندامك كما تغنيت لمحجوب شريف وانت نشيد الصبح كلامك.
وعطر أنفاسك. وأنت يا من كنت تدي النخله طولها والغابات طبولها والايام فصولها والبذره الغمام قدرك عالي قدرك ياسامي المقام ياملهم رماحك سناها الصدام منك كل حته في الخاطر صبابه
جنبك نبته نبته نكبر نحن ياما
نسألك انت
وانت ورينا الاجابه
علمنا الرمايه
والحجا والقرايه
والمشي بي مهابه
في الضحى والظلام

وردي يا انت يا كل المدى المنفلت اشجانا وحبا ،لقد اصطبغ مساء السبت فينا بالحزن ،لانك زرعت فينا المواويل الجميلة، والفرح المجنح ،من يغذي بعدك أيامنا ويرويها ؟من يحلم باصطياد نجومه وأقماره ؟فقد كنت نجما فوق كل الثريات كنت كوكبا أضاء سماوات السودان ردحا طويلا من الزمان ، من أين لنا ببذور نزرعها فى أرضنا التى أصبحت بعد رحيلك يبابا يقبع فى دواخلنا ،ويمتد ليخنق فينا الامل بعد ان زرعتها قمحا ووعدا وتمنى ،كنت يا وردي نهر حليب ضرب أطنابه فى ضلوعنا فحركت فينا الفاظ من تغنيت بحروفهم مسحورة أنيقة عذبة ، الفاظا متفجرة ثورية تعانق أماسينا عنفوانا تارة ،ورقة وحلاوة فى معظم الاوقات ، لله درك أيها الرجل الهمام الامة ، يا من كنت لنا نهرا دفع الى أرواحنا بآلاف الصور الجميلة واللوحات الفرايحية، سافرت رياح الهبباى فى أرجائك عاقدة برأسها لواء المحبة لابسة وهج نور عينيك اللتين إنطفأتا فى ليل حزين ، يا نور العين ،أصبح صبحنا وقد سجننا فقدك فى الظلمة ،غادرت غيمتك الحنونة ديارنا ، يا عقيق الشفاه اللاهجة والاعين الدامعة، من غيرك يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصر ؟

من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصر؟
من غيرنا ليقرر التاريخ والقيم الجديدةَ والسير؟
من غيرنا لصياغة الدنيا وتركيب الحياةِ القادمةْ؟
جيل العطاءِ المستجيش ضراوة ومصادمةْ

المستميتِ على المبادئ مؤمنا(فقد كنت بحق مستميتا على مبادئك مؤمنا بوطنك)
المشرئب إلى السماء
لينتقي صدر السماءِ لشعبنا
من غيرك أعاد للجلابية والثوب والمركوب السوداني قيمتها؟

جيلي أنا نعم لقد كان جيلك أيها العملاق الجميل جيلا استثنائيا فى كل شئ ،لقد زاحمت الكبار وسبقتهم،أبو داوود وعثمان حسين وإبراهيم عوض وغيرهم من الرواد الاوائل ،فى مسيرة الغناء السوداني،كم الشباب حاول تقليدك ففشل ؟ كم من الموسيقيين فكر فى مجاراتك فتوقف احتراما واجلالا لك؟ وفى حضرة جلالك يطيب الجلوس ،(كنت نسيج وحدك هرما شامخا قمة جبلا أشم،عبقريا ساحرا،وكانت الحانك تشبهك فى بهائها والحروف التى طالما تغنيت بها مجنحة وأنيقة ، كنت مدرسة بل جامعة فى الألحان ، كنت أنت الوطن والسماء التى بدت لنا،والآن تستعصم بالبعد عنا يا اعز الناس ،ها أنت تسلم روحك الطيبة لمن حباك بهذه الموهبة الاستثنائية،وهذا الصوت الملائكي المدهش،بعدما واصلت الليل بالصباح ، تعطر أوقاتنا كلها،تحت المطر وسط الرياح،وحينما تعب منك جناج ، وأصبحت تعيش (بكلية واحدة)لم تقعد بل زدت فى سرعتك ،حتى لا يفتقدك محبوك،وعشاق فنك الأصيل،وها أنت ترتاح فى ضل الدليب ، بل فى ظلال جنة الفردوس ،إن شاء الله مع (النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) وبعد أن وارى خلق كثير من الناس جثمانك الطاهر بالأمس فى الخرطوم لن تفوت بلاد طالما أحببتها لكنك حتما ستلقى فيها النيل كعهده دوما بك يلمع فى الظلام، زي سيف مجوهر بالنجوم من غير نظام،وستنتظرك هناك على ضفة النيل ألف حبيبة وحبيبة، ومعهن كل حوريات السودان،لتحيهن وتقول لهن للمرة الأخيرة ربما سلام،وتعيد سلام ،على نيل بلادنا، وشباب بلادنا ، ونخيل بلادنا سلام، وليوشحنك بمناديل حرير، ويتوشحن بالسواد،وفاء وحبا لك.

لن نقول كما اعتاد الناس أن يقولوا دائما حين يفقدون عزيزا اللهم أغفر له بقدر ما قدم، بل نطلب لك رحمة واسعة لا تحدها حدود، فأنت مهما قدمت فإن الذي قدمته يظل معدودا ومحدودا (300 عمل غنائي،88 عمل وطني الخ)نسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته ،ويغفر لك ما قدمت وما أخرت ،وما اسررت وما أعلنت وما ربك أعلم به منا، وأن يجعل قبرك روضة من رياض الجنة ،وينقيك من ذنوبك، كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس، وأن يباعد بينك والنار كما باعد بين المغرب والمشرق وأن يطرح البركة فى ابنائك وأسرتك الصغيرة وكل اسرتك الكبيرة(أهل السودان ) وأن يجمعنا بك وكل المسلمين فى مستقر رحمته وفى الفردوس الأعلى وليس ذلك على الله ببعيد أو مستحيل.



التوقيع:

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

أبوسهيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-20-2012, 02:16 PM   رقم المشاركة : [10]
أبوسهيل
عميد الموقع
الصورة الرمزية أبوسهيل
 
اخر مواضيعي

المستوى: 81 [♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥]
الحياة 3024 / 3024

النشاط 6974 / 23320
المؤشر 65%


افتراضي

محمد وردي..هكذا تحدثت الاسطورة

بقلم: خالد فتحي
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
وأخيراً طوى محمد وردي (نوتة) ألحانه وحمل قيثارته ورحل عن عمر مديد انكفأ فيه على سكب ألحانه الشجية وموسيقاه التي طالما أثرت النفوس وشدت إليها الانتباه.. ولعله كان مثل (اورفيوس) في الميثولوجيا الاغريقية.. وهو موسيقيٌّ في الأساطير الإغريقية والرومانية، كانت موسيقى صوته وقيثارته من العذوبة بحيث كانت تتبعه الحيوانات والأشجار والأحجار، وتتوقف الأنهار عن الجريان كي تستمع إليه.. وتروي الاسطورة الاغريقية أيضا أن (اورفيوس) تزوج فيما بعد من (يوريديس) التي أحبها بشغف. وبعد موتها توجه (اورفيوس) إلى العالم السفلي كي يعيدها. وخلبت موسيقاه لب (هاديس وپرسفونه) حاكمي العالم السفلي، وسمحا لـ (يوريديس) بالمغادرة. ومثلما سحرت قيثارة (اورفيوس) من قبل سكنة الجحيم ونجا بحبيبته، وافتكها من براثن الموت، في المقابل شكلت موسيقى (محمد وردي) وجدان شعب، وجسدت أحلام أمة، أقعدتها المحنة وأوشك الطغاة على هزيمتها.. لكنها استعصت عليهم وعلى المحنة كما كتب الصحفي المصري الشهير مفيد فوزي على صفحات مجلة (صباح الخير) المصرية، «ان الناس كانوا يستمدون القوة من أغنيات وردي إبان كارثة السيول والامطار في 1988م». وكما تضوعت حياته عطرا كانت خاتمته مسكا فقد كانت مراسم تشعييه بالأمس آية لمن أراد أن يدكر، لم يتخلف أحد عن المجيء.. الكل جاء وفي لمحة نادرة شارك أحد المسيحيين في المراسم الجنائزية جاء متوحشاً بالصليب، مرتديا طليسانا أسود حالكا، كيوم رحيل عبقري الموسيقى السودانية الذي طالما حلم بأن يأتي وطنه على الموعد في تلاقي مثل هذا، كما تغنى في رائعة (محمد عبدالقادر أبوشورة)، (حدق العيون ليك ياوطن) قائلا: «موعدنا يا وطني الحبيب وحدة هلالنا مع الصليب» فالوحدة التي ظل ينشدها في حياته، هاهي اليوم تحققت عند رحيله.

(1)
(محمد عثمان حسن صالح وردي) المعروف اختصاراً بـ (محمد وردي) أبصر النور في (صواردة)، في 19 يوليو 1932م في ذات العام الذي شهد إغماضة الجفن لعبقري الاغنية السودانية في العصر الحديث «خليل فرح» ذو الصوت الشجي والاعمال الباذخة كـ «عازة في هواك»، « الشرف الباذخ «، وغيرها من الاعمال الخالدة التي ألهبت خيال جيل وشكلت وجدانه ولا تزال. ليس هذا فحسب بل إن بعضها تحول إلى رمز كـ (عازة في هواك ) التي بلغت مرتقى بأن تصيرت كنية للسودان نفسه.. قطعا هي المقادير من فعلت ذلك ، لكن فيما بعد سيتم تناقل نبوأة مفادها أن الاغنية فقدت هرما وكسبت آخر لا يقل عنه شموخا ورفعة وسمواً وعبقرية وهذا ما كان يردده دائما القطب الاتحادي (محمد نورالدين) بأنهم أهدوا السودان خليلا من قبل وها هم اليوم وقفوا يهدونه وردي. والرقم (19) ذو سر عجيب للمتتبع لمنحنيات حياة الموسيقار الراحل فقد ولد في (19) يوليو 1932م ودخل الاذاعة للمرة الاولى في ذات اليوم (19) يوليو 1957م وكانت له مع حركة يوليو التصحيحية التي سُميت بانقلاب هاشم العطا في (19) يوليو 1971م ذكريات وحكايات لا تنسى ولا تنتهي وأخيراً توسد الثرى في رحلة الموت الابدية في (19) فبراير 2012م.

(2)
(صواردة) مسقط رأس وردي؛ قرية وادعة بشمال السودان الاقصى، تعد من أكبر عموديّات منطقة السّكوت التي تكوّن مع منطقة المحس ووادي حلفا محلية (وادي حلفا). كانت البداية كما يقول وردي في رائعة (أبوآمنة حامد)، (بنحب من بلدنا)، «من حلفا البداية أحلامي وهناي».. تلك المناطق بسط التاريخ القديم عليها سطوته وسكب عليها لونه على نحو لافت، وتشكلت أفئدة الناس على مرأى النخيل متحداً مع النيل «النهر المقدس» متشابكا مع امتداد الصحراء، التي لا تفتأ ذرات رمالها (السفاية) تفلح الوجوه.. فيما تناثرت المعابد والاهرامات والتماثيل وغيرها من المعالم الاثرية على ضفتي النهر.. وكما يقال «ان الانسان ابن بيئته» حمل المتحدرون من تلك المناطق من النيل وداعته وسكونه والغضب والثورة حد الدمار ومن النخيل العزة والصلابة والتسامي ومن الصحراء امتدادها اللا نهائي وحرارتها اللاهبة وسحرها الغامض.

ومحمد وردي كان واحداً من أولئك الناس جاء وفيه ملامحهم.. ذاق مرارة اليتم منذ نعومة أظافره، وكفله عمه (صالح وردي)، وككل العظماء الذين ذاقوا مرارة اليتم أحال وردي أوجاعه وآلامه الشخصية لطاقة ووقود حيوي لإبداع لا متناهي.. وقد رأيناها كيف أغرورقت عيناه عندما انعطف الحديث عن الأم وحنانها في برنامج (أعز الناس) بفضائية (الشروق) في رمضان الماضي.. وقال وردي بتأثر بالغ انه لا يجد لأمه صورة حتى في مخيلته لأنه لم يرها قط، لقد رحلت أمه وهو لايزال رضيعا، لكنه لم ينكسر ولم يستسلم، بل على العكس تماماً إذ نشأ معتداً بنفسه وبآرائه وبما يعتقد انه حق.. وهذه الخصال بالذات ستجر عليه فيما بعد حنق الكثيرين الذين لا ينفكوا ينعتونه بـ (الغرور) لكنه دائما ما كان يرد عليهم بأن ما يرونه ليس غروراً بل ضرب من الاعتداد بالنفس.

(3)
بدأ وردي حياته معلما بالمدارس الابتدائية قبل أن يتحول تماماً إلى الغناء ويفسر هذا الانتقال بأنه وجد صعوبة بالغة في المواءمة بين شخصيتي المعلم والمغني حيث يقول «كتير الطلبة يحضروا حفلاتي ولما أجي المدرسة الصباح يقولوا لي والله أمبارح كنت رائع يا أستاذ» وهذا الامر جعل شخصية المعلم تذوب شيئا فشيئا بخضم شخصية المغني الآخذة آنذاك في الصعود. لما يألوا وردي جهداً في سبيل الوصول لدار الاذاعة التي كانت بحق المنفذ الاوفر حظا لكل مبدع أراد الشيوع والانتشار.

وهنالك حادثة ذات دلالة تروى في هذا الأمر بأن وردي دخل على الفنان الذري (إبراهيم عوض) وكان ملء السمع والبصر يومها عند قدومه لمدينة شندي لإحياء حفل بها وكان وردي أستاذاً بإحدى مدارسها الابتدائية.. والتمس وردي من إبراهيم عوض معاونته لدخول الإذاعة لكن الاخير رد عليه قائلا «يا ولدي درب الغنا ده صعب» ولا نبرح مكاننا حتى نروي قصة أخرى ذات صلة بها بأن الاثنين كانا يؤديان حفل سويا بعد ان تلاحقت الكتوف بعد سنوات. إذ دخل عليهما شاب ينشد المعاونة ليمضي في درب الفن فالتفت وردي إلى إبراهيم ونظر اليه نظرة ذات مغزى قبل أن يرد على الشاب بسرعة «يا ولدي درب الغنا ده صعب شديد» وضجّ الاثنان بالضحك.

(4)
بعد لأي وجهد كُتب لوردي الظهور على اثير الاذاعة السودانية في 19 يوليو 1957م بأغنية « ياطير ياطائر» من كلمات الشاعر إسماعيل حسن، والحان خليل أحمد ولهذا الامر قصة فالاذاعة كانت يومها تتبع نهجا بتخصيص شاعر وملحن لكل فنان جديد يُعتمد للغناء فيها وكان إسماعيل وخليل من نصيب الفنان الناشئ «شاعرا وملحنا».. وسريعا اتبع وردي (ياطير ياطائر)، بـ (الليلة ياسمرة) أيضا من شعر وألحان الثنائي (إسماعيل وخليل).. بيد أن نقطة التحول جاءت عندما خطا وردي أولى خطواته في عالمه الجميل المملوء وعدا وتمني بأغنية (أول غرام) التي صاغها شعرا ولحنا، ويروي وردي حكاية الاغنية قائلا بأنه وجد ان الطريقة التي سلكت في تلحين الاغنتين السالفتين لا تحققان مراده في الترقي والتميز بعالم الغناء الذي سادته منافسة شرسة .ويتذكر فصولا من تلك الايام في برنامج (نصف القمر) الذي بثه قناة (النيل الأزرق) منذ سنوات «لقيت نفسي ما حافوت فنانين الضل، الناس يسمعوني الساعة حداشر اتناشر، والاذاعة في الوقت داك كان فيها فنانين ممتازين (عثمان حسين)، (ابراهيم عوض)، (احمد المصطفى)، (عبدالعزيز داؤود) وغيرهم» ويمضي ليقول ايضا بأنه نظر إلى سياق القالب اللحني للاغنتين فوجد ان اللحن دائري يطوف حول أبيات الشعر في ايقاع واحد يكرر نفسه دون تغيير، فحاول في (أول غرام) ان يأتي بنسق جديد وهو ان يقوم اللحن بتفسير الكلمات.

ويتطرق وردي لحادثة طريفة مشيراً إلى أن الاذاعي الذائع الصيت (محمد صالح فهمي) انتهره بغضب عندما قدم له الأغنية بأنها من كلماته فرفض إجازتها وقائلا «إنت ما مفروض تبقى شاعر، إنت مالك ومال الشعر، إنت تغني وبس». فما كان من وردي إلا وأن قام بنقلها في ورقة أخرى وكتب عليها من كلمات (علي ميرغني) والأخير شاعر وموسيقار تغنى له وردي بأغنتين إحداهما (حبي حبك شاغلني) وبعد الانتهاء من تلحينها ذهب لـ (خليل أحمد) ليسمعه اللحن، وخليل عندها كان يعمل بـ (طلمبة) بالسجانة وقال له وردي: «يا خليل يا أخي أنا عندي أغنية «فرد عليه خليل قائلا: ومالو نلحنا؟ لكن وردي فاجأه بقوله: أنا لحنتها؟ فزجره خليل قائلا: إنت إيه اللي عرفك بالتلحين». فوقعت مشادة بين الاثنين قبل ان يتصالحا فيما بعد كما يؤكد نفسه ضاحكا بعد الحادثة بسنوات طويلة.

وتستشف من الحادثة المار ذكرها صبر وردي ومثابرته على مشروعه الفني التي جعلت الإذاعة تقوم بترقيته في وقت وجيز من فنان (درجة رابعة) لفنان (درجة أولى) أسوة بالاربعة الكبار (حسن عطية) و(عثمان حسين) و (احمد المصطفى) و (ابراهيم عوض). وفي سبتمبر 1958م اعتلى وردي العرش مع الكبار بفضل مدير الاذاعة الاشهر (متولي عيد) الذي لم ينس ان يهدده بإعادته إلى الدرجة الرابعة مرة اخرى إذا لمس منه تخاذلا أو تكاسلا.

(5)
ولم يمض من الوقت الا قليلا حتى وقع انقلاب 17 نوفمبر1958م بقيادة الراحل الفريق (إبراهيم عبود) و دخل وردي إلى استوديوهات (هنا أمدرمان) ليصدح بأغنية مطلعها (17نوفمبر هبّ الشعب طرد جلاده) التي صاغ كلماتها ولحنها وأداها بنفسه، تمجيدا لرجال حركة نوفمبر الذين رأى فيهم كما سيبرر فعلته فيما بعد صورة الزعيم الراحل (جمال عبدالناصر) دون ان يدري وقتها هل كان عبدالناصر نفسه ديكتاتور أم بطل شعبي . وما حدث يصلح ان يكون مدخلا منطقيا للتعليق على مدى صدقه في روايته للحادثات التاريخية التي يكون طرفا فيها فقد استمعت اليه وهو يسرد أجزاء من سيرته الذاتية في ليالي رمضانية في صيف 1987م على اثير الاذاعة السودانية في سلسلة من تقديم (معتصم فضل) المدير الحالي للاذاعة ثم في العام 2005م على شاشة النيل الازرق في برنامج (نصف القمر) من تقديم (سعد الدين حسن) لم يكد شيئا قد تغير أو تبدل في السرد ذات التفاصيل وربما بنفس العبارات.. كأبلغ دليل على صدق الراحل مع نفسه ومع الاخرين.. فقد درج على تقديم نفسه كما هو بلا تزويق أو رتوش.. يروي بثبات لحظات انتصاراته أو نكساراته.. الاوقات الحلوة في حياته وأوقاته المرة ساعات النصر وساعات المحنة.

وبعيداً عن سقطته السياسية تلك والتي جاءت نتاجا لفورة الشباب واندفاعه، كما قال بنفسه .. شهدت ذات الفترة إنتاج أعمال وقفت علامات مائزة في تاريخه الفني كنشيد (يا ثوار أفريقيا يا صناع المجد) من كلمات الشاعر الدبلوماسي (صلاح أحمد إبراهيم) والذي تحور بعد ثورة اكتوبر إلى (يا ثوار اكتوبر)، ونشيد (يقظة شعب) للشاعر النوبي (مرسى صالح سراج) ولا يختلف اثنان أن هذه الاغنية من أعظم الاغنيات التي تغنى بها فناننا العبقري على مر تاريخه الطويل. حيث عبرت كلماتها بصدق عن مكنونات أمة ومكونات شعب ضارب بجذوره في التاريخ المجيد.. وقد سكب فيها الموسيقار من عبقريته اللحنية وإيقاعاته الساحرة ما أحالها إلى مقطوعة فنية نادرة المثال.. وليت الورق كان ينطق إذن لما وجدنا عناء في بث هفهفة الكلمات وزفزاف الموسيقى عبر الورق، لكن ما بيد حيلة.. فالعلم لم يتوصل إلى ثمة اختراع بعد يحتال به على الحروف الأبجدية لتنطق على ورق الجرائد.

(6)
وكان وزير الاستعلامات والعمل اللواء (طلعت فريد) وهو أحد رجال نوفمبر يتابع عن كثب (بروفات) هذا العمل الرائع.. وذات مرة طلب من الشاعر بأن يحاول إدخال الفريق (أبراهيم عبود) في أحد مقاطع العمل لكن شاعرالاغنية رده بغير رفق قائلا: «ما بخشش لأنو ده تاريخ وإن شاء الله عبود بعد عمر طويل يجوا ويغنولوا ناس غيرنا» فسكت طلعت فريد على مضض رغم عدم اقتناعه بالحجة.

في تلك الفترة أيضا رفد وردي وجدان الأمة برائعته (الطير المهاجر) من كلمات (صلاح أحمد إبراهيم) والقصيدة عثر عليها وردي على صفحات مجلة (هنا أمدرمان) في 1961م والتقطها بعيني خبير وقام بتوقيع ألحانه عليها. ولعله وجد في مقاطعها المملوءة بالشوق والوجد صورة متكررة من عذابات أهله الحلفاويين الذي هجروا ديارهم في وادي حلفا إلى هجرة أخرى لم يألفوها ولم تألفهم وهي موجدة لا تزال موغلة في أعماقهم حتى اليوم. تماما كما رأى الشاعر (محمود درويش) يوما ما في حصار رام الله صورة متكررة لحصار بيروت من قبل، فعندما صعد درويش على المنصة ليلقي شعرا في بيروت في العام 2000م، وكان العدو يفرض حصاره القاسي على رام الله وقتئذ استأذن الجمهور قائلا «من هنا بدأ الحصار اسمحوا لي ان نستعيد معا بعض المقاطع من (مديح الظل العالي)». ولما سئل (عبدالخالق محجوب) سكرتير الحزب الشيوعي الراحل عن رأيه بالاغنية التي فشت بين الناس وقتئذ ، وكان بينه وبين شاعرها ما صنع الحداد ومواقف سار بذكرها الركبان أجاب دون أن يتلكأ: «هكذا ينبغي أن يكون الغناء». وفي ذات الفترة قدم وردي أيضا نشيد (اليوم نرفع راية استقلالنا) لـ (عبدالواحد عبدالله)، وفي احتفال رأس السنة الماضية رفض (وردي) طلبا من الحاضرين بغناء هذا النشيد بالذات قائلا في سخرية لاذعة «هو وينو الاستقلال» .. لقد أدمى فؤاده انفصال الجنوب، وشبح التمزق الذي يحيط بالسودان حالياً.

(7)
ثم تفجرت ثورة اكتوبر كجبّار لا يرحم في 21 اكتوبر1964م ونقشت في ضمير تاريخ السودان الحديث كائنا فريدا قل مثاله . فلو سلمنا جدلا بأن انتفاضة ابريل التي أطاحت بحكم الرئيس (جعفر نميري) في 6 ابريل 1985م قد تخلقت في رحم اليأس بعد أن صك الشعب وجهه وقال «عجوز عقيم» والشاهد أن اكتوبر أتت كالفجر أو» زي شعاع الشمس من كل المداخل» جاءت في الزمن الصحيح وحيثما انتظرتها الجماهير الثائرة ولم تتأخر. ولعل الدماء التي صبغتها منحتها خلودا على خلود، وصيرتها اسطورة من أساطير الشعوب المقهورة في طريقها للخلاص من حكم الطواغيت وسعيها نحو الحرية والانعتاق.

وبرمزيتها تلك أجبرت ثورة اكتوبر كل المبدعين في كل المجالات على التفاعل معها وبها وإليها وتفجرت قريحة الشعراء كأجمل ما يكون وتدفقت الالحان وتموسقت الكلمات وتفجرت حناجر الفنانين ومن ورائهم الشعب بكل طوائفه وفئاته وأحزابه غنى لثورته الفتية ولم يكن وردي بدعا من أولئك النفر من ذوي الابداع فترنم بأناشيد وأغنيات شكلت فيما بعد علامات فارقة في مسيرة الاغنية السودانية مثل (اكتوبر الأخضر) للشاعر الدبلوماسي محمد المكي ابراهيم و(أصبح الصبح) و(لحظة من وسني) لمحمد مفتاح الفيتوري، وغيرها من الاعمال التي تخلدت بذاكرة الشعب. وثمة أمر لا مناص من الاعتراف به وهو أن أحد من المعنيين يبز وردي في الغناء لشعبه والالتزام بقضاياه والتعبير عنه وبأمانيه في كل سانحة وبكل وقت. وللجميع في رائعة محمد المكي ابراهيم (جيلي أنا) أسوة حسنة لكل حادب على وطنه، فقد غدت أنشودة على السنة كل الناس و(كولينغ) لكل الاحزاب والتنظيمات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار ولا ننسى الوسط.

(8)
وكما أسلفنا فقد اكتوبر جاءت فتية. تماما في الزمن الصحيح فكان غناء أمجادها وشهدائها فتيا مثلها سيما وقد اصطبغت باللون «من دم القرشي وإخوانه»، آخذين في الاعتبار ما أتت تحمله من شعارات التطهير «لا زعامة للقدامى» و حقوق المرأة وحقوق الطبقة العاملة.. وغيرها من الشعارات التي اكتست بها ملامح الثورة.. ويقول وردي في مرحلة ما أحسست ان الثورة تتراجع فبدأت أغني أغنيات «إنني أؤمن بالشعب حبيبي وأبي» و»شعبك أقوى وأكبر مما كان العدو يتصور» وفي تلك الاجواء حلت بالساحة السياسية بالسودان كارثة حل الحزب الشيوعي، وطرد أعضائه من البرلمان في 1965م على خلفية عبارات مسيئة تفوه بها طالب شيوعي بندوة عامة بدار المعلمين في 1965م، ولم تقف الامور عند ذاك الحد بل أخذت منحنى وعراً بعد تحدي البرلمان قرار المحكمة العليا بإبطال قرار الحل.

ومن المؤكد أن المغني تأثر جدا بتلك الاجواء.. وكما يعلم القاصي والداني فقد كان وردي حينها تقدميا ملتزما بتعاليم اليسار، فضلا انه من المغنين الذين يملكون آراء واضحة وأحيانا صادمة فيما يغنون وينشدون. وهنا لابد من الاشارة لمقالته للشاعرالراحل (النور عثمان أبكر) عندما دعاه للالتفات لفنه دون الخوض في السياسة قائلا «إنت ما تغني ساكت مالك ومال السياسة» فرد عليه وردي قائلا «يا أستاذ النور يبقى راديو ساكت ولا شنو».

الشاهد أن المجموعة الفكرية التي انتسب اليها وردي وإن شئت فقل (الحاضنة) التي تشكلت فيها موهبته أسهمت بشكل واضح لا تخطئه العين في رسم الطريق أمام ناظريه وفي تفتيح وعيه وتشكيل وجدانه اهتماما بالجانب القيمي للفن، وان الاغنية ليست ملهاة أو طرب والسلام، بل تعبير عن أحلام الناس وقبلها آلامهم وكان نتاج هذه المرحلة التي يطلق عليها مرحلة «الشعراء الفلاسفة» ان شكلت قنطرة أو جسر عبور لمحمد وردي من مجرد مغني عادي إلى فنان عبقري واعي بقضايا أمته وشعبه، ومن أبرز شعراء هذه المرحلة (عمرالطيب الدوش) و (علي عبد القيوم) صاحب نشيد «نحن رفاق الشهداء» وفي تلك الآونة أيضا اتجه (وردي) لخوض تجربة الغناء بالفصيح كما في (الحبيب العائد) لـ (صديق مدثر) و (مرحبا يا شوق).
وغني عن القول إن هذه المرحلة أعقبت مفارقة وردي لصفيه ورفيق دربه الشاعر إسماعيل حسن الذي شكل معه ثنائيا من أروع الثنائيات الفنية بتاريخ الاغنية السودانية، حيث توقف وردي عن ترديد أغنيات «ود حد الزين» طوال تسع سنوات امتدت من 1965حتى 1974م ولم يكسر الصمت بين الاثنين إلا رائعة (سماعين)، (وا أسفاي) التي دار حولها جدل كثيف في أن (وردي) اختصها لنفسه من (صلاح بن البادية) التي هفا قلبه لغنائه بعد أن رأى فيها كما قيل تجسيدا حقيقيا لمسارات حياته التي تقلبت من جهة لأخرى خاصة في المقطع الذي يقول «إرادة المولى رادتني وبقيت غناي، مع المكتوب أسوي شنو براهو الواهب العطاي».
وأثمرت فترة «الشعراء الفلاسفة» عن أغنيات فائقة الجمال خاصة بعد أن سكب عليها وردي من عبقريته اللحنية إيقاعات أسطورية جاوزت حد الادهاش ولقد أدهش وردي بالفعل متولي عيد مدير الاذاعة السودانية عندما أسمعه أغنية (الود) التي قام بتوزيعها الموسيقار الارمني الشهير (اندريا رايدر) حيث قام وردي بستجيلها بقاهرة المعز بصحبة اوركسترا مصرية بمصاحبة عازف الكمان الشهير (محمدية) فقط من السودان واكتسبت (الود) شهرة واسعة خاصة بمقدمتها الموسيقية الطويلة التي لم تكن مألوفة آنذاك في الغناء السوداني.

(9)
ويسرد وردي حكايته الغريبة مع رايدر في إحدى مقابلاته الصحفية قائلا: «كان البواب غليظاً غطى شارباه نصف وجهه الأسفل، صاح بلكنة صعيدية (مين)، رد عليه الشاب النحيل: محمد عثمان وردي، قبل أن يتمعن في الاسم سأل مجددا: عايز مين؟، فأجابه: عايز أقابل الموسيقار أندريه، أمره الحارس بالانتظار غاب دقيقتين ثم عاد وبدون تردد حسم الأمر بقوله: ما عندناش مواعيد دلوقت يا بيه ما نستغناش. لكن يبدو أن الشاب الأسمر كان مصمماً: أنا لازم أقابلو، أنا جاي من السودان عشان أقابلو.

بعد تردد عاد الحارس مرة أخرى إلى داخل الفيلا، ثم ابتسم في وجه الشاب: أتفضل يا بيه بس ما تطولش أصلو البيه معاه ضيوف من الكبارات.

لم أتمكن من الدخول مع الشاب الأسمر النحيل ، كان الحارس متمترساً كالثور البلدي والريح تصهل بين طرفي شاربه الكث ، لكن الشاب يروي القصة كاملة : كانت الصالة واسعة .. فخمة المحتويات .. الستائر على النوافذ بألوان متناسقة مع الأثاث .. كان هناك عدد من الضيوف في سهرة الموسيقار الزائر .. رن صمتٌ مطبِقٌ عندما دخلتُ الصالة .. أذكر أن بصري وقع أول ما وقع على الفنان الكبير فريد الأطرش وبجانبه عوده المزخرف على نحو أنيق ورائع .. ومجموعة من الفتيات والفنانات المصريات والعربيات .. سألني أندريه مبتسما ابتسامة الفنان الذي يتوقع بحدسه الذكي ميلاد مفاجأة ما من أنت؟أجبته بثبات: (محمد وردي .. مطرب من السودان) .. رحب بي وأجلسني إلى جواره .. أضفتُ بدون تردُّدٍ (لديَّ عمل فني قمت بتلحينه في السودان وأرغب في عرضه عليك لتوزيعه إذا راقك) ، ارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة شجعتني .. طلب أن يسمع شيئا من ذلك اللحن .. لم يكن معي عود .. فبادر أندريه بطلب عود الفنان فريد الأطرش الذي كان ينظر لي نظرة نجم القاهرة للغريب المقتحم .. استجمعت في تلك اللحظات كل شجاعتي لتأكيد استحقاق أغنية الود للمشقة التي تكبدتـها من أجلِها منذ سفري من الخرطوم وحتى وصولي إلى القاهرة وانتهاء باقتحامي هذه السهرة المترفة .. غنَّيت بصوت عالِ أذهل الحضور وتمدد مستفيدا من الصمت الذي فرضه على المكان .. وكانت المفاجأة أن أندريه أمسكني من يدي وطلب مني الانتقالَ معه إلى غرفة داخلية ..كان بها البيانو الكبير الذي يستخدمه شخصياً .. ومنذ تلك اللحظة كان ميلاد أغنية الود التي لم أشأ أداءَها مرةً أخرى حتى لا يتشوَّه توزيع أندريه الرائع لها). وأضاف وردي (أصريتُ على أن يتمَّ عزفُ مقدمة المقطع الثالث من الأغنية بآلة الطمبور.. وكانت تلك مغامرةً تجريبيةً أثبتت إمكانيةَ هذه الآلة العريقةِ على مزاملةِ بقية الآلات الموسيقية الثابتة .. بل وأثبتت تألقها.. وذلك ما جعل ذلك المقطع من الأغنية ساطعَ الحضور في سماء القالب اللحني العام للأغنية». ولأن اللحن بلغ حد الكمال الموسيقي آثر الموسيقار الراحل الا يشدو به مرة أخرى وأضحى لا يعيد غناءها ثانية وظلت هكذا بتوزيع العبقري (رايدر) وإلى الأبد.

(10)
ثم تفجرت ثورة مايو 1969م بقيادة العقيد جعفر نميري حمراء قانية اللون، ويسارية الهوى حتى ان البعض أطلق على السودان وقتها لقب «كوبا أفريقيا»، ولم يمض وقت وجيز حتى أهدى الموسيقار الراحل الانقلاب الوليد نشيد (في حكاياتنا مايو) ومن مقاطعه التي لا تنسى (أنت يا مايو بطاقتنا التي ضاعت سنينا.. أنت يا مايو ستبقى بين أيدينا وفينا.. لم تكن حلما ولكن كنت للشعب انتظارا).. وسرعان ما اتبعها بنشيد آخر (يا حارسنا وفارسنا) الذي ظل يبث حتى الايام الاخيرة لنظام مايو، وقد اعتذر (وردي) و(محجوب) عن تلك الاناشيد ، ويحكي الشاعر (محجوب شريف) عن تلك الايام في مقابلة مع (محمود المسلمي) في برنامج (همزة وصل) على إذاعة (لندن) بث في تسعينيات القرن الماضي عند سؤاله عن القصيدة التي قدمته للناس فأجاب بطريقة مباشرة ودون مواربة «أقول لك بكل آسف لأغنية «يا حارسنا ويا فارسنا» ويفسر محجوب شريف مبعث أسفه وحسرته تلك انهم استقبلوا ذلك الانقلاب (في إشارة لمايو)، بصدق فني لكن دون وعي سياسي أو اجتماعي وهذا ما أوقعهم في فخ الغناء له وتمجيد قادته. ويبدو أن النشيد كان عرضا من (أمراض الطفولة اليسارية) على حد تعبير لينين الشهير. ومن المهم جدا الاشارة إلى أن الموسيقار الراحل وشاعر الشعب أصبح فنهما من لدن تلك الواقعة (قوسا بيد الشعب) فقد تبرآ معا من الغناء لغيره أو تمجيد أحد سواه.. نعم هو الشعب ولا أحد سواه كما يقول (صلاح أحمد إبراهيم) عنه أي (الشعب) في مساجلاته الذائعة الصيت مع (عمر مصطفى المكي)،» وهبته ألذ سويعات العمر، وأحلى سني نضارتي ورونقي.. ووهبته وقتي وراحتي وأماني ومستقبلي وقلمي وألمي ودراهمي المحدودة، لأن الكتابة لا يمكن ان تكون فيما عدا خلسات محفوظة.. متعة جمالية بحتةأ بل استمرار مؤلم ومستوحش للنضال». واذا كانت الكتابة التزاما مؤلما ومستوحشا فضروب الفن الاخرى وبينها الموسيقى والغناء لا تقل عنها خطرا.. وفي درب الالتزام تجرع وردي المر وذاق الحنظل، لكنه لم يلن أو تنثني له قناة.

لم تمض سنتان حتى قاد (هاشم العطا) ثورة تصحيحية ضد ثورة مايو، ورمزها (جعفر نميري) في 19 يوليو 1971م غير أن الحركة لم تصمد سوى ثلاثة أيام، ثم عاد نميري اكثر وحشية ودموية ورغبة في الانتقام فقتل من قتل وشرد من شرد وسجن من سجن.. وكان من بين الذين طالهم السجن محمد وردي الذي نزل بساحة سجن «كوبر» العتيد. وفي السجن أكثر وردي من المطالبة بأن يعطى (عوده) وفي إحدى المرات رد عليه مدير جهاز الامن وقتها (عبد الوهاب) قائلا «يا محمد وردي نحن ما قبضناك عشان راكب دبابة قبضناك عشان عودك ده وما حنديك ليهو».

ويروي صاحب (الوطن) الراحل (سيد أحمد خليفة) بعضاً من ذكرياته والموسيقار الراحل في أول احتفال بذكرى اكتوبر داخل المعتقل بسجن كوبر «يوم الحفل العظيم داخل فناء السرايا بسجن كوبر ومن على مسرحها أنشد الفنان محمد وردي أجمل وأعظم أناشيده الاكتوبرية الجبارة، ومعها أنشد الجديد الذي بشَّر بالحرية ونهاية الظلم قائلاً (اكتوبر .. دناميتنا دناميتنا.. ساعة الصفر.. ركيزة بيتنا) والنشيد من كلمات (محجوب شريف) الذي كان معتقلا معهم في نفس المكان.. ويضيف صاحب (الوطن)» وخلف وردي وهو على المسرح وحوله الكورال والشيالين والعازفين والمبدعين كانت الهتافات والتحديات تزلزل أركان السجن العتيد الذي أعلنت إدارته حالة الطوارئ . وأصاب الهلع والفزع من كانوا في بيوتهم أو في مجالسهم بعيداً عن السجن من سدنة النظام وقادة المقاصل وقتلة الرجال.. وقد أدى ذلك المشهد الفريد بجانب الاستنفار العسكري داخل وحول سجن كوبر إلى تجمع الآلاف من المواطنين حول السجن عندما حملت الرياح الجنوبية والشمالية نحو (800) منشداً كانوا معتقلين يرددون خلف الفنان (محمد وردي) و (محمد الأمين) و(جمعة جابر) و (إدريس إبراهيم)، الأناشيد الثورية والحماسية بأصوات ما كان يمكن أن تبلغ المدى السمعي لو جهزت لها أعتى وأكبر مكبرات الصوت».

وأتاحت له فترة السجن فرصة التقاط أغنية ستكون لاحقا أحد أجمل أغنياته على الإطلاق (أرحل) وكلمات الاغنية وصلت إلى وردي بطريقة غريبة حيث وصلت اليه بطريق الصدفة عندما لفت له عقيلته بعض أغراضه بصفحة من جريدة (الصحافة) كانت القصيدة منشورة بها. و(أرحل) مثله سابقتها (من غير ميعاد) التي التقطها الموسيقار الراحل من صحيفة (السودان الجديد) بعد أن قام بنشرها الشاعر (محمد يوسف موسى) على صفحة فنية أسبوعية كان يقوم بالاشراف عليها. وتغنى بها وردي للمرة الاولى في برنامج (تحت الأضواء) من تقديم الهرم الإعلامي (حمدي بولاد) قبل وقت قليل من انقلاب مايو 1969م وشاعرها (التيجاني سعيد) لم يكن قد بارح الثامنة عشرة من سني عمره بعد.

وفي ليل السجن الطويل واللا نهائي تصبح القراءة إحدى وسائل تزجية الوقت وقد التقطت عيناه قصيدة بعنوان (قبض الريح) للشاعر (التيجاني سعيد) ففكر في تلحينها لكن واجهته مشكلة في الكورس وتوزيع الايقاعات فتولى السجناء والمعتقلون تلك المهمة،، وأيضا جرى تغيير اسم الاغنية إلى الاسم الذي ذاعت به بناء على ملاحظة الرشيد نايل وهو القاضي الشرعي الوحيد الذي انتسب إلى الحزب الشيوعي آنذاك بأن (قبض الريح) تكريس واضح لمناخ اليأس والإحباط خاصة وأن جميع الرفاق إما قتيل أو حبيس أو مطارد وعليه جرى تعديل اسمها لتصبح (أرحل).

والاغنية فاجأ بها محمد وردي جهموره في حفل غنائي بكازينو النيل الازرق في 1973م .. ولعلها اكتبست بعداً سياسياً من هذا حيث شدا بها الموسيقار الراحل بعد وقت قليل من الافراج عنه رغم ان شاعرها ذكر في أكثر من مناسبة أن الاغنية لا تحمل ثمة مضامين سياسية وأنها أغنية عاطفية بحتة .. وبعد سنوات انبرى الموسيقار (يوسف الموصلي) لإعادة توزيعها مع أخريات من أعمال وردي إبان فترته بالقاهرة في النصف الاول من تسعينيات القرن الماضي. لكن الموسيقار الراحل لم يظهر رضا بشأنها بل عمد لانتقاد الطريقة التي اتبعها الموصلي في توزيع الاغنية ورأى ان الطريقة تجافي ما تعودته الإذن السودانية.

(11)
وبعد انتفاضة أبريل 1985م التي أطاحت بالرئيس (جعفر نميري) غنى وردي للشعب كما لم يغن أحد. وتلك الفترة بالذات كرست لزعامة وردي الفنية وصيرته فناناً للشعب ومعبراً عن صوته بلا مراء ودون منافس حتى يومنا هذا. لدرجة ان البعض أطلق عليه «فنان أفريقيا الأول» لشعبيته الخرافية غير المسبوقة في دول القارة السمراء خاصة منطقة القرن الافريقي ودول شرق ووسط والغرب الافريقي. وبعد وقوع انقلاب الانقاذ في (30) يونيو 1989م اتخذ الموسيقار الراحل قرارا بالخروج من السودان بعدما فشل في التعايش مع الإسلاميين الذين بدأوا في التضييق على الناس وشهدت تلك الفترة أغنيات قوية لوردي في مواجهة قادة الحكم الجديد أشهرها نشيد (سلم مفاتيح البلد) لـ (محمد المكي إبراهيم) والتي بلغت شأوا أن صارت شعار تعبيريا عن مرحلة بكاملها وكثيرا ما صدح بها رئيس التجمع الوطني الديمقراطي (محمد عثمان الميرغني) في وجه الاسلاميين .. «سلم تسلم»، وأيضا غنى وردي نشيد (من طواقي الجبهة لي دقن الترابي) من كلمات (المكاشفي محمد بخيت).



التوقيع:

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

أبوسهيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-20-2012, 02:21 PM   رقم المشاركة : [11]
أبوسهيل
عميد الموقع
الصورة الرمزية أبوسهيل
 
اخر مواضيعي

المستوى: 81 [♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥]
الحياة 3024 / 3024

النشاط 6974 / 23320
المؤشر 65%


افتراضي

نقوش على قبر الموسيقار

الخرطوم: رامي محكر / تصوير إبراهيم حسين
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الدمع من كان سيد الموقف والبكاء وحده من تسيد المكان .. فالكل يبكي.. حتى دموعهم كانت هي الأخرى تبكي.. والجموع تتوافد على مقابر فاروق.. مشهد يحكي عظمة الرحيل والفقد الكبير.. اختلفت السحنات والأديان.. الصغار والكبار.. النساء والرجال.. ولكنهم اجتمعوا تحت راية واحدة.. عنوانها (وردي الوطن).. تلك العبارة التي كان يرددها الجميع.. البعض منهم تغلبهم العبرات قولها علنا.. وآخرون جهروا بها ويصحبها البكاء والعويل. جموع غفيرة جاءت تودع فنان إفريقيا الموسيقار محمد عثمان وردي.. تقدمهم رئيس الجمهورية عمر البشير ووزير الدفاع عبد الرحيم محمد حسين ورئيس البرلمان أحمد إبراهيم الطاهر.. ولفيف من الشخصيات والرموز السياسية والإعلامية والفكرية والفنية والرياضية.. عند الساعة الثامنة وصل جثمان الراحل ليصلى عليه ومن ثم مواراته الثرى إلى مثواه الأخير. بينما كان الجثمان يوارى الثرى تعالت الصيحات مرددة (وردي الوطن.. وردي السودان.. وردي إفريقيا.. وردي السلام والحرية..).. تشابكت الأيدي.. وتقاطرت الدموع.. كل من كان داخل المقابر كان يرى أن الفقد فقده.. تعددت الوجوه ولكنها اتفقت على الحزن وعلى جلل الرحيل وعظيم الفقد.

محجوب شريف يعزي
لم يمنعه وضعه الصحي من أن يكون من بين المشيعين لفقيد البلاد محمد عثمان وردي حيث كان الشاعر الكبير محجوب شريف حضورا وأرسل تعازيه الحارة على فقد فنان إفريقيا الأول.

وردي بقامة وطن
أصدقاء وزملاء العملاق الراحل التقت بعضهم (الأحداث) متحدثين ومرسلين تعازيهم لكل الشعب السوداني.. الموسيقار وعازف الفلوت أسامة بيكلو تحدث معنا عن الراحل قائلا: «وردي كان بقامة وطن وكل نخلات هذا السودان» وعبر عن حزنه العميق على رحيله، مشيرا إلى أنهم كموسقيين تعلموا من وردي الكثير وأضاف بيكلوا «لقد قسم علينا منتوجه الفني وموسيقاه نسأل الله أن يتقبله قبولا حسنا ويسكنه فسيح جناته».

ديناصور الأغنية السودانية
المطرب كمال ترباس كان أول الحضور بمستشفى فضيل ليلة إعلان رحيل العملاق وردي وكذا أول الحضور في المشيعين لجثمان الفقيد.. بدا الحزن واضحا على ملامحه وحاول مغالبة دمعه وهو يتحدث إلينا قائلا «لقد إتهدَّ ركن كبير.. وأحد رموزنا الفنية والوطنية.. وديناصور الأغنية السودانية» وبعث ترباس برقيات التعزية لكل جماهيره وأهله وكل السودان.

شخص غيور وهميم
عاصم البنا اختار أن ينزوي بعيدا مع زميله المطرب ياسر تمتام وقال لـ(الأحداث) «سيظل وردي عالقا في وجداننا.. كان لا يبخل علينا بالنصائح والتوجيه» وأشار البنا إلى أن الراحل كان بمثابة الأب بالنسبة لهم.. وأضاف «كان شخصا غيورا وهميما بثقافات وفنون السودان وأدعو الناس كلهم للدعاء له بالمغفرة والرحمة».

صوت للسودان
لم يكن أهل الفن هم وحدهم الذين هبوا لتشييع حثمان وردي، فقد كان الرياضيون والإعلاميون أيضا موجودين هنالك وذرفوا الدموع على رحيله، وعبّر الإعلامي كمال حامد عن حزنه على رحيل وردي.. وقال في حديث مقتضب: «لقد وارينا تحت الثرى إرثا كبيرا من تاريخ الفن السوداني فقد كان الفقيد صوتا للسودان غنى للأجيال كافة، ونتمنى من القائمين على الأمر أن يخلدوه كما يستحق وإنشاء مؤسسات تحمل اسمه لأنه كان أبا ومعلما».

جزء من تاريخ الحياة اليومية
وتحدث مجموعة من الناس عن الراحل قائلين إن وردي ليس مجرد نقطة تحول إنما هو أحد أهم تاريخ الفنون الوطنية ليس في مجالات الغناء والموسيقى، مشيرين إلى أن له تأثير بالغ في الشعب السوداني و تطوره وترقيته وظل ممسكا بفكرته ومصر عليها ومثابرا في تنفيذها.. وإن رحلة وردي في الحياة التي استمرت ثمانين عاما لا يمكن حصرها في كلمات وستظل روحه بين الناس وجزءا من تاريخ الحياة اليومية التي نعيشها.

يوم فاصل
غطت على ملامحه الحزن والأسى وهو يعبر ويترجم لنا إحساسه بفقد الموسيقار محمد وردي إنه الشاعر أزهري محمد علي الذي قال: «لم يكن لقاؤنا إلا عابرا إفترقنا كالفراشات على نار الهوى جئنا إليها واحترقنا».. وأشار إلى أن يوم رحيله يعد بمثابة اليوم الفاصل في تاريخ الشعب السوداني.. وأضاف أزهري «كنت أتمنى أن نتريث قليلا في العزاء حتى نتيح لقطاعات الشعب السوداني كافة والذين تقاسموا المنافي والمهاجر البعيدة لكي يكون عندهم دور في وداعه.. ووردي ظل حالة انتباه لعقود طويلة وهو دعوة للانتباه ولمزيد للتماسك ضد الجهل، وكذا دعوة للاصطفاف وإعلاء قيم الحرية والاصطفاف.. رحيل فنان بمقامة وردي يدعونا للمزيد من الاحساس بتحمل المسئولية فيما يتعلق بالحادث الوطني وإعلاء قيم الجمال والخير ومكارم الأخلاق».

أظلمت الدينا من بعده
بعض الدمع الذي ذرفته عينا عضو مجموعة عقد الجلاد؛ شمت محمد نور، كان يعكس عميق الأسى والألم على رحيل من عده شمت المعلم والأب بالنسبة لهم، وقال: (الكلمات بتموت في الحلق؛ لأنه هو الفنان الوحيد الذي يحمينا؛ لأنه كان يقول إن المفردة تقع حد السيف على الظلم والقهر.. ونحن من نفسه سنكون امتدادا له وهو الوطن بأكلمه لم يترك الرطاني ولا الغرب ولا الشرق وكان الشمعة التي تضوي لنا الطريق وأظلمت الدنيا من بعده «إنا لله وإنا إليه راجعون»).

تعلمت منه الكثير
الموسيقار حافظ عبد الرحمن بدأ حديثه معنا متماسكا بعض الشيء إلا أنه لم يستطع إخفاء دمعه السخين. وقال: «كان في كل مرحلة يطرح شيء مختلف في أفكاره والتوزيع الموسيقي وأسلوبه وفي رؤياه للنسيج الذي يكون الإنسان السوداني. وهو تاريخ قوي طرح أغنيات وطنية تتحدث بقوة عن تاريخ الوطن وأغنيات طويلة وقصيرة وقد استفدت منه الكثير وتعلمت منه الكثير وأتمنى أن تطبق أفكاره فيما بعد من قبل الفنانين الشباب عساهم يضيئوا بقدر ما أضاء الراحل».

انطوت صفحة الفن
لم يقف الدمع من التسربل من عينيه وسكت قبل أن يتحدث معنا ليغالبه الدمع ثم قال الجيلاني الواثق «وردي مدرسة وأسلوب حياة وبقدر ما غنى للعاطفة والجمال، إلا أن أكثر ما يميزه أنه غنى لهذا الوطن الجميل عشق السودان واحبه كل السودان وهذه الجموع هي دليل لمحبته لهم.. ولا أقول إن رحيله انطوت صفحة الفن، ولكن أتمنى استمرارية الفن بنفس النهج والدرب الذي وضعه محمد وردي».

كان أمة سودانية
قائد ركب الموسيقيين والمسرحيين؛ الأستاذ علي مهدي، أوضح أن برحيل وردي ترملت الأغنية السودانية.. وأشار إلى أن الراحل كان أحد رموز الأغنية السودانية وموثقا لكل تاريخ السودان بفنه.. وأضاف مهدي قائلا: «على الرغم من أنه كان شديد الرأي وأدخلته صراحته في مشاكل عديدة إلا أنه كان صادق مع نفسه.. واليوم السودان فقد أمة لقد كان أمة سودانية ولكن نقول ما كثير على ربه وربنا يعوضنا ويعوضه الجنه ونبعث العذاء لأسرته الصغيرة..

علمنا كيف نلحن
الملحن السني الضوي قال والدمع يغمر عينيه: «السودان فقد فنان عظيم وعظمة محبة الناس له ظاهرة في الجمع الذي حضر مواراة جثمانه، وقد علمنا كيف نعمل وكيف نلحن، ونتمنى أن يحذو الناس من بعده وأن يقدموا فناً نظيفاً وجميلاً».

فقد لقائد عربي
المطرب الشاب محمد بدوي أبوصلاح أكد أنه في غاية الحزن وبعث بتعازيه لكل أفراد الشعب السوداني.. وقال: «لقد فقدنا هرماً من إهرامات الوطن الذي أثرى وجدان الشعب السوداني.. وأغنياته ظلت وستظل باقية بيننا وعطاؤه كان لكل الأجيال».. وأشار إلى أن الراحل يعد من الذين شكلوا احساس المواطن السوداني وعبروا عنه في التغني للوطن والسياسة والعاطفة.. وأضاف «فقده ليس فقد فنان أو مغنٍ، ولكنه فقد لقائد للسودان وللوطن العربي، وهو بمثابة النيل يروي كل الشعب السوداني، ودونه لا تخضر الأشجار، ونسأل الصبر لكل محبيه ومعجبيه».

عمود الفن السوداني انتهى
أما ندى القلعة لم تقو على الحديث وانتظرنا إلى أن هدأت بعد أن طلبت منّا أن تقرأ الفاتحة على روح عملاق إفريقيا كما وصفته في بداية حديثها، وزادت بالقول «أكبر عمود في الفن السوداني انتهى» وعبرت عن ألمها لعدم حضور تشييع الجثمان ومواراته الثرى، وقالت «كان من المفترض أن نتصبر في دفنه لكي يحضره الشعب السوداني كله»..



وردي يرحل .. والوطن يتوشح بالسواد

مبارك ود السما:
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
بالأمس اجتمعت كل أطياف اللون السياسي بالسودان في مقابر الفاروق قطعا ليس مصادفة ولا دون سابق إنذار، بل لخطب جلل، لإلقاء النظرة الاخيرة على نعش الفنان العملاق محمد عثمان وردي.. انتقل وردي عن عمر قارب (80) عاما بعد حياة فنية حافلة امتدت لأكثر من نصف قرن... وترجع بداية وردي الفنية في خمسينيات القرن الماضي وارتبط اسمه بالأناشيد الوطنية لتأتي بعدها العديد من الأغنيات العاطفية. اشتهر عن وردي بمصادمته للحكومات وبحثه الدائم عن ما يرضي البسطاء من عامة الشعب بتقديمه أعمالا وطنية نابعة من قناعاته وما يعتقد انه صحيح .. وتعرض محمد وردي في حياته للسجن والاعتقال والتشريد والمطاردة والمنافي جراء مواقفه السياسية.. وعن تعرضه للسجون قال الموسيقار الراحل في وقت سابق لـ (الأحداث): «السجن أضاف لي الكثير»، وامتد سجن وردي لمدة سنتين متواصلتين .. بعد فشل انقلاب هاشم العطا في يوليو 1971م فكان وردي ضمن الذين كتب عليهم السجن.. بجانب الاعتقالات التي كان تعرض لها وكان يحبس لمدة أسبوع أو 5 أيام ثم يطلق سراحه. وردي علاقته بالثورات والانقلابات علاقة كبيرة فسبق وان غنى للحكومات العسكرية مثل انقلاب نوفمبر 1958م ومايو 1969م . وفي هذا يؤكد وردي في ذات المقابلة الانفة الذكر: «قبل حكومة مايو كانت هناك حياة ديمقراطية ..وكانت حكومة عبود نفسها تتمتع بقدر من الديمقراطية».

عن دور الفنان محمد وردي تجاه الوطن ومساهماته السياسية عبر التاريخ من خلال غنائه ونضاله استطلعت (الأحداث) قادة وناشطين سياسيين في السودان وابتدرت استطلاعاتها بالقيادي بالحزب الاتحادي الأصل د. على السيد الذي قال لـ (الأحداث) لوردي مساهمات كبيرة يشهد بها الجميع، فالراحل من أدخل الغناء الثوري في السودان بجانب دوره في الغناء الوطني.. ويضيف بالقول: برحيل وردي فقدنا فنانا كبيرا وموسيقارا رقما في الخارطة الغناء السوداني.. لأن وردي ملهم للثورات وينتهي الى أن رحيل وردي فقد للشعب السوداني لأنه فنان عظيم. ويمضي السيد ليقول: إن وردي قدم الكثير وألهب الشعب السوداني بالحماس لأنه فنان لكل أهل السودان ولأن اغنياته تمشي وسط المواطنين كافة بمختلف اشكالهم وثقافاتهم. ويضيف بالقول: قطعا سنفقده كثيرا. ودعا السيد في ختام حديثه لوردي بالرحمة والمغفرة.

وفي السياق ذاته استطلعت (الأحداث) القيادي بالحزب الشيوعي يوسف حسين عن دور وردي ومساهماته في المجتمع عبر الحقب التاريخية فذكر : بأن وردي قمة من القمم الغنائية وعملاق الفن السوداني لأنه أطرب الشعب السوداني بالاجماع وألهمه للعمل الثوري وأسره بأدائه المتميز .. ويؤكد ان وردي فنان شيوعي وانه كثيرا ما تغنى بلسان الشيوعيين ليدخل السجون اكثر من مرة.. وأضاف يوسف: وردي علاقته بالحزب الشيوعي علاقة قوية على الرغم من عدم مواصلته المنتظمة في صفوف الحزب لكنه كان كان مساهما فعلا بتعبيره عن اهداف وافكار الحزب من خلال اغنياته.. وبرحيله يفقد السودان هرما.

ويشدد يوسف حسين ان محمد وردي لم ولن يغيب عن أسماع السودانيين و أفئدتهم وأسماعهم.. ويردف بالقول محمد وردي رحل عن دنيانا ليعيش في الخالدين عاش فينا و معنا و بيننا شاركنا أفراحنا وصنع الكثير منها. فيما نعى وزير الثقافة السموأل خلف الله الفنان الراحل مؤكدا بأن وردي أحد نجوم الأغنية السودانية والعربية.. ويعد وردي من كبار الفنانين السودانيين ومن الرواد الذين اختطوا لأنفسهم نهجا خاصا وغنى لاستقلال السودان ويمتاز بشعبية كبيرة في السودان والدول الافريقية. واستطرد الوزير في حديثه للاذاعة الرياضية: لقد حزن لرحيله كل الشعب السوداني الذي يكن له محبة ومكانة خاصة. ليتدافع لدفنه أعداد كبيرة من كافة شرائح المجتمع.

رئيس هيئة قوى الاجماع الوطني فاروق أبو عيسى قال لـ (الأحداث) يمكنني ان أصفه بالابن البار والحقيقي لأهل السودان فنشأته كانت مثل نشأته الغالبية العظمى لأهل السودان في القرى حيث الفاقه والفقر المنتشر به. ويقول ابوعيسى وردي منذ الصغر فقد والديه وبالرغم من ذلك الزمن أثبت أنه شخص قوي الارادة من خروجه قريته الي ما هو أكبر حيث الفرص الكثيرة في التعليم ليتعلم كما يقول ابوعيسى ويقدم ما عنده لخدمة أهله.. ليختار مهنة من اكثر المهن احتراما ليكون معلما للاجيال ومربيا لهم.. ليحبه أهل السودان كلهم بلا استثناء .. ويؤكد أبو عيسى أن وردي خدم الجميع بعقل مستنير ومفتوح مليء بحب الاخرين ويحترم ما عندهم من قيم وآراء.. فكل ذلك لم يخف الموهبة الالهية التي أودعها الله في هذا الرجل وهي نعمة (الفن) التي امتع بها الاخرين. ويواصل بالقول: وردي كان هرما منذ يومه الاول وقدم كل ما هو جميل من موسيقى وفن غنائي.. ولا يخفى على أحد بأن أغلب ما اختار من أغاني كانت للوطن ولشعبه ويكون واضحا في المنعرجات السوداء للامة السودانية في ظل النظم الشمولية.. ويظهر ما عنيته في اكتوبر باعتباره حادي تلك الثورة الشعبية وأول من تغنى لها.. وكذا الحال في انتفاضة ابريل العظيم.. ليستمر العملاق في عطائه للوطن. وتابع أبوعيسى قائلا: وردي ارتبط بمجموعات المعلمين الذين عملوا من أجل ديمقراطية التعليم وقاتل مع زملائه من أجل الحرية بكل ضراوة وشجاعة بالرغم من دخوله للسجون. ووصف ابو عيسى وردي بالهرم العملاق وبنهر النيل المتدفق.. وردي فقده شعبه وفقده أصدقاؤه وأحبابه وأسرته الفنية والصغيرة لتفقده أكثر وأكثر - هنا فقد أبو عيسى أعصابه وبدأ يبكي بصوت عال. وترحم على روح وردي بقدر ما أعطى لوطنه ولمواطنيه. وقال بـ-صوت باكي - أبكي وأتألم على وردي لأنني طريح الفراش ولم أشارك أحبابه وأصدقاءه من أبناء السودان وداعه فالمرض حال بيني وبين صديقي لكي أودعه فأقول لوردي لك الجنة مع الصديقين والشهداء.

أما الأكاديمي وأستاذ التاريخ بجامعة ميسوري الأمريكية والمفكر البروفسير عبد الله على إبراهيم قال لـ (الأحداث) وردي في بداية حياته الفنية السياسة لم نجده متوقفا من التعامل مع النظام في 17 نوفمبر 1958م وغنى أغنيته الشهيرة اليوم (نرفع راية استقلالنا). لتتوالى مواقفه من النظم بعد 17 نوفمبر ليقف ضد النظام منحازا لأهله في شمال السودان ومقاوما للنظام. وظل وردي من زمان بعيد ينافس نفسه في الاغنية السودانية. ويرى ابراهيم أن الاغنيات التي الخالدة التي تركها وردي تعتبر تراثا عظيما من حيث الحجم وقوة الاغنيات.. وافتكر ما تركه سيكون مادة دسمة للملحنين والمعنين ليدرسوا ما أودعه وردي للجميع. وردي أضاف وساهم في الغناء لم (نحفر) في ما تغنى به وان كل ما يقال عنه هو بمثابة عمل سطحي.. وأنا متأكد بأن يأتي الناس فيما بعد ليعرفوا المنجم الذي تركه وردي خلفه.. وتمنى إبراهيم لوردي المغفرة والرحمة.



العالم يشاطر السودان أحزانه

(الجزيرة نت):
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
شيع آلاف المواطنين السودانيين تقدمهم الرئيس عمر البشير الفنان السوداني الراحل محمد عثمان وردي، الذي توفي الليلة الماضية بعد وعكة ألمت به بالحادي عشر من الشهر الجاري. وعرف الراحل بشعبية الكبيرة في السودان والدول الأفريقية ونهجه المتفرد في الغناء.

وتسابق المشيعون من كل أطياف الشعب السوداني سياسيين ورياضيين وموسيقيين وشعراء ومن عامة الشعب إلى توديع فنانهم الكبير كل يعدد مآثره على نحو يراه مناسبا لمقامه.

ولم يختلف الشعب السوداني بجميع مكوناته، على من أطلقوا عليه رمز الغناء السوداني رغم تصنيفه ضمن مناصري الفكر الشيوعي والاشتراكي.

مطرب أفريقيا الأول
ولد الفنان محمد وردي في العام 1932 م في بلدة صواردة إحدى عموديات منطقة السكوت والمحس المكونة لمنطقة وادي حلفا وأرض النوبة بشمال السودان، وتربى في كنف عمه بعد وفاة والديه، وهو لم يبلغ العاشرة من عمره.

تلقى تعليمه بشمالي البلاد ليشتغل بعد ذلك معلما بذات المنطقة قبل أن ينتقل للعمل بمدينة شندي التي انطلق منها إلى العاصمة الخرطوم في العام 1958 ليمتهن الغناء، وتبدأ مسيرة نجم لم تتوقف شهرته وتأثيره عند حدود الشمال بل امتدت إلى كافة أرجاء السودان شاديا بأروع الأغنيات ومنشدا بأقوى عبارات الأناشيد الوطنية.

وأهم ما تميز به الفنان السوداني الكبير أداء أغانيه باللغتين النوبية التي ينتمي لها والعربية، كما غنى بلغات أفريقية أخرى حتى أطلق عليه لقب مطرب أفريقيا الأول لشعبيته الهائلة في كافة بلدان أفريقيا خاصة شرق القارة.

وعرف وردي بغزارة فنه وثرائه خاصة أناشيده الوطنية والثورية التي دخل بسببها السجون والمعتقلات السياسية في عهد النميري قبل أن يختار المنفى عقب انقلاب حكومة الرئيس البشير عام 1989 ليعود بعد 13 سنة إلى وطنه.

ودفع تهجير النوبيين من منطقة وادي حلفا بسبب بناء السد العالي عام 1964 إلي وقوف وردي مع أهله ضد نظام الرئيس عبود فصار يهاجمه ببعض الأناشيد والأغاني الرمزية وبعض المواقف الأخرى، إلى أن أطاحت ثورة أكتوبر الشعبية بالحكم العسكري لتظهر مجمعة أناشيد وطنية أطلق عليها اسم الأكتوبريات، خاصة قصيدة محمد مفتاح الفيتوري التي يقول مطلعها:
أصبح الصبح... فلا السجن ولا السجان باق
وإذا الفجر جناحان يرفان عليَ
وإذا الحزن الذي كحل هاتيك المآقي

في عهد النميري
ولم يجد وردي في بداية عهد النميري 1969 إلا الوقوف معه كنظام جديد ليغني له عددا من الأناشيد مثل نشيد فارسنا وحارسنا قبل أن يتحول إلي معاداته التي دخل بسببها السجن عام 1972 ومرات أخرى، إلى أن جاءت ثورة أبريل 1985 التي أطاحت بحكومة نميرى المعروفة بثورة مايو.

وعقب نجاح ثورة الشعب فتح وردي خزائن إبداعه ليخرج إلي الشارع بنشيد - بلى وانجلى.. حمد الله ألف على السلامة .. إنهد كتف المقصلة

اكتشف الفنان وردي إصابته بالفشل الكلوي الذي استمر معه لبعض السنوات قبل أن ينجح في الحصول على كلية أحد معجبيه بعدما تبرع بها لإنقاذ فنان السودان الأول كما قال وقتها، لتنجح زراعة الكلية الجديدة في قطر ويعود بعدها إلي البلاد ويواصل عطاءه من جديد.

منح الدكتوراه الفخرية من جامعة الخرطوم عام 2005 تقديرا لمسيرته الفنية التي امتدت لأكثر من ستين عاما، ولما يزيد عن ثلاثمائة عمل غنائي مما دفع البعض لوصفه بالأسطورة الفنية.

غنى وردي لعدد من الشعراء السودانيين مثل عمر الطيب الدوش ومحمد مفتاح الفيتوري وإسحاق الحلنقي وعبد الرحمن الريح والسر دوليب وأبو آمنة حامد وإسماعيل حسن وصلاح أحمد إبراهيم ومحمد المكي إبراهيم والتجاني سعيد وشاعر الشرق كجراي ومحجوب شريف.

وتميز الفنان وردي بامتلاكه عقلية موسيقية جبارة بالفطرة بجانب جوانب عدة في مسيرته الإبداعية التي لم تنحصر في الغناء والموسيقى بل تخطتها للشعر «فهو من الشعراء المجيدين»
واحتفل وردي عام 2010 بيوبيله الذهبي في الغناء، الذي أتحف خلاله المستمع بروائعه التي عشقها معجبوه وألحانه التي خلدت في وجدان المجتمع السوداني إلى جانب غنائه الوطني، وغنى للعديد من الشعراء السودانيين، وكانت له ثنائية شهيرة مع الشاعر إسماعيل حسن نتجت عنها أكثر من 23 أغنية.

ويقول عنه بعض النقاد السودانيين إن الموضوعية كسمة ملازمة لمضامين نصوصه المغناة والتي جاءت بديلاً مقبولاً لشكل المضمون الذي كان ملوّناً بالرمزية والعبارات الساخرة مثل أغاني ما قبل التهجير -تهجير مواطني وادي حلفا إلي منطقة حلفا الجديدة الحالية وبناء السد العالي الذي غمر تلك الديار - وأغاني القيل بمنطقة السكّوت.

ويرون أنه من أساطين المتحدثين باللغة النوبية.. والملمّين بشوارد مفرداتها ودقيق مأثوراتها وحكمها وأمثالها، بجانب تميزه برهافة الحس ودقة التعبير عن مشاعرها، فبينما نعته كافة بيوت السودان ومؤسساته، رأى زميله أبو عركي البخيت أن يخاطب معزيه بأن السودان قد فقد كبيرا من كباره ورمزا من رموزه.



يا وردي..!!

حسن فاروق
لازم تكتب عن وردي... صعبة الكتابة عنه.. لازم تكتب للتاريخ لنفسك للناس.. وردي تحديدا صعب حاتقول شنو غير القالو الناس.. كان قامة وفنان افريقيا الأول وفنان الشعب وغنى لينا كلنا بمختلف ثقافاتنا وأعراقنا.. فنان موقف.. فنان قضية.. فنان وطن.. فنان الوحدة الوطنية.. عشقه أهل الجنوب قبل الشمال والأثيوبيون قبل التشاديين.. يقال السودان فيحضر وردي .. هرم يضاهي أهرام البجراوية في مروي والأهرام الفرعونية في مصر..

يغني يبدع فيطرب ويمتع.. استاذ إبتدائي ربى أجيالاً علمها ألف.. باء.. تاء.. ثاء.. وعلمها معنى نقر الأصابع لما ترتاح للموسيقى شكل وجداننا ورسم هويتنا.. أغنياته كانت «منفستو» ودستوراً حدد تفاصيل تفاصيلنا لو احتكمنا لها لتخطينا كثيراً من المزالق والأزمات والتعقيدات التي عشناها ولازلنا نعاني منها..

ماذا أقول أيضا لم يقله الناس.. كل كلمة ح أقولها قالها غيري كان واضحا لايخشى في التعبير عن قناعاته وآرائه لومة لائم.. تتفق أو تختلف حولها وتختلف أو تتفق حوله لاتستطيع إلا أن تحترمه وتقدره وتنظر إليه بعين الفخر وتفخر أنك سوداني وأن السودان أنجب مثله..

وردي رحل.. مات.. كثيرا ما تتوقع حدوث الشيء وعندما يحدث لاتستطيع تجنب الصدمة.. وفاة وردي صدمة هزتني بعنف وعجزت لفترة طويلة عن استيعابها.. فهمت ولم أفهم... تعاملت مع الخبر في البداية برد فعل غريب امتصصته وكان لديّ من القوة ماجعلتني أبعث برسائل لمن أعرفهم دون أن أحدد مدى ارتباطهم به كفنان من عدمه..

تحدثت مع أمير وردي وعزيته بثبات.. إلى أن استقبل هاتفي مكالمة خارجية وصوت الخال عصام محمود سيد أحمد يبكي بصوت عالٍ عندها فقدت الثبات وتركت نفسي للدموع والبكاء..

في لحظات الحزن لست مطالبا بالترتيب ولا التدقيق وإلا لكان الأمر مصطنعا وفقد الصدق.. لذا أجد نفسي مبعثرا مشتتاً لا أعرف ماذا كتبت قبل هذا السطر ولا أجزم إنني قادر على لملمة الحروف والكلمات لأخرج منها جملة مفيدة..

فنانك منو؟ فناني وردي.. سؤال ثابت وإجابة ثابتة.. في أي ونسة أو حتى عندما أكتب في الفن من خلال الصفحات الفنية المتخصصة التي كنت أحررها (تقاسيم) في المشاهد و(سلالم) في الأحداث.. كان زادي وردي الفنان ووردي الباحث ووردي المثقف ووردي الإنسان.. فهو من جيل لا وجود له حاليا يتعب ويهتم بالتفاصيل من أجل التجويد مستندا على أرضية فكرية قوية..

قال الناقد الفني اللبناني ببرنامج (صباح العربية) الذي تبثه قناة العربية عن رحيل العملاق محمد وردي.. إذا ذكر الفن السوداني ذكر وردي وتحدث عن بصمته الفنية وألحانه وقدرته على التميز ومواكبة التطور الغنائي في العالم، مشيرا إلى أنه في موسيقاه مع النجم العالمي الراحل (بوب مارلي) في مرتبة واحدة .

لا أود التوقف كثيرا عند المزايدة السياسية التي حاول حسين خوجلي أن يقود بها فجيعتنا في الهرم الفني محمد وردي إلى اتجاهات أكدت عمق المحنة التي نعيشها مع من يقدمون أنفسهم في ثوب (المثقفين) و(النخب) ولكن المقارنة مطلوبة بين ماقدمته قناة العربية وقناة أمدرمان وكيف تمارس المهنية الإعلامية هنا وهناك.

كتبت في النهاية فقد شكل يوم رحيل وردي بجانب رحيله المؤلم أشياء من تكويننا ترفض أن تغادرنا أو نكبر عنها مثل حالة حسين خوجلي في هذا اليوم يوم حزن الوطن.. رحم الله وردي.



التوقيع:

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

أبوسهيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-20-2012, 04:11 PM   رقم المشاركة : [12]
أبوسهيل
عميد الموقع
الصورة الرمزية أبوسهيل
 
اخر مواضيعي

المستوى: 81 [♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥]
الحياة 3024 / 3024

النشاط 6974 / 23320
المؤشر 65%


افتراضي

وردي.. غسيل ورحيل!

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
في الوقت الذي بدأت فيه جموع الشعب السوداني تطمئن على صحة الفنان الكبير محمد وردي، جاء الخبر مباغتا بالرحيل، وكأنّ استقرار حالته الصحية حتى مساء الأربعاء، كان بمثابة "فجة الموت" وهي حالة روحية وجسدية تتمرد على المرض والوهن وتجعل صاحبها يبدو في أتم الصحة والعافية رغم الوهن الشديد الذي يضرب الجسد.

رحل وردي بداء الكُلى الذي وجد الالتهاب الرئوي سببا ليعود من جديد ويسري في الجسد الذي أنهكته عبقرية الإبداع، وهو ذات الداء الذي رحل بسببه الفنان مصطفى سيد أحمد، ويرحل بسببه يوميا، عشرات السودانيين، ويالها من مفارقة إذ احتل مرضى الكلى قبل أسبوع ذات الشارع الذي خرج منه جثمان وردي "شارع مستشفى الخرطوم" ولعل رحيله بهذا الداء يكون سانحة لتسليط الضوء على هذا المرض اللعين.

ظل وردي يدافع عن الغناء والمغنين حتى آخر لحظات حياته، وقد تعرض لهجوم شرس من قبل أحد أئمة المساجد قبل عدة أسابيع، وتم التشهير به في خطبة الجمعة لا لشيء، سوى أنه ظل يدافع عن مهنته التي ترك التدريس من أجل تطويرها، وقد رد وردي بشجاعة فائقة على ذلك الرجل مؤكدا أنه لن يتخلى عن الغناء حتى آخر لحظة في حياته وقد كان، وقال إنه يؤدي في رسالة مؤمن بها وبالغايات النبيلة التي تقود إليها.

رحل الفنان محمد وردي وقد رفض في هذا العام أن يغني للاستقلال في ذلك الحفل الشهير عشية الفاتح من يناير، وعندما أصرت الجماهير على أغنية "اليوم نرفع راية استقلالنا" قال إنه لا يحس ولا يشعر بالاستقلال الحقيقي الذي غنى له. وكان يقصد بالتأكيد "انفصال الجنوب" ولهذا، ليس غريبا أن تصل التعازي من جنوب السودان سواء أكانت من المواطنين العاديين أم من المسؤولين أمثال الاستاذ أتيم قرنق الذي بعث بتعازيه الحارة في الفقد الجلل.

وبرحيل وردي انطوت صفحة مشرقة من صفحات الفن والأغنية السودانية، خاصة أنه كان يمثل جيل المعلمين الذين حملوا على أعناقهم رسالة الوعي والتنوير، وأليس من قبيل الصدفة، أو المفارقة أن يتم تدشين المؤتمر القومي لقضايا التعليم في اللحظات التي أدخل فيها وردي الى مثواه الأخير، وهو المعلم بالطباشيرة والمعلم الملهم بالموسيقى والألحان؟!

ويؤكد تشييع الفنان محمد وردي – ومن قبله العندليب الأسمر زيدان ابراهيم- المكانة الرفيعة للفنانين السودانيين، وإجماع الأمة السودانية عليهم، وتأثيرهم الكبير على الوجدان ودورهم الخطير في صياغة الوعي الجمعي والسلام الاجتماعي والوحدة الوطنية، رغم حملات التشهير والشتائم المستمرة التي صاروا يتعرضون لها كل يوم، من قبل الجماعات السلفية المتشددة.

إن رحيل الموسيقار محمد وردي يمثل حلقة جديدة من حلقات اليتم التي ظلت تحيط بالوسط الفني في السنوات الأخيرة، فقد كان الراحل من أكثر الفنانين ضراوة في الدفاع عن الغناء السوداني، وعن دور الفنان في المجتمع واشتهر بصراحته وصرامته التي جلبت له الكثير من المتاعب، لكنها وضعته في السجل الذهبي وربّعته على قمة "المحترمين"!



رحيل أعز الناس

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
قبل أن يندمل جرح رحيل العندليب الأسمر زيدان ابراهيم ودرة الجزيرة الخضراء الأمين عبد الغفار فاجأنا القدر امس الأول برحيل عملاق الفن الافريقي القامة والهرم والمفخرة الاستاذ محمد وردي الذي شق نعيه كل القارة والوطن العربي وكل من يعرف وردي الفنان ووردي الموسيقار ووردي الانسان النبيل ووردي العاشق للوطن والوفي لشعبه. رحل وردي تاركا لنا إرثا عظيما من الغناء الجميل والأصيل غنى للوطن وعبر عن فرحة الشعب بنيل الاستقلال والحرية (اشهد شهداء كرري وأصبح الصبح وهنا نحن مع النور التقينا والتقى كل شهيد قهر الظلم ومات) غنى للديمقراطية اكتوبر الذي حول الحقول الى خضرة وقمحا وتمني وكيف تحولت القيود الى جدلة عرس في الايادي وغني لكل ألوان الطيف السوداني الجلابية والمركوب وغنى للحبيبة فأشبع رغبة المحبين من القمر بوبا الى الحبيبة التي تشتغل منيدل حرير لحبيب بعيد. غنى وردي لأعظم شعراء الاغنية السودانية اسماعيل حسن.. صلاح احمد ابراهيم.. الدوش.. ابوقطاطي.. اسحق الحلقني وغيرهم من العمالقة فكانت كل أغنية تمثل لوحة رائعة في ربوع وطننا الحبيب فاصبح وردي مدرسة بل جامعه قائمة بذاتها فعمت شهرته كل القارة الافريقيه التي نصبته فنانها الاول وفرض نفسه على خارطة الغناء العربي وهو في قامة عبد الحليم وفريد الاطرش وام كلثوم ولا تقل شعبيته عنهم. عشنا شهرة الراحل وردي ونحن نتجول في القارة الافريقية فما أن تطأ اقدامنا أي بلد الا ويكون السؤال عن محمد وردي وتكون دائما المطالبة بشرائط وردي وكنت أحرص دائما في زياراتي او مروري باثيوبيا أحرص على حمل أشرطة للفنان وردي لتوزيعها مجانا لكل من أحس بأنه يعشق وردي. رحل وردي عن دنيانا ولكنه سيبقى بما تركه من فن أصيل لهذا الوطن وكأن قناة الشروق تعرف مواعيد الرحيل فوثقت له أجمل توثيق في رمضان الماضي عبر جلسات باسم (أعز الناس) برفقة الشاعر اسحاق الحلقني أحد رفاق دربه وتألقت المذيعة سلمى سيد في تقديم الحلقات ونسأل الله أن يعوضه عما قدمه بدخول جنات تجري من تحتها الانهار وقد كان مشهد تشييعه استفتاء حقيقيا على مكانته الرفيعة في قلوب الشعب السوداني وهو نفس المشهد الذي عاشه الراحل يوم عودته للوطن. رحم الله وردي ونسأل الله الصبر لكل معجبيه. (إنا لله وإنا إليه راجعون).

قناة النيل الأزرق درس في الوفاء
قطعت القنوات الوطنية برامجها عقب سماع النبأ وتفوقت قناة النيل الأزرق كالعادة في التغطية وتحول برنامج (مافي مشكلة) والذي تقدمه الدكتورة سارة ابو والدكتور سليمان وقدمته الاستاذ سامية سيد الى حديث عن الفقيد وردي وكأن هذه الحلقة قد أعدت قبل الوفاة واستمرت حتى الساعات الأولى من الصباح. وتابعت القناة امس مراسم الدفن وهو بلا شك عمل رائع يؤكد مهنية القائمين على أمر القناة. وللأسف اكتفى تلفزيون السودان القومي بإذاعة النبأ وواصل برنامجه كالمعتاد فيما اكتفت قناة الخرطوم والشروق ببعض الكلمات وواصلت برامجها وقطعت قناة أم درمان برنامجها ووضعت صورة وردي مع أحايث دينية.



التوقيع:

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

أبوسهيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-20-2012, 06:32 PM   رقم المشاركة : [13]
أبوسهيل
عميد الموقع
الصورة الرمزية أبوسهيل
 
اخر مواضيعي

المستوى: 81 [♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥]
الحياة 3024 / 3024

النشاط 6974 / 23320
المؤشر 65%


افتراضي

أرملته ثريا تحكي آخر لحظات الرحيل وتقول ذهب دون وداع
دموع ونحيب في سرادق العزاء بمنزل الراحل بحي المعمورة

رصد وتصوير : وداد الماحي: دخل شاب في الثلاثينات من عمره منزل الراحل الفنان العملاق وردي وهو في حالة يرثي لها وكان يبكي بصوت عالٍ جدا وينتحب ويتشنج بصورة لفتت اليه الانظار وحكي البعض انه جاء من رحلة طويلة ليقدم واجب العزاء في وردي وظل الشاب يصرخ لماذا تودعونه في صمت هكذا انه فنان افريقيا الاول وامتدت اليه الايادي طالبة منه الصبر وقراءة الفاتحة والدعاء للمغفور له وظل الجميع يردد «إنا لله وإنا إليه راجعون» .

أرملته ثريا :ذهب دون وداع
داخل خيمة النساء كان البكاء والعويل سيد الموقف وكانت الدموع تنهمر من اعين السيدات وحتي الاطفال الصغار حزنا على رحيل وردي وكانت اكثر لحظات الحزن ألماً عند دخول ابنة الراحل جوليا التي كانت تبكي بحرقة وألم واخترت انا الجلوس الي أرملة الراحل وزوجته الاولي ثريا التي بدت في حالة يرثي لها وهي تصبر الاخرين ، وقالت وسط العبرات لقد توفى قبل ان اودعه وكنت معه فى كل الاوقات وكان بصحة جيدة في الساعات الاخيرة قبل الرحيل وطلب منى انا والاولاد الذهاب الي البيت لكى يرتاح هو قليلا وبعد وصولى للبيت بساعة اخبرونى بوفاته فحزنت لعدم حضورى وقالت وهي تبكى عندما زرته يوم الخميس سألنى عن حسن ابننا وذكرت له انه سوف يأتي من امريكا فقال لى ضروري يجيب ابنه عشان اشوفه فقلت له يمكن مايقدر لانه جاى بسرعة. وقالت ثريا والله حياتنا كانت عادية وبعد الزواج دخل الاذاعة سنة 1957 واستقرينا في الخرطوم وسكنا فى الديم وبرى المحس والعمارات والشجرة والكلاكلة وانجبنا عبد الوهاب وحافظ وحسن ، ووردى كان رجلا كريما وانا وهو نشأنا فى بيت واحد مع جدتنا بعد وفاة والدته وانا والدتي كانت دائمة الاسفار مع والدي وكان وردي نعم الزوج والاخ والصديق وخانتها العبرات عند هذه الكلمات وواصلت البكاء.

آمال زوجة ابنه مظفر: كان يحب الأطفال
امال الشيخ زوجة مظفر ابن الفنان الراحل ، خريجة كلية الطب بجامعة العلوم الطبية قالت ان وردي تدهورت حالته فجأة يوم السبت بعد الثانية ظهرا وكانت مفاجأة حزينة لها لانه كان يحدثها كلما ذهبت اليه ويسألها عن كل الذين حضروا اليه وكان مهتما بكل التفاصيل التى تحدث حوله ، وقالت وردي يحب الاطفال جدا وسألني عن حال بنتى علوية التى اسميناها على زوجته وجدتها الراحلة علوية ، ووردى قبل ان يكون والد زوجى هو أبى وقد احببته كثيرا قبل ان اتزوج ابنه وقد عرفت مظفر من خلال حضورى لاحدى حفلات وردي ولم استطع ان اجلس امامه او اكل معه وكنت اراه مقدسا دائما رغم انه رجل متواضع ورغم حبى له الا ان هيبته كانت تمنعنى من ان اجلس امامه فى اى بروفة وادندن معه واليوم افتقدته كثيرا واشكر كل الذين واسونا في فقدنا الجلل.

صهره :وردي كبير العائلة
مدثر محمود رشيد صهر الفنان وردى، قال ان الراحل وردي تزوج اختي من مدني عام 1964 ومنذ تلك اللحظة نعتبره كبير العائلة وكان لى بمثابة الاخ والصديق ورافقته فى رحلته الى لوس انجلوس لغسيل الكلى ومن ثم الى الدوحة لتغيير الكلى ومنذ ايام زرته بالمستشفى وقال لي الحمد لله على ما اراد الله وصراحة كان يعاملنا مثل اخواته واكثر وانا كنت اعامل ابناءه كاولادي ولا افرق بين ابناء زوجتيه علوية شقيقتي وابناء ثريا وكلهم ابنائى وهذا بموجب الاحترام والثقة التى وضعها فينا وكان وردى يساعد كل الاهل والفقراء والمساكين خاصة الطلاب ويغني للاهل في الافراح وهو كريم جدا وكان يهمه استقرار السودان وحزن كثيرا لانفصال الجنوب وكان دائم الكلام عن الديمقراطية وكان سعيدا بظهوره الاخير في النيل الازرق لان القناة اراحته نفسيا وجددت فيه روح الامل .

عزالدين صالح داؤد أحد اصدقائه المقربين
يحتفظ عز الدين صالح بعلاقة ود قديم مع الراحل وردي وقال كنا نتبادل الزيارات اخيرا بين المعمورة وبحري وتحدثنا قبل ايام عن لقاء جمعه بالفنان ابراهيم عوض فى احدى المناسبات فى شندى عندما جاء لتلقى كورس تأهيلى وكيف ابدي له رغبته الشديدة فى الغناء ولكن ابراهيم عوض ذكر له ان الفن يحتاج الى مؤهلات ونفس طويل ووقتها كان الاختيار صعبا، ولكن وردى لم ييأس وذهب الى الوزير محمد نور الدين الذى كان من منطقتهم ليساعده في دخول الاذاعة ومن هنا بدأ مشواره الفني وغنى لكل الحكومات السابقة ويعيش ايام الاعتقال ابان حكومة الرئيس الراحل جعفر نميري وذكر لى ذات مرة ان حكومة نميري اخطأت عندما اعتقلته مع محجوب شريف وربطتهما مع بعض تحت سقف واحد وساعد ذلك في ميلاد اناشيد كثيرة واغنيات داخل المعتقل وحفلات مساء خميس، ويضيف عز الدين عندما يموت الاب يلقب الابن باسم والدته وكنا نناديه بمحمد بتول وكان واسع الصدر ولم يغضب عندما نقول له ياود بتول وكان كريما وخلال سفره ينزل ببيوت الاسر وليس بالفنادق ويحب الترابط الاجتماعى وكانت له علاقة قوية بحي السجانة وكان صديقا للفنان عثمان حسين ويزور حسن عطية فى الخرطوم 3 وبعدها سكن السجانة فاحبه اهلها واليوم كلهم حاضرون لوداعه ووردى لايمتلك سوى بيت الكلاكلة الذى يسكنه بعض اقاربه وبالتناوب بدون ايجار وبيته بالمعمورة ووردي حدثني كثيرا عن زواجه من بنت عمه ثريا صالح حسن والدة عبد الوهاب وزواجه من علوية عبد القادر لبيب الشلالية من حلة حمد وانجب منها جوليا ومظفر ، وكان وردي فى بداياته يعاني كثيرا لان اهله وعمومته يرفضون غناه ويحطمون الطمبور الذي يغني به، ولكنه احب المغامرة وكان صوته جميلا حتى عنما يتلو القرآن بالمدرسة وكان عابرو الطريق يصطفون خلف الجدران حتى يكمل تلاوته حبا فى صوته المميز ، وموته فقد عظيم للتراث السودانى والثقافة والفن وهو رجل افريقيا الاول و تخطى القبلية والقومية .

محبو وردي يفتقدون الطير المهاجر
المهندس محمد بكرى محمد أحد مؤسسي جمعية محبي وردي ابدي حزنه العميق لرحيل الامبراطور وقال انه عشق اغنياته منذ ان كان طالبا وظل يرتبط به ويتابع حفلاته مع اعضاء الجمعية في اي مكان، وقال محمد بكري فقدنا رجلا ثوريا حببنا فى الوطن والديمقراطية وحكي لي عن بداياته الفنية وقال انه كان معلما وقال له ناظر مدرسة بشندي دع الطبشيرة واذهب الخرطوم لانك موهوب وعمل بوصية الناظر وذهب للغناء.

مرثية حواء الطقطاقة
ياوردى شن اقول ياحارق القلوب مالك يا عظيم الرجال حين سمعوا اخبارك بى دموع الحزن بكوك لافكارك ولانك غيور للضعفاء تتدارك والوطن اتعدم من درة افكارك الليلة السودان صاحب العلم والادب والاحسان ولعبة المنون لعبت فينا ادوارها وتعزل وتشيل فينا اهم نوارة وردى ادفن فى الارض ادارى والتقابة انطفت بهجت انوارها .



في دائرة الضؤ:.لا كلمات إنها دموع...

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
طارق شريف: (خلاص كبرتي وليك 19 سنة... عمر الزهور عمر الغرام، عمر المنى..) اغنية سمعتها اكثر من مرة في العاصمة الاثيوبية اديس ابابا ووجدت المدينة تنام على صدى الاغنية المتميزة لوردي وقلت لنفسي (هذا حفل تكريم لفن بلادي وعظمة بلادي).!
وردي كان مفخرة سودانية، كتب تاريخ الابداع السوداني بأغنياته كان في صوته الزعامة وفي حديثه الوسامة وفي حكايته الروعة والابداع.

اذا كان المصريون يفخرون بأم كلثوم وعبدالوهاب، واللبنانيون بفيروز صوت لبنان الذي وحد بين طائفتين فنحن نفخر بوردي (مصنع الفرح السوداني).

وردي ليس مجرد فنان موهوب حقق جماهيرية كبيرة، هو فنان لا يتكرر في قاموس الغناء السوداني...
كان عنيداً منذ بداياته الاولى التي قابل فيها الفنان الذري ابراهيم عوض ونصحه بالتركيز على التدريس، ولكن وردي آثر السير في طريق الفن المفروش بالاشواك ...

اخذ من اهله النبويين صدقهم وابداعهم ولكنه لم يكرس فنه لجهوية او قبلية بل كان فنانا لكل السودان.
كان وردي صادقا في زمن اصبح فيه الصدق (ضحكة).. كان جريئا ومصادما وشجاعا لا يخشى في الحق لومة لائم. اجمل حواراتي الصحفية اجريتها مع وردي لأنه كان لا يتردد في اقواله ويعرف كيف يتحدث ومتى يصمت..

وانت تحاور وردي لا تحتاج لجهاز تسجيل لأنه لا يتراجع عن كلامه ويتحمل كل المسؤوليات التي تترتب على حديثه، ومن منا ينكر ان احاديث وردي كانت تمنح الساحة الفنية الالق كان ساخرا ويجيد صناعة النكتة بلا تكلف او ادعاء..

لا زالت اذكر تصريحاته عقب عودته للسودان بعد معارضة طويلة لحكم الانقاذ فعاد ووجد احتفاءً يليق به، فقال (ولله لو عارف الجبهجية بحبو الغناء كدة كنت جيت من زمان)..!

لا اتصور الوسط الفني بلا وردي لأنه كان ملح الحياة الفنية، في اغنياته عطر الناس ومعاناتهم وافراحهم واحزانهم وانكساراتهم..

وردي امتزج بتاريخ وطن فغنى للوطن بعمق وفهم ونضج، وليس بهمة باردة وكلمات مصنوعة، كانت اكتوبريات وردي شامة على جبين الاغنية الوطنية، معه نفهم ان الاغنية وان بدت في ظاهرها وسيلة ترفيهية ولكنها في جوهرها ومخبرها تحمل كثيرا من القيم التي يقوم على اساسها المجتمع . كان وردي يجسد هذا الفن الراقي في غنائه ولهذا منح الفن قوة التأثير وكانت ابعاده متعددة البعد الفني والبعد السياسي والبعد الفكري والبعد الاجتماعي...

لا زلت اذكر آخر مرة جلست مع وردي في حديقة منزله بالخرطوم كان يلبس الجلباب .. واضحا كالنهار (وما اظن النهار العين تدورو دليل) .. تجاعيد وجهه كأنها تتجسد فيها خارطة الوطن ودعني بابتسامة، واليوم اودعه بدموع، وهكذا الحياة تختلط فيها الدموع بالابتسامات، ويرحل عنا وردي ذات مساء تاركا فراغا عريضا في الساحة الفنية، وان القلب ليحزن وان العين لتدمع وانا لفراقك لمحزونون يا وردي ولكن لا نقول الا ما يرضي الله..

اسأل الله سبحانه وتعالى ان يتغمد وردي بواسع رحمته ومغفرته، وان يلهم آله وذويه ومعجبيه وعارفي فضله الصبر الجميل ... رحل وردي ولكن يبقى الرحيق.



توقيعات ومشاهدات وإفادات من سرادق عزاء وردي

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
وردي.. سيرة وسريرة
ولد الفنان محمد وردي في سنة 1932 في بلدة صواردة وقد توفي والده وهو في السنة الأولى وأمه بتول بدري أيضا توفيت عندما بلغ التاسعة من عمره فقد تيتم في سن مبكر ة فشق طريقه فعمل استاذا في شندي وجاء الى الخرطوم وفي سنة 1958 كان ميلاد امبراطور جديد الهب السودان بفنه حتى بات فنان افريقيا الأول .

الفنان محمد عثمان حسن وردي ولد في (صواردة)، إحدى قرى شمال السودان وهي من أكبر عموديّات منطقة السّكوت التي تكوّن مع منطقة المحس ووادي حلفا (محافظة حلفا) التابعة لولاية دنقلا.
ذاق مرارة اليتم منذ نعومة أظافره، ونشأ مشبّعاً بالانتماء للآخرين وتحمّل المسئولية منذ بواكير الصبا، من (تكم) الساقية إلى مهاجر العلم في (شندي)، ومن شندي ركب قطر السودان عائداً إلى حلفا معلّماً في (كتاتيب) السكّوت والمحس ينشر في ربوعها المعرفة والحكمة.

ولمّا كان الرجل ينتمي إلى من وصفهم د. مكي سيد أحمد بالتميز وامتلاك عقلية موسيقية جبارة بالفطرة، فقد أكّد في أولى تجاربه في الغناء أنّه مشروع فنّان متميز، صوتاً وأداءاً وابتكاراً وخلقاً لكل جديد. برز نجمه في السّكوت وذاع صيته في وادي حلفا وحمل من أهل (دبيره) آلة العود. عطر صوته سماء الفن قرابة الخمسين عاما بأغانيه وألحانه الرائعة وبانتقائه أجمل الكلمات لشعراء كبار منهم رفيق دربه الشاعر اسماعيل حسن وايضا أمثال اسحاق الحلنقي و محجوب شريف ومحمد المكي ابراهيم وعمر الطيب الدوش وغيرهم من الشعراء الكبار ..

الخرطوم / وليد كمال / ولاء جعفر
تصوير: عصام عمر
لو لحظة من وسني
تغسل عني حزني
بعد ليلة مفجعة لم يغمض فيها جفن خيم فيها حزن عميق على ارجاء الوطن اثر اعلان نبأ وفاة الموسيقار محمد عثمان وردى بمشفى فضيل الطبى بالخرطوم، شيع المئات من السودانيين صباح امس فنان الشعب وصوت افريقيا الراحل الى مثواه الاخيربمقابر فاروق بالخرطوم تحفه الدعوات الصالحات واصداء الطير المهاجر والود، واصبح الصبح ونتفق او نختلف، سيظل وردى هراما شامخا ونيلا من الابداع المنهمر ابدا فى وجدان الامة رغم سرمدية الغياب فى سرادق العزاء بمنزل الراحل بضاحية المعمورة جنوب شرق الخرطوم، التقت كل اطياف السودان السياسى و الثقافى والاجتماعى والرياضى وحدها صوت وردى لاكثر من خمسة عقود افنى خلالها زهرة عمره على مسارح الفن الرصين والعمل الوطنى. نهار امس كنا هناك والجموع تعزى بعضها البعض وتحدثنا الى العديد من الشخصيات وخرجنا بهذه الحصيلة من الافادات ..

تدافع النساء والرجال معا لوداع فنان افريقيا الأول
فى مدخل صيوان العزاء التقينا باستاذ علم الصوت بكلية الدراما والموسيقى بجامعة السودان د/ عثمان مصطفى والذى ترحم على فقيد الامة السودانية محمد وردى، وقال ان وردى انسان وفنان متفرد لن يجود الزمان بمثله، وتدافع النساء والرجال والاطفال لوداعه وخيم الحزن فى كل القلوب والبيوت فورسماع نبأ رحيله واشار الى ان علاقته بالراحل تبدو مختلفة فقد كان وردى سببا فى دخوله للاذاعة فى عام 1965 لتسجيل اغنية مشتاقين، واضاف ان الراحل عرف بقوة الشخصية والتواضع، وتقدم الدكتور عثمان بخالص التعازى باسم الاتحاد العام للفنانين السودانيين واتحاد المهن الموسيقية والمسرحية للشعب السودانى واسرة الفقيد، وطالب الجهات الرسمية وصحيفة الصحافة بتبنى مشروع تخليد وردى بإطلاق اسمه على احد شوارع الخرطوم الرئيسة لانه يستحق ذلك .

معجب كنا نغنى معه رمزية الاستقلال
ويقول فتح الرحمن محمد ضرار احد المعجبين بفن وردى انه فنان شامل غنى لافريقيا وللوطن كان صوته ينبوعا للطرب كنا نغنى معه اليوم نرفع راية استقلالنا وعلاقتى به تشكلت من خلال الاستماع وهو فنان متكامل وصاحب تجربة متفردة فى التوزيع الموسيقى نالت اعجاب وثناء كبار الموسيقيين، ونعزى انفسنا واسرته فى الفقد الجلل.

وأغنية واحدة تساوى عشر خطب سياسة
ويقول الدكتور الشفيع خضر- الحزب الشيوعى - وصديق الراحل وردى الذى لازمه لسنوات فى قاهرة المعز واسمرة وكان شاهدا على ميلاد العديد من اغنيات وردى الخالدة، ان الراحل كان قيثارة وتساوى اغنية واحدة من اعماله عشرات الخطب السياسية من حيث التأثير. تغنى لجوبا وحلفا وتربع على عرش قلوب السودانيين رمزا للديمقراطية والسلام والوحدة، وكان ادارة ابداعية للتنوع فى اطار الوحدة والشعب السودانى لن يفرط فى عطاء هذا المبدع، وكان ضد فكرة انقسام السودان ومع الوطن الواحد وتمنى ان يكون وردى موجودا ليغنى اصبح الصبح بمعنى جديد، وقال الشفيع ان الفقيد اتصل به قبل ايام من مرضه مستفسرا عن صحة الاستاذ نقد وذكر ان المبدعين فى السودان مظاليم على المستوى الرسمى ويتمتعون بمحبة وانصاف الشعب، وتمنى ان يتطابق التقدير الرسمى والشعبى .

عاش متواضعاً بين أهله
يقول الاستاذ المربى شوق حمزة المقيم بسلطنة عمان والذى تربطه بالراحل محمد وردى علاقة النسب، هواية الاستماع للموسيقى لديه نشأت منذ الصغر بفضل اغنيات وردى الذى عمل استاذا بمدارس صواردة وفركه وسعد فنتى قبل ان ينتقل الى الدامر ومنها الى الخرطوم، ويصف وردى بالانسان المتواضع والاجتماعى، وكانت تلك الخاصية عاملا مهما فى نجاحه فنيا وتعلم العزف على آلة الطنبور منذ الصغر، وثابر على الغناء الى ان نال لقب فنان افريقيا الاول وسوف يكون لخبر وفاته اصداء فى عموم افريقيا والوطن العربى، واوضح شوقى بأنه حضر للسودان فور سماعه بمرض الاستاذ وردى واجل عودته بعد ان اكمل كافة اجراءات العودة اجل سفره نتيجة لشعورغامض .

فنان لكل الأجيال لزمن جاي وزمن لسه
وردى فنان لكل الاجيال، بهذه العبارة الفصيحة بدأ ابن اخت الراحل وردى سمؤال حسن عبد الماجد حديثه الينا وهو يغالب الحزن وتطفر من عينيه بين الحين والاخر دمعة تنزل بلا استذان فقد كان مقربا من خاله الراحل وبينهما الكثير من الذكريات ويجزم سمؤال بان وردى كان هدية كونية ويصلح غناؤه لكل الازمان زمن جاى وزمن لسه، ويصفه بالانسان المرح سريع النكته.

تركنا السمؤال يغالب صمته ويحاول تجاوز اسوار احزانه وانتقلنا الى صلاح حسن داؤود ابن اخت الراحل والذى قال ان الفقيد افنى زهرة عمره فى ساحات الفن والعمل العام، وكان حريصا على زيارة مسقط رأسه فى صوارة كل عام، واخر تلك الزيارت كانت قبل اسبوعين من مرضه وساهمت اغنياته فى الحفاظ على اللغة النوبية وتوحيد الوجدان السودانى.

وفى ذات السياق يضيف حسين سرالختم عبد الله ابن اخت الراحل ان وردى كان صاحب دور ايجابى فى دعم مختلف المشاريع بمنطقة صواردة واخر مشروع كان يشرف عليه هو تأهيل مدرسة صواردة، وهو بمثابة الاخ والاب والصديق لكل ابناء اهله .

عبقريته في التمسك بالمبادئ الفنية
وتحدثنا كذلك الى الاستاذ سيد احمد المحاضر بكلية الدراما والموسيقى بجامعة السودان والذى ترحم على روح الفقيد، وقال ان تجربته الفنية تمثل مشروع فنان متمسك بالمبادئى الفنية والتى لم يتخلَ عنها طوال حياته، ولم يتأثر اسلوبه فى العمل اللحنى والموسيقى بالمتغيرات فى العالم العربى وذلك جوهر الفنان الحقيقى نسأل الله ان يتقبله بواسع رحمته .

كان هرماً ونيلاً
فى سرادق العزاء، تمازجت كل الفنون فى التعبيرعن أحزانها لفراق وردى اهل المسرح والدراما والموسيقى كان هناك الكومديان نبيل متوكل الذى قال لنا بالحرف الواحد اذا كان المصريون يفتخرون بالاهرامات فى الجيزة علينا نحن ان نفاخر العالم بالهرم الاكبر فى السودان الفنان الاستاذ الدكتور محمد وردى، الذى غنى قلت ارحل ورحل عنا بجسده ولكن اعماله ستظل خالدة اجيالا وراء اجيال؛ لانه وضع بصمة واضحة فى تاريخ الغناء السودانى له الرحمة والمغفرة و( إنا لله وإنا إليه راجعون )

ويواصل الحديث عن مآثر وردى الفنان محمد عبدالرحيم قرنى، بالقول ان وردى يمثل حقبة مهمة فى تاريخ الفن والثقافة السودانية ورقما لا يمكن تجاوزه فنيا اثرى وجدان الامة طوال خمسين عاما من الكلمة الرصينة والاداء الراقى والتأليف الموسيقى المتقدم. كان نموذجا للفنان السودانى ذي القيم والافكار والاداء المتميز، وسيبقى محمد وردى فينا مابقى النيل .

تلميذ وردي الذي درسه بمدرسة الديوم المايقوما فى عام 1959 صلاح دبورة، روى لنا عن تفاصيل علاقته بأستاذه الذى درسه الرياضيات واللغة العربية فى المدرسة، التى كان نائب المدير فيها الموسيقار، وقال ان وردى كان من اوائل الدراسين فى المعهد العالى للموسيقى الى جانب العندليب الراحل زيدان ابراهيم فى 1970، وهو ملحن مهول لحن عددا من الاغنيات منها ايامك لصلاح ابن البادية، ومشتاقين لعثمان مصطفى، ولحن رائعة الفيتورى اصبح الصبح فى ساعات، وقدم اغنيات طويلة وقصيرة وسوف تكون خالدة. له الرحمة والمغفرة والتعازى لكل الشعب .

الجنوب يبكي وردي
نعت كتلة الحركة الشعبية ببرلمان جنوب السودان، الموسيقار محمد وردي واعتبرت وفاته خسارة كبيرة، وقالت ان وفاة وردى تعتبر خسارة كبيرة باعتبار ان الراحل كان من الممكن ان يلعب دورا في الربط بين الدولتين، وقال القيادي البرلماني ببرلمان الجنوب اتيم قرنق لـ»الصحافة « ان وردى بالنسبة للجنوب كما نهر النيل الذي يربط بين الدولتين»، واضاف «ولكن فقدناه «.

وردي
دفر كاسح نسف باب الغنا
المسدود علينا رتاجو
شهق سَمَع الزمان دهشة
سمق حلّق لحق معراجو
بشير عريان
لي صاحب الوكت هشة
نسج إكليل كساو تاجو
معاك سكتت سوابح فوق
وصوت البلبل الصداح
صبح مخنوق
معاك خلّت حنينها النوق
معاك القمري خلّى القوق
حَكَم مضمارك الشاهق
على الطاير يكون مسبوق
معاك وتر الكمان عِرف نفسو
يحن للقوس يعربد نشوة من مسو
وقيثار النشيد لبهاك رجع حِسو
يغازل الناي يزيدو صبابة بي همسو
سجد طبل النغم خاضع
مراكبو معاك وين يرسو
وراك تتألق الجوقة
حضورك طلّ من فوقها
خلوق راجياك وا شوقها
كلِمتو الراقي منطوقها
نغمتو الحالية بنضوقها
حمامة اتقلدت طوقها
موسيقتو العالية بي ذوقها
خماسي سباعي ما بطيقها
محال ينجرّ واسوقها
دوام مطلوبة في سوقها
ترِن في العَصَبة ملصوقة
تبهّي تحلّي مربوقة
وتبقى البهجة مطبوقة
تكون السكرة والفوقة
هَناك يا العازة بي وردي
وعزاك يا العازة في وردي
جناكي الجوهر الفردي
د. عبد الرحمن الغالي
أمدرمان 19 فبراير 2012



التوقيع:

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

أبوسهيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-20-2012, 06:47 PM   رقم المشاركة : [14]
أبوسهيل
عميد الموقع
الصورة الرمزية أبوسهيل
 
اخر مواضيعي

المستوى: 81 [♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥]
الحياة 3024 / 3024

النشاط 6974 / 23320
المؤشر 65%


افتراضي

أيا وردي.. (فراقك) المنو ضاق صدري!

مزمل أبو القاسم
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
* اليوم نرفع راية أحزاننا، ويسطر التاريخ موعد دمعنا.
* يا إخوتي.. أبكوا معي.. أبكوا معي.
* رحل فنان إفريقيا والسودان.. محمد عثمان.
* غيب الموت جسد العملاق الباذخ، وفاضت روح الفنان الشامخ الذي غنى للحب والخير والجمال وداعب أماني الشباب وأحلام العذارى، وترنم للوطن والشهداء وراية العلم والنيل والنخيل.
* وغنى للحرية والدماء الطاهرة.
* لم يكن وردي مطرباً عادياً ولا مجرد مؤدٍ ذي صوتٍ شجي، بل كان هرماً وطنياً ذا فكر ومبدأ وقضية.
* دخل بغنائه العذب الفصيح الصريح قلوب الجماهير وسجون مايو، وذاق ويلات الغربة عن الأهل والوطن، ولم يغترب صوته الطروب وكلماته الشجية وألحانه العذبة الندية عن أرضنا وسمائنا وليلنا لحظةً واحدة.
* وردي شاعر وفنان وموسيقار ومفكر ومناضل.
* وردي الوطن مثل النيل، وأعلى من هامات النخيل.
* غنى بالطمبور فأطرب أهل الجنوب الغرب قبل الشرق والشمال.
* غنى بالفصحى فأجاد وأبدع وأمتع وأقنع.
* وغنى بالعامية فمس شغاف القلوب وأسر الأحاسيس الندية، واسترّق الآذان بأبدع الألحان.
* وغنى بالرطانة فجعلنا ندندن خلفه بما لا نفقه.
* وداعب العود فتمايل معه سعف نخيل الشمال الطال، ورقصت له غابات تركاكا واهتزت له الرملة الدقاقة.
* نظم النغمات ووزع المقامات فأصبحت تدرس في أكبر المعاهد والجامعات.
* غنى بالحقيبة والتراث فأسمع من به صمم، وأطرب الشجر والحجر والبشر.
* وذاعت شهرته بين العرب والعجم.
* فعل وردي بحنجرته الندية وألحانه الشجية ما أعجز الخارجية والدبلوماسية!
* انتشرت أغانيه البديعة في أدغال إفريقيا بدءاً من إريتريا وإثيوبيا وانتهاءً بنيجيريا والكاميرون.
* لذا لم يستكثر الناس عليه أن ينال لقب فنان إفريقيا الأول.
* (وآ آسفاي) عليك يا وردي السودان الجميل.
* يا نور العين.. إنت وينك وين؟
* شفى وردي النفوس وروى العقول بروائعه الموسيقية.
* ووري جسده مقابر فاروق وبقيت جامعة وردي للموسيقى والفن شاهدة على عظمة الراحل.
* وردي.. التراث.. الحداثة والأصالة.
* وردي.. العود والطنبور والنوتة.
* أهرامات الكجيك.. بوابة عبد القيوم.. جبل كرري.. خزان سنار.. الطابية المقابلة النيل ومحمد عثمان وردي معالم ونقوش خالدة في خريطة السودان.
* ولد في أقاصي الشمال ودفن في قلب الخرطوم وعاش خالداً مخلداً في وجدان الشعب السوداني، واستقر إلى الأبد في قلوب كل من استمعوا إلى فنه الراقي النبيل.
* وردي ليس أقل شأناً من عمالقة الموسيقى في العالم، أمثال باخ وموتسارت وبتهوفن وشومان وشتراوس وتشايكوفيسكي.
* غنى (كفى يا قلبي أنسى الفات).. والفات لن ينسى يا وردي.. لأنك مغروس في وجدان الناس!
* وغنى (يا جميلة ومستحيلة) فحاكى الغيوم ارتفاعاً والنجوم بريقاً.
* وغنى لـ(هجرة عصافير الخريف في موسم الشوق والحلو) فغرس في أعصابنا أجمل النغمات مع (شهقة جروف النيل مع الموجة الصباحية)!
* غنى لبلده الحبوب.. وللجبة والصديري والسيف والسكين.
* وترنم لـ(روعة سحر الأسطورة) وداعبت ألحانه (سمحتنا الما بنطولا).. وغنى للطير الطاير والطير المهاجر فجعل مشاعرنا تحلق في جوف الغيوم الراحلة.
* اليوم يا وطني الحزين.. ما بين ظلالك أفتش وأكوس (وردي) وملامح صباي.
* التقى عملاق الشرق الراحل كجراي في غابات الجنوب، فكانت محصلة عناق النخيل (مافي داعي تقولي مافي داعي.. يا الربيع في عطرو دافي.. لهفة الشوق في كلامك.. في سلامك.. وسر غرامك ما هو خافي)!
* وشكل مع سلافة فن سماعين ود حد الزين أجمل ثنائية في تاريخ الفن السوداني، وغنى معه (لذات الشامة)، (الليلة يا سمرة)، (يا قاسي)، (يا حلو)، (أسفاي)، (قبل الوداع) و(ما تخجلي) وغيرها فأجج الأشواق وأطلق البهجة والنشوة من عقالها وجعل مساءاتنا أغلى وأحلى!
* وحلق مع الحلنقي في شواهق الإبداع وغنى له (توعدنا وتخلف بالصورة)، (قطر الندى)، (أقابلك)، (استنيني)، (هجرة عصافير الخريف)، (أعز الناس) وغيرها.
* وغني للجيلي عبد المنعم (مرحباً يا شوق) فداعب أشواقنا وأحلامنا وأطربنا حتى الثمالة.
* وغنى لود المكي (صبحك نور) وللتيجاني سعيد (قلت أرحل)، و(من غير ميعاد) ثم فارقنا من غير ما ميعاد فأدمى القلوب وخدّش الدواخل.
* وغنى (للناس القيافة) مع أبو قطاطي.
* وغني بذوقه السليم مع إبراهيم الرشيد لـ(سليم الذوق).
* وغنى لصلاح أحمد إبراهيم (الطير المهاجر) وخلد محبوبة (بتشتغل منديل حرير لحبيب بعيد).
* وجادت شاعريته بقصيدة (قصة حب) فنسبها إلى الموسيقار علي ميرغني.
* وغنى للدوش (الوُد) فأبدع أجمل لوحة في تاريخ الغناء السوداني.
* غنى للشامة.. للنسمة.. للوردة.. للقمر وللتراب فخلب الألباب.
* غنى للثورة والاستقلال والتراب والنيل والنخيل وخلد كل ما هو جميل.
* وغنى للمستحيل فجعله ممكناً.
* رحيل وردي حار ومر.. فعل بقلوب أهل السودان (سواة العاصفة بي ساق الشتيل الني، وفعل السيل وكت يكسح ما يفضل شي، ده كان (حزنك) وكت حسيتو شفت الدنيا دارت بي)!
* لن نقول وداعاً لوردي لأنه بيننا موجود، لم يرحل عنا ولو غنى (قلت أرحل) ألف مرة، لأننا لم ننس الإلفة!
* تالله يا وردي.. فراقك منو ضاق صدري!
* (عذبني وتفنن).. ووداعاً يا (أعز الناس)!



صاحب (القبريـن) في ذمة الله...
وردي...(تاريخ) حمله المشيعون على (الأكتاف)..!
زوجة الراحل تكشف لـ(السوداني) تفاصيل آخر حوار مع وردي.!
(إنهيار) في المقابر..و(صدمة) كبيرة..وتشييع رسمي وشعبي غير مسبوق

الخرطوم:صلاح الدين مصطفى / أحمــد دنــدش
جاء في مقدمة كتاب لم يُنشر بعد من إعداد الباحث والكاتب جابر حسين "كلمات بمثابة إهداء، إليهما، وهم، في القلب والذاكرة: محجوب شريف، أحمد طه محمد الحسن ومحمد عثمان حسن وردي. إليكَ، ياعالي المقام، تكون هذه الكتابة: في حَضْرَة جلالك يَطِيْب الجلوس. .مُهَذَّب أمامك يكون الكلام. . يا مُحَمَّد. . صَوتُكَ العملاق فوق الأرضِ والنخلِ..وتحتَ التُّرْب معطاءً تمدًّد. . فَتَوَجَّد مِثِلما شِئتَ تَوَجَّد.. لكَ في قلبي وقلوبِ الناسِ مَهدٌ. .فَتَوَجَّد. . كبساطِ المجدِ مبسوطاً على الريحِ. . تَمَدَّد. .وارفعِ الصوتَ ابتهاجاً
بشبابٍ يتجدَّد. .تَمَدَّد وتَمَدَّد وتَمَدَّد. . سطعَ الناسُ شموساً في سماءِ القحطِ واليأسِ وغنُّوا، يا صديقَ العمرِ. . شوقاً، للبشارة؛ صوتُك العملاقُ يُزجِيها إشارة، للذي ينتظرُ الإنسانَ في السودانِ لما يُثمرُ البرقُ ثمارَه، فتَوَجَّد وتَمَدَّد وتَجدَّد وتَوَحَّد؛ بالذي يأتي مجيداً، وجديداً. عِم صباحاً،، يا مُحَمَّد. . عِم شتاءً ثمَّ صيفاً وخريفاً وربيعاً يتَجدَّد؛ يا مُحَمَّد، يا مُحَمَّد، يا مُحَمَّد!."
الصدمة:
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الصدمة..عبارة تمثل أبلغ تعبير يمكن أن نصف به حال البلاد وهي تشيع امس فنان افريقيا الاول محمد وردي، والذى تمت مواراته الثرى بمقابر فاروق بالعمارات، ذلك التشييع الذى تدافع له كل السودانيين بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم، حيث كان المشهد هناك اشبه بمهرجان حزن ضخم، القاسم المشترك الاعظم ما بينه تلك الدموع التي استكانت على كل خد.

حضور رسمي وشعبي:
تقدم المشير عمر حسن أحمد البشير رئيس الجمهورية جموع مشيعي جثمان الفنان محمد وردي في العاشرة من صباح أمس بمقابر فاروق ، وشهد تشييع الجثمان إلى جانبه كل من د. الحاج آدم يوسف نائب الرئيس والفريق ركن عبد الرحيم محمد حسين وزير الدفاع والفريق ركن بكري حسن صالح وزير رئاسة الجمهورية ، وشهدت مقابر فاروق تدافعا بشريا غير مسبوق حيث بدأ توافد المشيعين من كل حدب وصوب بعد صلاة الفجر مباشرة، وتمت مواراة الجثمان الثرى قبيل العاشرة من صباح أمس بقليل.

من المقابر إلى المعمورة:
وكان الفنان محمد عثمان حسن وردي قد توفي في العاشرة من مساء أمس الأول، بمستشفى فضيل بالخرطوم بعد أيام قليلة من إصابته بالتهاب في المريء استدعى نقله لغرفة العناية المكثفة، وإجراء عدة عمليات غسيل كلى وبدأ يتماثل للشفاء غير أن إرادة المولى كانت أسرع. وانتقلت جموع المعزين من المقابر إلى منزل الفنان محمد وردي بالمعمورة، وفتح اتحاد الفنانين أبوابه للعزاء.

تسمم في الدم والرئتين والقلب:
د. الفاضل محمد عثمان الاختصاصي المعروف في مجال الباطنية وأمراض الكلى والذي كان يباشر حالة الفنان محمد وردي قال إن الراحل توفي نتيجة تسمم في الدم والرئتين والقلب. وأضاف:أصيب الفنان محمد وردي قبل تسعة أيام بالتهاب حاد في المريء، ونسبة لخلفيته المرضية حيث تمت عملية نقل كلية قبل عدة سنوات بالدوحة ونتيجة لعامل السن والإصابة ببعض الأمراض الأخرى مثل الضغط والسكري، فقد تأثرت بعض أجزاء وأعضاء الفنان محمد وردي.

سيطرة وتجاوز ثم انتكاسة أخيرة:
يواصل د. الفاضل حديثه لـ(السوداني) ويقول : بعد نقله لغرفة العناية المكثفة تمت السيطرة على بعض المصاعب الصحية التي واجهها و"قدرنا" إلى حد كبير نتجاوز مرحلة الخطر وبدأت حالته في التحسن وقررنا إخراجه من العناية المكثفة إلى غرفة عادية وحتى يوم الأربعاء كان وضعه الصحي مطمئن، لكن يوم الخميس حدثت له انتكاسة أخرى وبذلنا كل الجهد للسيطرة على حالته المريضة، لكن إرادة المولى شاءت أن يُتوفى مساء السبت وكان التقرير النهائي للوفاة تسمم في الدم انتقلت آثاره وأثرت على القلب والرئتين ومن ثم الكلى. وترحم د. الفاضل على الراحل وردي ووصفه بالشجاعة والجلد والصبر على المرض.

فقد للأفارقة والعرب:
نائب رئيس الجمهورية د. الحاج آدم يوسف، حرص على الوصول مبكرا لحضور مراسم الدفن على الرغم من حضور رئيس الجمهورية لهذه المناسبة. ولعلها من المرات القليلة التي يشهد فيها الرئيس ونائبه مناسبة مع بعضهما البعض. نائب رئيس الجمهورية نقل تعازيه للشعب السوداني بهذا الفقد الجلل وأوضح أن رحيل الفنان الكبير محمد وردي لا يعتبر فقدا للأمة السودانية فقط بل، فقد للعرب والأفارقة وذلك من خلال عطائه الثر والممتد.

تدافع غير مسبوق:
شهدت مقابر فاروق تدافعا بشريا غير مسبوق، حيث امتلأت المقابر عن بكرة ابيها، ويلاحظ وجود العديد من أبناء الولاية الشمالية الذين قدموا منذ أن سمعوا بنقل الفنان محمد وردي إلى غرفة العناية المكثفة، أحد الذين حضروا اوضح أنه من تلاميذ محمد وردي، وقال إن الراحل درسه بالمدارس الأولية، مشيرا إلى قوة الذاكرة التي كان يتمتع بها "المعلم" محمد وردي، مثل هذا الرجل حضر كثيرون قبيل صلاة الفجر من أماكن بعيدة، وقد رصدت (السوداني) حضورا كثيفا من منطقة الكلاكلات حيث كان يقطن وردي في ثمانينات القرن الماضي وحيث توجد أعداد كبيرة من النوبيين.

هستيريا الوصول:
هستيريا غريبة اجتاحت الجموع الغفيرة لدى وصول جثمان الراحل عبر عربة الاسعاف، حيث تشبث البعض بالسيارة، بينما جلس آخرون على الارض في حالة انهيار تام، اما من تبقت له بضع قطرات من صبر، فقد دلقها في شكل دموع غزيرة بللت صباح امس، وجعلت من الحزن آلاف احزان سرت.

النساء في المقدمة:
اعداد كبيرة من بنات حواء كن في وداع وتشييع جثمان الراحل بالمقابر، وبمختلف انتماءاتهن ووظائفهن، بدءاً بالصحافيات والناشطات السياسيات وحتى الطالبات وربات البيوت، تركن ما بإيديهن وخرجن لإلقاء النظرة الاخيرة على الراحل قبيل مواراته الثرى، في مشهد اكد مكانة ذلك الفنان الاستثنائي في نفوس كل نساء السودان.

إسعاف و"برش وعنقريب":
حضر الجثمان بعربة اسعاف، وتم انزاله في "عنقريب وبرش" وسط تكبير وتهليل من جموع الحاضرين، يخالطه نحيب وأصوات نسائية معددة مآثر الفقيد ودوره في الحياة الفنية والاجتماعية، وعلى الرغم من حضور الكثيرين إلى المقابر، إلا أن متابعة كل التفاصيل كانت صعبة جدا نظرا للتكدس البشري داخل وخارج المقابر، وقد اكتفى الكثيرون بمشاهدة هذا الحدث من اسطح المنازل والعمارات القريبة، وقد تعطلت الحركة تماما في تلك الجهات لعدة ساعات.

صاحب (القبرين):
تفاجأ المشيعون امس بوجود (قبرين) اعدا لدفن الراحل، ولعل هذه الجزئية تحديداً دلت على مكانة الراحل في نفوس الشعب، فقد تواجد الكثيرون منذ الساعات الاولى من الصباح داخل تلك المقابر للتجهيز للدفن، وبينما اتجه المشيعون لمواراة جسده الثرى، ظل القبر الآخر (جاهزاً) وشاهداً كذلك على محبة ذلك الرجل.

الخبر ليس من حضر!
كان في مقدمة الذين حضروا من الفنانين عصام محمد نور، طه سليمان، انس العاقب، وعلي مهدي ثم وفد اتحاد الفنانين بقيادة الفنان عبد القادر سالم، وجاء من بعد ذلك الفنان حمد الريح رئيس اتحاد المهن الموسيقية، ثم امتلأت الساحة بجموع الفنانين بحيث يبقى الخبر هو ليس من الذي حضر، بل من الذي لم يحضر؟ وشهدت المقابر عددا كبيرا من قيادات العمل الإعلامي في الإذاعة والتلفزيون ورؤساء التحرير، على رأسهم ضياء الدين بلال وعادل الباز الذي لم يكتف بالحضور بل شارك بالتقاط الصور!

علم السودان حضوراً:
لم يغب علم السودان عن الحضور في ذلك اليوم، فقد تمت إحاطة جثمان الراحل به، تماماً كما كان يتمنى وهو يغني لهذا الوطن ويمجده، لذلك كان من الطبيعي أن يتم تدثيره به، قبل أن يتم التلويح به عالياً، بعد اجراءات الدفن، ليكون ذلك العلم رفيقاً للراحل في حياته وفي مماته.

عزاء في المقابر:
ربما اقام الكثيرون سرادق العزاء في بيوتهم..ولكن العزاء الحقيقي للراحل كان داخل المقابر، حيث ظل الكل يتلقى التعازي في الفقيد، ولم تكن للمسميات حضور أو المناصب، فالكل كان هناك اهلاً لوردي، وعشيرة ومحبين.

دموع إثيوبية:
وجود كبير لعدد من ابناء الجالية الاثيوبية بالخرطوم كان هناك، ورصدت (السوداني) مشهد تلك الاثيوبية التى ظلت تبكي بصوت عال، مما دفع بعدد من المعزين لتهدئتها، كما مثل العديد من ابناء الجاليات الافريقية والعربية حضوراً، كيف لا والتشييع لرجل اطلق عليه عن اقتدار (فنان إفريقيا الاول).

العلم ملحوق:
على طريقة (العلم ملحوق)..مثلت شريحة الطلاب حضوراً طاغياً في مراسم الدفن، وخصوصاً طلاب الجامعات الذين حملوا دفاترهم وكثيرا من الحزن الدفين، ووقفوا في صمت تام، يتابعون ما يدور، قبل أن يغادروا بعد انتهاء المراسم لجامعاتهم ومدارسهم، وبعد أن القوا النظرة الاخيرة على جثمان الراحل.

رئاسة الجمهورية تحتسب:
اصدرت رئاسة الجمهورية بيانا احتسبت فيه عند الله تعالى للأمة السودانية فنان السودان الكبير الموسيقار محمد وردي الذي لبى نداء ربه مساء أمس الأول، وجاء في البيان "ورئاسة الجمهورية إذ تحتسب الفنان محمد وردي تقدر للراحل وردي إسهاماته الوطنية ومشاركاته الواسعة في كل المناسبات الوطنية بما وهبه الله من فن وإبداعات ومقدرات أكدت عبقريته كفنان شامل، وتتقدم رئاسة الجمهورية بأصدق التعازي للشعب السوداني كافة ولأسرة الراحل الفنان محمد وردي سائلين الله أن يتغمده بواسع رحمته وأن يلهم الشعب السوداني الصبر على هذا الفقد الجلل".

وزير الإعلام ينعي الراحل:
كما احتسب وزير الإعلام ووزير الثقافة ووزيرة الدولة بالإعلام ورئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للإذاعة القومية والمدير العام للهيئة والمدير العام للهيئة العامة للتلفزيون والعاملون بالهيئتين عند الله تعالى الفنان الموسيقار محمد وردي، لقد كان للفقيد الراحل إسهامات مقدرة اثرى بها مكتبة الإذاعة السودانية التي تحتفظ الآن بهذا السجل الذي أصبح يمثل ثروة قومية وتراثا خالدا للأجيال القادمة تحكي عظمة هذا الفنان وشموخه الفني.

هذا وقد تناقلت العديد من الوكالات والفضائيات نبأ رحيل الفنان الموسيقار محمد وردي.. ( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).



من داخل سرادق عزاء النساء...
زوجة الراحل: هذا هو (....) آخر حديث لي مع وردي..!
تابيتا في حالة (صدمة)..وشقيقات الراحل تغلبهن (العبرة).!

الخرطوم: وجدان طلحة/ رحاب فريني
زوجة الراحل والزيارة الأخيرة:
داخل المكان المخصص لاستقبال النساء المعزيات بمنزل الراحل بالمعمورة، كانت تجلس زوجة الراحل (ثريا) وحولها عدد كبير من النساء، داخل احدى الغرف، والتى لم يكن من الصعب التعرف عليها من خلال ذلك المشهد، وتحدثت السيدة (ثريا) لـ(السوداني) وقالت إنها رأته لآخر مرة يوم الخميس، عندما ذهبت اليه طمأنها على نفسه وقال لها: (انا كويس..وطمنوا الناس ما تقلق)..واضافت: لم استطع رؤيته يوم الجمعة لأن أبناءها اخبروها بأن تستقبل الضيوف الذين يستفسرون عن صحته بالمنزل، وقالت بعد أن صمتت لدقائق: (أصابني القلق بعد أن اعلن الأطباء عدم السماح بزيارته..وذلك لاسباب وقائية ليس إلا (على حد تعبيرهم)..ولكنني لم اكن مطمئنة لذلك، فقلت لهم لماذا لا تقومون بإخراجه من العناية المكثفة طالما هو بخير؟!..فكانت الإجابة انهم يخضعونه للمزيد من الفحوصات، وعندما عادت للمنزل تم اخطارها بوفاته، وكشفت السيدة (ثريا) أن الراحل كان مرتبطا بإحياء حفل يوم الجمعة نفسها، وذلك قبيل نقله للمستشفى).

جنوبية تقتحم الصيوان وتنتحب:
امرأة من جنوب السودان كانت مثار اهتمام الجميع، فقد دلفت إلى داخل المكان وهي ترتدي عباءة كاملة، قبل أن تنخرط في نوبة من البكاء العميق، لتحيط بها النسوة ويقمن بأداء واجب العزاء معها، في مشهد اكد على شعبية الراحل ومكانته في كل دواخل السودانيين من مختلف الاجناس والقبائل.

تابيتا...حالة صدمة:
الدكتورة تابيتا بطرس كانت موجودة داخل المكان وقالت إن الحزن اليوم عميق جداً، واضافت أن وردي بخلاف انه فنان افريقيا فهو كروان السودان الاول واضافت وسط دموعها: (عزاؤنا الوحيد انه رحل وترك لنا فناً صافياً مثل الذهب، فهو تغنى للحرية وللوطنية والاستقلال، وبقدر ما نقول عنه فاننا لن نوفيه حقه ابداً، وسيظل خالداً فينا).

سمية حسن...الحديث للدموع فقط:
الفنانة (سمية حسن) كانت في حالة من الحزن الشديد حيث تناثرت الدموع على وجهها في غزارة لكنها تحدثت لـ(السوداني) وقالت: (الرحيل حزين لكل اهل السودان والحزن اكبر على ذلك الهرم الذي لن يتكرر..فهو صاحب النغمة الاصيلة والاداء المتفرد وهو فنان صاحب رسالة يحمل الفن في عينيه).

جوليا..انهيار..واعتذار:
ابنة الراحل (جوليا) لم تستطع الحديث لـ(السوداني) واكتفت بالاعتذار بعد أن استصعب عليها القول، ولعل حالة (جوليا) كانت طبيعية في ظل الحزن الكبير الذي خيم على كل المكان واحاله إلى بقعة من الدموع والألم.

شقيقات الراحل: يا حليل اخونا..!
شقيقة الراحل (زينب وردي) قالت إن الراحل هو من قام بتربيتهن، واضافت انه كان يغني منذ أن كان في المدرسة، واضافت: (اخوي كان حنين شديد وبحب أهلو في صواردة وناس الشمال كلهم وكل السودانيين، وكان سخي وكريم..ربنا يرحموا ويغفر ليهو)...كما ابدت شقيقته الاخرى (فتحية وردي) نفس الحديث واضافت أن الراحل كان يسأل عليهم حتى بعد أن كبروا، وكان دائم التواصل..(وقبل أن تفصح عن ذلك التواصل انخرطت في بكاء عميق).



التوقيع:

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

أبوسهيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-21-2012, 07:29 AM   رقم المشاركة : [15]
أبوسهيل
عميد الموقع
الصورة الرمزية أبوسهيل
 
اخر مواضيعي

المستوى: 81 [♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥]
الحياة 3024 / 3024

النشاط 6974 / 23320
المؤشر 65%


افتراضي

محمد وردي ... أسمار وأفكار 2/3 عبد المحمود نور الدائم الكرنكي

كتب الموسيقار إسماعيل عبدالمعين اسمه في سجل الخالدين بعدد من الأعمال الموسيقية والألحان الشهيرة، من ألحان الموسيقار عبدالمعين أغنيات (أبني عشك يا قماري) لسيد خليفة من كلمات اسماعيل خورشيد، و (إيهِ يا مولاي) لخضر بشير من كلمات محمود أبوبكر صاحب ديوان أكواب بابل، ونشيد (صه يا كنار) من ألحان عبدالمعين من كلمات محمود أبوبكر، ومن ألحان اسماعيل عبدالمعين نشيد (واجب الأوطان داعينا) من كلمات محمد بشير عتيق، ونشيد الحركة الوطنية (إلى العلا) من كلمات خضر محمد، ومن ألحان اسماعيل عبدالمعين أغنية (زاهي في خدره) لأحمد المصطفى من كلمات محمود أبوبكر وأغنية ماأحلى ساعات اللقاء لأحمد المصطفى من كلمات خالد أبوالروس الذي كتب ايضاً أغنية (صابحني دايماً وابتسم) لإبراهيم الكاشف. تلك سبعة ألحان شهيرة للموسيقار اسماعيل عبدالمعين، إلى جانب شقيقاتها من المقطوعات الموسيقية والأعمال الأخرى.

وكتب الموسيقار برعي محمد دفع الله اسمه في سجل الخالدين بأربعين من الألحان الرائعة الشهيرة التي غناها عبدالعزيز محمد داؤود، فينوس، أجراس المعبد، هل أنت معي، وغيرها من روائع الألحان. ذلك الى جانب عدد من المقطوعات الموسيقية المميزة التى أبدعها برعي محمد دفع الله مثل (ملتقى النيلين) و (فرحة) و (المروج الخضراء)، وغيرها. ولولا برعي محمد دفع الله لكان حظ أبي داؤود في الشهرة الغنائية مختلفاً جداً. الموسيقار عوض محمود فقد أبدع أربعين مقطوعة موسيقية. أما الموسيقار محمد وردي فيمثل وحده بحيرة عظمى من الألحان. حيث أنتج مايزيد عن مائة وخمسين عملاً موسيقياً إبداعياً أصيلاً. وعندما يُقارن عطاء وردى الموسيقي بعطاء كبار الموسيقيين السودانيين تتجلى فرادته وعظمته وتتضح الأبعاد الحقيقية للقب (الموسيقار) محمد وردي. الراحل محمد وردي موسيقار طاقته الموسيقية عشرة أضعاف طاقة كبار الموسيقيين. وقد حدثني ذات مرة في مكتبه رئيس تحرير مجلة (الوسط) اللندنية جورج سمعان أن نزار قباني كان معه في دعوة عشاء قبل يومين وقال له (إن محمد مهدي الجواهري طاقته الشعرية هي طاقة عشر شعراء ولكن لا تقل هذا الكلام و(أنا طيب)، أى على قيد الحياة).

وكذلك هو الموسيقار محمد وردي، طاقة موسيقية هي عشرة أضعاف طاقة كبار المبدعين الموسيقيين السودانيين. ويمكن دراسة ومقارنة انتاج وردي الموسيقي كمَّاً ونوعاً لإبراز تلك الحقيقة. وكما أبدع محمد وردي في الغناء باللغة العربية، كذلك أبدع ثلاثة عشرة أغنية باللغة النوبية. وردى شاعر رائع بالنوبية، مثلما أن وردي موسيقار عملاق.

إلى جانب الألحان، إقرأ الكلمات التي ينتقيها وردي بشاعريته ليغنيها، مثلاً إقرأ هذه الكلمات للشاعر الرائع دمث الأخلاق الراحل على عبدالقيوم (صاحب أغنية بسيماتك تخلى الدنيا شمسية)... قال على عبدالقيوم وأنشد محمد وردي.. أى المشارق لم نغازل شمسها... أىُّ المشانق لم نزلزل بالثبات وقارها... أىُّ الأناشيد السماويَّات لم نهزز لأعراس الجديد بشاشةً أوتارها... نحن رفاق الشهداء... نبايع الثورة والداً وولدا... الفقراء نحن... الكادحون الطيبون والمناضلون.. نحن جنود الثورة التقدمية... نحن المثقفون الشرفاء... نحن النساء العاملات... ونحن أمهات الشهداء... آباؤهم نحن... إخوانهم نحن... إخواتهم نحن... صدورنا شرافة الكفاح... عيوننا طلائع الصباح.. أكُفُّنا الرايةُ البيضاءُ والسلاح... فلتسترحْ على صدورنا... ولنكتشف معاً دروبنا... نبايع السودان سيِّدا... نبايع الثورة والداً وولدا... نحن رفاق الشهداء.

وردي وغيره ثوريون عديدون، ضائعون في تيه الأحزاب وبيداء الوهم، وسراب السياسيين من القواقع الفارغة.
من أعقد قضايا (الثورة) السودانية أن رموزها تبعثرت في أحزاب وتيَّارات سياسية متباينة. فقد تناثر السياسيون والمفكرون والشعراء والفنانون الثوريون السودانيون في أحزاب عديدة. حيث غمرتهم قوى التقليد والرُّوتين وطمرتهم في بئر الماضي. ولو احتشدت كلّ الرموز الثورية السودانية في تيار وطني واحدّ لما طمرت الطائفية طلائع الحداثة في مؤتمر الخريجين. ولو اصطفَّت بعد الإستقلال في جبهة واحدة رائدة إلى المستقبل وتدفقت طاقتها نهراً واحداً وتياراً واحداً هي النهضة السودانية، لخرج السّودان من غيابة الجبّ وأصبحت الآفاق واقعاً. لكن يا أسفَى على يوسف!. أيضاً محمد وردي، كغيره من كبار المبدعين تميَّز بخلفية عائلية دينية. وقد ذكر وردي عندما التقيته قبل (17) عاماً أن أحد أجداده له خلوة قرآن، أو حديثاً من هذا القبيل. وفي لقاء إذاعي قال الفنان الموسيقار محمد عثمان حسن وردي إن عائلته كانت تعدّه وتنتظره ليكون شيخاً معلِّماً.

ولما كان محمد يتيماً، قد افتقد والده في الطفولة، فإنَّ عمه صالح وردي كان يتوقع من ابن أخيه أن يصبح (الشيخ محمد عثمان حسن وردي). وفي بدايات حياته كان محمد عثمان حسن وردي يرتدي القفطان والعمامة، يؤم المصلين في صلاة الجمعة وصلاة الجنازة.ولكن فيما بعد اختار محمد وردي طريق نداء الإبداع الداخلي في وجدانه. إختار (مولانا الشيخ) محمد عثمان حسن وردي طريق الفنّ، طريق موهبته وفطرته.

فكان أن تجلَّى (الشيخ) في السودان، وكان أن انتشر الفنان المبدع انتشاراً أسطورياً من المحيط إلى المحيط، من القرن الأفريقي على المحيط الهندي إلى نيجيريا على المحيط الأطلسي، ومن جنوب مصر إلى موريتانيا. ولايوجد أي فنان أفريقي أو عربي حقق ذلك الإنتشار عبر الأقطار واللغات والثقافات، إلا محمد وردي، لذلك يعتبر محمد وردي فنان أفريقيا عن جدارة واقتدار. وكذلك محمد وردي فنان العرب عن جدارة واقتدار، لولا وقوع السودان على التخوم الجنوبية للعالم العربي. ولو كان هناك جهد وتخطيط وتنظيم لكان فنان قارات أخرى. ولديّ صديق ذوَّاقة موسيقى من دولة (غيانا) في أمريكا الجنوبية أسمعته موسيقى وردي عام 1984م فسحرته وأدهشته. كانت تلك اغنية المستحيل. وقد حدثني حسن عبدالوهاب أن رئيس جمهورية النيجر هاماني ديوري، عندما احتفل بزواج كريمته، كان فنان العرس محمد وردي.

وفي المال يعتبر وردي متصوِّفاً زاهداً، لا قناطير مقنطرة من الذهب ولا يقنطرون. ولو سار وردي في طريق المال والأعمال لكان شركة ضخمة عابرة للحدود والقارات، مثلما كان فنه عابراً للحدود والقارات. ولو سار وردى في طريق (التَّمشْيُخ) لكان العالم العلامة، والحبر الفهامة، سلطان زمانه وحامل لواء العارفين، الهيكل النوراني والنور الصمّداني مولانا الشيخ محمد عثمان حسن وردي. ولو اختار طريق التصوُّف لأضافوا إلى اسمه رضى الله عنه وقدّس الله سرّه. ولو نشأ وردى في إيران، ودرس في الحوزات، لكان آية الله محمد وردي. ولو نشأ وردي في بيئة علمية تجريبية واختار طريق العلوم الطبيعية، لكان مكتشفاً مثل ماركوني أو توماس أديسون أو جراهام بيل أو أحمد زويل مكتشف (الڤيمتو سكند). ذلك لأن إبداع الفن وإبداع الدّين وإبداع العلم التجريبي واحد في جوهره، ولكن تتعدَّد صوره. وقد ذكر عبقري الكوميديا شارلي شابلن في مذكراته عن لقائه بـ (ألبرت آينشتاين) وتحاورهما حول عملية الإبداع واتفاقهما أن العَالِم والفنان يتميزان بصورة متطابقة بشحنة عالية من الرومانسية، أى أن الفنان المبدع هو صورة أخرى من العالِم المكتشِف، وإن العالِم المكتشِف هو صورة أخري من الفنان المُبدع.

كلّ من تميَّز بتلك الشحنة الرومانسية، عن طريق الموهبة أو الإكتساب يصبح مبدعاً في مجاله الذي اختاره، سواء العلم أو الفن أو الدين. جوهر الإبداع واحد، ولكن تتعدد الصور التي يتجلّى فيها. موهبة محمد وردى اختارت طريق الفن فأبدعت، لم يكن اختياره الفن للفن كما هي دعوى البرجوازيين او البرجعاجيين من (البرج العاجي). إختار محمد وردي طريق الفن والوطنية... أعاهدك يا بلادي حياتي لإخلاصي للحرية... أحارب من أجلك ذاتي... أعدائك والرجعية... تصبحي دار للأحرار... ينعم فيك شعبي الأسمر يا بلادي... من أقصى شمال بلادي لأقصى جنوب الوادي ... نعمل للوطن الواحد... أيادي إخلاص ومبادئ... إشتراكية سودانية... من واقعنا... ما مِن أكتر. وغنى الفنان الوطني الثوري محمد وردي للإستقلال وللحصاد الأفريقي (أصبح الصبح) وشهداء كرري وللوحدة العربية وللثورة الأفريقية وللثورة الجزائرية... أنا أفريقي حرّ... أنا جزائري حرّ... والحرية في دمي... سوف أحطِّمُ الأغلال مهما كمَّموا فمي. غنيّ وردي للجزائر... أرض بن بيلا العريقة، وغير ذلك. تلك المشاعر الثورية في أغنيات وردي تفجِّر في الوجدان كوناً ومجرَّات من المنارات الإنسانية وكواكب الأحرار... أحمد بن بيلا وبن يوسف بن خدَّة وعبَّان رمضان وعيسى كشيدة ومحمد بوضياف وبومنجل ومحمد خيضر وكريم بلقاسم ومحمد بن مهيدي... ألف رحمة ونور على زمانهم. ذهب الذين أحبُّهم... نهبوا رقادي واستراحوا. روى البيهقي في كتاب (الزهد الكبير) أن السيدة عائشة رضى الله عنها بعد رحيل معظم أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم كانت تستشهد ببيت الشعر... ذهبَ الذين يُعاشُ في أكنافهم... وبقيت في خَلَفٍ كَجلدِ الأجْرَبِ.

بشعلة إبداعه الزاخرة الكامنة في وجدانه، اختار محمد وردي طريق الفنّ والوطنية. ومن المواقف التي ستبقى في ذاكرة السودان إلى الأبد، أن عند انتفاضة شعب السودان ضد مذكرة (أوكامبو)، توسّط ذلك البركان فنان الشعب ونبض الشعب محمد وردي. فقد كان من مواقف محمد وردي السياسية الشهيرة معارضته الوطنية الكبيرة لدعوى المحكمة الجنائية الدولية ضد رئيس السودان. ذلك في حين سقط (أكابر) سياسيّون في ذلك الإمتحان الوطنيّ. مثل ذاك الذي أصبح يرجحنّ وينقز تحت راية أوكامبو، أو ذاك الذي كتب مقالاً يعانق ويفرش النّمارق، مقالاً يفيض حفاوة وترحيباً بأكامبو، مقالاً عنوانه يا (كُمبَّة) يا دُخرينا جيداً جيت!.

كغيره من كبار المبدعين جاء محمد وردى من خلفية دينية. في مصر أيضاً جاء كبار الفنانين وعظماء الموسيقيين من خلفيات دينية... العبقري سيد درويش الشيخ الموسيقار، والشيخ الموسيقار محمد عبدالوهاب الذي كان مؤذّناً في مسجد في (طنطا) لأربع سنوات، كما ذكر جاك بيرك في كتاب (العرب من الأمس إلى الغد)، والشيخ الموسيقار زكريا أحمد والشيخ الموسيقار رياض السنباطي،وغيرهم من عباقرة الموسيقى من الشيوخ.

ولكن ماذا عن الفرعون محمد وردي؟.



كيف تمنع طائراً من الغناء: د. محمد عبدالله الريّح

عجيب أمر مايجري
وأعجب منه أن تدري
الغناء عند الطيور ضرورة بيلوجية. الطائر الذى لا يغرد ويرسل انغاماً خاصة بنوعه لا يستطيع أن يتناغم مع مجموعته وفوق ذلك لا يجذب الإناث لأنهن لا يتعرفن على النغمة التى يرسلها. ولكى تتكاثر الطيور يجب أن يكون لكل نوع نغمته الخاصة التى تحفظ له نوعه خالصاً دون الاختلاط بأنواع اخرى ولذلك ظل ود أبرق بنفس شكله وصورته وظل الغراب ايضاً بنفس شكله وصورته لأن كلاً منهما قد احتفظ بنغمته الاصلية التي يتعرف بها على أنثاه وتتعرف بها الأنثى على الذكر .

لايستطيع احد مهما أوتي من قوة وسطوة ان يمنع طائراً من الغناء او أن يتحكم فى نغمته.
فى العام 1976م كنت أقدم برنامج منوعات تلفزيونى وتمكنت بعد محادثات عديدة اجريتها مع الفنان الراحل محمد وردى أن أقدمه فى سهرة تلفزيونية خاصة وهو قد انقطع عن جمهوره منذ عام 1971م بعد انقلاب هاشم العطا في 19 يوليو . قضى بعض تلك الفترة فى السجن وبعضها ممنوعاً من السفر ومن الاجهزة الاعلامية.. ولكننا استطعنا أن نكسر الحاجز بينه وبين التلفزيون واتفقنا معه أن نقدمه فى سهرة تلفزيونية يطل منها على جمهوره المتعطش لرؤيته وسماعة.

واستعد الناس فى ولاية الخرطوم للقاء العظيم مع فنانه العظيم وكتبت الصحف أخباراً تتعلق بذلك اللقاء المرتقب.

وجاء وردي ومعه فرقته الموسيقية كاملة وكان يقول لي: بعد هذه الغيبة الطويلة أود أن اغني لجمهوري بكامل فرقتي الموسيقية وأود أن أُسمعهم الجديد من اغنيات قمت بتلحينها وادائها وانا بعيد عنهم. وكان الاتفاق مع الفنان وردى أن يغنى كل الاغنيات التى يود غناءها. ومن بين تلك الأغنيات التى وقعها مع الاوكسترا أغنية «بناديها» للشاعر المرحوم الدوش وقد كان من بعض افراد حكومة الرئيس الراحل جعفر نميرى من يفسر كلماتها بأنها مناوئة للحكومة وخاصة فى المقطع الذي يقول«فى الضل الوقف مازاد».

ولم يبق على بداية الارسال إلا دقائق عندما جاءنى مدير التلفزيون ليقول لي:
- انا جاتنى تعليمات من الرائد (...) أحد قادة مجلس قيادة الثورة يقول لي: وردى ممنوع يغنى «بناديها».
الرائد المذكور لم يكن وزيراً للإعلام ولا له علاقة إشرافية بالإعلام.

فقلت له أنا مقدم البرنامج ومحاور ولا أستطيع ان اقول لوردي ماذا تغني أو ماذا لا تغني... هو سيغني ما وقعه مع الاوركسترا وهذا ما سيقدمه للجمهور.

قال لي: على أي حال انا أخطرتك وبما أن البرنامج على الهواء ومباشر سنقطع الإرسال بمجرد مايبدأ وردى فى غناء «بناديها».

قلت له: هذا شأنكم ولكن الاحسن ان تنقلوا ذلك للفنان وردي.. إن قبل بذلك فهذا شأنه. ولكني أنا شخصياً لن اطلب منه ألا يغني اغنية هو يريد أن يغنيها.

ونقلت ذلك لوردي الذى لم يتردد أن يعتذر للاوركسترا وبأنه لن يغني طالما أن ادارة التلفزيون وبما يمارس عليها من ضغوط تطالبه بألا يغنى اغنية هو يود أن يغنيها.

وانتهى البرنامج بمثل مابدأ به من شعار. وفاتت على التلفزيون فرصة من أندر الفرص أن يكسر حاجز المنع ويقدم الفنان محمد وردي لجمهوره... بينما سبب ذلك إحباطاً كبيراً للجمهور.

وكما يقول ابن عطاء الله السكندري:
ربما كان المنع هو عين العطاء. لقد تدفق من بعد ذلك وردي أنهاراً من العطاء والإبداع.
كيف تسطيع أن تمنع طائراً من الغناء وهو بالنسبة له ضرورة بيولوجية وكيف تستطيع أن تمنع وردي أن يغني وهو بالنسبة له ضرورة إبداعية؟.



التوقيع:

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

أبوسهيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-21-2012, 01:52 PM   رقم المشاركة : [16]
أبوسهيل
عميد الموقع
الصورة الرمزية أبوسهيل
 
اخر مواضيعي

المستوى: 81 [♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥]
الحياة 3024 / 3024

النشاط 6974 / 23320
المؤشر 65%


افتراضي

كيف ترحل ؟!/زهير السراج

* من يرثى من .. ومن يعزى من .. ومن يبكى على من ، فنحن الذين رحلنا وليس أنت !!

* كيف ترحل، يا من نثرت فى حياتنا الروائع، وزرعت فى صحرائنا الورود، وسكبت فى نفوسنا الأمل، وعلمتنا الشموخ والكبرياء.. يا (كبرياء الرجال ويا شموخ النساء) !!

* أتيت بنا من العدم وسافرت بنا الى المستحيل، فكيف .. كيف .. كيف .. ترحل ؟!

( أعدت إلينا صبانا
وسافرت فينا الى المستحيل
وعلمتنا الزهو والعنفوانا ..!!)
فكيف ترحل والى أين تنوى الرحيل؟

* كيف ترحل ونحن فى انتظار الربيع، فمن يشدو بالربيع إذا رحل الربيع ؟!

* من يغنى للصبح فينا، ومن (يرف) اجنحة الفجر علينا، ومن يكحل مآقينا التى تمتلئ بالدموع حتى ترحل .. لا لن ترحل أبدا، فمن يعطينا الخلود إذا رحلت ؟!

(على اجنحة الفجر ترفرف فوق أعلامك
ومن بينات اكمامك تطلع شمس أعراسك
انت نسيج الفدا هندامك، وانت نشيد الصبح كلامك وعطر انفاسك ..)
فكيف ترحل؟!

* نحن من رحلنا ، ونحن من شيعنا جثماننا ووارينا أنفسنا الثرى، وأقمنا لنا صيوانات العزاء وذرفنا الدموع علينا وترحمنا على ارواحنا، وأدرنا مؤشرات الراديو والتلفزيون نسمع كلمات رثائنا ما صدق منها وما كذب، وانت كما انت تطل علينا من عليائك وتشع نورك فينا، وتشعل السماء قمحا ووعدا وتمنى كما أشعلت أرضنا، فكيف تموت ولماذا يقولون انك رحلت ؟!

( تفج الدنيا ياما وتطلع من زحاما
زي بدر التمام
تدي النخله طولها والغابات طبولها
والايام فصولها والبذره الغمام
قدرك عالي قدرك .. ياسامي المقام
ياملهم رماحك سنًاها الصدام
ام در والطوابي في صدرك وسام
ملامح كم تسامح تغضب لا تلام
همه وعبقريه
ذمه وفنجريه
ضد العنصريه
وتحلم السلام)
فكيف ترحل؟

* واهم من يظن أنك قد رحلت ، ولن تكون هنالك فى الربيع كما وعدت.. كيف ترحل .. ( وانت منك لا بداية عرفت لسة، ولا نهاية) ؟!
سودانيزأونلاين



يا وردي.... كُنت غفرت ليك

يا وردي قالوا الاضان ما يملاها إلا الغُنا.. وانا اضاني ما يملاها إلا غُناك... يا زول يا ضخم انا ما كنت قايل الموت بيقدر عليك ولا القبر بيسعك.

ياخي قبل ساعات قبل مدة مات زيدان، وهسي قبل ايام ماتت ويتني هيوستن والليلة انت كمان
يا استاذ (الاساتيذ) ويا فنان الفنانين يا حاجة كده براك.. كنا مستنين تطلع من المستشفيات ومن غرف العيادات ومن وسط زحمة الممرضات كبير وجميل .

اقول ليك حاجة ياخي انت اصلاً كبير وجميل.. حي كبير وجميل، ميت كبير وجميل، بتغني كبير وجميل، بتتكلم كبير وجميل، بس المذيعات والمذيعين ديل كان لازم يشوهو متعة استماعنا يعني؟!!.
قبل شويه كان معاي شاب مصري وريتو صور تشييع جثمانك فقام قال لي ياااااااااااااه دي ناس كتيره اوي دي زي قنازة عبد الحليم. قلت ليهو ايوه نحن ابو الورود ومسيقار تاني اسمو ابو اللمين ديل عندنا زي عبد الحليم ومحمد عبد الوهاب والست كلهم مع بعض.. واكتر كمان.. ياخي انت ميت نحن بنفتخر بجنازتك وبنباهي بيك

حزنت حزنت قبلك كنت لا بحزن ولا حاجة

ربنا يرحمك يا استاذ يا جميل. يا خي عيشتنا في عوالم جميلة ومستحيلة، مليانة وُد، وفيها حزن قديم وجديد، وبنيات حنينات وسُكّرات وحفلات مِدوّره، واغنيات، واا اسفاي وانت بترحل يا امير، وبين الريد والهوى ويا نسمة خافي من الله على قلبي. تصدق يا وردي (المُحِبين) في الزمن ده بقوا ما بخافوا من الله ولا حاجة، التقول كُفّار، بل اصبحوا يستمرئون الغدر والطعن بالخناجر في القلوب كأنهم يقطعون كيكة عيد الميلاد والضحكات تشق وجوههم من اقصاها الى اقصاها، بينما شموع (المحبين الآخرين) يُطفئها الهواء الخارج من تلك الافواه المُقهقِهه.

اول غرام يا اجمل هدية الاغنية دي يا استاذ مِدوره معاي علي طول ولو كنت معاي كنت قلت لي ياخي رفقاً باغنياتي اوكنت قلت لي ياخي خلي معاك شوية سمع لباقي الناس، اردفها بحبي حبك شاغلني طرفك ناعس وآسرني.. حتى تكتمل الجرعة العلاجية ويتم الشفاء. هذه الاغنية تأسرني ايام الله السبعة مع خصوصية في فصل الخريف والمطر وقتها البحر بكون زايد والفرح المابتشاف مالي الدنيا، والكآبة والحزن والجمال الجوانيات لا تلجمهم إلا عبقريتك اللحنية الفريدة وصوتك العالي كقمم الجبال.

يا استاذ ياخي موسيقى الوُد والحزن القديم عزف اوركسترالي، ووتر مشدود عزف على العود ديل عملتهن كيف؟؟؟، ديل لحنتهن كيف؟؟؟ تصدق عزف العود بتاع وتر مشدود دي عملية قلب مفتوح عدييييل كده، كلو شئ برّه، القلب برّه والاوردة برّه والشرايين برّه والدم مدفق والبطين الايمن يفرفر والايسر ينطط واوتار العود تخدّر والدكتور بجونتيات البلاستيك يعوس عواستو وانت بس البتعالج يا وردي بذلك العزف المُبرِّح الذي ينشّف الريق ويشحتف الروح ويشفي العليل. اما الوُد فهي خلق جديد ونفخ للروح من بعد موت.

والوطن!!! وهو شنو الوطن غير الحبيبات؟؟ والاكتوبريات والاستقلال دي كوم براها والمستحيل والطير المهاجر والقمر بوبا ... ياخي انا اعدِّد شنو واخلي شنو يا اعز الناس حبيناك من قلوبنا. يا للعجب يا للجمال يا للبهاء منك يا وردي. بل مرحباً يا شوق ومرحباً بك يا وردي حياً وميتاً.

وزول تاني يقول لي ياخي انا بتعجبني الناس القيافة ووسط الدايرة.. وتالت يقول ليك ياخي وردي غنى جلابية بيضا مكوية ونقلها من جملة الاغاني الهابطة وادخلها في اطار الفلكلور والاركيولوجيا وكلام مدغمس تحس من خلالو انو داير ليهو فتوى تبيح ليهو سماع اغنية جلابية بيضا مكوية بصوت وردي. طيب هاك الشريط ده بالعود فيهو الجلابية وهجرة عصافير الخريف كمان، اسمع وادعو لوردي معاك. وكل زول عاجبو الصاريهو من غناك، وانا عاجبني كل غناك وصاريهو معاي.. وكلنا ماشين معاك لآخر المشوار.

يا وردي لو كنت ناكر للهوى زيك كنت غفرت ليك كل العذاب العشتو في حبك ياخي الاغنية دي بتشبهك
وكم تمنيت انك تغنيها زي ما غنيت مشتاقين.

وابو عركي كما انت فريد في نوعه وغنائه اطربني وامتعني واشجاني بهذه الاغنية ولو علم بعدد مرات استماعي لها لدُهِش.

يا وردي ياخي السودان ده تريان إبداع ما ممكن تمشي وتسيبو. بالله شوف كلام عوض احمد خليفة ده جميل كيف:
حاولت امنع نفسي منك وتاني ما امشي واجيك
وبرضي ما قادر اسيبك لما انساك بشتهيك
لو كنت ناكر للهوى زيك كنت غفرت ليك
كل العذاب العشتو في حبك وكل حقي عليك

لا إله إلا الله

تُرى بأي احاسيس ومشاعر كتب عوض احمد خليفة هذه الكلمات

يا وردي ياخي قوم غني الاغنية دي وارتاح تاني
................

حظك جميل يا وردي مُتّ في الوطن
سودانيزأونلاين



وداعا الفنان محمد وردي (1932- 2012م) بقلم تاج السر عثمان

رحل عن دنيانا الفنان محمد وردي مساء السبت: 18 / 2/2012م، بعد صراع طويل مع المرض، وعن عمر ناهز ال 80 عاما، وبرحيل محمد وردي توقف قلب كبير عن الخفقان و " شلال" دافق من الالحان، والذي ظل مستمرا في التدفق بعنفوان بكل ماهو جميل وانساني ووطني من أغاني وطرب شجي. وظل محمد وردي قابضا علي جمر العطاء والابداع، كالشمعة "تحترق لتضئ للاخرين"، وظل وفيا لرسالته وفنه، ومنتجا حتي الرمق الأخير، فلا غرو أن احتل عن جدارة لقب فنان افريقيا الأول.

الفنان محمد وردي من الذين واصلوا تطوير الأغنية السودانية واسهم في البناء الذي ارساه الراحل خليل فرح وكرومة والكاشف وحسن عطية، واحمد المصطفي وعثمان حسين وابراهيم عوض..الخ ، والذين اهتموا بالتجويد والاصالة وتهذيب وجدان المجتمع السوداني بالمعاني السامية والراقية: من اجتماعية ووجدانية ووطنية وثقافية حتي بنوا للاغنية السودانية مجدا، واسهموا في الوحدة الثقافية والوجدانية للسودانيين، في ظروف كان يعاني فيها شعبنا من ظلام الجهل والتخلف حتي اصبحت الأغنية السودانية مؤسسة ثقافية قائمة بذاتها تسهم في التغيير الاجتماعي وترقية البنية الثقافية والعلوية للمجتمع.

تناول محمد وردي في اغانيه القضايا التي عكسها تطور المجتمع السوداني وعبرت عن احتياجاته من: سياسية واجتماعية ووجدانية ووطنية، حيث غني رائعة محمد الفيتوري ( اصبح الصبح..) في مناسبة استقلال السودان عام 1956م. وترنم بالاغاني التي عكست العلاقات الاجتماعية الجديدة بعد الاستقلال، ولثورة اكتوبر 1964م، وانتفاضة مارس – ابريل 1985م، والتي اكدت قيّم الحرية والديمقراطية. وظل قابضا علي جمر الدفاع عن الأغنية والعمل علي تطويرها في المنفي بعد انقلاب 30 يونيو 1989م الهمجي الذي حاول أن يلغي كل التراث الفني والابداعي، واحلال التهريج وتدمير الذوق السوداني محله، وتدجين المبدعين وافسادهم ورشوتهم ليكونوا بوقا له وحتي يصبحوا خانعين للشمولية ومصادرة الديمقراطية التي تتعارض مع تطور الابداع والخلق الفني وترقية الذوق السليم والصدق الذي عبر عنه الراحل حمزة الملك طمبل بقوله " ياشعراء وادباء السودان اصدقوا وكفي..". وعندما فشل الانقلاب في محاربة الأغنية السودانية والمبدعين حاول احتواءاهم، ولكن شأن كل الأنظمة الديكتاتورية والشمولية والقمعية منذ الاستعمار وديكتاتورية عبود والنميري فشلت في ترويض الفنانين والمبدعين السودانيين ، وظل مبدعونا امناء وأوفياء لديمقراطية وأهلية الحركة الفنية والابداعية والرياضية، مثلما فشلت الانقاذ في تدجين المرأة السودانية والعودة بها الي البيت والقرون الوسطي وعصر الحريم، وأمامنا مشوار طويل لمواصلة الصراع ضد الحركات السلفية الظلامية التي تكاثرت وتناسلت في عهد الانقاذ الشمولي والتي تهدف الي تكبيل حركة الابداع والفن السوداني وتدمير القباب والآثار الفنية والتاريخية للسودانيين والتي تعكس التسامح الديني والتنوع التاريخي والثقافي والروحي في ثقافتنا السودانية.

كما اهتم محمد وردي مثل الراحل خليل فرح بالتجويد في العمل الفني والموسيقي والالتزام الصارم بقواعده ومناهجه السليمة، وعدم تقديم العمل حتي يصبح مقنعا له قبل أن يقدمه للمستمع. كما اهتم وردي باختيار الجيّاد من القصائد والكلمات ذات المعاني الراقية والجميلة والتي اصبحت من الأغنيات الخالدة من كلمات الشعراء أمثال: صالح عبد السيد( ابوصلاح)، ومحمد مفتاح الفيتوري، اسماعيل حسن، صلاح أحمد ابراهيم، محمد المكي ابراهيم، عمر الطيب الدوش، محجوب شريف، مبارك بشير،...الخ القائمة الطويلة من الأغنيات الرائعة التي قدمها الفنان محمد وردي.

وثابر وردي من أجل تطوير موهبته الفنية بالدراسة والبحث الجاد والاطلاع الواسع، كما انعكست تجربته الفنية في حياته المتنوعه مثل: تجاوز مرارة فقد الوالدين في فترة مبكرة من حياته" اليتم" وحياة الاعتقال والسجن والمنفي بسبب مواقفه السياسية ضد نظامي مايو و30 يونيو 1989م، والتي حولها الي طاقة ابداعية ومنتجة، ومرارة تمزيق الوطن الذي كان في حدقات عيونه بانفصال الجنوب، وكذلك ارتباطه بحياة القرية النوبية منذ نعومة أظفاره في "صواردة" مسقط رأسه، وما تعج به من صوت الساقية ومواسم الزراعة والحصاد وجمال اشجار النخيل والحقول والجروف، وفيضان وانحسار النيل، وتغريد الطيور، واغاني "الطمنبور" ، والرقص الجماعي الذي يعكس ترابط وتماسك الثقافة النوبية وتاريخها العريق، والدراسة في الخلوة، وممارسة مهنة التعليم في مناطق السودان المتنوعة، والتفرغ لفن الغناء في ظروف صعبة كان يعتبر فيها المغني " صائعا"، والمثابرة علي اتقان العزف علي "الطنبور" والعود وتطوير موهبته. لقد كان عصاميا قهر الصعاب، وما لان ولا استكان حتي استطاع أن يطور الأغنية والموسيقي السودانية.

كما ارتبط محمد وردي بثقافته النوبية باعتبارها احد مكونات وأعمدة الثقافة السودانية، بتاريخها وانجازتها الحضارية، حتي اصبح الدفاع عنها جزءا لايتحزأ من الدفاع عن شمول واتصال الثقافة السودانية وتنوعها الديني واللغوي والاثني، وأن هذا التنوع هو مصدر ثراء وغني وتخصيب لها. فكان له اغاني رائعة باللغة النوبية، في ربط ديالكتيكي بين العام والخاص والذي يعكس اصالة الفنان محمد وردي.

لقد رحل الفنان محمد وردي له الرحمة والمغفرة بعد أن ترك وراءه ثراثا قيّما من الابداع والفن الجميل والأصيل، وستظل ذكراه عطرة وباقية وأغانيه تشدو بها الاجيال القادمة جيلا بعد جيل، وملهمة للشباب والمبدعين وهاديا لهم للاضافة والتجديد والابداع. وسيذكره السودانيون كلما جد جدهم وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.

والعزاء لاسرته واصدقائه ولكل أهل الفن ولجماهيره التي احبت أغانيه.
سودانيزأونلاين



ياسر عرمان : رحل من عاش كأن غناء الحياة أبد لٍمَا رَحلت يا أميرَ الحُسن يا كُل الوُرُود

رحل من عاش كأن غناء الحياة أبد
لٍمَا رَحلت يا أميرَ الحُسن يا كُل الوُرُود
من نهر الديانات القديمة ؛من قلب الحضارات من أشجان والحان وأشعاروإبداعات الآف السنين من موسيقي وغناء وأفراح وآهات مجتمعات بلادنا عبر الزمن، جاء محمد وردى ناطقاً رسمياً باسم كل إبداعاتنا على مر العصور والحقب ملكاته وإبداعاته وموسيقاه لم تكن لفرد بل قدرات أمه ! أودعتها له شعوب البلاد طوعاً وتوجته قيثاره للزمن الجميل(والحزن القديم).عند مولده في صَوارده كان(صدفه)ووعياً بالضرورة وإنساناً عامراً بالقيم والجمال وبالاختيارات والاختبارات العظيمة ومثله مثل أعظم العقول والبذور والبيادر والحقول وسيأخد شعبنا (50) بل ربما (100)عام لإنجاب وردٍ من جديد.

كنا قبل رحيله الصاعق رحيل الخير والجمال في سيرته قبل ساعات ونحن في الاجتماع التأسيسى للجبهة الثورية السودانية قبل أن تفيض روحه الى بارئها العظيم بعد أن أدى الرسالة وتربع على عرش الأماره بعبقريةٍ لاتُبارى ،سنوات طوال إنحاز فيها الى الشعب لا إلى جلاديه وله في ذلك باع طويل غَنى للثورات وللحب وللجمال وللفقراء والمهمشين واللاجئين لا للعَسس وغنى للمحاربين .فى سنواته الاخيرة رغم تمسح الحاكمين كبار وصغاراً به ولكننا نشهد له إنه كان مع الشعب من صوارده الى جوبا !.

أحزنه وأغضبه فصل الجنوب ومع ذلك غنى للجنوب عند رحيل حزب المستعمر الوطنى مثلما غنى عند رحيل المستعمر الانجليزى للشعوب شمالاً وجنوباً . حِينما إعتلى خشبة المسرح في جوبا ليله ذهاب الجنوب توحد السودان من جديد وردد السودانيين جنوبيين وشماليين : أصبح الصبح ولا السجن ولا السجن باقِ........والذى بعثرنا في كل وادٍ !وإندهش الضيوف القادمين من خلف البحار كيف له أن يوحد السودان من بعد الانفصال بساعات ! ! وسرت نكته إن دولة جنوب السودان الوليدة ستحتفظ بالعلم القديم وبمحمد وردى .
إنه قيثاره من مروى وكرمه من جبل البركل المقدس والمغره من السلطنة الزرقاء وممالك الفور والزاندى من السيوف المشرئبات على ساحل البحر الاحمر من لغة البداويت من مدفع الماظ إنطلق ، من على عبد اللطيف وللجساره والشعوب ،كان صديقا للدكتور جون قرنق دى مابيور وفنانه المفضل في أزمنة السلام والحرب .

حاولنا من إجتماع الجبهة الثورية السودانية نتصل باسرته وأن نعزيهم وأنفسنا ولكن رداءة الاتصالات حالت دون ذلك، وقد كلفنى رفاقى جميعاً بعد ان ترحموا عليه عند رب العالمين ووقفوا دقيقة للحداد على قائد من قادة الابداع وثوري رفيع المقام ، يرسلون التعازى لاسرته ولمحبيه الكثر في كل البلاد وفى المهاجر والشتات وفى الشمال والجنوب والجوار وإفريقيا والعالم العريض . ننقل اليكم تعازى عبد الواحد محمد احمد النور وجبريل ابراهيم ومنى اركو مناوى وعبد العزيز الحلو ومالك عقار وشخصي ، تعازي الحركة الشعبية وحركة تحرير السودان بجناحيها مع( الطير المهاجر) والعدل والمساواة .ولأسرته نبعث باحر التعازى في أستاذنا وصديقنا الذى كان يحيا وكأن غناء الحياة أبد ............... وكأن البنات الجميلات يمشين فوق الزبد ، لما رَحلت يا أمير الحُسن يا كُل الوُرُود .
سودانيزأونلاين



الدوام لله يا وردي شعر عزمي أحمد خليل

الدوام لله يا وردي
أصلو ديه الدنيا حالها
الكبير عند الله بصغر
وعندو ما فيش أستحاله
* * * * * * * *
أفتقدناك إنت بينا
يا أخو الأخوان حليلك
أصلو ما قايلين بترحل
ومننا الأيام تشيلك
والعصافير مهما غنت
ما بتبقي في يوم مثيلك
إنت يا مبدع زمانك
يا السبقت تملي جيلك
* * * * * * * *
الله قادر في سماهو
من يصدق يوم تموت
وحدو بس سيدنا يونس
كان غيابو في بطن حوت
وحكمه الرب في خلايقو
بس مصيرها تجي و تفوت
الله هو العارف براهو
وبس على الناس السكوت
* * * * * * * *
يا كريم يا أبو الشهامه
إنت يا ود الأصول
إنت يا الصادق في وعدك
لما بس توعد و تقول
إنت يالشامخ في عزك
وإنت يا الخاتيك قول
ما نكرت في يوم جميل
ولاحرمت في مره زول
* * * * * * * *
الوداع يا وردي ليكا
والله يلهمنا الصبر
نعمل إيه في الدنيا بعدك
ومين يغنيلينا الشعر
العيون حزنت عليكا
والقليب عاني و فتر
والمظالم في غيابك
والألم بوراك كتر
سودانيزأونلاين



التوقيع:

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

أبوسهيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-21-2012, 02:44 PM   رقم المشاركة : [17]
أبوسهيل
عميد الموقع
الصورة الرمزية أبوسهيل
 
اخر مواضيعي

المستوى: 81 [♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥]
الحياة 3024 / 3024

النشاط 6974 / 23320
المؤشر 65%


افتراضي

وردي.... صمت المغني!!

عادل الباز
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
(1)
إني لأجبن من فراق أحبتي
وتحس نفسي بالحمام فأشجع
تصفو الحياة لجاهل أو عاقل
عما ما مضى فيها وما يتوقع
ولمن يغالط في الحقائق نفسه
ويسومها طلب المحال فتطمع
ــ المتنبي ــ

يا نور العين إنت وينك وين... وردي يصدح بنور العين بتوزيع بديع لأندرية جيد. الزمان مساء الجمعة وأنا أتسكع في شوارع أديس أبابا. توكلت على الله وصعدت إلى حيث الصوت. مجموعة من الشباب الأثيوبي يتحلَّقون حول استريو كبير ويغنون مع وردي ويرقصون. قال لي أحدهم لن ينافس وردي في أديس إلا «استير»!!. «استير» هي مغنية الأحباش الشهيرة. في ذلك الوقت كان وردي يقضي ليلته الأخيرة بمستشفى فضيل. ما الذي جاء بوردي هنا؟ وكيف غزا وردي قلوب الأحباش، ففاضت شوارعها ومسارحها بغناء هذا النوبي؟.

(2)
ما قصة وردي معي هذه الأيام. قبل نحو أسبوعين كنتُ بالدوحة التقيت ابنه فأصر على دعوتي دون أن يعرفني. اعتذرت. مرة أخرى بمطار الدوحة، جاءني يحمل دواءً قائلاً يا أستاذ أرجو أن توصل هذا الدواء للوالد بسرعة وفعلت.

(3)
بعد زمان طويل باعدت فيه بيننا الأيام، التقيت تلك الثلة الماجدة من الفنانين المسرحيين المبدعين: هاشم صديق، سعد يوسف، عثمان جمال الدين، عز الدين هلالي، صلاح الدين الفاضل وعادل حربي في ضيافة منزل أستاذنا مكي سنادة. كانت جلسة عجيبة سنحكي قصتها ولكن في نهاية اللقاء ودون مناسبة قال لي هاشم صديق (لو وردي ده حصلت ليهو حاجة السودان كلو حينقلب صيوان). وردي في ذلك الوقت من نهار السبت كان في أحسن حالاته!!.

(4)
في مساء ذات السبت أغمض وردي عينيه نهائياً، وشهق كأنه يستنشق عطر لحن جديد، فأسلم الروح لبارئها، وتوقف نهر الألحان والإبداع عن التدفق بعد أن أودع وجدان السودانيين ثلاثمائة لحن عبقري مسجل!!.

(5)
في مساء السبت فاضت الأعين بالدمع حتى انطفأ نورها!! بينما كانت القلوب تدمع.. وبدأت الفضائيات تمارس ثرثرتها اللئيمة لتملأ فارغها الدائم والعاطل عن الإبداع بحكايات فجة وشهادات هتافية عن وردي، زمانه وفنه، فأماتوه ميتةً أخرى.

(6)
قست الدنيا علينا في تلك الليلة، ولكن بدأنا مهمتنا، وكان علينا أن نوثق تلك اللحظات. فوردي يستحق أن نوثِّق شموخه حياً وميتا. على الأكتاف حملوه في تلك الليلة من مستشفى فضيل إلى المعمورة. غادر المعمورة للدار العامرة ليجعل الله له فيها داراً أفضل من داره وأهلاً أحسن من أهله.

(7)
لم أنم ليلتها.... مددت يدي فأدرت جهاز التسجيل فجاءني الصوت الملائكي:
(غريب..... وحيد في غربتو..... حيران يكفكف دمعتو... حزنان يغالب لوعتو). حين غنَّى وردي الطير المهاجر لصلاح أحمد إبراهيم في ستينيات القرن الماضي، هاج اليسار وماج.... كيف يغني وردي لمنشق!! قال وردي حين سئل عبد الخالق محجوب الذي كان يخوض صراعاً شرساً مع صلاح آنذاك قال: (هكذا يجب أن يكون الغناء). رحمة الله عليك يا عبد الخالق لو كنت حياً أمس لكنت أول الحاضرين لمقابر فاروق، ولم تكن ستفعل مثلما فعل الرفاق مع وردي حين قاطعوا الجثمان والمأتم ونسفوا تاريخاً لأعظم فنان في تاريخ السودان. لينظر الرفاق ماذا خسر وردي وماذا سيخسرون!!.

(8)
غادرتُ باكراً صوب مقابر فاروق. آخر مرة وقفت هناك قبل سنوات حين دفنا أستاذنا أحمد الطيب زين العابدين. نعم هنا بالقرب من السور.
الفاتحة يا أستاذنا كيفك؟ لازلنا نسعد (بدروب قرماش) و(أنفاس المساكين).
قلت: يا ولد سيب الاستهبال أدينا قروش العمود.....
ضحكت... وأخبرتك أن وردي سيحل ضيفاً عليكم هذا الصباح!!.
وردي.... عاوز يغني هنا ولا شنو؟
لا وردي وضع لحن الختام
مش قبل أيام كان بغني في ليلة رأس السنة؟
نعم يا أستاذنا ولكنه على كل سيشرفكم هذا الصباح....
أباطيل أباطيل هذه الدنيا أباطيل!!
لازالت تحفظ شعر عبد الله الشيخ البشير
أسمع وردي لابس الليلة شنو؟
كفن من طرف السوق يا أستاذ!!
وشبر في فاروق.. الله حي!!
وردي كان لابس.... ومن هيئة التدريس
نعم ولكنه اليوم لابس ما لا يخلع!!
سرحت مع هذا الحوار لدقائق وكأننا في فضاء بيت الثقافة منتصف تسعينيات القرن الماضي وكانت صحيفة سنابل تجمعنا!!.
غادرت أستاذنا أحمد الطيب وقريباً منه وجدت مجموعة تحفر قبراً قلت لمن؟.
قالوا لوردي.
ولكن وردي تم حفر قبره هناك فما لميت قبرين.
قالوا إنهم سمعوا وردي مات فجاءوا مبكرين محبة في وردي ليجهزوا قبره. يا لمحبتكم، لا تعبرون عنها إلا بحفر قبر!!

(9)
هبَّت الخرطوم في أول الصباح وصنعت ربيعها الحزين وهي تتدفق على مقابر فاروق من كل حدب وصوب. كنا أنا والصديق هاشم الجاز قد التقينا عند سور المقابر وسرنا سوياً وما تحدثنا.. صمت رهيب.. قلنا عبره ما أغنانا عن الكلام. في دقائق دوت صفارة الإسعاف اللعين فاصطففنا في انتظار إطلالة أخيرة لوردي على مسرح المقابر!!. بالفعل وصل الإسعاف فشاهدت علي مهدي بشنبه المميز في المقعد الأمامي للإسعاف ووردي يطل من الباب الخلفي.... ممثل وفنان وخلفهما جمهور عريض.... أفي مقابر فاروق أم في مسرح البقعة نحن؟.

(10)
أُنزل الجثمان بسرعة من على الإسعاف. تدافع الناس للصلاة... كان الرئيس ووزير الثقافة السموأل خلف الله هناك، وعبد الرحيم. تقدم الرئيس المصلين.. الرئيس معجب بوردي وحافظ لأغنياته، وفياً لعلاقته به. هو الآن يتقدم الصفوف مودعاً وردي وداعاً يليق به. لا إله إلا الله..... عطرت الأجواء وكان لها وقع خاص في نفسي في هذا المشهد بالذات.. حمل الجثمان لداخل المقابر.. تدافعت النساء والصبية.... توقفت قليلاً لأرى المشهد في أبعاده النهائية.... كان الجثمان بين الأيادي وكنت أبحث عن دمع آوي إليه ليفك انقباضي... عثرت على مؤمن الغالي فتعانقنا طويلاً وبكينا كثيرا... كثيرا!!. غادرت المقابر وأنا أتأمل المشهد... عرس هو أم مأتم... الآلاف يودعون وردي وكأنهم جاءوا لحضور حفل ختامي لمهرجان امتد لأكثر من ستين عاماً، تدفَّق وردي خلالها نهراً من الإبداع!!



عُمرِك كُلو فرح يا زينة

أحمد بشير الطيب:
عُمرك كلو فرح يا زينة، شيلي مِن الأفراح وأدينا، أوعى تهدي كمان اتحدى، يلا جميلك تمي علينا. رحل الفنان محمد عثمان وردي المُتحدي، من بعد تمام جميل الرجل الوطني، والتحدي هو المصطلح الواصل إلى الإبداع، ورغم خلافنا مع الرجل في (شكل) الجميل، ولكن يظل المضمون، لا الشكل هو (الأهم)، نشأ ببلاد السكوت والمحس فغنى لها، يا عجو المحس التقيل، التقيل فدع العراجين، إنتي ما بدوكي لي زولاً مسيكين، إلا واحداً نخلو مقرون في البساتين، ثم جاء إلى شندي فعمل مُعلماً بها، قُم للمُعلم ووفه التبجيلا، فكانت (هي) من بعد حلفا، مبتدأ كوامن عبقرية الرجل الغنائية، وهو المشرئب الجيد إلى أم درمان، لإذاعة خبر إبداع الرجل الجيد: ويا حبيب ورد الأماني الحلوة في أعماقي فتح، وابتدأ القلب اللي عاش العمر، في آهاتو يفرح، نامت أحزان عمري، غنى زماني واتلاشت صعاب، وبيك طويت من عمري صفحة ماضي، مكتوب بالعذاب، جاء إلى البقعة يطوي بيد نسيان أرض الشمال، الأرض التي يجب أن نذكرها أكثر من ذي قبل، والمحتاجة لتحدي الدولة السودانية، ليرفرف علم (الشمال) في سماء الإبداع، جاء من أقصى الشمال، مسرب النور إلى أرض حضارة السودان، ومبتدأ دخول قبس التوحيد والعروبة والفصاحة إليه، نقطة تلاقي تهراقا وابن السرح (عبد الله)، وتلاقح عجينة عبد الله بطينة تهراقا، لتبشر الطينة والعجينة (بحياتي)، في شخص الحجّاز والمهدي ومهيرة والطيب صالح، ووردي وحاج الماحي وإسماعيل حسن، وكل هؤلاء وأولئك، وتبشر بالجميل والمستحيل في حق الوطن: ويا جميلة ومستحيلة، إنتِ دائماً زي سحابة صيف، تعجل بي رحيلا، علم الراحل المحبين ترك الإفراط والتفريط في العواطف والحب، وضرورة كبح الشعور، فأهل السودان أهل عاطفة متقدة، رغم سريان ماء النيل، وضرورة أن يرتفع آدم في نظر المحبوبة، بعدم قبول المرمطة، المرمطة والهوان المعهود في عُرف وعوائد المحبين، وانعكاس أثر العاطفة في العادات والتقاليد، والعالم ذو العقل يتقدم علينا ويسابق، وضرورة أن نحذف من قاموسنا قول المُحب للحبيب: بريدك والله بريدك، لو سقيتني السم بي إيدك، رغم أن النص للفنان الذي تعلم منه وردي وغني له، وشغف وردي بأستاذه الفنان إبراهيم عوض، والحب لا يمنع من أن يسابق الحوار الشيخ فيسبقه، وضرورة أن نعي ونتعلم الناسخ والمنسوخ، ونرد على النص الذري، بقول حبوبة حينما كانت تتسمع: بري البسقيني السم ما بريدو، دا ريد شنو دا؟ وضرورة استواء العاطفة على نار المعقولية، وضرورة تحكيم العقل، وأن ينسى المُحب الحبيب الناكر، ونحن نقرأ ونسمع لإسماعيل ووردي (ثنائية) الوصية: وحلفتك يا قلبي خليهو الغرام، اتنكر لحبك وريهو الخصام، وليه تتهان يا غالي ليه والذل حرام؟ ثم غنى للوطن، رغم خلافنا معه في الشكل، وبقاء المضمون في بعض أغانيه، ونحن نعيد سماع شكل غناء الراحل، من خلال مفردات القاموس اللغوي الذي يقول: يغني المغني وكل أمرئ على هواه، ومن خلال: قاموس رطانة أهلنا في الشمال، ووطنا البي إسمك كتبنا ورطنا أحبك، والحبُ هو المفردة الباقية، والمضمون المتفق عليه في القاموسين، وبناديها: وبعزم كل زول يرتاح على ضحكة عيون فيها، وأحلم إني في أكوان بترحل من مراسيها، مسافر من فرح لسع شوق، ونازل في حنان ليها، بناديها ولما تغيب عن الميعاد، بفتش ليها في التاريخ، وأسأل عنها المستقبل، اللسع سنينو بُعاد، ألا رحم الله الفنان محمد عثمان وردي...



في حكاياتنا (وردي)حسين خوجلي يستعيد فصولاً من سيرة وردي الغنائية : تجربة وردي لا تماثل إلا تجربة ناظم حكمت وسيد قطب

الخرطوم : عادل الباز – محمد عبدالماجد
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
(في حكاياتنا وردي) زاوية سوف نحاول من خلالها تتبع سيرة الفنان الراحل محمد وردي من خلال استقراء ومحاورة بعض أهل الاختصاص والمعرفة في الحياة السودانية ليقرأوا لنا تجربة وردي من حيث يرون... نفعل ذلك كنوع من الوفاء والتقدير لهرم يستحق منا ذلك، كما كذلك فرضاً من فروض الواجب على صحيفة (الأحداث) أن تقدم لقارئها هذه الخدمة.. يستحق الجيل الحالي والأجيال القادمة أن يعرفوا عن أحد رموز ومعالم الوطن الفنية الشامخة.

اليوم نحاور الأستاذ حسين خوجلي وهو صاحب كتابات وآراء مشهودة في مثل هذه المواقف ...افتقده الناس ...وافتقدنا كتاباته فذهبنا إليه نسأله عن وردي وهو الذي كان قريبا منه ومتابعا ومراقبا للكثير من التجارب الفنية للفنان محمد وردي.

- غابت ألوان ولكن في هذا اليوم لابد أن تكون لألوان كلمة فما قولك يا حسين؟
- قبل قليل كنت أتكلم لقناة أم درمان الفضائية ...قلت لهم إن أحسن تفسير لحقبة أو شخصية تعبر عنها كلمة أو جملة ذلك الموقف.. لذلك أنا لا أنسى العبارة لو صحت والتي تذكر في كتب السيّر عندما شاع مقتل سيدنا علي بن أبي طالب بين كل المبدعين وهو كان خطيبا وشاعرا غير صحبته للرسول عليه أفضل الصلوات وقد كان محسوبا على أهل الإبداع والابتداع الخيّر ...لذلك عندما اغتيل سيدنا علي ونقل الخبر لأم المؤمنين السيدة عائشة التي خالفته الرأي وحاربته.. قالت عبارتها الشهيرة ( فألقت عصاها واستقرت بها النوى كما قرّ عينا بالإياب المسافر).

وردي الآن ألقى عصاه ..وهو رحلة طويلة جدا من التجريب المُر في الحياة، وفي سبل كسب العيش وفي مشروعه الفني والثقافي والسياسي ..وأنا لا أعرف في التاريخ أن فنانا عربيا مسلما عانى في سبيل تجربته الفنية والثقافية والسياسية مثل ما عانى محمد وردي ..لا تماثل هذه التجربة إلا تجربة (ناظم حكمت) التركي و(سيد قطب) المصري.

- وردي رحل الآن ولكنه صمد طويلاً ما سر هذا الصمود؟.
الإصرار....هذا الإصرار الذي استمر لآخر لحظة في حياة الرجل. الإصرار على سبل كسب العيش بالحلال ومن يدي الشعب السوداني مباشرة والإحساس بأنه يجب ان يكمل مشروعه الفني ...هذه المقدرة الهائلة على الإنتاج تثير الإعجاب ..وردي عنده ما يتجاوز الـ (500) نصا ملحنا وناجحا وما زال يحس أن الكثير من الألحان لم تنضب بعد.

- من أين لك هذا الاستنتاج؟
أنا صادقته في الفترة الأخيرة من خلال تسجيلي معه مجموعة من البرامج ...ومن الأشياء الغريبة أنه مرة اتصل بي وتكلم معي وقال لي إنني لم أحس أن هناك شخصاً يمكن أن يوثق حياتي بكل أبعادها غيرك.. عليك الله يا حسين تعال وثق لي حياتي.

- وفعلت؟.
فعلت بعضها ..ولكن إنتو عارفين أن كل المشروعات الخيرة في السودان لا يكتب لها النجاح.
لكن من الأشياء التي أذكرها ورغم مرضه هي أن وردي ما طلبت منه شيئا إلا أوفى به ...يعني مثلا ناس الإذاعة قالوا لي عاوزين نسجل لينا سهرة في العيد (أربع ساعات) مع وردي وهو قادم من عمليته ...وردي سألهم عن الشخص الذي سوف يقدم السهرة فقيل له حسين خوجلي فقال لهم خلّوه يجيني في البيت فذهبت له في البيت وكانت تلك أول مرة لي أقابل وردي (كفاحا)... بعد يومين ذهب معنا للاذاعة وسجلنا معه سهرة للعيد أربع ساعات غنى فيها كما لم يغن من قبل باوركسترا كاملة.

المرة الثانية قالوا لي عاوزنك تقدم لينا أربع حلقات في رمضان، الحلقة ساعتين في كل يوم اثنين (أربعة أسابيع) ...فقلت لهم أعمل ليكم حلقة مع وردي وهاشم صديق. وافق كلاهما وسجلنا الثماني ساعات تلك في ليلتين ..غنى وردي أيضا بفرح كبير جدا.

المرة الثالثة أنا سجلت معه (تواشيح النهر الخالد) ...قلت ليه أنا عاوز أسجل معك سهرة فقال لي أنا أسجل معاك عشر سهرات ...سجل معي ثلاث سهرات. كل سهرة أظن استمرت ثلاث ساعات... مجموع السهرات كلها كان تسع ساعات وكان وردي يساهر معانا فيها حتى الصباح.. وبعدين أنا ما شفت رجل كبير في السن ومريض عنده (عزيمة وردي) وإرادته.

ما ممكن يؤدي أي عمل بدون أن يعمل ليه (بروفات) ...كان بيأتي هنا في مباني قناة أم درمان قبل أن تنطلق يبرّف بالساعات الطويلة.

- لماذا كان وردي بهذا الثبات والقوة؟.
وردي الفن بالنسبة له التزام ..طبعا اكتشفت عن وردي أشياء كثيرة جدا ..وردي رجل واسع الثقافة ...حتى في الفقه والدين ...وردي قال لي أنا اشتغلت أستاذ دين ..وكنت في المدارس التي أدرس فيها «أكفل بالستر الجنازات»، وأصلي عليها ... وقال لي أيضا أنا لا أخشى من الموت وعندي فلسفة حوله ..ولكنني أترجاه يتركني لأكمل مشروعي الفني والثقافي.

- ما الذي يميز وردي عن الفنانين الآخرين؟.
كل الفنانين في هذه الدنيا عبارة عن مجموعة أغنيات ....لكن وردي كان مجموعة مشروعات ثقافية وفنية وفكرية ...أي شخصية في السودان تتكلم عنها تجد وردي كان صديقا لها وعنده ذكريات معها تصلح أن تكون كتاب ...المحجوب والأزهري وعبود وطلعت فريد وجعفر نميري وزين العابدين وجمال محمد أحمد ومحمد نور الدين والترابي.
مرة قال لي أنا عندما ذهبت للمبعوثين السودانيين والجالية السودانية في باريس مرافقي كان الدكتور حسن الترابي وكان صديقي ..وقال لي أنا رحلتي في باريس منذ أن دخلت الي أن طلعت وذهبت الي المطار مرافقي كان الترابي وإذا كان الناس يتحدثون عن الترابي السياسي أنا أتحدث عن الترابي كصديق.

- كيف تقرأ وردي من خلال أغنياته وفي مواقفه؟.
عندما جلست مع وردي وجدت عنده تبريرات وفلسفة كاملة لكل خطواته وأعماله ..قال لي أنا غنيت لـ (17 نوفمبر) وفرحت بها ..وسعدت بتجربتها لأن الأحزاب أبعدت الأزهري من الحكم.

وقال لي إن قصة (ثار الشعب ترى الجلاد) عملتها أنا ما عملها إسماعيل حسن.. ومشيت لطلاب (الديوم الشرقية) لحنتها وسجلتها في جهاز (ريكوردر) وسجلتها من بعد في الإذاعة صباحا مع إعلان الثورة وأنا عمري كم وعشرين سنة... قال لي دا إحساسي أنا السياسي.. وأضاف قائلا ان تجربته تطورت ..بعد سنتين من تجربة العساكر الذين غنيت لهم (هب الشعب ترى الجلاد) غنيت من بعد (يقظة شعب) وهذا تطور وتقدم واضح في مسيرة وردي.
حِينَ خَطَّ الـمَجْدُ في الأرْضِ دُرُوبهَ
عَزْمَ تِرْهاقا وإيمان العروبة
عَرَبَاً نحنُ حملْناها ونُوبة
بِدِمانا مِن خلودِ الغابرين
هُوَ يحدونا إلى عِزٍّ مُبِين

قصيدة مرسي صالح سراج الشهيرة ...هذا يؤكد ان تجربة وردي تطور باستمرار ..ومن بعد جاءت تجربة اكتوبر وهذا تطور آخر.

- لكن مع هذا وردي لم يكن محايد سياسياً؟.
نعم وردي كان يساريا وهو مؤمن بشعارات اليسار... وهو قد قال لا فرار من اليسار في مرحلتنا تلك.. ولا بد لك من الانتماء له.. وردي قال لي أنا كنت منتمي لليسار انتماءً وجدانيا قبل ان يكون انتماءً سياسيا أو انتماءً حزبيا.
وردي مفرّق جيد ما بين الرؤية للفروقات وما بين السلطة والدولة. وردي كان يحس بالحرية في أي لحظة من لحظات حياته لذلك أصر حسب قوله أن يغني لصلاح أحمد إبراهيم (الطير المهاجر) مع أن الحزب الشيوعي كان يمزق في صلاح أحمد إبراهيم ..وقد سنده وردي بالغناء له.
وردي كان سعيداً برأي عبدالخالق محجوب في أغنية (الطير المهاجر) فقد قال عبدالخالق محجوب في حوار مع صحيفة الميدان وهو يُسأل عن (الطير المهاجر)، إن الغناء يجب أن يكون هكذا .. رغم الخلاف وقتها بين صلاح أحمد إبراهيم وعبدالخالق محجوب.

-حدّثنا عن عبقريات وردي؟.
سيرته الفنية باذخة جداً.. بحيث إنك إذا كنت مهتم بالثقافة والفنون فإن لك في سيرة وردي (نموذجا)، سيرته الفنية مشبعة جدا ...مثلا لو عاوز تتابع سيرته عبر الأناشيد وحدها يمكن استيعاب الحياة السساسية السودانية كاملة من 17 نوفمبر الى يومنا هذا.
تجربته السياسية.. المراجعات في حياته (تراجعات) ... أنا بفتكر وردي هو مثال حقيقي للشخصية السودانية.. لو عاوز توثق للشخصية السودانية ثقافيا سوف تجد وردي أهم معلم للتوثيق للشخصية السودانية في تناقضاته وتوتراته وألقه وعناده وثقافته وتمزقه وهكذا.

- من الناحية الإنسانية ما أوضح علامات وردي؟.
أهم مميزات وردي على الإطار الشخصي (الصراحة).. وردي زول واضح جدا .. أنا مشيت ليه يوم أن توفت (علوية الرشيدي) زوجته (أم مظفر) ...وردي حكى لي قصة زواجه.. وقال لي أنا علوية دي شفتها وهي طالبة في الثانوي في حفلة في مدني لعديله ود شيخ العجب.

قال أنا شفت البنت دي وقررت أتزوجها ..اتخذت القرار طوالي بصدق ...ناس مدني قال لي (استهبلوني) وقالوا لي أعمل لينا حفلة تانية عشان نعرفها منو؟.. وقام عملت حفلة بلاش وقعدت لليوم التاني في مدني وغنى ليها (قالوا بتحبي قلت ليهم مالو)... وردي اتكلم لي كلام عجيب جدا عن احترامه لها.. قال لي يا حسين أنا زول (بوهيمي) ...وزول متمرد. فيني كل (بوهيميات) الفنان وتمرده ...قال لي أنا مرات بدخل البيت وأكسر أي حاجة ...علوية دي يوم واحد ما رفعت صوتها عليّ.. احتملتني رغم أنها بنت صغيرة وجميلة ومطلوبة وبنت أسرة.

الحاجة التانية قال لي ظلت تحبني لآخر يوم في حياتها بدون أي أسباب موضوعية، غير أنها تحب وردي الذي لا أعرفه أنا ...كانت تحبني بصدق.
وردي عنده مقدرة على الاعتراف وهذه عادة عند إخوانا الحلفايين والشماليين أنهم ما بعرفوا يداروا.

- وردي فنان تجاوز عصره... مشهد تشييعه كان مشهد غريب.. أطفال جاءوا وحدهم.. وأسر جاءت كاملة من جهات مختلفة.. ماذا تقول عن ذلك؟.
الناس بقولوا (زمانّا فات وغنّاينا مات) لكن وردي فنان كل الأجيال وبفتكر ح يكتشف الناس إمكانياته الفنية وهو ميت أكثر مما هو حي ... والعرب بقولوا إن (المعاصرة حجاب) ومعاصرته أحيانا تحجب عنا الكثير ..غيبة وردي الآن بتخلى الناس تكتشف وردي اكتشافا حقيقيا ..ويمكن ان يورث للكثير من الاجيال.
وردي ح نكتب عنه يوما زي ما بيُكتب عن ابن خلدون وزي ما بيكتب عن زرياب وزي ما بيكتب عن أم كلثوم ...وردي هو مثل أولئك لا يقل عنهم شيء، وردي قيمته هو انه شخصية حقيقية.
شخصية اسطورية لكن من لحم ودم.

- ماذا عن مواقف وردي السياسية؟.
عندما اعتقل وردي في كوبر من قبل نظام مايو .. طالبه نميري أن يكتب خطاب استرحام ليطلق سراحه ...لكن وردي رفض أن يكتب خطاب استرحام وتمسك بموقفه رغم أن ذلك الوقت كان النظام المايوي متشددا ..ونفذ الكثير من الاعتقالات والإعدامات.

- وردي بمَ كان يعتز غنائياً؟.
وردي كان يعتز كثيرا بـ (قسم بي محيك البدر)... والطير المهاجر... بالمناسبة وردي يمتلك أكثر من 300 أغنية شهيرة لحن معظمها ..ولم يغن من ألحان غيره إلا بعض الأعمال لحن له برعي محمد دفع الله (الوصية) والطاهر إبراهيم لحن له أحد أناشيده.

- من من الفنانين يعجب به وردي؟
كان يحب إبراهيم عوض وتجمعه صداقة قوية مع عبد الكريم الكابلي. وكان يحب ايضا صوت احمد الجابري ويعتبره من الأصوات النادرة في السودان إلى جانب تفضيله للفنان صالح الضي.



فنان عابر للشعوب

حيدر المكاشفي
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
٭ يروى عن الفاروق عمر رضى الله عنه وأرضاه، أنه طلب ذات مرة من أحد أبناء هرم بن سنان أن ينشده بعض مدح زهير بن ابي سلمى في أبيه، فأنشده. قال الفاروق وقد طرب وانتشى لما سمع، إنه كان يحسن فيكم القول، قال الابن ونحن والله كنا نجزل له العطاء، قال عمر قد ذهب ما اعطيتموه وبقى ما أعطاكم. وهذه من حكم الفاروق التي تلخص سرمدية وخلود القيم الجميلة والعطاء الباقي الذي لا يبلى ولا يفنى بموت صاحبه، وهرم بن سنان هذا الذي أبدع ابن ابي سلمى في مدحه هو أحد أجود أجواد العرب في الجاهلية، يضرب به المثل في الجود والعطاء، ومما يروى في ذلك أنه وابن عمه الحارث بن عوف، هما من تكفلا بدفع ديات القتلى في حرب داحس والغبراء الشهيرة، واستطاعا بذلك إطفاء نار هذه الحرب التي دامت أربعين عاماً.

ومثل شعر زهير الباقي والخالد فينا، كان غناء وحداء فقيدنا القامة والهامة محمد وردي، الذي سيبقى خالداً لن يزول بما خلّفه من روائع خالدة دغدغت الوجدان الوطني السوداني والافريقي والعربي بعطائه العابر للحدود وللشعوب، وتلك هى رسالة الخلود التي أخذها وردي بحقها فحمّل فنه بكل محمولات القيم الجميلة ليؤكد بياناً بالفن أن الفن أقوى من السياسة، وأنه عابر للحدود يجمع بين الشعوب في حين تفرق بينها السياسة.

ومن باب اولى فإنه على توحيد وجدان بني الوطن الواحد أقدر وأجدر، فوردي لم يكن للسودان وحده ولا للسودانيين وحدهم، بل طار صيته وذاع فنه عابراً الحدود ليشنف أسماع الكثير من الشعوب تجده أينما حللت في مشارق القارة ومغاربها، في تشاد والنيجر ونيجيريا والكميرون والسنغال وبلاد الهضبة وما ادراك ما الهضبة اثيوبيا واريتريا و.... و... مما تعدون كلما عبرتم الحدود، وكيف لا وفن وردي كان هو مرآة كل هذه الشعوب والمعبر عن تاريخها وقيمها وصعودها وهبوطها، وكان هو ابن الشعب الذي خرج من نسيج الشعب ورحمه وتشرب آماله وطموحاته، وعايش آلامه وعذاباته، وسيكون من العبث لو حاولت أن احصي مناقب وردي وفضائله التي رفد بها الغناء السوداني وغذّى بها الوجدان الوطني في هذه العجالة، كما أنني لست المؤهل للحديث عنه سوى بهذه الاشارات المعممة العابرة، فهناك من هم أقدر وأعرف وأحق بمثل هذا الحديث، وما كان لي أن اتقحم هذا المقام لولا أن حدث موت فنان بهذه القامة والكاريزما لابد ان يعلو على أى حدث آخر، بل لابد أن يشكل حدث الساعة وحديثها لكاتب راتب مثلي لا يمكنه بأية حال تجاوز الفجيعة التي افقدتنا هرماً ورمزاً لا يعوض، وقل ان يجود زمان السودان بمثله في مجاله، فله الرحمة والغفران، ولنا جميعاً العزاء والسلوان...



وردي بعد رحيلك من يعزف لحن ثورتنا

حسن محمد صالح
نعى الناعي الفنان والموسيقار الكبير محمد وردي ولايدري من نعى وردي أنه بفعله هذا قد هز القلوب واحزن النفوس وأجزع الأفئدة . فوردي من جيل عشق العطا وخط للمجد دروبا كما يحلو له أن يقول :
من غيرنا يعطي لهذا الشعب معنى أن يعيش وينتصر
جيلي أنا جيل البطولات المشرئب ضراوة ومصادما
إنه جيل الستينيات الذين تفتحت أعينهم على الحياة ووجدوا التحديات الوطنية الكبيرة من مشكلة جنوب السودان والوحدة الوطنية إلى نضوج الآديولوجيات وتحول النظريات إلى سدة الحكم في اليمين واليسار فكان الحزب الشيوعي بمزاميره وصفافيره ومارشاته القوية والتي جذبت وردي إليها حينا من الدهر حتى أدخلته السجن على إثر إنقلاب هاشم العطا ،وهو فنان الثورة المايوية التي أكلت بنيها كابرا عن كابر وابا عن جد وفي الطرف الآخر كانت الحركة الإسلامية تقاوم اليسار بكثير من ادواته وخططه وكان حظها من الفن والغناء أضعف من الحالة التي تركت عليها الإنقاذ الفن اليوم وتحول الفنان إلى تاجر شنطة يبقى بدار الحزب الحاكم من الصباح إلى فجر اليوم التالي حتى يتمكن من إستبدال حقيبة الفن بحقيبة وزارية .لقد تورط وردي قليلا في صراع الآيديولوجيا وانحاز لما كان يعتقد أنها التقدمية والتطور والفكر العلماني في مواجهة الرجعية الدينية والتخلف والطائفية ،ولكن وردي لم يتطلع يوما من الأيام إلى المناصب والوزارات والمواقع ولم يعشق أو يحترف غير الغناء وهو يعتقد أنه لم يقصر مع أحد في هذا المجال بما في ذلك أجهزة الإعلام من إذاعة وتلفزيون فقد سجل لها الإكتوبريات والأناشيد الوطنية و كان يفتقد هذه الأناشيد حينما يحين موعدها مما إضطره لنتظيم حفلات غنائية بعيدة كل البعد عن الأجهزة الإعلامية من إذاعة وتلفزيون عندما تطل ذكرى ثورة إكتوبر أو الإستقلال المجيد أو الإنتفاضة الشعبية في أبريل عام 1985م . وكان وردي يشعر أن مؤامرة ظلت تحاك ضده وضد فنه ويتم منع أغنياته وأناشيده من أن تبث عبر وسائل الإعلام فحق له أن يصدق ويعتقد في نظرية التآمر عليه وقد ذاق وبال ذلك عندما سجنته سلطة مايو لمدة عامين كاملين ومنعت الإذاعة من ترديد أغنياته حتى العاطفية منها بل إن مايو أعدمت بعض الأناشيد من شاكلة :لاك حارسنا ولاك فارسنا .... لمحجوب شريف و التي كانت إنقلابا على النشيد المشهور بيك يا مايو يا سيف الفدى المسلول نشق أعدانا عرض وطول . يا حارسنا وفارسنا ومدارسنا كنا زمن نفتش ليك جيت الليلة كايسنا. .في عهد الإنقاذ 1989م لا يتم ترديد النشيد الوطني الذي غناه محمد وردي من كلمات محجوب شريف يا شعبا لهبك ثوريتك تلقى مرادك والفي نيتك عمق إحساسك بي وطنيتك إبقا مواكب في ذريتك بل إن ذكرى الإنتفاضة الشعبية في عام 1985م لا يتم الإحتفال بها ولا بثورة إكتوبر المجيدة وهذا يعني أن وردي بالإضافة لمعناته وعلله الجسدية كان يري أحلامه في وطن شامخ وطن عاتي وطن خير ديمقراطي تتطاير مثل اوراق الخريف وعصافير الخريف الراحلة مع الغمام لا ترد على سؤاله ليه يا عصافير الخريف .لقد كان وردي إضافة للفن السوداني لا تقل عن الإضافة التي قدمتها المطبعة للثقافة الإنسانية بعد أن أتقنت الكتاب وجودت الحرف وعندما قام جوهان جوتنبرج بطباعة الكتاب المقدس فزع القاسوسة والبابوات وكفروه لكونه أتى عملا شيطانيا في نظرهم بعد أن تمكن الرجل في ليلة واحدة من طباعة آلاف النسخ من الإنجيل وتمكن وردي بإتقانه لفنه وعنايته بموسيقاه وترويضه للكلمات أن يشكل قناعة لدى السودانيين بالفن الغنائي بل يشجعهم على لونيته التي جمعت بين الحداثة والمعاصرة والأصالة فهو الفنان صاحب الصوت القوي الذي لم يخرج عن السلم الخماسي رغم أن هذا السلم يعد في رأي البعض متخلفا عن طريقة الغناء على السلم السباعي ونافس وردي من على هذا السلم كبار المطربين وحاز لقب فنان إفريقيا الأول فأعطي الفن السوداني صبغته الإفريقية الأصيلة والتي حاول البعض إنتزاعه منها إلى لا هوية ولا إنتماء آخر لا ندري ما هو والعرب تلفظنا من بيئتها الغنائية لفظا. وغنى وردي لأبناء وطنه وصنع مع كل واحدٍ منهم مسيرة فنية قائمة بذاتها بدءً من الراحل إسماعيل حسن الذي كان زميله في مهنة التدريس ثم محمد علي أبو قطاطي الذي كان وردي كثير الإشادة بسمته ورزانته الشخصية و وإبداعاته الغنائية والفنية وغنى لصديقه إسحق الحلنقي ومحجوب شريف وعمر الطيب الدوش وسيد أحمد الحاردلو وصلاح أحمد إبراهيم وعبد المنعم عبد الحي والتجاني سعيد وغيرهم من الشعراء السودانيين وإلى جانب الأغنيات التي غناها باللغة العربية ( والتي كان يجيدها نطقا ومخارج كلمات ) غنى من الشعر النوبي الكثير وما يعرف برطانة المنطقة من أرض السكوت والمحس وكان يقول أنا رطاني ولكنه فصيح وذكي قدم نفسه لشعب السودان ولم يستثنِ أحداً . وغنى وردي للمرأة .. الحنينة السكرة سمحة والله ومقدرة جينا ليها نذكرها الحفلة لازم تحضرها .وغنى صباحك نور ياعنب معصور يا دهب مدخور يا فراشة تدور يا عجب يا تعب ... خدني معاك من الزمن القديم لزمنك الضحاك . كما غنى سواة العاصفة بي ذات الشتيل الني وفعل السيل وكت إكسح إتحدر ما إفضل شي صليت قلبي بجمر الغي وغنى الود: زمان كنا بنشيل الود وندي الود وفي عينينا شوقا ضال وفات الحد وهسي رحنا نتوجع نتأسف علي الماضي الما بيرجع . وغنى يا ناسينا يا مجافينا حن علينا- حبيبي مشتاق أشوف عينيك وشعرك موج على خديك . في بسمتك في وقفتك في مشيك . وغنى المرسال كما غنى الدهشة ومع المرأة الحبيبة غنى وردي للوطن والوطن عند وردي هو فلسفة وتاريخ وحضارة ومسرح كبير للحياة والإبداع والفن ... بلدي يا حبوب أبو جلابية وتوب سروال ومركوب وجبه وسيدري وسيف وسكين يا سمح يا زين يا وجه مليان غنى مليان عشق وحنين يا رقصة نوبية يا كلمة عربية يا وشمة زنجية ... يا مقطعين دوبيت نازلين على الدنيا أشواق وحنية . وهو وطن الشموخ والنيل
و تلقا فيها النيل بيلمع في الظلام
زي سيف مجوهر في النجوم
من غير نظام من غير نظام
وهو بلد الحقول والقمح والنخيل والحرية .. أصبح الصبح فلا السجن
ولا السجان باقي
أصبح الصبح
وها نحن مع النور إلتقينا
إلتقا جيل البطولات
بجيل التضحيات
إلتقى كل شهيد قهر الظلم ومات
بشهيد لم يزل يبذر في الأرض بذور التضحيات
أبدا ما هنت يا سوداننا يوما علينا بالذي أصبح شمسا في يدينا
يا بلادي

ولو كانت لثورة إكتوبر المجيدة التي أطاحت بالحكم العسكري بقيادة الفريق إبراهيم عبود عام 1964م ذكرى وبقاء فإن ذلك بفضل الأناشيد الإكتوبرية لوردي التي نقلت روح الثورة وشهداءها لحظة بلحظة كما نقلت برنامجها التحرري ومنجزاتها على صعيد الحقوق المدنية والسياسية وحقوق المرأة السودانية التي ضاعت بسبب الظلم والدكتاتورية وعادت بسبب الحرية والديمقراطية :
يا ثوار إكتوبر يا صناع المجد
للحرية الغالية حطمناه القيد
هتف الشعب من أعماقو
التطهير واجب وطني
والحرية في أرض بلادي
للأحرار بسمة وطني
حقوق المرأة الكانت ضايعة
عادت وزانت رفعة وطني

وكان قدر الفان الراحل محمد وردي وأبناء جيله أن يعيشوا السودان واحدا موحدا أرضا وشعبا ومقدرات وأن يبذلوا الغالي والنفيس في سبيل البقاء على الوحدة الوطنية بدءً بالإستقلال ومؤتمر المائدة المستديرة ولجنة الإثني عشر والإنتفاضة الشعبية ويرحل وردي وقد إنفصل الجنوب عن الشمال وكان للحركة الشعبية لتحرير السودان القدح المعلى في ذلك وكان وردي يعلق آمالا على الحركة الشعبية ومؤسسها الدكتور جون قرنق في بناء سودان جديد مبني على قيم الحرية والديمقراطية ولكن وردي رأى حلمه ينهار أمله في الوحدة وفي السودان الجديد يخبو بعد إنفصال الجنوب قبل أقل من عام على رحيله .ويمضي وردي وقد جاء الربيع العربي وأطاح بالحكام هنا وهناك ولم يقل وردي كلمة حول هذا الربيع لأنه ببساطة لا يعنيه والذي يهمه هو ثورة شعبه ومن المؤكد أنه قد دوزن لها الآلات ووضعت فرقته اللحن وشقت قوس الكمانات ثم رحل .



وردي.. حليلك والعمر فاني !!

محجوب فضل بدري
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
* تحت هذا العنوان وفي أخيرة الإنتباهة العدد (2039) بتاريخ 12/11/2011م كتب الأستاذ الصادق الرزيقي نعياً مبكراً جداً للأستاذ الموسيقار محمد وردي قال فيه :ـ في ثالث أيام عيد الأضحى وفي ليلة قمراء أطل الفنان والموسيقار محمد وردي على جمهوره من مسرح نادي الضبَّاط بالخرطوم.. القمر الصافي أطلَّ من بعيد مستمعاً ومستمتعاً بالفن الأصيل وهو سابح في سمائه.. وردي جاء للحفل رغم المرض والجسم الذي أتعبته النفس الكبيرة.. كان يسنده أحد مساعديه في المشي.. رغم صعوبته كانت خطواته سريعة . وقف خلف الكرسي الذي سيجلس عليه ليغني وقال كلماتٍ قصاراً ذات دلالة عميقة.. قال «سأغني لكم اليوم من أغاني الزمن الجميل.. عندما كان الناس يحبون بعضهم ويحبون بلدهم» ثمَّ جلس وسط التصفيق الحاد وفرقته الموسيقية في قمة تألقها وحيويتها غنى كأن لم يغنِّ من قبل.. وكأنه يرثي بأغنياته المختارة بعناية الزمن الجميل والأجيال التي عاشته «ونفسه التي بين جنبيه» ورغم صوته الطروب كانت هناك مسحة عميقة عميقة من الحزن الغريب في طريقة أدائه.. بدأ برائعة إسماعيل حسن «خاف من الله» ثمَّ «أمير الحسن» وأردفهما بـ «الحنينة السكرة» للحلنقي ثمَّ غنى «سليم الذوق» و «القمر بوبا» و «صدفة» و «أكتوبر الأخضر» لمحمد المكي إبراهيم.. جمهوره كان خليطاً من الكهول وروَّاد زمنه الجميل وعدد كبير من الشباب صغار السن الذين أحاطوا الفنان الكبير بحب مقيم وإعجاب لا يوصف.. وردي قال كلمته ومشى وفي لسانه يردد : «لو حنيت لعهد الريد أجيب من وين عمر تاني ؟ّ!» ذلك ما أراد قوله..»الصادق» .

* وبعد مرور «مائة يوم بلياليها» على ذلك الحفل الذي لم أشهده «لأنني لا أحب الطرب في الصخب» تحققت نبوءة الصادق الرزيقي في نعيه المبكر للقامة الفنية السامقة محمد عثمان وردي «فنان أفريقيا الأول» ذلك اللقب الذي إستحقه عن جداره وتربع عليه دون منازع منذ أن ناله وإلى أن إنتقل إلى جوار ربه.. وكنت شاهداً على مكانة وردي العالية عندما رافقنا على متن الطائرة الرئاسية بمعية السيد رئيس الجمهورية إلى أديس أببا لحضور الاحتفال بالألفية الثالثة حسب تقويم السنة القبطية عام 2007م.. والتي أعدَّ لها رجل الأعمال السعودي «العمودي» قاعة رحبة فخيمة خصيصاً لهذه المناسبة تكريماً «لخوؤلته» وأستدعى كل الفنانين من ذوي الأصول الأثيوبية من كل أنحاء العالم من أمريكا وأوروبا وأستراليا وآسيا وكان جمهور الحفل من الشباب من الجنسين يتجاوبون مع مطربيهم بالرقص المحموم والابتهاج الصاخب . والرئيس البشير على مائدة رئيس الوزراء زيناوي يجلسان في وقار حتى أعلن مذيع الحفل الداخلي عن فقرة فنان أفريقيا الأول «محمد وردي» فلم ينقطع التصفيق الذي كاد أن يصم آذاننا حتى بدأ وردي وصلته الغنائية فوقف الرئيسان وأطلاَّ من على الشرفة المعدة لهما وضيوفهما ووجهت الجماهير الأثيوبية الغفيرة وجوهها تلقاء المسرح يغنون ويرقصون ويذرفون الدموع ولم يجلس في مقعده أحد حتى ختم وردي آخر أغنياته والفريق بكري حسن صالح «يشيع» بين أعضاء الوفد بأن شهر رمضان ثبت شرعاً.. وأننا في الساعات الأولى من أول ايام رمضان وعلينا أن نعتبر العشاء الممدود على المائدة بمثابة سحور فأستغفرنا ولبسنا لباس التقوى إستعداداً للصيام ثمَّ تأكد لنا بعد تلك «الهجمة» التي اعترتنا بأن «رمضان فاجأنا!!» أن تلك كانت إحدى «مقالب بكري الشهيرة» التي أراد بها إعادتنا إلى حالة الوقار بعدما استخف بنا الطرب وأخذتنا نشوة الألحان وجميل الغناء كل مأخذ وهذه روعة وردي فقلنا له «مانبغي هذه بضاعتنا رُدت إلينا» وشعرنا بالفخار.. لأن مساهمة بلادنا كانت بقمتين.. تشريف رئيس الجمهورية للحفل.. وإنفراد الأستاذ محمد وردي بنجومية الاحتفال «وتفرده» .

* محمد وردي الذي نشأ وترعرع في أقصى الشمال وأكمل تعليمه في عاصمة «دار جعل» في شندي وغنى في الخرطوم ودخل دار الإذاعة مطرباً من «الدرجة الرابعة» وقفز منها مباشرة إلى «الدرجة الأولى» في عام واحد بقرار اللجنة التي أمر بتشكيلها مدير الإذاعة وضمت في عضويتها الفنان إبراهيم الكاشف والفنان أحمد المصطفى والفنان عثمان حسين.. ولم يخذل وردي من رفَّعوه للأولى فقد إمتد عطاؤه لما ينيف عن نصف قرن من الزمان.. ولا الشعراء «الفُصاح» الذين قدموا له كلماتهم منذ يا طير يا طاير مروراً بكل الأغاني التي تدور في الذهن كالحلقة المفرغة لا يُدرى أين طرفاها.. فكلها جميلة ومستحيلة أن تتأتى لغير العباقره المبدعين والذين يمازجون بين الماضي والحاضر.. بين الأورغن والطمبور.. وبين العربية والنوبية.. وبين الأغاني العاطفية.. والأناشيد الثورية.. والأغاني الوطنية.. يا نيل يا ليل.. يابلدي يا حبوب ولأنه يحب القمم فقد إختار من بين الشعراء أن يُغني لإسماعيل حسن.. محجوب شريف.. التجاني سعيد.. محمد المكي إبراهيم.. أبو قطاطي.. الفيتوري.. الحلنقي.. عمر الطيب الدوش.. السر دوليب.. وغيرهم فوفَّى وكفَّى.. غير إنني لا ترقد في وجداني وتدغدغ مشاعري وتحرك أشجاني غير أغنية «قلت أرحل أسوق خطواتي من زولاً نسى الألفة» كلمات الشاعر الحاذق المتصوف المتعلم التجاني سعيد الذي أحال بيته المكون من طابقين بالثورة إلى مكتبة عامة أفادت الآلاف من طلاب الدراسات العليا وطالبي المعرفة «حيَّاه الله ونفع به» .

* في الصالون الرئاسي بالقصر الجمهوري وقُبيل دخوله لمقابلة السيد الرئيس «رسمياً».. فقد إلتقى به من قبل ذلك في أكثر من مناسبة خاصة.. ونمت بين الرجلين علاقة حميمة هي التي حدت بالسيد الرئيس للصلاة عليه إماماً للمصلين على جنازته.. فقال لي وردي «تعرف يا أستاذ ما في أعظم من سوداننا ده.. أنا عشت في أمريكا . ده بلد كريه.. كريه..كريه» قالها ثلاث ثم دخل ليعانق السيد الرئيس ويحادثه ليدعوان الناس لحب بعضهم البعض وبلدهم .

ألا رحم الله وردي « ليس.. بقدر ما قدم.. فذلك لا يساوي في ملك الله شيئاً « ولكن برحمته التي وسعت كل شئ.. كل شئ .
وهذا هو المفروض



أحزان الوطن برحيل وردى وأشياء أخرى!!!!

الحسين إسماعيل أبو جنة
لايمكن أن نتحدث عن تل معاناة الوطن دون الوقوف عند محطة رحيل الفنان الهرم محمد وردى الذى بفنه الراقى جعل من المستحيل ممكنا فبنى الغلابه افراحهم من شعاع الشمس ونسج المساكين احلامهم من خيوط ضوء القمر ..وبوفاته نقف كلنا مشدودين بحبال الصبر إلى كل مسارات الدهشة والذهول ومغالطة الواقع الذى تسربت موهبة الفقيد ابوالورود من بين مساماته إلى عالم الخلود ..ولأجل المغفرة نتضرع مبتهلين الى رب العرش العظيم بأن يتقبل عبده الموسيقار محمد وردى وأن يغفر له بقدر ما غنى وأطرب وناضل من أجل شرف الانتماء والثبات على مبدأ حب لايخون وهو حب الوطن الذى باسمه كتبنا ورطنا ....

وظلت الاحزان تحاصر المواطن السودانى في كل شبر من ربوع رقعة السودان الجغرافية حيث مشقة الحصول على تدبير تكاليف سد الرمق وبلة الريق بشربة ماء مرورا بشواية العلاج وركوب المواصلات ونزولا عند محطة تعليم الاولاد وفى كل حلقة من حلقات سلسلة الحياة وللخروج من الحلقة الجهنمية شد معظم السودانيوين الرحال من الريف إلى الخرطوم العاصمة في هجرة أشبه بالهروب الجماعى المنظم مما افرز ضغطا هائلا على مرافق العاصمة التى صرخت مستغيثة لنجدتها ولكن دون جدوى، فكل الحلول قد تم تفصيلها بنظام النفير وعلى أنغام عجبونى الليلة جوا ترسوا البحر سددوا...الخ الموال الحماسى..

فالوطن بمرور الايام وجد نفسه مقيدا بسلاسل من حديد حدت من قدرته على الانطلاق إلى الافق البعيد والارتقاء نحو مراقى التطور وللاسف ذبلت كل شعارات تحدى الواقع منذ نشيد اليوم نرفع راية إستقلالنا فتحول الاستقلال من المستعمر إلى إستغلال (بالغين) من الوطنى الذى كرس للرجعية والطائفية التى شدت ظهر السودان وأطرافه لدرجة الإنكفاء حتى لقبوه برجل أفريقيا المريض...وماكانت مايو 69 إلا محاولة تقدمية جريئة للإختراق ولكن لغياب الرؤية تخبطت مايو نميرى يسارا ويمينا حتى طفأت إنتفاضة ابريل 85 شمعتها الستة عشر ومع كامل إحترامنا لانتفاضة ابريل 85 كثورة تغيير ذات نفس شعبى إلا أن هشاشة حكومة المشير سوار الدهب قد أفرغها تماما من محتواها الوافر ونزع عنها فستان زفاف الثورة مما حرمها من دخول بيت عرس ذاكرة التاريخ فتبخر مداد ابريل ولم يبق منه إلا تبادل الاتهامات بين اللصوص والشهود على المسرح السياسى ومازالت محكمة التأريخ في مرحلة تداول الحيثيات للنطق بالحكم وللاسف نحن في السودان نعيش بربع ذاكرة ندخرها للتواصل الاجتماعى والتنقيب القبلى ....وعلى وتيرة ما أشبه الليلة بالبارحة عادت الطائفية إلى الواجهة السياسية وبما أن النى برجع للنار انهارت حكومة الصادق المهدى في منتصف الطريق وتسلم رجال الانقاذ السلطة وسط بحر متلاطم الامواج من الشعارات المشبعة بالتحدى الايمانى على شاكلة في سبيل الله قمنا نبتغى نرفع اللواء .....الخ بجانب هتافات جهيرة من طراز .......فلترق منا الدماء أو ترق كل الدماء وكلنا الآن شهود على المحصلة النهائية التى جعلت من الوطن الواحد وطنين متشاكسين احدهما قذفت به حمم براكين الفساد الى تصدر قائمة الفساد عالميا والآخر هو الجنوب الذى انشطر مشلولا تمزقه الحروب ويحاصره الجوع والمرض والفقر ...فبخلاف رحيل وردى ظل السودان مسرحا للمعاناة منذ الاستقلال وحتى الآن مما يجعلنا نستدعي رائعة المرحوم -زيدان لمتين يهون عذابى انا ولمتين تغمرنى جناتك......الخ توسلات الاغنية المعطونة في وادى الشجن.... وسنظل نتوسل الى المستقبل الباهر الذى نرجوه أن يكسو ملامح الوطن عزة ومهابة نحسها في عافية الاقتصاد ومتانة البناء السياسى القائم على التعددية الحزبية المبرأة من الولاء الاعمى للاشخاص وبنفس طويل ندعو رياح القدير العليم أن تقشع عنا سحائب الانكسار حتى تعود للكورة السودانية هيبتها وصولاتها ...فالاحزان غيمة متمددة بمساحة الوطن ومستقبلنا في الوحدة مرهون بحلاوة الفن الذى يوحد الوجدان ومازال الامل معقودا على حملة مشعل الفن الاصيل من بعد رحيل إمبراطور الغناء الجميل وردى والذى برحيله زادت علينا أحزان الدنيا التى ظلت ملازمة ومتلازمة مع كل خطانا برا وبحرا وجوا ولهذا السبب احترفنا كشعب ثقافة الرحيل والهجرة بحثا عن كنز مفقود تحت رمال الزمان اسمه المستقبل الذى أصبح كالسراب نطارده بكل الوسائل والسبل منذ 1956 وحتى إشعار آخر، والسؤال المحورى لمتين نظل نكتب ونمحو على لوح العمر ؟؟؟؟الإجابة تفوح رائحتها كشواء اللحم عند منتصف الليل ولكننا نكابر وهذا هو مصدر أحزاننا كلها ...
ودمممممممممممتم!!!



التوقيع:

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

أبوسهيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-21-2012, 03:42 PM   رقم المشاركة : [18]
أبوسهيل
عميد الموقع
الصورة الرمزية أبوسهيل
 
اخر مواضيعي
 
0 2010/10/04م
0 أين هؤلاء؟؟؟؟؟
0 2011/07/21م
0 2010/03/27م
0 2011/02/24م

المستوى: 81 [♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥]
الحياة 3024 / 3024

النشاط 6974 / 23320
المؤشر 65%


افتراضي

وردي.. أشعَل التاريخَ ناراً، وإشتَعَلْ!

استطلاع: عادل كلر
تصوير: ساري أحمد العوض

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
كمال كيلا: تعلمنا منه حب الوطن..
السر السيد: ذاكرة جمالية ذات أبعاد فكرية وسياسية
محمد نور الدين: أغنياته عندها موقف فكري وآيديولويجة بتعبِّر عنها
الخطيب الشفيع: رائد من رواد التجديد في الأغنية الحديثة!
ولأن (العمر زادت غلاوتو معاك) يأبى الزمان وأن يصحالنا، لمرةٍ، كيما نجيئك عابرين فراسخ الدمع، وفؤاد حرقته يد (الفرقة والتجريح).. فإسمك كم تغنَّت الأرض، وكم إشتعلت حقول قمح الأمنيات، بالوعد الوقف ما زادْ! محمد عثمان وردي.. أو خمسون عاماً من التبتل في محراب حب ربوع الوطن، حيث رقاع تشمل الجميع (عرباً ونوبا) أحفاد ألماظ البطل والقرشي الشهيد، حملنا بعضاً من (الحزن القومي) سؤالاً خجولاً على فئات مختلفة من المبدعين، عن “النوبي الصميم” و(آخر الفراعنة العظام)، فإستجابوا على مضض من الأسى، وكانت هذي الحصيلة..

سفير الثقافة النوبية:
بصوتٍ متهدج ومتأثِّر، قال فنان الجاز كمال كيلا أن وردي فقد عظيم للسودان فقد كان فناناً عملاقاً تغنى للسودان الحبيب ولاستقلاله وللحريات ولكل شيءٍ جميلٍ فيه، مضيفاً بأنه ضمن جيل تعلَّم من وردي حب الوطن عبر أغنياته الخالدة خلود النيل، وهو صاحب القدح المعلَّى في معترك إرساء القيم لهذه البلاد، وقد أفنى روحه من أجل البلاد، وكان شجاعاً لا يخاف في الحق إلا الله، معتبراً بأنها بعضٌ من سمات تكفل لوردي الخلود أبداً بيننا. وقال كيلا لـ(الميدان) أن الراحل على المستوى الفني قد أتى وافداً للثقافة النوبية من أقصى الشمال، كمثقف حامل لتراثه بمعناه الكلي، وبذلك أستطاع فرض نفسه على الساحة الفنية بـ”الربابة” والإيقاعات الساحرة والتراث النوبي الأصيل.. “القمر بوبا” و”نور العين”، كما تناول أغنية الوسط والحقيبة وأضاف لها جديد الألحان، مشيراً لإستفادة الراحل من مزج غناء الوسط والحقيبة بتراثه النوبي والشمالي، مما فتح الباب أمام أجيال جديدة زكي عبد الكريم وإدريس إبراهيم، حيث أثروا إذاعة السودان بأعمالهم، وأضاف بأن وردي يبقى فنان السودان الأول بتحركه عبر كافة إيقاعات الثقافات السودانية.

سادن الفكر والجمال:
بدوره قال الشاعر عبد الله شابو بأن يذكر مجيء وردي إلى تجمع الفنانين والكتاب التقدميين (أبادماك) رفقة محمد الأمين، مبيناً بأن الراحل كان شعلة من النشاط ولصيقاً بالناس، وصديقاً للشعراء والكتاب على عبد القيوم ومبارك بشير وعلى الوراق وكثيراً ما كان يدعوهم إلى بيته ويناقش أشعارهم ويتغنَّى بها، كما رافق عبد الله على إبراهيم وعثمان خالد.

ويرجع الناقد والمسرحي السر السيد ذكرياته مع وردي إلى فترة مبكرة جداً من حياته، حيث قال بأنه تعرَّف عليه منذ أن عرف التعامل مع فن الغناء، كأحد الفنانين الأساسيين، وربما للإهتمام بالثقافة والسياسة كان يرى السر السيد بأن وردي (معبِّر) عن تلك الرؤى والأخيلة التي يتبناها، مضيفاً بأن وردي بزَّ الآخرين بحساسيته المختلفة في انتقاء الشعر والمضامين، وقال بأن ذاكرته مع وردي هي الذاكرة الجمالية ذات الأبعاد الفكرية والثقافية والسياسية، وأشار إلى أن التعاطي مع هذه الذاكرة يحيل بدوره إلى سؤال مهم، وهو أن وردي أحد رواد التنوير وبنية من البنيات الأساسية للوجدان السوداني، مضيفاً بأننا إذا تحدثنا عن سياسيين ومفكرين من قبيل بابكر بدري، فإن وردي يجيء من موقع الغناء وصناعة الوجدان أحد بنيات هذا الوجدان، ضمن كثيرين يمكن أن يكونوا قد ساهموا في صياغة الوجدان لكن الراحل وبتقاطعاته الجذرية في مشروع الغناء ذات الأبعاد الفكرية والثقافية. مضيفاً بأن هنالك جانباً لا يقل أهمية في مسيرة الفقيد، وهي شخصية الفنان العالمي المتخطي للحدود، وهو الشاهد على العصر ككل في الزمن الراهن، بتماساته التي تحققت مع ناظم حكمت وغيره، وررد السيد بأن وردي صاحب ثقافة ذات أبعاد كونية أثَّرت على مسار التغيير في العالم أجمع.

إمبراطور الوجدان السوداني:
ويعود المسرحي وخبير مسرح العرائس محمد نور الدين بذكرياته القهقرى مسترجعاً ذكريات الطفولة، وقال أن (القمر بوبا) كانت من أغاني “رقيص العروس” كما يذكر عن سنوات الطفولة، مضيفاً بأنه تعرف على أغنيات وردي في المرحلة المتوسطة وعقب الإنتفاضة حيث كان يبث أثير الراديو أغنياته، ومنها إستمرت العلاقة مع درر (الفرعون)، ويضيف نور الدينم بأن وردي يجيء بعد الكاشف تماماً في الجانب الموسيقي، حيث إهتم ومبكراً بالمقدمة الموسيقية الطويلة، وأوضح بأنها ربما كانت لتأثير الموسيقى المصرية (كوكب أم كلثوم) غير أن السودانيين لم يعرفوا هذا الضرب إلا لدى الكاشف. وجاء بعدها إهتمامه بالأغنية الوطنية، معتبراً بأن الفترة التي سبقت وردي كانت تضم أغنيات وأعمال وطنية غاية في البراعة لكن وردي هو الذي أضاف الجديد من الغناء الثوري إلى مكتبة الأغنيات الوطنية، معتبراً أن أغنياته الوطنية كانت أغنيات “عندها موقف فكري وآيديولويجة بتعبِّر عنها”، وقال أن محمد الأمين يشاركه في هذه الريادة، وهو الأمر الذي فتح الباب من بعد لأجيال مصطفى سيد أحمد وأبو عركي البخيت، وردد: “وردي هو عرَّاب هذا الجيل الجديد”..

الفنان الشاب عضو فرقة (راي) الخطيب الشفيع أشار إلى أن الفقيد قدم عطاءاً ثـرَّاً للسودان، وهو رائد من رواد التجديد في الأغنية الحديثة، وحتى أخر تسجيل له في حياته كان حريصاً على تقديم إنتاج وألحان جديدة، مضيفاً بأن ألحانه صاغت وجدان الناس، مؤكداً على أن معين الراجل في تجديد الألحان والتوزيع وتذوق النصوص لم ينضب، معتبراً أن إرثه سيظل محفوراً في تاريخ الأمة السودانية وسيسكن قلوب الناس ما حييت، فهو صاحب مساهمة مليئة بالنضال والوطنية والأحاسيس المترعة بمشاعر وعواطف العمال والمزارعين والمستضعفين، فهو عطاءٌ باقٍ، وثابتْ..



سامح دمعتنا..!

رأي : منى أبو العزائم:
في حوار سابق مع الشاعر الكبير محمد يوسف موسى رئيس اتحاد شعراء الأغنية السودانية، والعود أخضر وهو في العشرين من عمره غنى له الفنان الكبير محمد عثمان وردي «عذبني وزيد عذابك يمكن قلبي يقسى.. وزي ما نساني قلبك يمكن قلبي ينسى..» وكانت بالصدفة إذ أن الفنان الراحل المقيم عبد العظيم حركة أعطى وردي النص وطلب منه تلحينه فسمعه «حركة» من إذاعة أم درمان بصوت الفنان وردي وصعد شاعر «الكلمة» إلى مصاف شعراء الصف الأول وعوده ما زال أخضر محمد يوسف موسى عرّف وردي بالشاعر الحلنقي ومحجوب شريف والتجاني سعيد الذي قدم له من «غيرميعاد» وشاعرنا التجاني سعيد طالباً بالثانوي.. ومن بعد غنى له «قلت أرحل» طلب وردي من محمد يوسف موسى أن يكمل له مطلع «أغنية جربت هواهن».

جربت هواهم وقليبي انكوى تاريهم جاروا.. ما عرفوا الهوى.. الريد جوه قلبي بحبك بدأ.. يازينة حياتي يا قطر الندى.. ما كان في خيالي تتنكر كده.. أيامنا جميلة ليه بتبددا فأكملها له الحلنقي.. فكانت من أروع ما شدا به وردي من شعر الأخ الحلنقي.. غنى لمحجوب جميلة ومستحيلة.

يا حارسنا وفارسنا يا بيتنا ومدارسنا كانت أول أغنية وتعامل مع محجوب شريف الذي كان قد ألقاها من خلف المايكرفون بالإذاعة.. وكان ذلك مع بداية ثورة مايو الحمراء.

وطلب وردي أن تبث بصوت محجوب حتى لا تكون أغنية قديمة ويظهر بها كأول مرة كعمل جديد.. وقد جملها وردي وكساها بإبداعاته اللحنية ثوباً قشيباً وكانت «أحلى أغنياته الوطنية».

وردي كان له فضل اكتشاف العديد من الشعراء.. وقدم الشاعر المكاشفي والشاعر صاوي عبد الكافي.. «أمير الحسن لو تسمح ظرفك» وردي كالعصا السحرية ما لامست أنغامه كلمات أحدهم إلا وكتبت له الشهرة، غنى لمحمد المكي إبراهيم ولكثير من شعراء الفصحى غير الغنائيين.. غنى له وردي فأصبح على كل لسان كالشعر العامي لأن شعراء الغناء أكثر شهرة.. لأن شعرهم جماهيري متاح.. غنى للفيتوري أصبح الصبح ولعبد الواحد عبد الله اليوم نرفع راية استقلالنا ويسيطر التاريخ مولد شعبنا وغنى لإبراهيم الرشيد يا سليم الذوق لو تعرف الشوق ابقى أنزل من علاك الفوق.. وغنى آخر أيامه لسعد الدين ابراهيم شوف عمايل الحب في الحشا المحروق، بنتفق وما بنتخلف.

وردي كان فناناً ذا مبادئ اشتراكية ولذلك كانت له مصادمات مع معظم الأنظمة السياسية السودانية،، مما أثار كثيراً من الجدل حول علاقة الشاعر والفنان بالسياسي..

وعن دور المبدعين في الحراك السياسي والفكري والاجتماعي في أوطانهم؟.

وردي كان شخصية مبدعة جدلية أينما تحل تثير جدلاً.. كان معتزاً بنفسه ورأيه وفنه.. وكان يطلق تصريحات نارية على مخالفيه في نهجه.. مما أكسبه عداء الكثير منهم واحترام جمهوره.. سعى في تطوير نفسه وفنه واستلهم كثيراً من التجارب العالمية وكان من أوائل الفنانين الذين اتجهوا إلى التوزيع الموسيقي العالمي فكان زميل دراسة وطفولة للشاعر جيلي محمد صالح رحمهما الله جميعاً.

قال لي جيلي صاحب رائعة عثمان مصطفى «ماضي الذكريات».. والذي كان قد أهداه وردي.. رائعة اسماعيل حسن «والله مشتاقين» كاملة.. فصعدت بالدكتور عثمان مصطفى إلى مطربي الصف الأول.

قال الشاعر الضخم جيلي محمد صالح كنا ندرس بعطبرة بالمدرسة الأولية وكان وردي يغني «بالرطانة» ويعزف وكنا نغني معه كلام لا نفهمه «شيالين».. بعد أن شب زملاء الطفولة غنى وردي لجيلي أغنية «توبة».

ولا ننسى الشراكة الثنائية لوردي وإسماعيل حسن الشاعر الضخم العظيم في المرحلة الأولى لوردي فكانت نور العين وصدفة.

وقال لي صديقي باشاب في رسالة «SMS» أهديك أول نص غنائي ينبه لانتهاك حقوق الإنسان.. ضيعوك ودروك.. انت ما بتعرف صليحك من عدوك.. استغلوا الطيبة في قلبك وباسم العواطف خدعوك.. الله يأخد ليك حقوقك ويجازي الظلموك.

وكانت بينك وبينك، لو بهمسة، ذات الشامة، ضيعوك، خاف من الله على قلبي، بعد ايه جيت تصالحني.

عديد من الأغنيات عبر ثنائية امتدت سنوات في المر حلة الأولى من مرحلة وردي.. وكانت أساس تشكيل شخصية الفنان وردي، ثم ثنائية أخرى أقل حجماً كانت مع الحلنقي.. وسط الدائرة، قطر الندى، توعدنا وتبخل بالصورة وغيرها من الأغنيات ارتبط مع محجوب شريف بقصائد وطنية خاصة في العهد المايوي.

وكان الراحل المذيع ذوالنون بشرى قد أجرى لقاءاً إذاعياً شهيراً بهنا أم درمان مع وردي ومحمد الأمين ومحجوب شريف أيام حكومة الثلاثة أيام بعد انقلاب الرائد هاشم العطا ضد النميري وبعد عودة نميري للسلطة واندحار الانقلاب زج بالأربعة بسجن كوبر.

وفي المعتقل أصبحت الأجواء سانحة للالتقاء عن قرب.. فكتبوا العديد من القصائد المسيسة.

وكان ميلاد التعاون «بلاء وانجلى» وغيرها من الأناشيد السياسية.. وردي سيشغل الساحة الغنائية كثيراً.. كثيراً.. وكما سجل وجوده حياً جدلاً.. سوف يسجل غيابه جدلاً.. فهو غائب مقيم. ألا رحم الله وردي بقدر ما قدم من كلمات زاهية والحان مهيبة وشجو تطريبي ونزوع وإصرار نحو التجديد في مثلث الأغنية السودانية.

العزاء لأسرته ولأهله ولمحبيه وجمهوره الممتد من السودان إلى عموم أفريقيا.



التوقيع:

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

أبوسهيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-21-2012, 07:26 PM   رقم المشاركة : [19]
أبوسهيل
عميد الموقع
الصورة الرمزية أبوسهيل
 
اخر مواضيعي

المستوى: 81 [♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥]
الحياة 3024 / 3024

النشاط 6974 / 23320
المؤشر 65%


افتراضي

ورود على قبر وردي

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
(1)
في صباح الاحد الاول من امس كانت الحركة في العاصمة خفيفة جدا عربات وراجلين مع ان اليوم بداية اسبوع فالواضح ان الناس لزمت بيوتها لمشاهدة تشييع جثمان وردي من خلال التلفزيونات . لابل حتى الذين حاولوا مزاولة اعمالهم كالمعتاد كانوا في حالة حزن قليلو الكلام خفيضو الصوت وان كان ثمة كلام فهو عن وردي . لم اشهد في حياتي حزنا ساد كل البلاد وألم بكل الناس كما رأيته في ذلك اليوم . انه حزن نابع من الوجدان لم يعز به احد ولم تخلقه الميديا، حزن حفره وردي في الدواخل بما قدمه من فن راق (ولا الحزن القديم انتي ولا لون الفرح انتي).
(2)
في ليلة السبت مطلع هذا الاسبوع (جاءنا الخبر منشاع / في الاربع قبل اسود طويل الباع) وكانت قناة النيل الازرق اول من بثته للناس ثم اوقفت بثها على الحدث . قبل الخبر كانت القناة تقدم برنامجها الاجتماعي المعروف الذي يتصل فيه اصحاب المشاكل الخاصة بالسيدة سارة ابو والدكتور سليمان علي احمد ومقدمة الحلقة سهام عمر. بعد بث الخبر اصبحت الاتصالات حول وردي بينما تحول الضيفان الي معلقين على ذات الحدث والشهادة لله ان مقدمة البرنامج وضيفيها نجحوا نجاحا كبيرا في ادارة الموضوع الحزين رغم انه لم يكن في حسبانهم عندما بداوا حلقتهم العادية واستمرت الحلقة الي مابعد منتصف الليل.
(3)
اذاعة ام درمان بعد اذاعة الخبر ظلت تقدم في سيرة وردي الذاتية المسجلة باسمه وكانت تحذف الاغاني وتبث مكانها موسيقى حزينة مع اتصالات تلفونية فقد حالفها التفويق في تفردها . قناة الشروق التي كانت غائبة عن الحدث في ليلة السبت عوضت مشاهديها ببث يوم الاحد فقد اوقفته كله تقريبا على وردي وفي السهرة اعادت سهرة سوداني التي قدمتها نسرين سوركتي مع وردي بحضور الراحل حسن ساتي وابو قطاطي ثم روجت لسهرة الاثنين التي ستكون اعادة لحلقة حسين خوجلي مع وردي وكذا سهرة الثلاثاء ستكون معادة مع وردي.
(4)
كل الصحف الصادرة في الخرطوم صباح الاحد كانت عناوينها الرئيسة باللون الاسود عن الرحيل ومعظمها استخدم كلمات اغنيات وردي في نعيه للشعب السوداني مثل (وداعا نور العين) و(دي الاراردة) و(سامح دمعتنا المعذورة) و(وردي :--قلت ارحل) و(غادرنا من غير ميعاد) ومعظمها اوقف صفحة او صفحتين لمناسبة الرحيل وبعضها اعاد حوارات سابقة مع وردي وهناك من كتب عموده في ذات المناسبة رغم ان خبر الوفاة جاء والصحف في طريقها الي المطبعة لابل ان بعضها قد سحب من المطبعة بعد ذهابه اليها.
(5)
حكى لي ابني والذي ذهب على مضض لفصله الدراسي ان استاذتهم المحاضرة دخلت عليهم ووجدت اكثر من نصف المقاعد فارغا حتى الحضور كان بين واجم ومطرق فما كان منها الا ان انفجرت باكية وخرجت بسرعة ومن بعد خرج الطلاب واحدا واحدا في حالة لاتختلف كثيرا عن حالتها ولم يتكلم احد مع احد ولم يسأل احد احدا . اي سر هذا الذي استودعه الرحمن فيك ياوردي والذي جعل كل سوداني يعزي فيك كل سوداني.



توثيق إبداع وردي!

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
قدر الأجيال الحالية أن تشاهد في كل يوم ركنا ركينا من تاريخنا الثقافي والاجتماعي ينهد، ومن الواجب الذي يصل الى مرحلة التقديس، أن ينتبه الناس الى ضرورة توثيق ابداع هؤلاء المبدعين ،وذلك بمختلف وسائط التوثيق،ومن الضرورة بمكان أن يعي المبدعون أنفسهم ضرورة التوثيق ،وأن يسعوا في إكماله دون تواضع مخل وصوفية سودانية غير موضوعية.

الفنان محمد وردي الذي رحل عن الدنيا يوم الثلاثاء الماضي كان واعيا بهذا الأمر ،ولذلك فقد أولى مسألة التوثيق عناية فائقة ، ويظهر هذا الاهتمام في الحوارات الإذاعية والتلفزيونية والصحفية التي إجريت مع الراحل طوال مسيرته الفنية التي تجاوزت الستين عاما ،وبدون مبالغة استطيع القول بأنه من أكثر المبدعين الذين تم التوثيق لإبداعهم ولآرائهم ،وقد كانت آراؤه مثيرة للجدل ،ليس لغرابتها وعدم منطقيتها، لكن لصراحته التي تجعله يبدو قاسيا ومتعاليا لمن لا يعرفون مدى طيبته وإنسانيته ،ومن أكثر ما تميز به هو صرامته وعدم مجاملته في كل شأن يخص الفن.

يحترم وردي أجهزة الإعلام ويدرك مدى أهميتها بالنسبة للفنان ،ولا يكاد يرفض حوارا مهما كان رأيه في الوسيلة الإعلامية ، ويحمد له عدم الاعتذار وعدم التنصل من إفاداته مهما كانت ردود الأفعال،وفي مجال الصحافة الفنية ،ظل الراحل يتعامل مع المحررين بأريحية تامة سواء كان ذلك في بيته المفتوح أم عبر الهاتف ،في الوقت الذي ظلت هواتف بعض المغمورين مغلقة طوال اليوم،كان وردي يرد على كل المكالمات ،بل أنه يرجع لمن اتصل به ولم يستطع الرد عليه بسب النوم أو بعض المشاغل الإسرية.

هذه الروح أعطت الشعب السوداني حصيلة وافرة من أغنيات وردي ،وإذا حسبنا فقط ،المقابلات التي أجريت معه بعد عودته من مهجره الأخير الذي خرج اليه غاضبا من نظام الانقاذ، نجد عدد التسجيلات التي أجريت معه يفوق العشرين وهذه حصيلة كبيرة جدا ،واذا نظرنا لفترة زمنية قليلة ،نجد الراحل قد اجرى العديد من اللقاءات الاذاعية ابرزها لقاؤه في الإذاعة طوال شهر رمضان ،ثم حلقات قناة النيل الأزرق المميزة ،وأخيرا في رمضان الماضي عبر قناة الشروق ،ثم الحفلات الجماهيرية ولعل آخرها حفل رأس السنة الذي أعيد أكثر من مرة في شهر واحد.

يضاف الى ذلك الكتب التي صدرت عنه وتلك التي هي قيد النشر ،والمقالات المتميزة التي كتبها كبار المبدعين في سيرة حياته وفنه ،كل ذلك يناقض مقولة أن المبدعين السودانيين شحيحون في التوثيق لأنفسهم ،فقد كان الراحل حريصا على ابداء شهادته في كل الاحداث والموقف التي تمر بالوسط الفني ،بل بكل ما يمور في الحياة السودانية ،يجمع كل ذلك حرصه الشديد على الثقافة السودانية الأصيلة ،وقد تصدى مع الشاعر اسحق الحلنقي لسودنة زفة العروس بعد أن لاحظ التمصير الذي ضرب هذا المجال ولا أدري الى أين وصل هذا المشروع بعد رحيله؟
ويجب أن يواصل النقاد والباحثون هذه المسيرة ،ويمكن أن يلتقط القفاز كتّاب السيناريو ،لاسيما وأن حياة وردي تعتبر سجلا للحياة السودانية في أثرى أوقاتها.



زيدان ووردي..والله صعبة علينا..!

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
رحيل بطعم الحنظل علق بدواخل كل السودانيين، والعملاق وردي يترجل عن صهوة العطاء التى إمتدت لأكثر من خمسين عاماً، نثر خلالها درراً لاتموت، ورسخ فناً يستحق أن يكون منهجاً لكل الفنانين في السودان، فنان (كبير) بمعنى الكلمة، و(إمبراطور) حقيقي تسانده اعماله التاريخية، وليس (جوقة) من المطبلاتية والمتكسبين واصحاب العلاقات العامة، فنان يكفيه عمل غنائي واحد، ان يجعله يتربع على عرش الاغنية مدى الحياة، ويكفيه (لحن) واحد، على تصنيفه من عباقرة الموسيقى في العالم بأسره.

رحل (وردي) وهو يضيف برحيله الماً جديداً للساحة الفنية، وجرحاً غائراً آخر، بعد رحيل العندليب الاسمر (زيدان ابراهيم)، لتتيتم الاغنية السودانية فعلياً، ولتصبح على حافة هاوية (الساقط) من القول، و(الراقص المبتذل) من الالحان.

فلتحزن البلاد..وليبكي الناس..وليحزن الجميع..ليس على رحيل وردي وحسب، بل على ماستؤول إليه حال الساحة الفنية من بعد ذلك، حيث ستنتشر (الطفابيع) بكثرة، وسيصبح جسد الاغنية السودانية بحاجة أكثر لبتر اجزاء كبيرة منه، حتى لايتبقى إلا قليل يصلح لتسيير ماتبقى من انفاس الحياة بداخله.
نحن لسنا من المتشائمين، ولكننا من المتحسرين، ففي الآونة الاخيرة وقبيل رحيل وردي، عزم على مد بعض الفنانين الشباب بعدد من الأغنيات والالحان، وإستبشرنا خيراً بتلك الخطوة التى ستسهم بشكل أو بآخر في تدعيم مسيرة اولئك الشباب وبالتالي الحد من إستئساد الهابط بمختلف اشكاله والحانه، ولكن ارادة الله كانت أسرع.

ليت كل الفنانين الشباب كانوا حاضرين في وداع الراحل بمقابر فاروق، ليشاهدوا بأم اعينهم كيف يصنع الناس التاريخ لانفسهم، وكيف يجبرون كل الشعب على الحضور في وداعهم، ليس بالعلاقات أو بالصلات أو حتى بالمواقف (الشاذة)، بل بالعطاء النظيف، الذى يسجله التاريخ، ويحفظه في مكان آمن بعيداً عن كل الظروف...وليت كل الشباب اخذوا من ذلك اليوم منهجاً لتعلم كيفية ان يحترمك الناس.. والدولة..والشارع.. والاطفال..والطلاب.. والموظفين..وحتى ربات البيوت.

نعم..رحل وردي..وقبله زيدان..ولكن يكفيهما ان التاريخ كان حاضراً في ليلة وداعهما..وما أكثر من لايسجل التاريخ حضوراً في وداعه.
شربكة أخيرة:
وردي وزيدان..والله صعبة علينا..!



في أمسية إسدال ستائر الأحزان...
دموع..وعبرات..وكلمات ليست كالكلمات.!

المعمورة: أحمد دندش/ تصوير: سعيد عباس
قليل هي المشاهد التى تنتزع (ناصية) الاهتمام وتستأسد على كل رفيقاتها في احتكارية استدعاء الذكرى، ولعل المشاهد التى تجسدت في رحيل عملاق الأغنية السودانية محمد وردي، كانت هي الأوفر حظاً في ذلك، فالنفوس كانت مابين التردد والتخبط والحزن الأليم تحتبس بقايا مدرار دمع جادت سحائبه وهطلت لتبلل وسادة الفراق من جديد، وكذلك المشاهد في الليلة الأخيرة وإسدال الستار على عزاء الموسيقار الكبير محمد وردي بضاحية المعمورة بالخرطوم، تلك الليلة التى تدفقت فيها الأحزان وغمرت المكان، والكل يبحث عن (نور العين) الذى اختطفته يد المنون.
(1)
حضور متنوع شكل ملامح وتفاصيل الأمسية، فنانون، وأدباء، وسياسيون، ودستوريون، وشعراء، وإعلاميون، وعشرات المواطنين الذين لم تجمعهم بوردي صلة أقوى من رباط الحب، الذى إذا ماتمتن فلن يوازيه رباط آخر.
(2)
السرادق الحزين الذى نامت أطرافه على أرض المعمورة وهي تستعد للطي والمغادرة، كان حافلاً بالشخصيات العامة ونجوم المجتمع، بينما كان السيد وزير الدفاع عبد الرحيم محمد حسين حاضراً منذ وقت مبكر، وجاء مستقلاً سيارته بنفسه، واختار مكاناً وسطياً بين الجموع دون أن تلتقطه العيون، بينما توزع بقية الحاضرين في صمت، في انتظار إشارة البدء لمراسم الوداع الأخير.
(3)
أبناء المرحوم كانوا في المدخل للسرادق، وعيونهم تحكي بصدق عن الفقد، بينما وقف بجانبهم بعض أصدقاء الراحل مشدين من أزرهم، ومعضدين لهمتهم، وحابسين لدمع المآقي، الذى كان يصر على الحضور كلما عز الحديث.
(4)
الإعلامي المخضرم علم الدين حامد أدار دفة الأمسية بهدوئه المحنك، ونظرته الثاقبة فظل يسرد على الحضور تاريخاً كبيراً وسيرة رجل استثنائي اسمه (محمد وردي) قبل أن يطلب من الحضور قراءة سورة الصمد للراحل أحد عشر مرة، ليتلو كل السرادق في صوت واحد الآيات الكريمات، ويترحم على روح الفقيد.
(5)
كلمات عديدة سرت في تلك الأمسية، وكلها كانت تفيض بحزن عميق ونبرة لن نجد أفضل من وصفها سوى عبارة (أليمة)، لنوفيها حقها، فبالرغم من الوفاء الذى حملته الكلمات للراحل إلا أن حزنها كان يناطح الحروف ويسبقها في أحايين كثيرة إلى (ميس) الوصول.
(6)
الأحزاب السياسية كانت أيضاً هناك وفي مقدمتهم الوطني والشيوعي والأمة وبقية العقد النضيد، وألقى ممثلوها كلماتهم في حق الراحل، فجاءت كلها موزونة، وكأنها تأبى أن تختلف عن شخصية الراحل ومبادئه في الحياة، ولعل حضور تلك الأحزاب جميعها كان إشارة واضحة لمكانة هذا الرجل في قلوب الناس جميعهم، واستفتاء حقيقي على أن الكل يفتقدون بالفعل جزءاً عزيزاً من هذا الوطن.
(7)
اتحاد الفنانين ألقى كلمة ضافية بلسان رئيسه (حمد الريح) الذى ابتدر الحديث بأنه يتشرف أن يتحدث عن قامة مثل وردي، وعدد مآثره قبل أن يلقي الأستاذ معتصم فضل مدير الإذاعة القومية كلمات ضافيات عن الراحل وإسهاماته في الإذاعة وتقديره لها وتقديرها له والمكانة الخاصة التى تجمع بينهما.
(8)
كلمات أخرى عزيزة وتنضح بالحزن تخللت الأمسية، وصوت بكاء خافت خلف الجموع، وامرأة تلتحف ثوب الدموع لتعبر بها عن حالتها في تلك اللحظات، ومثيلاتها كثر بعد أن احتلت حواء الجانب الجنوبي من سرادق العزاء في حضور أكد أيضاً أن (النواعم) لم يفتهن قطار الوفاء ولم يبتعد كثيراً عن محطات التلويح الحزينة في الليلة الأخيرة..ليسدل الستار على ليلة وداع وردي الأخيرة بضاحية المعمورة..ولييمم المعزون وجوههم مغادرين المكان..ولتبقى سيرة ذلك الهرم الفني على كل لسان..(إنا لله وإنا إليه راجعون.)



التوقيع:

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

أبوسهيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 02-22-2012, 07:55 AM   رقم المشاركة : [20]
أبوسهيل
عميد الموقع
الصورة الرمزية أبوسهيل
 
اخر مواضيعي

المستوى: 81 [♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥♥ Bأ©-Yأ?u ♥]
الحياة 3024 / 3024

النشاط 6974 / 23320
المؤشر 65%


افتراضي

(الفرعون) محمد وردى... أبَيْتَ اللَّعْن (3-3): عبد المحمود نور الدائم الكرنكي

كانت أشعار النابغة الذبياني في بلاط ملوك الغساسنة تستخدم عبارة (أبيت اللّعن). كان يقول... أتاني أبيتَ اللعن أنك لمتني وتلك التي تصطكُّ منها المسامعُ. وكان يقول... أتاني أبيت اللّعن أنك لُمتني... وتلك التي أهتمُّ منها وأنصَبُ... فبِتُّ كأنَّ العائداتِ فَرَشنَ لي هِراساً... به يُعلَى فراشي ويقشِبُ... حلفتُ فلم أتركْ لنفسكَ ريبةً... وليس وراءَ اللهِ للمرِءِ مذهبُ. أبيت اللّعن عبارة تستخدم في الإحترام والتوقير في مخاطبة المقام السامي. بذلك أصبح النابغة شاعر الإعتذاريات الأشهر. تلك عبارة محمد وردي جدير بها.

لكن ماذا عن الفرعون محمد وردي؟.
جاء في قاموس (لسان العرب)، أن الفرعون تعني التمساح. ذلك يعني أن الفرعون لغةً، ليس اسم شخص بعينه، بل هو اسم حيوان. لكن حدث خلط كبير بين فرعون اللغة (التمساح) وفرعون موسى عليه السلام، الذي ادَّعى الألوهية، فتكفل رب العزة بإغراقه ونجّاه ببدنه ليكون لمن خلفه آية. وقد كانت تلك، أي النجاة، سبباً في إسلام العالم الفرنسي (موريس بوكاي)، الذي أوضح له العلم التجريبي الذي درس مومياء ذلك الفرعون أنه مات غرقاً. وحينما قرأ (بوكاي) الآية الكريمة (اليوم ننجِّيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) أعلن إسلامه. فرعون النبي موسى عليه السلام إيماناًَ واعتقاداً منبوذ وبغيض، وهذا متفق عليه. وهذا على النقيض من محمد وردي حبيب الجماهير الذي تسلطن في وجدانها.

الفرعون لغةً تعني التمساح، وفي ثقافة السودان النيلية، في أشعاره وتراثه، يحتلّ التمساح (الفرعون) مكاناً مميَّزاً في سياق المدح، مدح الأبطال. جاء ذلك في الغناء الشعبي حيث غنى عبدالكريم الكابلي (اللِّدِر العلى ضهره الخبوب والطين... ما بياكل الضعيف... وما بيسولب المسكين). اللِّدِر تعني التمساح (الفرعون).

وهذا فرعون (تمساح) بطل يعفو عند المقدرة، ولا يذبح الأطفال، ولا يصادر ما يملكه الفقراء، ولا يأكل أموالهم.

وغنَّى الفنان مدني صالح من أغاني التراث أغنية (يوم طلعت القمرة إخير يا عشانا تودِّينا لأهلنا... بسألوك مننا). في تلك الأغنية غنى مدني صالح (غنَّت ليك البِنَيَّة... تمساح الكَبَلُّو الضارب اللَّيَّة... ببلع جب جب لخصيمه جِدْ ليَّة). وهذا فرعون بطل (مأمون على بنُّوت فريقه). فراعنة (تماسيح) الثقافة الشعبية السودانية قمم في مكارم الأخلاق. أنظر إلى هذا الفرعون (تمساح الكَبَلُّو) نصير المرأة ورافع لواء عزتها... غنت ليك البنات يا ضو القبايل يا مُقنَع الكاشفات... الكُلّ بوراك يا مدرِّج العاطلات. يا مقنع الكاشفات أى يا من تصون حرية المرأة فلا تتعرَّض لمهانة الأسر والسّبي. العاطلات المخذولات اقتصادياً. وجاء في المدح، مدح الأبطال، تمساح دار جعل، وتمساح الدميرة الما بكتلو سلاح. وغنَّى عبدالدافع محمد حمد (التمساح العشاري) (طوله عشر أذرع)... الليلي العمَّ الضهاري (الأرياف)... ماقالوا خاف جانا جاري... يضرب يمين ويساري). يحتل التمساح (الفرعون) مكاناً ممَّيزاً في ثقافة السودان النيلية، لأن التمساح (الفرعون) ملك البحر. مثلما الأسد ملك البرّ. مثلما النسر ملك الجوّ. وقد اتخذ السودان (الحديث) ومصر (الحديثة) وأمريكا النسر شعاراً وطنياً. في مايو 1969م، اتخذ السودان، بعد وحيد القرن، صقر الجديان شعاراً وطنياً. وهو من فصيلة النسور، أمريكا اتخذت النسر شعاراً وطنياً. كما أصبح في أمريكا شعار (البريد السريع) (فيدرال اكسبريس)، وشعارسيارة (بويك) من انتاج جنرال موتورز وقد توقف انتاجها. كما أن النسر شعار نوع من أنواع البيرة الأمريكية.
في سودان الحضارات القديمة، كان التمساح (الفرعون) لقب سياسي للملوك.

كما في منابع النيل الأزرق، في أثيوبيا، نجد أن لقب الامبراطور هيلاسيلاسي الأول كان (أسد يهوذا). وفي السودان القديم كان هناك تمثال (أبا دماك)، وهو إنسان برأس أسد. وفي الآثار الأريترية القديمة نجد تماثيل إنسان برأس أسد.

التمساح ملك البحر أي ملك النيل، والنسر ملك الجوّ، والأسد ملك البر. وقد اتخذت بريطانيا العظمى الأسد شعاراً وطنياً، رغم عدم وجود أسد طبيعي في ربوعها، حيث أن افريقيا وجنوب آسيا هي الموطن الأصلي للأسد. وكان لقب ملك انجلترا ريتشارد الأول (قلب الأسد)، والذي هزمه صلاح الدين الأيوبي. و (قلب الأسد) في اللغة الإنجليزية تعني رمز الشجاعة، ولفلان قلب أسد أي إنسان شجاع. وفي لغة انجلترا أى الانجليزية عبارة (نصيب الأسد) تعني النصيب الأكبر أو الأفضل. ويُذكر أن جذور كلمة (لَيُون) الإنجليزية ترجع إلى اللغة الإغريقية. وفي بريطانيا العظمى يعتبر الأسد شعار النبالة (من النُّبل أى المكانة النبيلة). وفي البروج يوجد (برج الأسد).

أما أبو الهول الرمز الفرعوني الشهير، فجسمه جسم أسد، ورأسه رأس إنسان (لا أدري رجلاً أم امرأة). وأبو الهول الإغريقي جسمه جسم أسد ورأسه رأس امرأة. وقد غنَّى عبدالكريم الكابلي من أغاني التراث السوداني (أسد بيشة المِكَرمِت قمزاته مِتطابقات). بيشة مكان في جزيرة العرب. (قمزاته متطابقات) هي صورة باللغة الدراجية عن وثبات الأسد الجاري لما قاله المتنبئ عن وثبات الحصان السريع. (رجلاه في الركض رِجلُُ ُ واليدان يدُ ُ٭ وفعله ما تريد الكفُّ والقدمُ).

وقد اتخذ ملوك النيل، وملوك الحضارة السودانية (الفرعون) أي (التمساح) شعاراً، وتلقَّبوا بالتمساح أي الفرعون. وانتقل التمساح من الثقافة النيلية السياسية، إلى الثقافة النيلية الإجتماعية، والثقافة النيلية الدينية. ونجد أن أحد أولياء الله الصالحين يُسمَّى (تمساح الكدرو) أى ملك الكدرو بمعنى السيادة الدينية والعلمية. ومن ذريته الشاعر محمد بشير عتيق.

وفي شعر محمد المهدي المجذوب، في ديوان (نار المجاذيب)، في قصيدة (المولد) التي يغنيها عبدالكريم الكابلي، حيث تناولت حلقات الذكر الصوفي وملوكية التمساح (الفرعون). قال المجذوب في قصيدته (وينادي مُنشِدُ ُ شيخاً هو التمساح... يحمي عرشه المضفور من موج الدَّمِيرة... ندبوه للمهماتِ الخطيرة... شاعرُ ُ أوحَى له شيخُ الطريقة... زاهدُ ُ قد جعلَ الزهدَ غِنىً... وله من رُقَعِ الجُبّةِ ألواناً حديقة... والعصا في غربة الدنيا رفيقة (مقام الغربة)... وله طاقيةُ ُ ذاتِ قرونِ. وقد حدثني ابن الشاعر الأخ عوض الكريم محمد المهدي مجذوب عن قصيدة المولد، فقال إن والده الشاعر عاد تلك الليلة الختامية من احتفال المولد النبوي إلى المنزل، ولم يجلس، بل بدأ كتابة القصيدة وظل واقفاً يكتب القصيدة حتى أكملها.

في تلك الليلة العظيمة ظلّ المجذوب العائد من خارج المنزل واقفاً حتى أكمل القصيدة الرائعة، وقد امتزج فيها الفن بالفلسفة بالدين. كيف اختزنت الذرَّة الطاقة النووية الهائلة... والقُوَىْ خرجت من ذرّةٍ هي حُبْلَى بالعدم... أتُراها تقتلُ الحربَ وتنجو في السَّلَم... ويكون الضعفُ كالقوَّةِ حقاً وذِماماً... سوف ترعاه الأمم؟.
وعن علاقة التمساح (الفرعون) بالنيل، طرح الجاحظ سؤاله العبقري، من أين ينبع نهر النيل؟. ولكن أبا عثمان لم يقدّم إجابة عبقرية. حيث قال إن نهر النيل ونهر السِِّّند، ينبعان من نفس المنبع، لأنهما يفيضان في الصيف، وتوجد التماسيح في كليهما!.

كان التمساح (الفرعون) شعار ورمز سياسي في حضارة السودان القديمة. مثلما الأسد شعار بريطانيا العظمى، والنِّسر شعار الإمبراطورية الأمريكية. وفي إطار الكبرياء الوطني والإعتزاز بالماضي السوداني العريق، جاء لقب (الفرعون محمد وردي)، كما جاء الإسم التجاري (سيراميك الفراعنة)، وكما يُسميَّ الفريق المصري لكرة القدم بـ (الفراعنة). في ذلك الإطار يأتي لقب الفرعون و(الفراعنة)، تحبُّباً وانتماءً لعزٍّ عريق، لاعلاقة له بفرعون موسى عليه السلام وجرائمه وكفرانياته، بل بثقافة الحضارة النيلية القديمة.

مَن وصفوا وردي بـ (الفرعون)، وصفوه تحبّباً واعتزازاً، باعتباره ملك من ملوك حضارة الفن السوداني. ولو كان وردي من ملوك الغساسنة لقالوا له أبيت اللّعن، أي ترفعت عمَّا يشين وتنزّهت عمَّا لايليق.

ويجب قراءة وصف الفرعون وردي في سياقاته الرمزية. وقد عرفت كل الثقافات الرمزيات الحيوانية. وقد جاء في كتاب النيل الأزرق بقلم ألن مورهيد وتعريب الراحل د. إبراهيم عباس أبو الريش، (أن الملك نمر كان رجلاً مهاباً طويل القامة، ذا كبرياء، محافظاً على عادات قومه، وكان يرتدي في المواكب الرسمية فرواً من جلد النمر. وهو من علامات المُلك في وادي النيل)، وفي حلقات الذكر الصوفي للطريقة القادرية رأيت شيخاً من ذرية الشيخ عبدالسِّيد القادري يطوف بحلقة الذكر، وهو يرتدي فرواً من جلد النمر (علامة المُلك والسيادة الدينية). والموسيقى السودانية منذ العهود السودانية التاريخية السحيقة، لم تنساب إلى آذاننا اليوم، عبر (مؤسسة فنية)، بل عبر (المؤسسة الدينية)، عبر (الدين المنظَّم). حيث قام (الدين المنظم) في السودان، في المعابد والأديرة والكنائس والزوايا الصوفية، وحلقات الذكر و(نمَّات) التلاوة القرآنية، بحفظ موسيقى الأهازيج الدينية وترانيم الموسيقى السودانية الخالدة، من عهود الوثنية السودانية إلى عهود السودان المسيحي، إلى عهود التوحيد. (الدين المنظم) حفظ تراث الموسيقى السودانية، كان ذلك هو الإطار الثقافي لللملك الفرعون محمد وردي. في ذلك الإطار جاءت تحية المبدع الكبير الراحل، مثل تحيّة ملوك الغساسنة... أبَيْتَ اللَّعْن!.




رحل ولكنه سيبقى في ذاكرة الناس بفنه وإبداعه

فريق ركن/ ابراهيم الرشيد علي/الدفعة عشرين
نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة
الإخوة رفقاء السلاح قدامى المحاربين تشاطر اتكاءة محارب الشعب السوداني الأحزان في وفاة الفنان المبدع محمد عثمان وردي الذي انتقل إلى جوار ربه هذا الأسبوع.. وللفنان وردي مكانة خاصة في قلوب قدامى المحاربين ورفقاء السلاح على مر السنين وعرفته القوات المسلحة وقادتها وهو في بداية مشواره الفني عندما غنى نشيده تمجيداً لثورة الفريق عبود وقبل ذلك النشيد الوطني الذي ردده كل الشعب السوداني «اليوم نرفع راية استقلالنا ويسطر التاريخ مولد شعبنا، يا إخوتي غنوا لنا، غنوا لنا».
وغنى لثورة مايو «إنت يا مايو الخلاص».

الفنان وردي أول من غنى للشهداء ونذكر هنا قصيدة الشاعر المرحوم علي عبد القيوم «نحن رفاق الشهداء».

والقصائد الوطنية التي تغنى بها الفنان وردي تصدر بها قمة الغناء الوطني فما قامت مناسبة وطنية إلا كان وردي أول من يغني لها.

لم يكن الفنان وردي مجرد فنان يغني الشعر الغنائي والقصائد الوطنية ولكنه كان بشعره وفنه وانتمائه الفكري مؤثراً بشكل كبير في الساحة السياسية والنضال الوطني وفي هذا المجال قد يختلف معه الكثير من الشعب السوداني ولكن أحبه الجميع كفنان مبدع وملحن وموسيقار يسحر الناس بموسيقاه وصوته وأدائه.

إخوتي قدامى المحاربين ونحن في الاتكاءة نوثق للموسيقا العسكرية والمبدعين فيها الأسبوع الماضي ونواصل هذا الأسبوع يصادف ذلك رحيل أحد المبدعين الوطنيين والفنانين القامة الأستاذ محمد عثمان وردي نسأل الله له واسع رحمته وأن يجعل ما أدخله من سرور وبهجة في نفوس محبيه ومريديه من الناس على امتداد الوطن وخارجه في ميزان حسناته «إنا لله وإنا إليه راجعون».



التوقيع:

نقره لعرض الصورة في صفحة مستقلة

 

أبوسهيل غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:34 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2013, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
vEhdaa 1.1.2 by NLPL ©2009
التسجيل