نقطة بداية: تيسير حسين النور
الربح الأكيد ..!
وفقًا لدراسة أمريكية تبين أن الأطفال الذين سافروا خلال العطلة ــ مهما كانت وجهتهم ــ كانوا الأحسن في القراءة، الرياضيات والمعرفة العامة من نظائرهم الذي لم يسافروا خلال العطلة!! ولا خلاف في أهمية السفر وفوائد السفر ولكن في كيفية السفر ووسيلته وتكلفته وبالمختصر إمكانياته التي تكاد تنعدم عند معظم الأسر السودانية التي يصدف أن يصل أبناؤها إلى آخر المراحل الدراسية ولما يغادروا منطقتهم وبلدتهم التي يسكنون.. وإذا تجاوزنا مسألة السفر ما البديل الذي يغذي الأبناء روحيًا وفكريًا طوال العطلة الصيفية الممتدة ويبعد عنهم رهق العام الدراسي ورهق تفاصيل اليوم مع الأهل!!
قلبي على الأبناء الذين كثيرًا ما نطالبهم بما يفوق استعدادهم الوقتي ونضع فيهم كل أحلامنا التي لم تتحقق وآمالنا التي غرسناها فيهم مبكرًا ومازلنا نلاحقهم بها ..!قلبي على الأبناء وهم يكابدون رهق العيش معنا ويكابدون تعسر المدارس والسياسات التعليمية المتقلبة.. يحشون ذاكرتهم وأدمغتهم ويكبونها دفعة واحدة ثم يتنفسون الصعداء عند مجيء العطلة الصيفية ويصبحون وكأن بينهم وبين الكتاب والقراءة عداوة ؛ فلا يحتملون الكتاب أي كتاب ناهيك عن الكتاب المدرسي والأسباب غير بعيدة عن المناهج وأسلوب التدريس وحجم المقرر وبرنامج المدرسة اليومي الذي يخلو مما يحفز ويحبب ويرغِّب التلميذ فيه كل يوم.. ونتساءل هل وزارة التربية والتعليم معنية بأيام العام الدراسي وكفى!! وباقي شهور العام تتجاهل هذا التلميذ الذي ظل يجاهد طوال العام الدراسي وتأتي العطلة التي بدلاً أن تضيف له إيجابياً نجدها تأخذ منه ويتعود التراخي والكسل ..! لماذا لا تضع وزارة التربية والتعليم وبالاشتراك مع وزارة الثقافة ووزارة الشباب والرياضة والتربويون والخبراء والمختصون جميعهم يشتركون في وضع خطط للعطلة الصيفية تستوعب طلبة المدارس وتنعش ذاكرتهم وطاقاتهم وتفجر مواهبهم وقدراتهم التي توارت خلف جمود المقررات وأسلوب التدريس وتشمل البرامج الصيفية الرحلات الداخلية والخارجية والبرامج والتدريب الرياضي والفني والحرفي وتنمية المواهب وتقوية الضعف في اللغة العربية والإنجليزية وإقامة المسابقات في نهاية البرامج المختلفة.. والحصيلة الاستفادة القصوى من أيام العطلة مع المتعة والتجديد والمعلومة واكتساب المهارات ولا أظن الدولة تبخل على بنيها وهم سلاح المستقبل نتقوّى بهم وننعم بوعي خلاق وفكر سديد ؛ ولا أدري أية استثمار أقوى من أن نستثمر في طاقات الأبناء فهي الربح الأكيد .. فهل من سبيل ..!
لكم التحية...
أحمــــد هـــارون.. رجـــــل المهـــام الصعـــبـة
العلاقة ما بين مطالبة المحكمة الجنائية بتسليم أحمد هارون ومحاولة اغتياله وإقالته من سُدة حكم ولاية جنوب كردفان، علاقة ذات سيناريو واحد تكاد لا تختلف في الهدف أو المطلب الأساسي، فقد ظل الرجل يحتل واجهة الأحداث التي اعتاد على إلفتها فعمدت هي الأخرى إلى إلفته لحد كبير، وطيلة حياته السياسية ارتبط الرجل بتوليه المهام الصعبة في المواقع القيادية حتى رسا به المطاف أخيرًا والياً لولاية جنوب كردفان، ففي الوقت الذي صمد فيه الرجل وواجه كل التحديات التي صاحبت الولاية بعد الفوز الكاسح الذي حققه بمنصب الوالي وقطع عهدًا على نفسه ببذل الغالي في سبيل الولاية من أجل إعادة السيرة الأولى لإنسان جنوب كردفان ومنحه أمناً واستقرارًا، ومزيدًا من التنمية التي فقدتها، نجد في المقابل آخرون يسعون للسباحة عكس التيار، وما مضى زمن حتى استطاع الرجل وحكومته إنجاز العديد من التعهدات التي قطعها على نفسه باثاً في نفوس المواطنين الأمل بتحقيق الأمن والاستقرار في كل الولاية، المكافأة التي يستحقها كانت منادات أصوات باستقالته من منصبه كوالٍ، وتعالت مجددًا هذه الأصوات غير أن الخطوة قمعت بقوة من قبل المؤتمر الوطني، نافياً أي اتجاه لعزل الوالي، الأمر الذي رفضه أنصار هارون واصفين الخطوة بـ«التخزيلية» لكون أن الرجل يقود الولاية في ظروف أمنية وسياسية وإنسانية معقدة، لم يسلم هارون من المطالبة بإقالته بهجوم مفاجئ من القيادي السابق بحزب الأمة القومي وأحد أبرز أعيان المسيرية عبدالرسول النور الذي وصف الرجل بأنه أحد عناوين الأزمة، منتقداً بشدة السياسة التي يتبعها في جنوب كردفان لكونها تتركز حول المعالجات الأمنية وتستفرد بالرأي والقرار وتغيِّب «حكماء المنطقة» ولاتشاور أحداً، ومضى عبدالرسول النور لأبعد من ذلك حيث طالب رئاسة الجمهورية بالتدخل وإعفاء أحمد هارون من منصبه عبر إجراءات استثنائية تماثل التي تم استخدامها بموجب صلاحيات رئيس الجمهورية الدستورية في النيل الأزرق، غير أن مستشار حكومة ولاية جنوب كردفان ياسر كباشي كشف في حديثه لـ«الإنتباهة» عن وجود فئات ومجموعات تطالب بإقالة أحمد هارون، أبرزهم عبد الرسول النور القيادي السابق بحزب الأمة القومي وأبرز أعيان المسيرية، وقيادات المؤتمر الوطني الذين وقفوا من وراء المذكرة الشهيرة التي قدمتها قيادات لتصحيح المسار، وهو الستار الذي أخفت من خلفه قيادات المذكرة رغبتها في إبعاد هارون. إلا أن تلك المذكرة قد تطابقت رؤاها مع ما قطع به القيادي السابق في الأمة عبدالرسول النور إذ لوّحت بأنه أصبح جزءاً من الأزمة في المنطقة، وأن إبعاده يتيح الفرصة لحل سلمي بين الحكومة والحركة الشعبية، مشيرًا إلى أن القيادات ومدعي تمثيل مكوناتها يتحملون جزءاً من مسؤولية ما جرى ويجري من خراب في الولاية، مؤكدًا أن هارون يمثل حزباً سياسياً معروفاً وينفذ أجندته، إلا أنه رغم ذلك يتعرض من قبل بعض قيادي هذا الحزب في جنوب كردفان والمركز لمؤامرة تهدف لإبعاده عن الولاية، متهماً بدوره هذه القيادات بقيادة تمرد بمشاركة ودعم أنصارها أخطر من تمرد الحلو لأنه على حد تعبيره، يستهدف نسيجها وتماسكها الاجتماعي ويرى مراقبون إلى تزامن التحركات الجديدة باتجاه إقالة هارون، مع بعض القرارات التي اتخذها، ومنها قرار إعفاء معتمد «الفولة»، ويؤكد المراقبون أن عملية استهداف هارون التي قال بها، فإنه يؤكد أن القيادات التي تتصدر تمثيل الولاية منذ السبعينيات، تحاول تعليق شماعة فشلها على «هارون»، مبررًا ما ذهب إليه بما يقول عن انتقادات حادة توجه إليهم من قبل قبائل جنوب كردفان، لعدم تقديمهم إلى المنطقة شيء، واستبعد عدد من المراقبين صعوبة إعفاء أحمد هارون من منصبه بقرار استثنائي، مستدلين بالثقة الكبيرة التي حظي بها الرجل من قبل القيادة السياسية العليا وبخاصة «الرئيس ونائبه الأول».. هكذا ظلت وضعية هارون في مناصب عديدة تجعله يقترب كثيراً من الموت والتحديات الصعبة ومنها المطالبة بالإقالة.
همس وجهر
«الإنتباهة» تسحق «آخر لحظة» بسباعية
حقق فريق «الإنتباهة» لكرة القدم فوزًا ساحقًا على نظيره بـ«آخر لحظة» في لقاء ودي جمع فريقي الصحيفتين أمس بملاعب سامسونج بالجريف، وأودع هجوم «الإنتباهة» سباعية في شباك منتخب «آخر لحظة» الذي نجح في تسجيل خمسة أهداف، وشهدت المباراة تألق أسعد حسن وبكري خضر ومحمد أبوالعزائم من «آخر لحظة» فيما نال نجومية اللقاء مدافع «الإنتباهة» عبد الرحمن الذي وقف سدًا منيعًا أمام الحارس المتألق نادر بلة.. أحرز أهداف «الإنتباهة» عبد الله عثمان وحيدر «هدفين» لكلٍّ وعلي وهيثم وعبد الرحمن، وشهدت المباراة اعتراضات كثيفة من قبل لاعبي «آخر لحظة» على التحكيم.
تجاوز للشروط
حالة من السخط وعدم الرضاء ظهرت على وجوه الشعراء المشاركين في مهرجان «سحر القوافي»، حيث تابعت «الزاوية» تجاوز عدد من الشعراء شروط الجائزة وتحديداً الشرط الذي يقول «لا يجوز المشاركة بعمل تم عرضه من قبل في منافسة». وما أثار الدهشة أخيراً ما حملته صحف الخرطوم عن تأهل أكثر من «8» شعراء إلى المرحلة الثانية شاركوا بنصوص تم المشاركة بها من قبل في ذات المسابقة وذات اللجنة في نسخة المهرجان الأولى.
لافتات مصرية للقضاء السوداني
تجرى خلال اليومين القادمين أولى جلسات النظاميين المتورِّطين في اختطاف المواطن المصري صاحب مطعم المشويات بالحاج يوسف والذي تم اختطافه في خواتيم العام الماضي، مصادر «الزاوية» علمت أن المصري شرع في كتابة عدد من اللافتات القماشية التي تحمل عبارات هتافية مثل: «نثق في عدالة القضاء السوداني» و«يحيا العدل» وحشد بعض أنصاره لحمل اللافتات والتوجه بها لقاعة المحكمة، وأكدت المصادر أن سلطات أخرى تدخلت ومنعت هذا الاتجاه بحجة التأثير على العدالة وأخبروا المصري أن هذا الأمر ممنوع بالقانون.
رمق الصحيفة الأخير
تصاعدت خلافات الصحيفة الوليدة لمرحلة طرد مدير التحرير الذي ظل يطالب بحقوقه ومتأخراته لأكثر من عشرة أشهر، وقد تقدّم قبله رئيس التحرير باستقالة مكتوبة لذات السبب إلا أن المدير العام رأى أن يحرر له «شيك» يصرف في أغسطس القادم.. مصادر«الزاوية» تؤكد أن الصحيفة «الآن» في رمقها الأخير بعد الاستغناء عن معظم العاملين فيها بما في ذلك فني الحاسوب ماعدا المصممين.
اتهامات خطيرة!!
ارتفعت وتيرة الأحداث داخل الحزب العريق، ووصلت إلى حد اتهام أعضاء بالحزب بالتورط في القيام بأدوار مشبوهة مع نافذين بالحزب «العريض» في تعيين الوزير الولائي المنافس للمسؤول السياسي للحزب بالولاية في منصب الوالي خلال الانتخابات السابقة على مستوى الحزب، إلا أن مناصري المسؤول الذي يشغل منصباً رفيعاً في الحكومة الاتحادية رفضوا الاعتراف بأهلية الوزير الولائي للمنصب، واعتبروا أن في الأمر «شيئاً ما». وتشير مصادر «الزاوية» إلى الاتصالات الماكوكية بين قيادة الحزب بالولاية والمركز لتلافي الأزمة التي عجلت بسقوط رمزية الحزب بالولاية على خلفية الصراع التنظيمي.
نهر النيل في الشعر السوداني والمصري : مصطفى عوض الله بشارة
يعتبر نهر النيل أهم نهر في إفريقيا وثاني أطول نهر في العالم، ويتألف من رافدين كبيرين: الأبيض الذي ينبع من بحيرة «فكتوريا» في وسط إفريقيا، والنيل الأزرق ينبع من بحيرة «تانا» في الحبشة.
ويلتقي هذان الرافدان في مدينة الخرطوم، ويستمر النهر في مسيرته إلى مصر، وإلى مصبه في البحر الأبيض المتوسط.
وأضحى نهر النيل عبر العصور والأجيال المتتالية مصدر وحيٍ بمختلف أخيلتهم ورؤاهم الإبداعية. وما فتئوا ينظرون إليه نظرات حبٍ وإعجاب، وتقدير في كل زمانٍ ومكان.
والشاعر المصري الكبير أحمد شوقي وقف على شاطئ النيل في لحظة إعجاب وتأملٍ، وفي فكره وإحساسه أسئلة حيرى تبحث عن مرافئ ثقةٍ وطمأنينة ويقين لكي تهدأ عندها خواطره، وتستقر نفسه وتسعد بها مشاعره، وهو يطرح السؤال إثر السؤال لعله يجد إجابة مقنعة يطمئن إليها، بقوله في قصيدة «النيل»:
من أي عهدٍ في القرى تتدفق
وبأي كفٍ في المدائن تغدق؟
ومن السماء نزلت أم فجرت من
عليا الجنان جداولاً تترقرق؟
وبأي عينٍ أم بأية مزنةٍ
أم أي طوفانٍ تفيض وتفمق؟
وبأي نولٍ أنت ناسج بردةٍ
للضفتين جديدها لا يخلق
تسود ديباجاً إذا فارقتها
فإذا حضرت اخضوضر الاستبرق
في كل آونةٍ تبدل صيغة
عجباً وأنت الصايغ المتأنق
تسقي وتطعم لا إناؤك ضائق
بالواردين ولا خوانك ينفق
والماء تسكبه فيسبك عسجداً
والأرض تغرقها فيحيا المغرَق!
وبخيالٍ مجنحٍ وإحساسٍ مرهف، ارتسمت في ذاكرة ووجدان شاعرنا السوداني المبدع التجاني يوسف بشير لوحة فنية زاهية الألوان بديعة الصور، نبصر فيها من خلال صياغته الشعرية الرائعة «نهر النيل» محمولاً من جنة الفردوس على أجنحة الملائكة إلى سكان المعمورة، وهو يقول في قصيدته «محراب النيل»:
أنت يا نيل يا سليل الفراديس «م»
نبيل موفق في مسابك
ملء أوفاضك الجلال فمرحى
بالجلال المفيض من أنسابك
حضنتك الأملاك في جنة الخلد«م»
ورفت على وضيء عبابك
وأمدت عليك أجنحةً خضراً «م»
وأضفت ثيابها في رحابك
فتحدرت في الزمان وأفرغت «م»
على الشرق جنةً من رضابك
بين أحضانك العراض وفي كفيك «م»
تاريخه وتحت ثيابك
مخرتك القرون تشمر عن ساقٍ «م»
بعيد الخطى قوي السنابك
يتوثبن في الضفاف خفافاً
ثم يركضن في ممر شعابك
ويسترسل الشاعر المبدع التجاني يوسف بشير إلى أن يقول:
أيها النيل في القلوب سلام الخلد «م»
وقف على نضير شبابك
أنت في مسلك الدماء وفي الأنفاس
تجري مدوياً في انسيابك!
ومن الوجد والهيام بمحاسن نهر النيل، عبّر الشاعر المصري الدكتور أحمد زكي أبو شادي عن مدى وفائه وابتهاجه بالخير العميم الذي أنعم به الله تعالى على أهل وادي النيل بهذا النهر العظيم، قائلاً عنه:
يجري بماء حياتنا وحياته
فكأنما صرنا سريّ نباته
يجري بغالي الرزق جري موفقٍ
للبر لا يمتن من حسناته
وسخاؤه يأبى الرجوع لبذله
فيذوق ملح البحر عذب فراته
حتى الهواء، فلطفه من جوده
حتى النسيم، فطبعه من ذاته
وترى المروج يمينه وشماله
صور الجمال حنت على مرآته
وترى الحقول قصائداً منظومةً
بالرائع الفتان من أبياته
يا نيل لن ينسى عهودك شارب
مما منحت وذاكر ُلحماته!
وفي وجدان الشاعر السوداني عمر الحسين شوق وحنين للعودة إلى قريته «نوري» في شمال السودان لكي يسعد بمشاهدة رونق الطبيعة ومباهجها الخلابة التي أضفى عليها نهر النيل جمالاً وبهاءً وسحراً ولم تبرح فكره وخياله ذكرياته الجميلة عن قريته الحبيبة «نوري» أثناء غيابه عنها قائلاً:
تلك «نوري» وجنة الله نوري
فيك نيل الحياة يخطو وئيداً
مثل فينوس تتثنى في المسير
فيك أغرودة شدتها طيور
بين غصنٍ وزهرةٍ وغدير
فيك عين الظبا وسحر الغواني
وانطلاق المنى ولحن السرور!
فيك كل الحياة حين تناجي
بسمة الفجر يا نعات الزهور!
ويرى الشاعر المصري علي محمود طه نهر النيل شرياناً للحياة، إذ جعله الله هادياً ومرشداً للوحدة والإخاء بين الشعبين الشقيقين:
المصري والسوداني، وذلك بقوله في قصيدته عن النيل:
أخي إن وردت النيل قبل ورودي
فحي ذمامي عنده وعهودي!
وقبِّل ثرى فيه امتزجنا أبوةً
ونسلمه لابنٍ لنا وحفيد
أخي إن أذان الفجر لبيت صوته
سمعت لتكبيري ووقع سجودي
أخي إن شربت الماء صفواً فقد زكت
خمائل جناتي وطاب حصيدي
أخي إن جفاك النهر أو جف نبعه
مشى الموت في زهري وقصف عودي
حياتك في الوادي حياتي، فإنما
وجودك في هذي الحياة وجودي!
ويستطرد الشاعر الكبير علي محمود طه في قصيدته إلى أن يقول:
أخي إن نزلت الشاطئين، فسلهما
متى فصلا ما بيننا بحدود؟
وغامت سمائي بعد صفو وأخرست
مزاهر أحلامي، ومات نشيدي
غداة تمنى المستبد فراقنا
على أرض آباءٍ لنا وجدود
وما مصر والسودان إلا قضية
موحدة في غايةٍ وجهود
إذا يدنا لم تدك نار حياتنا
فلا ترج دفئاً من وميض رعود
إذا يدنا لم تحم نبع حياتنا
سرى ريه سماً بكل وريد
وكيف ينام المضعفون وحولهم
ظماء نسورٍ أو جياع أسود؟
على النيل يا ابن النيل أطلق شراعنا
وقل للياليه الهنية: عودي!
والشاعر السوداني الكبير إدريس محمد جماع أبصر في النهر بإحساسه المرهف وذوقه الفني الرفيع، سحر الطبيعة وإشراقة الحياة! وربيع الدنيا أضحى أكثر رونقاً وبهاءً في ناظريه وهو يتأمل بحبٍ وإعجابٍ نهر النيل قائلاً:
وادٍ من السحر أم ماء وشطآن
أم جنة زفها للناس رضوان؟
كل الحياة ربيع مشرق نضر
في جانبيه وكل العمر ريعان
تمشي الأصائل في واديه حالمةً
يحفها موكب بالعطر ريان
وللطبيعة شدو في جوانبه
له صدى في رحاب النفس مرنان
إذا العنادل حيا النيل صادحها
والليل ساجٍ، فصمت الليل آذان
حتى إذا ابتسم الفجر النضير لها
وباكرته أهازيج وألحان
تحدر النور من آفاقه طرباً
واستقبلته الروابي وهو نشوان
أقبلت من ربوةٍ فيحاء ضاحكة
في كل معنىً بها للسحر ايوان!
والنيل مندفع كاللحن أرسله
من المزامير إحساس ووجدان!
إنشقاقات حزب الأمة... شهادة وفاة الحزب أم علامة موت الحزب سريريَّاً ؟: عبد المحمود نور الدائم الكرنكي
في السودان القديم، سودان الطوائف الدينيّة السياسيّة، كان الإنتماء إلى الحزب، مثل الإنتماء إلى القبيلة، ليس انتماء إلى برامج سياسيّة تتغير وتتبدَّل. وإنما ولاء إلى كيان غامض الهوية، وإن كان يعبّر عن مصلحة فرد واحد، أو شريحة اجتماعيّة واحدة، أو عائلة واحدة. واختلطت الأوراق. فأصبح لا فرق بين الحزب والبيزنس العائليّ.
لكن حزب الأمة جناح السيد/ الصادق المهديّ، الذي تناثر إلى تسع شظايا حزبية، أصبح يمرّ بأصعب أيامه.
كانت أخطر انشقاقات الحزب في التسعينات. وهي الإنشقاق الخامس الذي قاده السيد/مبارك المهديّ.
كان الإنشقاق الأول عندما انشقت عن حزب الأمة مجموعة أسمت نفسها الحزب الجمهوري الاشتراكي.
وقد سمَّى الحزب نفسه بـ (الإشتراكي) إحراجاً للسيد/ عبدالرحمن المهدي في إشارة إلى أنه إقطاعي ورجل أعمال رأسمالي.
كما سمّي نفسه - (الجمهوري) في إشارة إلى معارضته ما كان يقال عن سعي لتتويج السيد/ عبدالرحمن ملكاً على السودان.
وكان من أعمدة (الحزب الجمهوري الاشتراكي) زعماء القبائل داخل الجمعية التشريعية. وهؤلاء يمثلون عموده الفقري. ومنهم الشيخ يوسف العجب (الدندر) والشيخ إبراهيم موسى مادبو، والشيخ أبوسن. كان للحزب صحيفة اسمها (الوطن)، يشرف عليها السيد/ محمد خير البدويّ.
جاء تكوين الحزب الجمهوري الإشتراكي بعد جلاء الإنجليز عن السودان. ويلاحظ أن مؤسسي (الحزب الجمهوري الاشتراكي) كانوا لا اشتراكيين ولا جمهوريين.
أما الإنشقاق الثاني في حزب الأمة فقد حدث عام 1957م حيث قام المنشقون بتكوين (حزب التحرير الوطنيّ).
وقد حدث الانشقاق بعد شهور من لقاء السيدين، عبدالرحمن المهدي وعلى الميرغني، حيث كان لقاؤهما خصماً على الحزب الوطني الإتحادي، بزعامة السيد اسماعيل الأزهريّ. كان وراء الإنشقاق أفراد من عائلة الزعيم السوداني الخليفة عبدالله بن محمّد، خليفة الإمام المهديّ، ومن زعماء (حزب التحرير الوطني) السيد/ محمد داؤود الخليفة والسيد/ عبدالله الأمير اسماعيل.
وفي عام 1961م بعد أربع سنوات فقط من الإنشقاق الثاني حدث الإنشقاق الثالث في حزب الأمة عندما توفى السيد/ الصديق المهديّ والذي أشار في وصيته إلي اختياره خمسة أشخاص هم مجلس الوصاية الذي عليه أن يدير شؤون الطائفة السياسيّة والدينيّة إلى أن يحين موعد اختيار (قائد وإمام) للطائفة.
ويتكوَّن مجلس الوصاية من السيد الهادي، والسيد/ أحمد، والسيد/ يحي (المهديّ)، وإلى جانبهم السيد/ الصادق المهديّ، كأعضاء. ويرأس مجلس الوصاية السيد/ عبدالله الفاضل المهديّ. وبعد مراسم دفن السيد/ الصديق المهديّ مباشرة أعلن السيد/ عبدالله الفاضل المهديّ للحاضرين بأنه قد تمّ اختيار السيد/ الهادي المهديّ إماماً لطائفة الأنصار.
كان السيد/ الصادق المهدي حينها في السادسة والعشرين من العمر. وبعد 41 عاماً من ذلك التاريخ وبعد أن بلغ السيد/ الصادق المهدى الثامنة والستين من العمر، قرَّر في الألفية الجديدة أن يصبح إماماً للأنصار وذلك في عام 2002م. ولكن جاء ذلك بعد فوات الأوان، بعد أن أصبح نطق كلمة (سيدي) لأحد طلبة الجامعات يعني (CD) ولايخطر بباله أن هناك معني آخر!.
كان اختيار السيد/ الهادي المهديّ إماماً لطائفة الأنصار حدثاً له مابعده، وفي نظر الأمير/ عبدالله عبدالرحمن نقد الله فإنّ للسيد عبدالله الفاضل المهديّ مصلحة في اختيار السيد/ الهادي المهدي إماماً للأنصار، لأنه صهره.
كان ذلك الإنشقاق انشقاقاً كاتماً للصّوت.
وعقب إندلاع (ثورة) أكتوبر 1964م تبلور الموقف من نظام الرئيس ابراهيم عبود، وتسارعت التطورات داخل حزب الأمة ليحدث الإنشقاق الرابع داخل الحزب.
حيث أصبح يوجد حزب الأمة جناح الإمام الهادي المهديّ وحزب الأمة جناح السيد/ الصادق المهديّ.
ووقفت إلى جانب الإمام الهادي أربع مجموعات في الحزب هم المتعاونون مع حكم الرئيس ابراهيم عبود والذين أبعدوا من الأجهزة القيادية مثل السيد/ حسن محجوب الذي كان عضواً في المجلس المركزي (برلمان نظام الفريق ابراهيم عبود)، كذلك وقف إلى جانب الإمام الهادي الذين فشلوا في تأمين موقع في جهاز الحزب السياسيّ وفقاً للإجراءات الديمقراطية مثل السيد/ عبدالله الفاضل المهديّ والسيد/ صلاح عبدالسلام الخليفة عبدالله والسيد/ محمد داؤود الخليفة عبدالله، كما انضم إلى حزب الأمة جناح الإمام الهادي أولئك الذين يحتلون مكاناً قيادياً في الحزب وليس لديهم شعبية كافية مثل السيد/ محمد أحمد محجوب، ذلك بالإضافة إلى مجموعة أخرى انحازت إلى الإمام الهادي المهدي على حساب ابن أخيه السيد/الصادق المهديّ، وتلك المجموعة هي مجموعة تيار المحافظين داخل الحزب، والذين يرون ان كلّ دعوة لتحديث الحزب إنما هي (تخريب) و (شيوعيّة) ونماذج هؤلاء تتمثل في وكلاء الإمام.
وفي سياق تراث تلك الإنشقاقات، وهو يفوق تراث الإنقسامات في أي حزب سوداني آخر، السيد/ الصادق المهديّ في رحلاته السياحية الفكرية من حلقات الإشتراكيين الفابيين في أكسفورد، إلى الاشتراكية المبرأة من الإلحاد، إلى إسلام الصحوة، إلى مدارسة الكتب التي لا علاقة لها بالسودان وواقعه إلى ليلة القبض على الطائفية السياسية في يونيو1989م.
وفي إطار الحرص على ان تصبح الزعامة الحزبية ترتبط بالجينات الوراثية وليس بالعطاء كان ظهور (حزب الأمة الإصلاح والتجديد).
وظلّ تجديد خطاب الحزب وإجراء انتخابات ديمقراطية حقيقية داخل الحزب وبناء مؤسساته وعقد مؤتمرات الحزب السنوية وتجديد قياداته وبلورة برنامج سياسي علمي لإدارة البلاد. وفتح أبواب الحزب لكل السودانيين ليترقُّوا فيه الى درجة القيادة بدلاً من احتكارها الملكي. ظل ذلك كله غائباً. وإذا لم يعالج الحزب هذه القضايا معالجة جذريّة حقيقية، سيكون مصيره لامحالة، مصير حزب الوفد في مصر، لصاحبه فؤاد سراج الدّين.
سيصبح الحزب غائباً عن المستقبل، وسيصبح الإمام الصادق الإمام الغائب.
وعندما تمّ تكوين حزب الأمة في نهاية ثلاثينات القرن الماضي، كانت الفكرة أن يكون على نسق حزب المحافظين في بريطانيا، (والحزب الوطني الإتحادي على نسق حزب العمالّ).
وفي حزب المحافظين في الأربعين عاماً الأخيرة، نجد تعاقب القيادات، من إدوارد هيث إلى مارجريت تاتشر الى جون ميجور الى وليم هيج إلى ديڤيد كاميرون. بينما تجد في حزب الأمة السوداني في الأربعين سنة الأخيرة تعاقب القيادة من السيد الصادق المهديّ إلى السيد الصادق المهدىّ إلى السيد/ الصادق المهديّ إلى السيد الصادق المهديّ!. هذا وعندما أراد السيد الصادق المهديّ أن (يتأمّم).. وجد منادياً ينادي في الناس: (أمِّموه!) أي بايعوه إماماً. ولكن تحدي حزب الأمة الحقيقي، وتحدي كل الأحزاب التاريخية، ليس في رحلة نحو الإمامة. ولكن في أن يتحوَّل إلى حزب حديث مستقبلي. وإلا فلن يكون غير بيزنس عائلي.... وحصة تاريخ.... غير ناقوس يدق في عالم النسيان!. بسبب تلك (الكنكشة) غير المسبوقة للسيد الصادق المهدي في قيادة حزب الأمة، انشطر الحزب إلى تسع أحزاب هي:
1) الأمة القومي بقيادة السيد/ الصادق المهديّ.
2) الأمة القيادة الجماعية بقيادة الدكتور الصادق الهادي المهديّ.
3) الأمة الإصلاح والتجديد بقيادة السيد/ مبارك الفاضل.
4) الأمة الإسلامي بقيادة السيد/ والي الدين الهادي المهديّ.
5) الأمة الوطني بقيادة السيد/ عبدالله على مسار.
6) الأمة الفيدرالي بقيادة السيد/ بابكر محمد نهار.
7) الأمة الإصلاح والتنمية بقيادة السيد/ الزهاوي إبراهيم مالك.
8) حزب الأمة الإنتفاضة بقيادة السيد/ محمد أحمد الأرباب.
9) حزب الأمة التيار العام بقيادة السيد/ آدم موسى مادبو.
10) المذكرة التصحيحية التي أصدرتها فعاليات في حزب الأمة في فبراير 2012م.
في ذلك السياق هل تتبلور المذكرة التصحيحية الأخيرة في حزب الأمة لتصبح الإنشقاق العاشر في الحزب الذي أُعيت الإنقسامات بدنه؟. هل تلك المتوالية من الإنقسامات شهادة بوفاة الحزب أم علامة موت الحزب سريريَّاً؟.
وبدفنوه وين؟: د. محمد عبدالله الريّح
أمام منزل في أحد الأحياء كانت مجموعة من الناس تجلس كعادتها تتحدث في كل شيء.
جاء حسن من منعطف على ناحية اليمين حيث كان يجلس القوم وبعد أن ألقى بالتحية تساءل: يا مبارك بالله شفت لي الخال وين؟ ويجيب مبارك: نحنا قاعدين هنا من قبيل أصلو الليلة ما جاء مارّي بجاي مالك عايز بيهو شنو؟ - بس في موضوع كدا بتاع وأخوه أسامة أصلو عمل الإلزامية وما عارفين حكاية الجامعة دي كيف. والخال رايو شنو؟. ماهي دي الحكاية الجابتني هسع لأنو جاني واحد قال الدراسة في أكرانيا ساهلة وعايزين نقدم ليهو هناك.
الى هنا كانت المحادثة بين حسن ومبارك تنحصر في شخصين أحدهما يسأل والثاني يجيب ولكن بمجرد ذكر أكرانيا وأن الموضوع يمكن أن يحتمل أكثر من مكان بعينه لأسامة لإكمال دراسته بدأت حماسة تسري في أوصال تلك المجموعة الجالسة أمام ذلك المنزل فتدخل أحدهم قائلاً:
أكرانيا بتاعة شنو يا أخي؟ يعني هسع أنت ما لقيت لود خالك دا حتة غير أكرانيا؟دي بلد بعيدة وباردة وأهلها كانوا شيوعيين تقوم توديهو هناك؟ شوف تشيكا ولا سلوفاكيا بلد زي دي كويسة والدراسة فيها رخيصة وأنا عندي ود عمتي بيدرس هناك.. ويتدخل آخر: تشيكيا بتاعة شنو أنت كمان؟ دي مابرضها كانت دولة شيوعية ويرد الشخص الأول: كانت شيوعية لكن كانت متمردة على الشيوعية انت ما بتتذكر ربيع براغ لما كان دوبشيك قرب يقوم بثورة على الحزب الشيوعي لولا تدخل الروس؟ ويتدخل ثالث: أنتو هسع كلكم بتتكلموا عن شنو؟ مش قراية الولد أسامة دا ليه مايدخل جامعة هنا ويرد حسين: أصلو عندو نسبة تعبانة وما حيقدر يخش كلية الطب هنا وابوه قال عايز يشوف ليهو جامعة في الخارج. ويصيح أحداهم: وهو يعني لازم يقرا طب؟ مايقرا مختبرات طبية أنا غايتو شايف حقو ود خالك دا توديهو يقرا مختبرات طبية. ويتدخل شخص كان يجلس صامتاً طيلة الوقت: يا أخي الولد أحسن ليهو يخش السوق يعني هو لو اتخرج طبيب ولا اي حاجة حيدوهم كم وبعدين هو دا مش ود خالك التاني المغترب؟ أيوا.... طيب خالك ما ياخد ولدو معاهو هناك في الغربة ويشوف ليهو جامعة هناك هو مش عندة إقامة؟
أيوا... عندة إقامة لكن الجامعة في دول الاغتراب ما بتأخذ أجانب؟ وينتفض أحدهم كمن مسته كهرباء أجانب؟ منو الأجانب؟ السودانيين أجانب؟ايوا...
أجانب بالله شوف الناس ديل... السودانيين أجانب؟ والله حكاية واذا كان بعتبروا السودانيين أجانب أنتو شغالين معاهم ليه؟ يا أخي أي واحد مش من أهل البلد بعتبروه أجنبي يعني مش السودانيين بس هم الأجانب. ولا يتنازل الرجل عن موقفه: ايوا الأجناس الثانية دي كلهم ممكن يعتبروهم أجانب ما قلنا حاجة لكين السودانيين كمان أجانب؟ ويتضايق حسن من هذه المحاورة الجانبية: ياخي دا ما موضوعنا المهم هو ما ممكن يقري ولده في بلدة الاغتراب لأنو القوانين هناك ما بتسمح ويرد الرجل دون أن يستسلم: غايتو أنا لو في محلو ما يقروا ولدي وكمان يعتبروه أجنبي والله ما أشتغل معاهم لو يدوني مال قارون. ويسدل أحدهم الستار على ذلك النقاش الجانبي فيقول: أسمع أنت خالك دا ما سمع بأنو في طلاب سودانيين بيقروا في مصر؟ ليه ما يوديهو مصر؟ وقبل أن يرد حسن على ذلك السؤال يدخل الرجل بتاع السوق دخلة خشنة فيقول: أنت عارف ود خالك دا لو أبوه فتح ليهو محل تصدير واستيراد وهو راجل مقتدر والله يشتغل من أحسن ما يمكن اليومين دي الناس كلها بتشتغل تصدير واستيراد وبعدما يشتغل ليهو سنة سنتين يعرس ليهو هو أصلو عايز شنو مش ناس أمو هنا في السودان وخالك بمشي ويجيهم كل مرة؟.
أيوا..
وطيب ما خلاص يعرس للولد ويقعد الولد مع ناس أمو على الأقل يكون في استقرار وبعدين المرة ذاتها بتلقى ليها زول يونسها ويوافقه أحد الجالسين:
الحقيقة دا راي صايب تمام يعرس للولد بت خالو ولا بت عمو ولا اي واحدة من العايلة وطالما هو مغترب يقدر يرسل ليهم الحاجات من هناك والولد هنا يقوم بالتخليص ويقلب القروش ذاتها ويدخل في الصادر أهو كدا بتكون اتحلت ولا أكرانيا ولا ألمانيا.
ولكن أحدهم لا يعجبه هذا الرأي وإن كان يوافق على الجزء الأول منه.
يا أخي يعرس بت خالو ولا بت عمو إيه هي الحكاية؟
دلوقت الناس كلها بتعرس برا العايلة أنا غايتو شايف أحسن يعرس ليهو واحدة غريبة لا نو العرس أصلو بجيب المشاكل فبدل من المشاكل ما تكون جوة العايلة تكون مع الغرباء ياما عايلات بقوا الشحمة والنار مع بعض يا أخوي أحسن لود خالك دا بعد ما تفتحوا ليه مكتب التصدير والاستيراد تشوفوا ليهو واحدة غريبة تعرسها ليهو والموضوع كدا يكون اتحسم.
وفي هذه الاثناء يأتي شاب على ظهر ركشة وينزل ليقول لحسن وهو في اضطراب ظاهر إن أسامة ود خالو قد توفي في حادث حركة وإنه مطلوب حضوره فوراً للبيت ويبدي الجميع تأثرهم بتلك الفاجعة والكارثة الأليمة ويشيلون الفاتحة مع حسن ثم يسأله أحدهم:
وبعدين حتدفنوا وين ويجيب حسن وهو في غاية الاضطراب والتأثير: بندفن في مقابر البكري وينصرف مع ذلك الشاب وهم يمتطون ظهر الركشة ويقول أحدهم: ليه يدفنوا في البكري مش أحسن ليهم يدفنوا في حمد النيل؟
ليه؟ عشان مقابر حمد النيل قريبة من بيتهم؟ ويعترض شخص آخر: يا أخي حقو يدفنوا في أحمد شرفي لأنو أبو حسن دأ ذاتو لما مات دفناهو في أحمد شرفي، أنا غايتو رأيي يدفنو في مقابر فاروق.. مقابر فاروق بتاعة شنو؟
يقوموا من هنا يقطعوا الكباري دي كلها عشان يصلوا مقابر فاروق؟ بالله دا راي ليك؟ أيوا وأنت ذاتك رايك دأ رأي تقول لي يدفنوا في حمد النيل؟
حمد النيل.....
أحمد شرفي.......
البكري ............
فاروق .....الخ الخ الخ
نحو لغة الإشارة!!!: د. فتح العليم عبد الله
مع تقدم وسائل الكتابة والطباعة والنسخ تدهور مستوى الطلاب والسكرتيرات وكل من له صلة بهذه الحرفة إلى الحد الذي صار معه الذي يجيد الكتابة الصحيحة من دون أخطاء نحوية أوتعبيرية أو بلاغية، متهمًا في قواه العقلية خارجًا عن الملة، مجذوبًًا يناجي الكواكب.. شاعت هذه الأخطاء في كل أنواع المكاتبات حتى أصبحت مندرة ومحل سخرية «للعارفين طبعًا» وهاك أمثلة خفيفة لفتح الشهية:
1 /كتبت إحدى الموظفات المرموقات خطابًا إلى المدير المالي قائلة «أرجو التصديق على مصروفات الإجازة للعام 2011 ياشد سرعة لاني تعبت من المساسقة !!!» 2/ رفع ثلاثة أشخاص ظلامة للسيد مدير شؤون الأفراد مفادها «أرجو إنصافنا حالاً أو نمشي البوليس لأن الرجل الذي أرسلتنا إليه لبساعدنا تكلم معنا بألفاظ نابية اثلجت صدورنا!!!!» 3 / أرسل أحد أولياء الأمور خطابًا للأستاذ الذي كان يدرّس أبناءه وقد هاجر إلى الخليج،«أخي الأستاذ الجليل فلان، أعلم أنه بسفرك هذا فقد السودان أفضل أستاذ لمادة الرياضيات وأفيدك بأن أبنائي حسام وميرغني تلاميذك سابقًا هم الآن في جامعة الخرطوم ومن«المتبرزين» في الهندسة المدنية والمعمار والفضل يرجع لكم يا سيدي»
أيها الناس، إن الكتابة من الأشياء المحببة الرافعة للقدر لدرجة أن الله جل وعلا وصف بها ملائكته بقوله «كرامًا كاتبين» آية 11 سورة الانفطار كما أن أربعة من الكتّاب نالوا الخلافة، منهم عثمان وعلي ومعاوية وعبد الملك.. كذلك قال الفلاسفة: كل صناعة تحتاج إلى ذكاء إلا الكتابة فإنها تحتاج إلى ذكاءين أحدهما جمع المعاني بالقلب والثاني جمع الحروف بالقلم، أوع بالك، ولكي لا يكون كل الكلام مديحًا للكتاب فهنالك من ذمّهم وأشهر من فعل ذلك هو الشاعر محمد بن يزيد المراعي والذي غضب من كاتبين تولى أحدهما رئاسة ديوان الخراج وهوالفضل بن مروان وتولى الثاني ديوان الضياع وهو موسى بن عبد الملك وكلاهما فاسد لا يُرجى منه خير فأنشد بيتين شتم فيهما الرجلين وكذلك نظام الحكم وقتئذٍ حيث قال:
أرى التدبير ليس له نظام * وأمر الناس ليس بمستقيم
فديوان الضياع بفتح ضاد * وديوان الخراج بغير جيم
هكذا حال أصحاب الحرفة الحاذقين فهذا يمدحهم وهذا يهجوهم وإلى الله تصير الأمور.. أما فيما يخص التفضيل بين الكتّاب والخطباء قال أحدهم: الكتابة للقريب والبعيد أما الخطابة فهي للقريب فقط.. «طبعًا كان ذلك في زمن لم يك فيه راديو أو تلفزيون».. معظم المسؤولين يشتكون من سكرتيراتهم فيما يخص الطباعة والنسخ لدرجة أن أحدهم قال إن سكرتيرته تكتب عثمان بالصاد أي «عصمان» فلما سألها، دا شنويا أستاذة؟؟ قالت: الكمبيوتر فيهو فايرس!!! فقال لها: الكمبيوتر ما عندو عوجة تب لكن انتو في الضهاري بتنطقوها كدا!!!
على زماننا لم تك هناك حواسيب أو طابعات لذلك كان كل شيء يُكتب بخط اليد وقلم التروبن والحبر «بلكان» الألماني اللزج، أما العامل الثاني في تحفيزنا على الكتابة فهو الخطابات الغرامية التي عج بها بريد السودان لعقود خلت فقد كنا نكتب خطابًا من ثلاث صفحات يشمل كل أنواع البديع والشعر الرصين ذي الدلالات الموافقة وكنا نحمِّل الكلمات من العواطف والأحاسيس ما يجعلها تئنّ تحت وطأة الحمولة حتى تصل تلقي الحبيبة بتشتغل منديل حرير لحبيب بعيد...
خاتمة المقال: قال فيلسوف: من العجائب أن تجد جاهلاً يسلم بالتهور وعاقلاً يهلك بالتوقّي!!
مع د. غازي صلاح الدين في بعض مقالاته: د. الحبر يوسف نور الدائم
أُتيح لي السفر إلى مصر عما قريب مع جملة من الإخوة الأفاضل الأماثل من أمثال بروفيسور إبراهيم أحمد عمر والأستاذ أحمد إبراهيم الطاهر ود. غازي صلاح الدين العتباني والسفر يُسفر عن أخلاق الرجال أو لم يقل الآخر
ربّ ابن عم لسليمي مشمعل
طباخ ساعات الكرى زاد الكسل
أروع في السفر وفي الحي غزل؟!
أتاح لنا ذلكم اللقاء فرصة الأنس البهيج، والدردشة الحسنة، والتبادل المفيد.. فها هي فكرة جديدة، وها ذاك تعليق ذكيّ، وها هنا حديث ماتع.
كتب إلي الدكتور غازي صلاح الدين بعد العودة قائلاً: الشيخ الأستاذ/ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سعدنا بالصحبة واستوفينا وعد الأيام أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي حيث يقول:
تغرب عن الأوطان في طلب العلا
وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفريج هم واكتساب معيشة
وعلم وآداب وصحبة ماجد
ثم مضى يقول رحم الله أبا عبد الله، لو أنه سافر هذه الأيام لذكر من الفوائد أكثر من ذلك فهو لا شك لم يطعم البيتزا، ولا ركب النواره المطهمة ثم قال في تخابث محمود ولم ير ... «هذه على منهج البروفيسور عبد الله الطيب!» ونتطلع إلى صحبتكم مجدداً، ثم أردف في تواضع العلماء، وطيبة السودانيين «بين يديك بعض المقالات للقراءة إذا سمح الوقت.»
وكانت المقالات المرسلة من طرف الدكتور الأديب الأريب، العالم الندسي د. غازي صلاح الدين هدية قيمة احتفيت بها، واحتفلت لها، ووقعت من قلبي الموقع الذي يرضاه. كُتبت المقالات على فترات متباعدات ولعلها كلها أو بعضها قد نُشر في الصحف كتلك المحاضرة القيمة المؤرخة بتاريخ 18/1/2011م التي اختار لها عنوان «صعود الإسلاميين: دلالاته ومآلاته» وكتلك التي نشرها في جريدة الرأي العام «13 ـ 19» نوفمبر 2007م في حلقات واختار لها عنواناً سابغاً معبراً «مشارقة ومغاربة في موكب الحضارة الإسلامية» ثم أين أنت أخي القارئ من مقاله الباذخ «صورة الزعيم الخارق ونفوذها على الحياة العامة السودانية قراءة سريالية لعالم ود ضيف الله.
وأذكر أن أخي غازي قد أشار في مؤانسة فكرية مشرقة إلى بعض ما تناوله قلمه الدفاق إلى كتاب طبقات ود ضيف الله فقلت ضاحكاً هذا كتاب كان يستميه أستاذنا بروفيسور عبد الله الطيب بمعجم الجهل! ويمكنك أن توافقه إلى حد ما إذا اكتفيت بما فيه من ترهات وأباطيل تُروى عن بعض المشايخ كذاك الذي يطير في الهواء أو يمشي على الماء وقديماً قال سادتنا الفقهاء إذا رأيت الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء فلا تغتر به حتى ترى ما عنده من استقامة على المنهاج السوي والشرعة القويمة. والأستاذ غازي صاحب الفكر المستنير، والقلم السكوب لا يريدك أن تحبس نفسك في تلك الدائرة الضيقة، أو ذلكم القمم الرهيب ولكنه يريدك أن تنفك من إسار الروايات الموضوعة، والقصص الخرافي إلى مجال فكري رحيب خصيب.. كيف عبَّر ذلك السفر الموسوم بطبقات ود ضيف الله عن الشخصية السودانية التي تتطلع إلى زعيم من الزعماء في مجالات الحياة المختلفة من سياسة أو فكر أو اجتماع.. زعيم يتفرد بصفات خاصة لا توجد عند جمهرة الناس.. زعيم خارق يستطيع أن يأتي بما لا تستطيعه العامة من البشر.. وها هنا مجال لذكر بعض الأمثلة فقد اتخذ الزعماء مسالك شتى، وسلكوا طرائق قدداً في سبيل إقناع العامة والأتباع «لو ما عجيني منو البجيني»، فالثراء العريض، والعيش الرغيد وسيلة من وسائل الإقناع، وقد سلك هذه السبيل جماعة من الشيوخ من أمثال الشيخ حسن ود حسونة.. خدم وحشم، ورزق دارٌ، وعيش فاره حتى إن بعض السادة المتصوفة أنكر عليه ما هو فيه من نعيم الدنيا مما جعله يحتجب عنه متجافياً.. وهناك الشيخ إدريس ود الأرباب الذي لم يجد بأساً في القرب من السلطان نصرة للضعيف، وحماية للمظلوم فكانت الزيارات المتكررة، والشفاعات المتتابعة عند الحكام والملوك. وهكذا سلك القوم دروباً متباينة وصولاً لإقناع الأتباع والأشياع فالناس يريدون من الزعيم أن يضرب من نفسه مثلاً لا يجدونه فيمن حولهم من عامة الناس فمهدي الله لا يكف عن عبادة متميزة:
وكم صام كم صلى وكم قام كم تلا من الله لا زالت مدامعه تجري
وكم بوضوء الليل كبر للضحى وكم ختم القرآن في سنة الوتر
هكذا قال عنه أستاذه الأستاذ محمد شريف ود نور الدائم وأذكرها هنا أن أخانا وعمنا المرحوم أبو هالة عبد القادر شيخ إدريس كان يقول وأقول معه نحن الأساتذة وهم الحيران!! ولقيت مرة الشيخ عبد الرحيم البرعي وقد ذهب إلى الأردن مستشفياً فعرّفته نفسي وقلت له، الحبر يوسف نور الدائم» ناس الشيخ الطيب ود البشير فقال لي بتواضعه المعهود «انتو أسيادنا» فقلت في سري وفي مكرٍ يخفيه المتشيِّخون «بلى نحن كذلك!!» ولا يكفي قط أن يعتمد الشيخ أو الزعيم على إرث آبائه وإن كان بلا إرث أثره الذي لا يخفى بل لا بدّ أن يكون له حظه من الزعامة والريادة والسيادة فمن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه وهذا ما جعل الإمام محمد أحمد المهدي يتكئ على بذله وعطائه في طريق القوم فكانت العبادة والزهادة وقولة الحق، ونصرة المظلوم، والشجاعة والإقدام مما جعل الناس يسيرون خلفه «هواي هواي أسيرو للمهدي في قديرو» ومما جعل أهلنا البقارة يعترفون له بالفضل «كان مهدي مهدي وكان ما مهدي داعور الفقرا سليتا» فالفقراء متهمون في بعض أحوالهم بشيء من التقاعس والجبن الذي لا يليق بمن يتطلع لقيادة الناس.
وكلمة أهلنا البقارة التي أوردها الأخ غازي في مقاله المبين تذكر بقولة بعض المتربصين من أهل البحر «كان مهدي جيد لينا وكان ما مهدي شن لينا»!!
هذا، ولأخي د. غازي صلاح الدين العتباني شكري وتقديري على هديته القيمة وسلام عليكم إخوتي القراء وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وآله في الأولين والآخرين.
مكافحة التجسس ضرورة وطنية ودينية «4- 4»: الركابي حسن يعقوب
هل هناك أشخاص بعينهم هم أكثر عرضة وقابلية للوقوع في حبائل العمالة؟ ومن هم أكثر المستهدفين من قبل صائدي العملاء؟ وكيف يمكن تفادي الوقوع في فخاخ مصطادي العملاء والجواسيس؟ وإذا حدث الوقوع كيف الخلاص من الفخ ؟، هذا ما سنجيب عنه في هذا الجزء الأخير من الموضوع. ونبدأ فنقول إنه ليس هناك فئة معينة من الناس لديها «استعداد فطري» للوقوع في وحل العمالة، وإنما هو سلوك مكتسب مثله مثل الإجرام لأن التجسس على الوطن والعمالة للأعداء جريمة من أشنع وأقبح الجرائم.
وأكثر الناس عرضة وقرباً وقابلية للوقوع في العمالة هم أولئك الأشخاص الذين يفتقدون إلى الوازع الديني والقيم الأخلاقية فينتفي عندهم الشعور بفداحة ما يقومون به من خيانة ضد مجتمعهم بل لا يكادون يدركون معنى الخيانة ولا يشعرون بوخز الضمير ولا يخافون حساب الله وعقابه، وهناك أيضاً الأشخاص ذوو النفوس الضعيفة والشخصيات المريضة البعيدة كل البعد عن القيم والأخلاق الوطنية الذين يقدمون مصالحهم الشخصية على ما عداها من المصالح الأخرى المتعلقة بالدين وبالوطن وأولئك المتمحورون حول ذواتهم Self-centered ، وهؤلاء ليس لديهم شعور بالمسؤولية تجاه بلدهم وتجاه الآخرين، وإنما لا يهمهم سوى مصالحهم الذاتية. وهناك أيضاً المنبوذون والناقمون على بلادهم لأسباب مختلفة والذين امتلأت صدورهم بالحقد والبغضاء والغل واستحوذت عليهم شهوة الانتقام والثأر من مجتمعاتهم، كما أن الشعور بالدونية والإحساس بالاضطهاد سواء كان ذلك صحيحاً أو مجرد إحساس داخلي متوهم قد يدفع صاحبه إلى البحث عن دور ما يعوض له هذا الشعور بالنقص والذلة التي يشعر بها، وفي نفس الوقت يحقق له رغبته الباطنة في الانتقام من مضطهديه، وهناك أيضاً «عبَدَة» المال ومحبي الثراء السريع، وأولئك المنساقون خلف شهواتهم وعاشقو المتع والمقبلون بلا حساب علي ملذات الحياة يغترفون منها بنهم ولا يبالون بالعواقب أبداً، وهناك أيضاً تجار المخدرات والممنوعات العابرة للحدود والمشتغلون بالتهريب بكافة أنواعه ونشاطاته، وهناك الطلاب الدارسون بالخارج حيث قد يتعرض هؤلاء إلى ضغوط من قبل أجهزة مخابرات الدولة التي يدرسون فيها بالترغيب تارة وبالترهيب أخرى واستخدام كروت أكاديمية في تجنيدهم، ثم هناك مزدوجو الجنسية ممن يحملون جنسية دولة أجنبية، ثم هناك الخدم والسعاة والعمال الذين يعملون في مكاتب ومنازل كبار المسؤولين بالدولة سواء كانوا أجانب أو مواطنين، وهناك فئة أخرى هم أقرب الفئات للوقوع في شرك العمالة، وهم نوع من الناس يستهويهم عالم الجاسوسية والمخابرات وفق الصورة الذهنية التي انطبعت في مخيلتهم والمتأثرة بتلك الصورة التي تعرض في كتب وروايات وقصص وأفلام الجاسوسية وهي كما قلنا صورة متحكم فيها ومضاف إليها «توابل» لزوم الحبكة والإثارة وهي أقرب إلى الخيال في كثير من جوانبها. وكثيراً ما يصطدم أفراد هذه الفئة بالواقع المغاير للصورة الذهنية لديهم ولكن يكتشفون ذلك بعد توغلهم داخل لجّة العمالة. أما أكثر الفئات المستهدفة بالتجنيد ليكونوا عملاء وجواسيس فيمكن تمثيلهم بشكل هرمي قمته يمثلها أولئك المؤتمنون على خزائن الأسرار والمعلومات بالدولة، «حيث أن طموح أجهزة المخابرات الذكية في تجنيد العملاء النوعيين لا تحده حدود ولا يظله سقف»، ثم يلي هؤلاء في الهرم أولئك الذين يشغلون مراكز سياسية أو عسكرية أو اقتصادية أو ثقافية أو علمية أو اجتماعية مهمة، وهاتان الفئتان هما أخطر الفئات فيما لو حدث تجنيد واختراق فيهما حيث يكون إقليم الدولة كله مسرحاً كبيراً للتجسس، وربما تحولت هذه الدولة إلى مركز إقليمي لإدارة عمليات تجسس متعددة في دول مجاورة. وتأتي في الترتيب الهرمي بعد تينك الفئتين قادة الأحزاب السياسية خاصة تلك التي لديها امتدادات فكرية وارتباطات عضوية وتنظيمية خارج حدود الدولة، ثم قادة الرأي العام بمختلف أنواعهم وأكثر أفراد هذه الفئة استهدافًا من قبل صائدي العملاء هم الإعلاميون وبخاصة الصحفيون وكتاب الأعمدة والرأي لما لهم من تأثير مباشر على اتجاهات الرأي العام وبما لهم من قدرة على تشكيل الرأي العام من خلال إدارة حملات صحفية موجهة تركز على قضايا بعينها حسب الأهداف التي تسعى لتحقيقها الجهات التي تقف خلفهم. يلي هؤلاء في سفح الهرم قطاع عريض يضم فئات مختلفة على رأسهم الخريجون العاطلون عن العمل وأصحاب المواهب المتعددة غير المستوعبين في دولاب العمل بشقيه العام والخاص، والأذكياء من المشردين والمنبوذين اجتماعيًا. إذن كيف يمكن تفادي الوقوع في فخاخ صائدي العملاء؟ يكون ذلك ببساطة شديدة بتجنب الاتصال أو إقامة العلاقات مع الأجانب سواء بطريقة مباشرة أو عن طريق وسطاء وطنيين إلا إذا كان ذلك ضرورياً بعد التأكد والتيقن من سلامة مواقفهم وأن يكون التعامل معهم فقط في ما لا تجرمه قوانين الدولة. ولكن إذا ما حدث الوقوع في الفخ فكيف الخلاص؟ ونقول إن الخلاص هو الآخر بسيط ويتمثل في الإبلاغ الفوري والسريع ودون إبطاء للجهات الأمنية المختصة فهي الوحيدة القادرة على تدبر الأمر وتوفير الحماية لمن تورط ووقع في هذا الشرك وتخليصه منه بلا ضجيج وبعيداً عن سمع وبصر الآخرين، وأهمية التبليغ الفوري نابعة من كون تمادي «المتورط» في العمالة إلى حدود بعيدة يدخله في خانة الخيانة إذ لا مبرر مقنع لهذا التمادي، ولكن رغم ذلك يظل التبليغ عن الحالة في أيٍ من مراحلها هو صمام الأمان وطوق النجاة من الغرق في هذا البحر اللجي المتلاطم الأمواج. يقول الله تعالى «وإما تخافنّ من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين» الأنفال «58»، ويقول «يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل» الممتحنة «1» ، ويقول «يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون» الأنفال «27» .
متى نقطع رأس الأفعى ونُنهي عذاباتنا؟!
كنتُ قد كتبتُ لافتاً النظر إلى غفلة بعض قياداتنا السياسية الحاكمة التي تظنُّ ــ على غرار الماركسيين ــ أن هذا الكون يسير وفق التفسير المادي للتاريخ وأن الحركة الشعبية عندما تجلس في مائدة التفاوض يقودها ويحرِّك مواقفها السياسية المصلحة المادية ولا شيء غيرها وقلت إن مفاوضي الحكومة ينسَون عنصراً مهماً لا يستطيعون إدراك أبعاده.. عنصر الحقد الذي تنطوي عليه الحركة الشعبية والذي يجعلها تعتقد أن مرور البترول عبر أراضي الشعب الذي يبغضون ينتقص من استقلالهم كما أن ذلك الحقد هو الذي أوحى إليهم بمشروع السودان الجديد الذي ما أراده هؤلاء إلا لكي يحكموا الشمال وينتقموا من أهله الذين سوّل لهم الاستعمار أنهم هم الشيطان الرجيم.
من هذه المنطَلَقات يتحرّك الساسة الجنوبيون الذين لا يهمّهم كثيراً عندما يفاوضون بشأن الخط الناقل لبترولهم كم هي كلفته بقدر ما يهمهم أن (ينعتقوا) من مرور بترولهم عبر الأراضي السودانية كما أن من يفكرون في أن الجنوب لا يقوى على تحمل كلفة الحرب مع الشمال كونه يعاني من ضائقة اقتصادية ومجاعة أو أنه يعتمد على البترول الذي أغلق أنابيبه.. هؤلاء لم يفهموا أن من يحكمون الجنوب اليوم لا يفكرون كما يفكر الناس وفق منطق المصلحة الوطنية أو المقدرة الاقتصادية وإنما بمنطق المنتحر الذي يُسقط كل الاعتبارات والحلول الأخرى التي يفكر بها الإنسان السوي!!
لو وضع ساستُنا هذا النوع من التفكير في حسابهم لربما أحسنوا التعامل مع الجنوب ولكان حالنا غير الحال فعلى سبيل المثال هل تذكرون قرائي الكرام كيف كان ساستنا يحلمون بالوحدة الجاذبة ويبذلون في سبيلها دم قلب الشعب السوداني ويجمعون الأطفال من رياضهم ومدارسهم ليصلّوا من أجل ذلك الوهم؟!
وهل تذكرون كم صرفوا على إقامة منشآت في مدينة واو لإقامة الدورة المدرسية قبل شهر واحد من الاستفتاء وكيف أرسلوا تلاميذ الشمال إلى الجنوب وكيف أذلّهم باقان حين طردهم يوم أن تأكد أن المنشآت التي أُقيمت بأربعين مليار جنيه (بالقديم) من حُر مال الشعب المغلوب على أمره قد اكتملت؟
تلك كانت هي الغفلة التي لا يزال بعضُ أهلنا يتمرّغون في رمضائها ولا يدركون نفسية الإنسان الجنوبي خاصة من النخب الحاكمة الأمر الذي جعلهم يتنكّبون طريق حل مشكلة الجنوب على مدى العقود الخمسة أوالستة الماضية.
دعونا نطرح شعار (الجفلن خلهن اقرعوا الواقفات)!!
أقول هذا محذِّراً من القادم فالحركة الشعبية لم تنسَ مشروعها لاحتلال السودان.. ذلك الذي عبّر عنه باقان حينما قال لصحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية إن مشروع السودان الجديد باقٍ وسنعمل على إقامته سواء من خلال الخطة «أ» التي كانوا يهدفون إلى تطبيقها عبر الوحدة خلال الفترة الانتقالية التي انتهت بنهاية الانتخابات أو من خلال الخطة «ب» بعد الانفصال وهو ما أعلن عنه سلفا كير يوم قال في حفل تدشين دولته (لن ننسى النيل الأزرق وجنوب كردفان ودارفور) بالرغم من أن «البشير» رئيس تلك الولايات الشمالية كان جالساً أمامه في ذلك الحفل!! ولذلك فقد سمَّوا تلك المناطق بالجنوب الجديد وهرف بذلك عرمان بل سمَّوا دولتهم «جنوب السودان» حتى يكون بذات الاسم عندما «يحرّرون» شمال السودان ويُخضعونه لسلطانهم ومن هنا نشأ العدوان في «الجنوب الجديد» وأشعلوا الحرب في جنوب كردفان والنيل الأزرق وأتوا بجبريل إبراهيم وعبد الواحد محمد نور ومناوي وأنشأوا «الجبهة الثورية الجديدة» لتحقيق هذا الهدف بل إن الرويبضة الجديد «أبو عيسى» صرّح من الخرطوم أن الحركات المسلحة جزء من قوى إسقاط النظام!!
أبعد هذا يحق لنا أن نكذب الأخبار التي تتحدث عن دعم جديد لحركات دارفور بالأسلحة الثقيلة وبصواريخ سام «7» لإسقاط الطائرات أو أن «400» كرتونة محملة بالألغام توجهت من جوبا قبل أيام إلى جنوب كردفان أو أن الجنوب بصدد الحصول على طائرات أمريكية مقاتلة؟!
أقول إن الانتصارات التي حققتها القوات المسلحة رغم عظمتها ليست كافية فتلك انتصارات داخل أراضينا التي لم يتم تحريرها بالكامل حتى الآن إذ لا تزال هناك جيوب في النيل الأزرق ومناطق في جنوب كردفان تحت قبضة قوات عبد العزيز الحلو وعقار المدعومة من جيش الجنوب.
إن الواجب الديني والوطني يقتضي التعجيل بتحرير أرض الشمال في أسرع وقت ممكن وأجد صعوبة كبيرة في فهم مبرِّرات عدم حسم التمرد في أرض الشمال حتى الآن فدويلة ناشئة تعاني من أمراض فتاكة لا ينبغي بأي حال أن تتمكن من دعم هؤلاء المتمردين وتتسبَّب في إلحاق الأذى بدولتنا الناضجة والعريقة.
إن الحل الذي كتبتُ عنه كثيراً يكمن في قطع رأس الأفعى في جوبا فهلاّ عجّلنا بإنهاء حكم الحركة الشعبية التي تنتهي مشكلاتنا الأمنية جميعًا بمجرد الخلاص من حكمها سيما وأن الحركة لا تحتاج إلى أكثر من «دفرة صغيرة» ترمي بها في مزبلة التاريخ!!
ركام المعارضة المسلحة..

تم إصدار نسخة طبعة جديدة رديئة للغاية، من المعارضة السودانية المسلحة المدعومة من الخارج، تحت لافتة الجبهة الثورية السودانية، بعد طول مخاض في قيام مؤتمرها الأخير الذي اختار رئيسها وبقية المواقع الأميبية في هيكلها الجديد الذي أُشهِر، وكأن هذا التجمع هو المنقذ والمخلِّص للسودان، بعد خيبات وفشل كل هذا النوع من أنواع المعارضة السياسية المسلحة المأجورة على مر التاريخ القريب الذي حاولت فيها فصائل المعارضة لنظام مايو ولسلطة الإنقاذ الحالية، التهامها في وضح النهار وعادت بخفي حنين وحصدت الرياح.
تجمع فصائل حركات دارفور والحركة الشعبية في جنوب كردفان والنيل الأزرق، الذي تكوَّن مكتبه في مؤتمرهم الأخير الذي عقد الأسبوع الماضي، من ستة عشر عضواً برئاسة مالك عقار وضم رؤساء الفصائل الأخرى وأجلس عبد العزيز الحلو على كرسي القيادة العسكرية وياسر عرمان للشؤون الخارجية، جعل من قادة الفصائل المتمردة في دارفور: «جبريل إبراهيم قائد العدل والمساواة الذي ورث أخاه، ومني أركو مناوي حركة تحرير السودان، وعبد الواحد محمد نور حركة تحرير السودان» جعلت منهم مجرد ردفاء وراء الحركة الشعبية على ظهر بغل المعارضة المسلحة الحرون، وعلى طريقة القول السوداني في تعريف المردوف والمهمّش أنهم مجرد «تمومة جرتق» في عرس العمل المسلح الذي لن يجلب لأصحابه يوماً، زغرودة فرح يائسة.
تم حشو الخطاب السياسي والتصريحات الإعلامية لهذا التجمع ذي القلوب الشتى، بلغة من حضيض القاموس التقليدي القديم والمنسوخ للحركات المتمردة التي تتكئ على أوهام وهتافات وصيحات ثقيلة الوطء، أكثر من كونه يؤسس لبلاغ سياسي يمثل للمتلقي أفقاً يمكن النظر إليه في إطار الصراع السياسي حول السلطة في السودان، وهو ما يجعل مجرد التفكير في مثل هذا النوع من البدائل لحكم الإنقاذ، ضرباً من الحرث في البحر والنقش على الماء، لأن طبيعة التكوين الجديد وقياداته المعلنة ووراءه حكومة دولة جنوب السودان، جميعهم أكبر سُبّة ولطخة على وجه العمل المعارض.. وذلك للأسباب الآتية:
- تجمُّع ما يسمى بالجبهة الثورية، هو أكبر تمثيل للموتورين عنصرياً وجهوياً في السودان، ولديهم موقف متعسف من مخالفيهم في الجهة والعرق والدم، قبل أن يكون قد دقّ بينهم والآخرين عطر منشم سياسي يحصر الصراع في نطاقه وحدوده، وبهذا يصبح هذا التجمع هو أكبر بؤرة للعصبية العرقية التي تتسمى بالهامش. وهدف هذا التجمُّع لا يقود في حال نجاحه المستبعد أصلاً، لإسقاط النظام إلا لمزيد من المواجهات الدموية وحماماتها التي ستكون مقدمة في تقطيع أوصال السودان كله وتحويله لغابة من الوحوش الكاسرة التي تريد أكل بعضها البعض.
- ارتباط هذا التجمُّع بدولة جنوب السودان التي ترعاه وترضعه من ثديها، دليل دامغ على أنها هي التي تحرِّكه مثلما هي التي صنعته وجمعت شتيته ونظمتهم في خيطها ليكون أداتها في الصراع ضد السودان وأهله، وقد تبنى هذا التجمع الجديد رؤية الحركة الشعبية بالكامل وهي السودان الجديد، وهذا يخصم من فرص تحقيق أي شيء ملموس على الأرض، لعزوف السودانيين من توجهات الحركة الشعبية ولفظهم لها وقد خرجت منهم بالباب ولن تأتي متسللة عبر النافذة أو تتسور الأسوار والحيطان، ومن عجب أن دولة الجنوب نفسها لا ترقى لتكون من يومها الأول، راعية لمعارضي غيرها وخاصة جارتها التي في الشمال، فالسودان دولة تستطيع إيذاء جوبا إن أرادت ورد الصاع صاعين، لكن أملها في جوار آمن هو الذي دفعها لضبط النفس والابتعاد عن لعبة التعامل بالمثل، ولطالما كانت هذه الطريقة بلا قيمة ولا فاعلية إن كان الطرف الآخر لا يستحق.
ومن هنا لابد من الإقرار بأن تجمع ما يسمى بالجبهة الثورية، هو صرخة في وادي السراب والوهم، ولن تستطيع قياداته وكلها هاربة ومطرودة ومطاردة ـ لم تمارس الحرب بشرف ولا السياسة بذات الشرف ـ أن ترمم شيئاً في جدار الفعل السياسي أو تحقق نجاحاً يُرى بالعين المجردة.
اشارات الشنفرى

أستاذ
> في الفيلم الإنجليزي الممتاز.. الشاب المتحمس يعلن أنه ذاهب للبحث عن الحقيقة..
> وعجوز .. عجوز.. يرفع عيونه بصعوبة ليقول للشباب في لهفة
: نعم.. تعال نبحث.. فأنا أبحث عنها منذ أن كنت في عمرك..
> الشرح الذي تطلبه لما يجري الآن يشبه ذلك.. لكن الإشارات تكفي
>..
>...
> والسيد الذي يعتقل الأسبوع الماضي ثم يطلق سراحه.. مرتبه الذي يخصص له بعقد خاص كان هو «خمسة وثلاثون مليون جنيه» في الشهر .. فقط!!
> والعقد الخاص هذا.. من بنوده السرية.. أنه عقد «يجب ألا يطلع عليه أحد»
> وأنه «لا يُفسخ إلا بموافقة الطرفين»
> والشهر الماضي نحدث هنا عن لجنة الفاتح عز الدين ــ بالمجلس الوطني ــ التي تلغي كل عقد خاص.
> واللجنة هذه إما أنها تكذب ـ
> أو هي لجنة لم تسمع بالعقد هذا
> أو هي لجنة تبتلع نسخة مزورة من العقد الغريب هذا
> أستاذ
> هذه إشارة
> والشهور الماضية نحدث عن شيء يفعله وزير المالية ـ الرجل الذي يجتهد في تجميد وطرد كل مليم يصل إلى السودان.
> لسبب يعرفه هو.
> ثم الرجل يتخطى قرارات رئاسية ثم يجعل رئاسة الجمهورية تلغي مشروع مطار الخرطوم وتلقي به، في مخزن «الطيران المدني»
> وهذه إشارة
> ثم وبقرار يصدره نهاية ديسمبر الماضي.. السيد وزير العدل يتخطى كل ما يقيده من مواد القانون ـ ونعود إليها ـ ويُصدر أمراً يجعل النيابات كلها مقيدة مثل ضحية الهنود الحمر الى عمود منصوب.
> القرار يمنع وكلاء النيابة من اعتقال أي مستثمر.. لأي سبب
> وكلمات القرار تعني أن وزير القانون لا يعرف كيف هي صياغة منشورات القانون.
> أو هو رجل يعرف جيداً ما يفعل ـ وبمعرفته هذه يعرف أنه يبقر معدة القانون.
> ويعرف ـ أو لا يعرف ـ أنه بخطوته هذه وخطوات ممتدة منذ شهور يُعد الخرطوم لنوع من الاجتياح!!
> وهذه إشارة
> ومثلها شيء يجري في سراديب الداخلية
> وأحاديث عن مثلها في سراديب الأمن والجيش
> وكأنها الموسيقا التصويرية للفيلم الذي يقوم أبطاله بالبروفات الآن في اجتماعات جوبا التي/ الأسبوع الماضي/ تكمل تحالف الجنوب مع حركات تمرد دارفور
> وهذه إشارة...
> والسيد وكيل النيابة الذي يقود التحقيق في قضية فساد ضخمة هذه الأيام حين يخرج من مكتبه إلى عربته يجد داخل عربته «المغلقة ـ المغلقة جيداً» رسالة تقول له سطورها
: ارفع يدك.. وإلا فسوف يصيبك ما لا تتوقع
> وهذه إشارة
> والإشارة الأخيرة ـ على عكس ما يخطر بالذهن ـ ما يصدرها هو نوع من الذعر يضرب الآن الجهات التي ظلت تمضغ جذور الدولة.
> والأيدي التي تتعمد أن تجعل الرسالة «داخل» عربة وكيل النيابة المغلقة جيداً ـ تريد
> بالإشارة هذه أن تقول
: نحن نربض في معدتكم تماماً
> شجاعة ودقة؟
> ربما ـ لكن كلمات الرسالة تقول إن ما يضرب الجهات هذه هو ـ ذعر مذعور
> فالإشاعة الأخرى التي يجعلها الذعر تكسر عنقها كانت إشاعة تتحدث عن أن البشير يمتلك ست عشرة قطعة سكنية في منطقة كافوري.
> والأصابع تذهب إلى مكاتب السجل العقاري ـ وهناك تجد أن القطع السكنية الست عشرة ترقد هناك.
> لكن ملفاتها تحمل أسماء لا هي تعرف البشير ولا هو يعرفها
> ومحامون يزورون أسرة البشير هذه الأيام يطلبون الإذن لرفع قضايا تشهير
> والحكاية إشارة أخرى
> والإشاعة لو أنها كانت تمشي مطمئنة لعرفت أنها كذبة يمكن كشفها في دقيقتين.. لكن المذعور يصرخ «خارج رأسه»
> وعيون البيوت السودانية التي تتابع كل شيء بدقة ــ وبسخرية شديدة الذكاء بعضها يتصل بنا هاتفه ليقول
: أستاذ ـ افتح القاموس الإنجليزي ـ على معنى كلمة «باقان» «pagan» ومعنى كلمة أموم أو أموك-
> ونفتح
> ونجد أن كلمة باقان معناها «كافر ـ ملحد ـ يعبد وثناً»
> وأن كلمة أموم معناها «يجري مذعوراً هارباً من الموت»
> ومدهش أن أخبار الجنوب عن باقان ما تحمله هو هذا بعينه
> وأن الرجل الذي يحرق بعضهم منزله ـ ويحرق منزل سلفا كير هو الآن شخص يبحث عن ملجأ.
> وهذه إشارة
> والخرطوم التي تتحدث عن أربعمائة صندوق من صناديق الألغام ترقد الآن في مطار جوبا «جنوب مبنى المطار مباشرة.. أنزلتها الشاحنات رقم كذا ورقم كذا ـ وتعد للشحن إلى النيل الأزرق» ـ الخرطوم هذه تتحدث عن الاجتماعات السرية وعن نقل فلان وفلان إلى أوغندا ثم العودة للتمويه ـ وعن عربات فلان الثماني وعن دجاجة وزجاجتين «كورفوازيير ـ فرنسي فاخر» تناولها فلان وفلان في العشاء.
> والخرطوم هذه تتحدث عن فرع آخر للقاء هذا ـ يتم في الخرطوم
> واللقاء الأخير هذا ذو نسب قريب بلقاء جوبا.
> وأقارب كلهم ينتمي إلى عائلة الخراب الاقتصادي الآن ـ الذي ينجب القضايا
> وهذه إشارة.
> ولكن اثنين من الإشارات هذه كل منهما يستحق حديثاً خاصاً
> حديثاً عن سفارة من سفاراتنا كانت تتعمد إهلاك الأجهزة والعربات والمعدات ـ وذلك حتى يجدد الشراء كل عام ـ وذلك من أجل العمولة.
> وإشارة عن مخطط يكتشف أن قيادات وسيطة كانت ـ وبمهارة ـ تغرق القيادات العليا بالهدايا الهامسة ـ والتي لها اسم آخر ـ ثم تجعلها زمامًا تقودها به.
> ثم قيادات وسيطة تغرم بتوظيف أقارب ـ مهما كانت القرابة ــ لبعض القيادات ــ لاتخاذهم «دريئة»
> ثم
> ثم يأتي منشور السيد وزير العدل ـ المنشور الذي تقرأه العيون مرة فتجد فيه مخالفة إدارية.
> ثم تقرأة أخرى فيذهب بها إلى جوبا مباشرة عمداً أو سهواً.
> ثم شيء في الداخلية.
> ثم مسؤول هنا ومعتمد هنا وجهة هنا.. وو.. كلهم يغني نفس الأغنية
> كيف ؟؟ نقول...
المفطومون سياسياً

الفطام لغة هو فصل الولد عن الرضاع.
غير أن فطام اليوم فطام آخر هو فصل وعن الرضاع ولكن ليس فصل ولد صغير ولكن فصل الكبار عن الرضاع من ثدي الدولة ومالها العام. إن من أشرس معارضي المؤتمر الوطني، وما أكثر معارضيه، وقديمًا قالت العرب: نصف الناس ضد الحاكم وإن عدل. فكم ستكون النسبة إن لم يعدل؟
كلما حاول المؤتمر الوطني استرضاء البعض بالمناصب وجد نفسه في ورطتين كيف يتخلص من الذي أرضى وكيف سيكون حاله بعد الاستغناء عنه؟ وما من والغ في المال العام إلا وصعب عليه الفطام فقد غدت السياسة في دول العالم الثالث وهذا اسم الدلع للعالم المتخلف ــ والسودان زعيمها غدت السياسة اقصر الطرق لكسب العيش «السيوبر» فجأة من رجل بسيط يأكل الطعام ويمشي في الأسواق يجد نفسه محفوفًا بعشرات الخدم الذين لا يعصون له أمراً ويمسحون له الجوخ ويصورنه أنه عبقري زمانه وأنه القائد الملهم والذي لولاه لخربت الدنيا.
والتغير الأكبر يكون في ناقصات العقل والدين «رضي الترابي أم أبى والصادق معه كمان» فناقصات العقل والدين اللائي يستوزر أبعالهن يحسبن أنهن دخلن الجنة ولن يعدن لدنياهن السابقة أبداً. وهذا العامل الحوّائي من حواء ــ يشترك فيه بعض السياسيين وبعض المغتربين «بالله شوف الزول دا فتح ليهو كم جبهة يا رب استر».
هذه العوامل والقابلة للزيادة من المجربين والخبراء هي ما يجعل أشرس منتقدي الحكومة هم المفطومون. فما من رجل أُبعد او اُستُبدل من منصبه إلا وكال السباب واللعنات لهذه الحكومة ويوم كان فيها هو إما مادح لها بكل ما فيها وما ليس فيها أو ساكت مطأطئ الرأس محافظاً على موقعه.
ولا ابرئ المؤتمر الوطني فهو كثيرًا ما يعالج الخطأ بخطأ افدح منه «يا اخوانا شوفوا لينا محل لي فلان دا» هذه المعالجات جعلت المتكسبين من السياسة عبئاً على الدولة كلها بل قد تعجز عن إعاشتهم أو ترضيتهم مما ينعكس سلبًا وكرهًا وبغضًا للاتحاد الاشتراكي عفواً للمؤتمر الوطني.
هل نحلم بإصلاح الحال الذي انتظرناه كثيرًا وبشرنا بحكومة رشيقة وطلعت «تدخل اليوم وتدخل أردافها غدًا» شفتو الرشاقة دي كيف؟
المفطومون سياسياً هل نعيبهم أم نعيب الذي فطمهم أو خربهم فدخول كثيرين في الولوغ من المال العام كان تخريبًا لحياتهم وتبديلاً يصعب الرجوع معه إلى نقطة الأصل أو قريبًا منها.. إذا ما رأيت منتقداً ــ فوق العادة للمؤتمر الوطني وحكومته إلا بعد قليل مجهود تجده من المفطومين. ورغم أن الفطامة أنواع والأثداء أنواع فكثير من المفطومين يصعب سحبهم من الرضاعة حتى ولو كان المنصب في غاية التواضع وتشتد الكنكشة كلما صعدنا لأعلى.
لن أجيب عن سؤال مثل: أعلى حدي وين يعني؟