إذا أراد الله بقوم سوءاً أورثهم الجدل ومنعهم العمل!!
د.اسماعيل الحاج موسي
قال صديقي: يبدو أننا يا أخي سنعود نقرأ في كل مكان وفي كل وقت كلاماً كثيراً عن الديمقراطية وعن المؤسسات وعن المشاركة وهلم جرا.. فالتجربة الديمقراطية التي تخطو في أعتابها بعد هذا الاستحقاق الانتخابي الكبير تنذرنا بسيل من الكتابات في هذا الصدد.. وما أكثر المنظرين في بلادنا يا أخي!!
قلت: وما الضير في ذلك؟!.. الكلام في هذا الموضوع مهم وضروري يا أخي بالنسبة لنا بصفة عامة وفي كل وقت.. وهو يكتسب أهمية أكبر وأكثر عندما نكون على أبواب تكوين المؤسسات الدستورية للمشاركة..
قال: المسألة مهمة.. نعم.. أنا لا أنكر ذلك يا صديقي ولكنني حقيقة أتوجس من الكلام الكثير في هذه المسائل لأنني أعتقد – ولدى شواهد.. إننا في هذا الأمر وفي غيره نتحدث كثيراً و"نلف وندور" حتى تضيع معالم القضية وتنغمس ملامحها وسط الضجيج والحجيج والأخذ والرد والهجوم والدفاع و"المغالطة" ثم نخرج بعد ذلك بلا نتائج وهذا ما أخشى أن يكون عليه الحال ونحن نتحدث عن الديمقراطية..!!
قلت: قد اتفق معك يا أخي إننا أحياناً نتكلم أكثر مما نعمل.. وإمام المتقين علي بن أبي طالب يقول "إذا أراد الله بقوم سوءاً أورثهم الجدل ومنعهم العمل".. ونعوذ بالله أن نكون من هؤلاء القوم.. على كل حال.. الصيغة السياسية للحكم التي تنجح في أن تكفل المشاركة الحقيقية – من خلال المؤسسات- في الحوار وصنع القرار.. ولعلي كررت لك ذلك كثيراً من قبل فبغير هذا المعنى أي كلام عن الديمقراطية يكون كلاماً للاستهلاك السياسي والمزايدة الديماغوقية..!!
قال: ولكن هذا المعنى هو الذي يفهمه ويعمل به كل الناس في كل مكان. على الأقل في إطار ما نرى ونسمع..
قلت: ليس صحيحاً يا صديقي فأنت تعرف وتعترف بأن صنع القرار في السودان في مختلف الحقب السياسية ظل يتم على مستوى ما يمكن أن نسميه القمة الزعامية.. أي على مستوى "عراب" أو "عرابي" النظام الذين هم أباطرة غير رسمية.. هم يصنعون القرار ثم تجيء المؤسسات الرسمية لتحول هذا القرار إلى قانون بمعنى أن القرار يتخذ بطريقة غوقية ويكون دور المؤسسات الرسمية هو أن تترجمه إلى واقع. وإذا لم يتغير هذا الحال وتتغير أبداً يا أخي وستبقى مؤسساتنا الرسمية مجرد نمر من ورق.. أسماء رنانة وأشكال جميلة وواجهات براقة وهيل وهيلمان ولكن بلا فاعلية وبلا سلطة وبلا حول ولا قوة وسنظل نسمع ضجيجاً ولا نرى طحناً.. وأنا أثق أن المؤتمر الوطني سيعمل على تغيير هذا المفهوم الخاطئ لماهية الديمقراطية..
لأنه لن يخرج أحد
اسحق أحمد فضل الله
الناطق الرسمي باسم مفوضية الانتخابات حين يلفظ باسم الفائز الأخير في دوائر الانتخابات تكون نيفاشا قد انتهت.
وقسمة السلطة والثروة وقوانينها انتهت والمواد (70- و 216 و65 من الدستور) تنهال مثل الجيلوتين فوق رقاب صفحات نيفاشا.
وسلفا وعلي عثمان في لقاء جوبا الأسبوع الماضي كانا يبحثان عن صيغة جديدة للتفاهم.
وكل من الرجلين كان يقوم بقص نصف الممر.
و(نصف الممر) حكاية إنجليزية تصبح رمزاً كلاسيكياً لأسلوب التفاهم.
وفي الحكاية تقص سيدة إنجليزية قالت:
(حين رحلنا إلى بيتنا الجديد في ضاحية قليلة المساكن كانت المسافة بيننا وبين الجار الوحيد مغطاة بعشب طويل خشن ومنذ سنوات.
لم أعرف كيف أرسل إشارة مودة للجار.
وذات يوم فعلت شيئاً.
أخذت آلة قص الأعشاب وقصصت بها ممراً يمتد في اتجاه الجار هذا.. وتوقفت عند (منتصف المسافة) تماماً.. وجلست انتظر – وأتربص رد الفعل
وبعد لحظات كان شيء غريب يحدث.. ومن بيت الجيران كانت الجارة وزوجها والأطفال والبنات كلهم ينهال على النجيلة بأصابعه وأظافره يقتلع الأعشاب في جنون وصراخ وبهجة.. ويصنع ممراً يصل بينهم وبيني).
والجنوب لن يحفر الممر بأصابعه. ليصل إلى علي عثمان.
هذا ما يبدو أول الأمر.. لكن ما تكشفه الحسابات شيء آخر..
والحسابات تغلي منذ عام.
(2)
وسلفا كير حساباته كانت تتخطى الأوراق إلى التنفيذ.
وقائد الجنوب يجد أن قسمة الثروة التي تتوقف منذ اللحظة التي يعلن فيها اسم الفائز الأخير كانت ثغرة تحشوها خطة 2005م بالعون الأجنبي.. هكذا كان الظن في الجنوب.
لكن لما كان علي عثمان يجلس إلى سلفاكير كان البنك الدولي يعلن في باريس أن اليونان التي طلبت (45) مليار دولار لن تحصل إلا على مليارين اثنين فقط.. وأن أمريكا تطلب قرضاً من أوروبا.. و..
والعالم لن يلتفت إلى الجنوب
وقسمة السلطة التي تنتهي أمس مع إعلان آخر خطوة من الانتخابات كان سلفا يقرأ كتابها.
ويجد أن صراع أبيي ضد الشمال الذي يقوده عرمان وباقان ينتهي
وفي محكمة عالمية.. ضد صالح الجنوب
وأن روح التعامل بين الشمال والجنوب.. الروح الرقيقة.. يمزقها عرمان وباقان.. وأولاد قرنق.. وببذاءة رائعة
والانتخابات التي جرجرتها الأحزاب تصبح شهادة وفاة لأحزاب جوبا.. ومن يعانق الميت يعجز عن ذلك في اليوم الثالث..
وسلفاكير يقرر معانقة الأحياء
وعلي عثمان الذي يعرف هذا والذي يخطط (لتعايش) جديد يتحدث بكل برود الجراح.
وعلي عثمان يحدث سلفا بما يعرفه سلفا
وما يعرفه سلفا هو أن ذباب دول الجوار ينهش الآن لحم الجنوب.. وأن الإيدز والخمور هي وحدها ما يحصل عليه حين يتجه جنوباً بينما الحياة تأتيه من الشمال.
وعلي عثمان يقدم تصوره للجنوب الحقيقي. حيث الجنوب هو (كل) القبائل – وليس الدينكا فقط.
وما يجعل علي عثمان يقدم اقتراحه الآن هو شعوره.. وعلي عثمان غتيت.. بأن خطته التي ينفذها سلفاكير لخمس سنوات تكتمل.. خطة علي عثمان وليس خطة سلفاكير.
ونقص هنا قبل أعوام كيف أن علي عثمان ونيفاشا ساخنة يهبط الخرطوم ليقترح على البشير والآخرين ألا يشترك الشمال في حكومة الجنوب ولا بشخص واحد
وعلي عثمان كان يقول إن الجنوبيين يعتقدون أن الشمال يقتلهم و.. وأنه لا منطق في الدنيا يغسل هذا المفهوم
وعلي عثمان يجد أنه يصلح تماماً أن تنفرد الحركة الشعبية. (الدينكا).. بالجنوب.. حتى يعرف المواطنون هناك.. البيان بالعمل.. الفرق الشاسع بين الحياة التي يصنعها الشمال لهم والموت الذي تنزله الحركة الشعبية بهم.. و الدينكا ينفردون بالجنوب.
وما يتوقعه علي عثمان يقع بكل ما فيه..
ومنتصف الأسبوع الماضي كان علي عثمان لا يجد صعوبة في إقناع سلفاكير بإشراك الآخرين في سلطة الجنوب.. ليرتاح سلفا.. ويرتاح الجنوب.. ويرتاح الجنوبيون.. ويرتاح السودان
وعلي يعرض نصيباً للجنوب في حكومة الخرطوم كذلك ومساهمة في (فرش) البيت
وكلمات علي عثمان كان يجعلها (إستيكة) يمر بها على خط الحدود الذي يقسم البلاد والذي يقترب الاستفتاء لتأكيده.
وسلفا كير.. الذي يتكشف أحياناً عن عقلية استخبارية فذة.. يفهم.. ويجعل علي عثمان يفهم ما في بطنه بإشارة ممتعة
سلفاكير يطلب من عرمان وباقان الخروج من الاجتماع
مفهوم؟؟
وفي الخرطوم كان ديك المسلمية يصفق أجنحته ويقول للصحافة (في الاجتماع قررنا.. وقلنا.. و)
(3)
وفي الخرطوم كان الشعبي ومجموعة باقان وعرمان يجتمعون سراً في الفردوس وفي الخرطوم شمال (أركويت) للبحث عن خطة للتخريب
وأعد قراءة تصريح الترابي أمس.
والتخريب يجد أن كسلا هي المكان الوحيد الذي ما يزال به عدد من المواطنين يحملون العداء للوطني والتخريب يقرر أن يبدأ من هناك.. وتعريض لحم أبناء كسلا لأظافر جهاز الأمن.. وباقان في بيته بالمنشية
وليس من باب الطرافة
إنه في لقاء أجهزة الأمن لبحث مخطط التخريب ذاته كان أحدهم يلتفت إلى أحد قادة التخطيط يسأله
: هل تمنعون خروج المظاهرة؟
قال: لا
قال: لماذا؟؟
قال: لأنه لن يخرج أحد
(4)
..و..
وملامح السودان الجديد (الحقيقي) نرسمها.
غضب الميرغني ومآل التراخي
د.ياسر محجوب الحسين
قبل أن ينجلي غُبار المعركة الانتخابية غادر مولانا محمد عثمان الميرغني رئيس حزب الاتحادي الديمقراطي الأصل البلاد.. البعض قال إنه غادر غاضبا، والبعض الآخر قال إن لديه زيارة (مبرمجة) مسبقة؟!.. لكن الشاهد في الأمر أنه أطلق تصريحا ينم عن غضب حينما قال إنه شخصيا لم يصوّت؟!.. هذه الواقعة المدوية أذهلت الكثيرين في حزبه وفي خارج حزبه.. الغضب ناتج عن صدمة وذهول لأن حزبه (العريق) لم ينل أكثر من دائرتين، بل أنه خرج من المولد بدون حمص في معاقل الحزب التقليدية في الشمالية وكسلا.. الميرغني قال أيضا متسائلا ومستنكرا أين الذين خرجوا لإستقبالي في كسلا؟!.. نقول لمولانا بكل بساطة إن لم تصوت أنت قائد الجماهير الاتحادية وهاديها فكيف يصوتون هم؟!.. إن لم تعقد مؤتمرا واحدا لحزبك وتجدد هياكله وتدفع بالدماء في عروقه فلن يكون حزبك حزبا فاعلا.. تلك الجماهير التي خرجت في كسلا للقائك لم تقم الدوائر المعنية في حزبك بتسجيلهم إبان مرحلة التسجيل، ولم يقدم حزبك أي برنامج مقنع.. برنامج يلبي طموحات جماهيرك ذات التوجه الإسلامي، بل تركت الحبل على الغارب للعلمانيين واليساريين ليتصدوا للعمل السياسي.. جماهير الختمية لن تصوت للعلمانيين واليساريين حتى لو قدمهم الحزب الاتحادي الأصل ووضع فوق رؤسهم الريش.. في الثقافة السودانية احترام الزعماء وتبجليهم واجب وإن اختلف معهم سياسيا.. استقبل ذلك الزعيم الطائفي استقبالا كبيرا من أعيان تلك المنطقة التي حسبها الزعيم المسكين أنها مازالت مقفولة و(مضمونة) وعندما طلب الزعيم من الأعيان بعد أن أكرموا وفادته مخاطبة جماهير المنطقة، لكنهم اعتذروا له بلطف وقالوا له أنت بيننا ضيف كريم وعزيز ولكن ليس لدينا جماهير يمكن أن تهفوا إليك وتستمع لك هذا أمر ولى زمانه فقد تغيرت الولاءات والقناعات السياسية.. أهل كسلا أيضا استقبلوا مولانا الميرغني خير استقبال لكن لا أحد يجزم أنهم يتفقون مع خطه السياسي (العلماني اليساري).. الحقيقة المرة أن جماهير الأحزاب المختلفة لم تتبين أي خط سياسي أو برنامج محدد يمكن أن تصوت له، لم يكن هناك غير المواقف الضبابية المتلجلجة.
حال الأحزاب التي تفرض نتائج الانتخابات و(تخرخر) مثل حال ذلك التلميذ الذي قضى جل عامه الدراسي متسكعا ومهملا لدروسه وحين حان أجل الإمتحانات بحث عن وسيلة لتأجيلها أو إلغائها ولما لم يجد لذلك فتيلا أضطر لدخول الامتحانات خالي الوفاض، ولم يتقبل من بعد نتيجته (الصفرية) متذرعا بحجج واهية ملقيا باللائمة على غيره؟!.
نقول للأحزاب الخاسرة عليها بدلا من التعلق بقشة التزوير الواهية أن تُعد نفسها منذ الآن للانتخابات القادمة بعد (5) سنوات وهي فترة قصيرة في عمر الشعوب.. لابد أن تفكر بل تشرع في عمل مؤسسي دؤوب ومراجعة للأخطاء وقراءة الخريطة الجماهيرية والسياسية جيدا، هذا هو الطريق الصحيح والسليم حتى لا تقع تلك الأحزاب مرة ثانية في شر أعمالها.. ستذهب هذه الأحزاب إلى متحف التاريخ السياسي إن لم تتنبّه لمآلات سياساتها السابقة التي أوردتها مهالك الفشل والندم والحسرة.
البشير.. فارس تربّعَ فوقَ عرْشِ النجاح
د.ياسر محجوب الحسين
ودمع الفرح قنديلٌ يضيء فضاء السودان فذاك نجاح وفوز أثلج صدور قوم مؤمنين.. الرئيس البشير الذي طالما جلس من مواطنيه مدّ البصر حاز اليوم على ثقتهم وحملوه مسؤولية كبيرة تنوء بحملها وتشفق منها الجبال، فتربّعَ فارسا فوقَ عرْشِ النجاح والتفوق.. مشاعر وعواطف جياشا أفلتت من كل قيد احتفاءً وفرحا بتجديد الثقة في من هو أهل لثقة شعب عظيم مثل الشعب السوداني.. لقد كان البشير قائدا وسياسيا تهيم روحه حين يكون الواجب الوطني.. صاحب أدب غض، ونفس حرة وأبوة كريمة، وحديث يعبر من القلب إلى القلب، له طبع نافذ وخاطر عامر وقريحة ثاقبة وكياسة نادرة،كان لا يزدري ضعف مناوئيه ومعارضيه ولا يدمي لوعتهم.. بين جوانح نفسه المتواضعة نرى أسمى ما عرفنا من عظمة ورشد.. لا ينحي أبدا مؤمنا بالحكمة القائلة (لا يستطيع أحد ركوب ظهرك إلا إذا كنت منحنيا).. إيمانه بالله يملأ قلبه يقينا وعزما، يعلم أن من توكل على علمه زلّ، ومن توكل على ماله قلّ، ومن توكل على الناس ملّ، ومن توكل على عقله ضلّ، ومن توكل على الله فلا يمل ولا يقل ولا يزل ولا يضلّ.
كان لواؤه الذي رفعه أن الخرطوم لن تعود للخمارات والبارات والعلمانية والدعارة.. الشعب المسلم اختاره لأنه يرفض المساس بمبادئ وقيم الشعب، فهو من هذا المنطلق رفض تماما تعريض أسس ومعايير حياة السودانيين لأي مساومة قد تجر لهم الذل والهوان إن هو استجاب لضغوطات وإغراءات القوى الخارجية التي مولت حملات دعاة العلمانية.. لقد كان على يقين بإن صون المبادئ والقيم التي أقرتها الشريعة الإسلامية وعززتها قوانين البشر، لا يجوز التنازل عنها.
الشعب الشجاع المقدام استحق رئيسا يتمتع بشخصية جسورة ومقدامة وصبورة إنها صفات لعمري في عصرنا نادرة وشاخصة.. عندما أطلقت المحكمة الجنائية الدولية عنترياتها وتوعدت بالويل والثبور طار البشير إلى الدوحة في رحلة تلازمه ثقة بالنفس عظيمة، وهي الثقة حققت ألوانا بهيجة من مشاريع التنمية الباهرة.. حينها أصبح وجه أوكامبو مدعي تلك المحكمة غارق في حيرةٍ، وعلم أن محاولاته المس برمز سيادة السودان ليست إلا بقايا أحلام تكسرت أجنحتها.
نعم فعلها الرئيس البشير ولم يبال.. هذا هو الرئيس الذي نعرفه منذ عشرين عاما.. لم يتغير ولم يتبدّل.. (الجنائية) تجرعن ماءً أذيب فيه قرارها.. كان البشير مدركا لثقافة السوداني التي ترتكز إلى كل ما له صلة بالتحدي والإقدام والرجولة.. الجموع التي خرجت في الفاشر وسبدو والخرطوم وفي كل ولايات السودان ضد (الجنائية) كانت سوف تصاب بالإحباط إن لم يدوس الرئيس على قرار تلك المحكمة بحذائه ويسافر.. بل أن كثيرا من الشعوب العربية والإفريقية كانت ستصاب بإحباط فوق إحباطاتها الكثيرة.. هنيئا للشعب السوداني بفوز الرئيس البشير وهنيئا للبشير بثقة شعبه.