البروفسيور الدبيلو يقدم التفاصيل الكاملة لمشكلة أبيي وتطوراتها
نوصل ما دار من حديث في ندوة منبر السلام العادل حول أبيي المآلات والتطورات ونقدم في هذه المساحة ورقة البروفسيور سليمان الدبيلو الباحث في علوم التاريخ عن ابيي والتي تناول خلالها الاستراتيجية الامنية الامريكية وتضارب مصالحها وسياساتها وجاء في حديثه قائلاً: السودان بلد مترامي الأطراف، متعدد الأعراق والثقافات، شماله خليط من هجين عربي ومستعرب ونوبي وجنوبه خليط زنجي. تتلاقي وتتلاحق فيه هذه الإثنيات في محيط يتوسط هذين الخليطين، وقد درج البعض في الآونة الأخيرة، تعريف هذا المحيط بحزام التماس وأحيانا حزام التمازج أو التداخل وتارة يوصف بحزام التفاعل وأخري بالجسر بين الشمال والجنوب. فآيا كان المسمي فلكل واحد من هذه المسميات مدلوله، فالتماس مثلا يعني خط أو حزام فاصل ذو نهايات واضحة يفصل بين شيئين مختلفين.أما التمازج فيعني انه مدي تختلط فيه الأشياء بصفة طبيعية وتخلط لينتج من الخليط ناتج يحتفظ بمكونات المخلوط أما التداخل فمدلوله ان الأشياء تتخلل بعضها البعض وتتداخل فيما بينها وفي كلتا الحالتين لا ينتج منتج جديد . أما حزام التفاعل فمدلوله ان يتم التداخل بين المكونات مدفوعا بإرادة أو قسرا لينتج ناتجا جديدا مختلفا عن مكونات التفاعل. أما الجسر (بين الشمال والجنوب) ففي تقديري لا يعني أكثر من تسهيل الحركة (بين الشمال والجنوب) مع احتفاظ كل جهة بسماتها ومكوناتها.بهذا الفهم فإن الحزام أو المدى المكاني بين خليط الشمال والجنوب هو حزام يتدرج فيه التداخل والتمازج بمقدار ولهذا فإن وصف ألمدي المكاني الفاصل بين الشمال والجنوب بحزام تداخل وتمازج اقرب للمعني والمدلول.
تعريف الحدود
لقد تناول اللورد كيرزن المندوب السامي البريطاني بالهند في محاضرته التي قدمها بلندن عام 1907 حول الحدود محددا فيها تعريف الحدود والعوامل التي أدت إليها حيث قال « ان الحدود تطورت حسب التطور الإنساني منتقلة في الفترة قبل الاستعمار حيث كانت تعرف محيط القبيلة أو مجموعة ذات قوة متعادلة وخلال فترة الاستعمار تحولت إلي مدي حدود هيمنة الدول المستعمرة وأخيرا إلي الحدود الدولية الحالية « وقسم الحدود حسب المفاهيم الاستعمارية في ذلك الحين إلي ثلاث أنواع::
الأول :الحدود الطبيعية : مثل المحيطات والجبال ، والمستنقعات و إلى درجات أقل الأنهار.
الثاني:الحدود المصطنعة
الشائع منها في الدول الحديثة يمكن حصرها في ثلاث أنواع:حدود فلكيه تتبع خطوط الطول والعرض وخير مثال لذلك الحدود بين كندا والولايات المتحدة. والحدود بين كندا وألاسكا. ب- خطوط تربط بين نقطتين إحداثيات كل نقطة منها موضحة بموجب خطوط الطول والعرض مثال لهذه الحدود الخطوط المستخدمة في الحدود الداخلية للولايات المتحدة الأمريكية بعكس الحدود الداخلية البريطانية حيث أنها أسست علي النواحي الجغرافية والتاريخية وفي بعض الأحيان الإثنية
ج- حدود مؤسسة علي شكل أو جسم طبيعي معين مثال هذه الحدود الأفريقية حيث نجدها تمتد في اتجاه معين أو تاخذ شكل قوس أو مماس دائرة أو استخدام ظواهر عينية أو علامات علي الأرض أو تتعرج مع نهر أو تتجاوز جبل.
الثالث: الحدود الحديثة
خلال فترة التحرر الوطني لقد تم اعتماد الحدود الاستعمارية وقتها كحدود دولية بين الدول وفق القانوني الدولي الذي اعتمد حينها آخذين في الاعتبار ان معظم هذه الحدود قد أسستها الدول المستعمرة ( بريطانيا وفرنسا والبرتغال إلخ ) وقامت بتحديدها والاتفاق فيما بينها عليها فهي إذن حدود ليست مؤسسة علي رضا الدول المستقلة وإنما علي تفاهمات المستعمر وليست حدود بمفهومها الطبيعي
ب- الحدود الأفريقية:
حدود إفريقيا صممها المستعمر في القرن الماضي لتقابل احتياجات الأسواق الأوروبية ومؤسسة علي سياسة ولهذا نجد أنها قد ساهمت في الحروب التي حصدت الملايين من أبناء القارة وأدت إلي موجات العنف والتطهير العرقي في كثير من دول القارة ،وأدت إلي تشويه سمعة القارة الأفريقية وجعلتها فريسة لأطماع الاستعمار. نتيجة لذلك فقد تنادي بعض الباحثين والمفكرين الأفارقة لدراسة حالة الحدود الأفريقية وما جرته علي القارة من دمار وخراب وقد توصلوا إلي:
إما إعادة ترسيم حدود الدول الأفريقية ؛ أو تقليل أهمية دور الحدود من خلال التكامل الإقليمي
إلا ان الزعماء الأفارقة ولوعيهم بما سيترتب علي التفكير في تعديل حدود الاستقلال من مشاكل قد تصل إلي حروب لا تذر رفضت منظمة الوحدة الأفريقية منذ تأسيسها في عام 1963 مجرد النقاش لهذا الموضوع وقررت اعتماد الحدود الاستعمارية كما ورثت فجر الاستقلال وظلت علي هذا القرار إلي يومنا هذا.
ج- حدود السودان:
السودان وأحد من اكبر الدول الأفريقية نال استقلاله في 1/1/1956 وورث حدوده الحالية التي أسسها الاستعمار. في واقع الأمر لم تتشكل حدود السودان الحالية بشكلها الحالي إلي في مطلع القرن التاسع عشر حيث ضمت بحر الغزال ومنطقة فشودة للسودان الإنجليزي من الفرنسيين وأصبح إقليم السودان الجنوبي الحالي منطقة مقفولة عن الشمال حني قرر الإنجليز حسبما أعلن في مؤتمر جوبا 1947 انه من الأفضل لإقليم جنوب السودان الانضمام للشمال ليكون جزءا من السودان الحالي. وبذلك يكون السودان بخارطته الحالية عمليا مؤسس في عام 1947م. منذ فجر استقلاله واجهه السودان مثله والدول الأفريقية إشكالات الحدود والتطلعات القبلية. وهو كأكبر دولة افريقية له حدود مع تسعة دول افريقية إضافة إلي واحدة شرق أوسطية.
ففي الشمال تمتد حدود السودان مع مصر حوالي 800 كم وحوالي 100 كم مع ليبيا وقرابة 1200 كم مع تشاد وأكثر من 1000 كم مع إفريقيا الوسطي وحوالي 400 كم مع الكونغو و150 كم مع ويوغندا ومثلها مع كينيا وحوالي 1600 كم مع اثيوبيا و300 كم مع اريتريا وحوالي 400 كم حدود بحرية مع المملكة العربية السعودية.
ويلاحظ ان الحال علي طول هذه الكيلومترات الحدودية لم يكن معافى من المشاكل والأزمات ففي الشمال مثلث حلايب وما فيه من نزاع مع مصر وفي الجنوب مثلث أليمي مع كينيا وفي الشرق المناطق الحدودية بين القضارف واثيوبيا وفي الغرب حركات التمرد في دارفور وما لها من إفراز ات علي العلاقة مع تشاد ونزاعات الرعاة مع أفريقيا الوسطي هذا بالإضافة الامتدادات القبلية بين الشرق ودولة اريتريا والشمال مع مصر وفي الغرب مع تشاد وفي الجنوب مع دول حوض النيل.
من ناحية أخرى وحيث انه من المتوقع ان يفضي استفتاء الجنوب إلي ميلاد دولة الجنوب الأمر الذي سيوزع إشكالات الحدود بعالية بين الجنوب والشمال و سيضيف إشكالات حدودية جديده مسرح عملياتها الشريط الفاصل بينهما.
اتفاقية السلام:
منذ إطلالة فجر الاستقلال، تفجر الوضع في الجنوب بتمرد بعض أفراد من الجنوبيين بالقوات المسلحة السودانية وتطور هذا التمرد منذ ذلك الحين حني بلغ شأوه بالحركة الشعبية التي طورت مفهوم التمرد إلي حرب تحرير وقد أدت الحرب، التي خيمت علي جنوب البلاد زهاء الخمسين عاما هي عمر استقلال البلاد، إلى جرح عميق في وحدة أهل البلاد، خلال هذه الفترة قد وقعت عهود ومواثيق جميعها ساعدت في تطبيب الجرح، إلا أنها لم تساهم في وقف نزيف الدم. ونزف الموارد والقدرات وأستمر الجرح غائرا ما يندمل قليلا حتى يتفجر من جديد جارفا وحاصدا أرواح الأبرياء.
جاءت إتفاقات نيفاشا وبرز حولها سؤال مهم هل سيكون إتفاق سلام نيفاشا البلسم الشافي لهذا الجرح أم أنه واحد من تلك المضمدات التى تعودنا على تطببيه بها؟ وهل وضع هذا الاتفاق خالصا مبرئا للتنفيذ أم أنه وضع فقط لبلوغ مرحلة ما في التاريخ؟ وهل ستكون لنا الإرادة في تنفيذ هذا الاتفاق وبقدر من الصفاء والحس الوطني والالتزام الأخلاقي أم أنه حبر على ورق مثله كغيره من إتفاقات ؟ والسؤال الأهم هو هل حقا أن اتفاقيات ومفاهمات وبرتوكولات نيفاشا هي بلسم حل مشكلة السودان أم هناك دوافع وأطماع وأجندات خفيه لم يفصح عنها من خلال هذه الحزم؟
مثل هذه الأسئلة وكثير غيرها كان مسار نقاش الحادبين من أبناء السودان وقت توقيع البروتوكولات الخاصة باتفاقية السلام وقد عايش الشعب السوداني كله فترة الانتقال ولكنا عشنا وشاهدنا الشد والجذب في الصغائر والكبائر و تنصل احد الشريكين من مسئوليته تجاه الوحدة الجاذبة لتكون مسئولية شريك واحد وتتسارع الخطي نحو هاوية يتهاوى فيها مصير هذا البلد العظيم الآن فقط بدأت تتبلور الإجابات حول هذا الامتحان العسير فاتفاق نيفاشا ليس البلسم الشافي لجرحنا العميق ولكنه داء عضال سيقطع أوصال البلاد وغايته وصول مرحلة في التاريخ أما الصفاء والحس الوطني فلم يكن ديدن التنفيذ كان ذلك واضحا من التهديد والوعيد والانسحابات من البرلمان والمستشارين الأمريكيين والبريطانيين لحكومة الجنوب أمثال « روجر وينتر ودوقلاس جونسون» وثالثهما ممثل الرئيس وما أسسوا له من خراب. فنقول قطعا نيفاشا ليست بلسم حل مشكلة السودان الكبير.اجل لقد وضحت النوايا وما كان مغيبا فالآن فقط يتحدث سلفاكير بقناعته والآن فقط تعلن وزيرة خارجية امريكا عن خططها وإستراتيجياتها للسودان والجنوب.. حيث يعتبر الهدف الأكبر في هذه الخطط والسياسات الأمريكية هو ضمان قيام استفتاء الجنوب في مطلع يناير 2011.. بأي صورة وتحت أية ظروف بعيدا عن المعايير والقيم والأعراف ودون اعتبار للظروف الموضوعية والطبيعية بالجنوب وفي الشمال. ولحدوث هذا ليس من المهم الحدود فهي مرحلة أخري لمزيد من التقطيع للشمال فالقوات الأممية ستفرض المطلوب. وليس من المهم أبدا مصالح من يقع عليهم هذا التقطيع. ففي الوقت الذي يجمع فيه جميع العارفين بالسودان بأنه لو قدر للجنوب ان ينفصل الآن فلن يكون ذلك وفق المأمول دولة في الجنوب وأخري في الشمال ولكن سوف يفكك السودان إلي كنتونات متنافرة. إن التجربة الإثيوبية والإرترية ليست بعيدة عن الأذهان فعلي الرغم من ان رئيسيهما من نفس القبيلة وكانا رفقاء سلاح وشعبيهما متصلين دما ولحما إلا ان كل ذلك لم يؤدي لانفصال سلمي فالجميع يعلم كيف كانت هذه التجربة وما نتج عنها من تشريد وطرد من الديار ونهب للممتلكات وختم كل ذلك بحرب ضروس حصدت الآلاف من بني الجنس الواحد وما زالت القطيعة هي ديدن البلدين
مناطق التمازج والتداخل
يمكن حصر هذا الحزام بين خطي عرض 11شمالا و9 شمالا يمتد حزام التداخل والتمازج هذا لمدي ستمائة وأربعين كيلومترا تبدأ ناحيته الجنوبية من حدود السودان الغربية مع إفريقيا الوسطي مرورا بكفي قنجي وشمال اويل وجنوب ابيي وبانتيو فجنوب ملكال ويستمر حني حدود السودان الشرقية مع اثيوبيا. أما الجزء الشمالي منه فيمتد من حدود السودان الغربية مع شاد مرورا بتلس وبرام والمجلد وكادقلي وكلوقي وفاماكا في حدود السودان الشرقية مع اثيوبيا. عرضه حوالي المائتين كيلومتر ومساحته حوالي مائة وعشرون إلف كلم مربع. يحتوي هذا الحزام علي معظم حقول إنتاج البترول الحالية حقول دفرا وهجليج وبانتيو واداريل، ويمتاز بأمطاره الوفيرة وتربته الخصبة وتنوع ثرواته الطبيعية فيه معظم المشاريع الزراعية المطرية وجزء من المروية وجل ثروات السودان الحيوانية والطبيعية تداخلت فيه معظم قبائل السودان وبعضها تمازج وتصاهر. لكل ذلك يعتبر هذا ألمدي الحزام الأغنى بالثروات والأكثر في التنوع الإثني والثقافي ولهذا فقد كان من المأمول ان يكون رباط وحدة البلاد ومنطلقا للتفاعل البناء بين الإثنيات المتعددة بالسودان.ولكن وبكل أسف وعلي الرغم من أهمية هذا الحزام فانه لم يعني بقضاياه في الماضي ومنذ عهد الاستعمار والتي تتمثل في توفير الخدمات الأساسية لإنسان هذه المنطقة وتهيئتها للنمو وتنمية الموارد وتطويرها وابتكار أنجع السبل والاستقلال الأمثل لمواردها الهائلة. في واقع الأمر لم تهتم الحكومات الوطنية المتعاقبة علي هذا الحزام ولم تضع الخطط لتنميته وتطوره بل علي عكس ذلك فقد أصبح هذا الحزام مسرحا للعمليات بين الجنوب والشمال طوال فترة الحرب وانقسم أهله الجزء الشمالي منه مع الشمال والجزء الجنوبي منه مع الجنوب ومع ذلك بقيت المصالح المشتركة بين أهله ولم تنقطع المبادرات بين القبيلتين والمؤتمرات القبلية والعرفية للتعايش واستمرارية المصالح نذكر من ذلك أسواق السلام التي كانت تقام خلال مناطق العمليات منه أسواق واراوار وبن داو وروب نقاي ومنيل الخ. الغريب في الأمر لقد غلبت المصلحة الذاتية لقبائل هذه المنطقة علي روح العداء والاقتتال ففي أوج الحرب المستعرة في هذه المنطقة انتعشت هذه الأسواق وذاع صيتها وكانت آمنة وهو أمر يدفع للتعجب والاستقراب الم يكن بإمكان ساستنا استقلال هذه الظاهرة وتطويرها كحل لمشكل السودان
الحالة السودانية وفق المنظور الأمريكي
بكل أسف ان الحالة السودانية الراهنة لا تبشر بالكثير من الخير.. فالسودان يواجهه مستقبلاً غير آمن جراء مآلات انفصال الجنوب.. بجانب مشكلة دارفور في الغرب والتي تعلو وتنخفض درجة حرارتها حسب المزاج العالمي الأمريكي والأوربي وأجندات الصهيونية العالمية خاصة.. وفيه مشكلة ابيي التي تشبهه القضية الفلسطينية من الوعدين ( وعد بلفورد ووحد دانفورث) وفيه بؤر توتر محتملة في جنوب دارفور ( منطقة حفرة النحاس) وجنوب النيل الأبيض وشرق القضارف هذا بالإضافة إلي الخلاف الحاد حول المشورة الشعبية في جنوب كردفان والنيل الأزرق والذي بدأت تزداد هذه الأيام درجة حرارته. والمشورة الشعبية هي واحدة من آليات التمزيق المستقبلية إن لم يحسن إدارتها وقد تسوق البلاد إلي المحاكم الدولية.
إن المتابع للشأن السوداني لابد ان يلحظ ويتوقف كثيرا في خطاب الرئيس الأمريكي الأخير ووزيرة خارجيته حول السودان حيث أورد ضرورة قيام استفتاء الجنوب وأبيي في موعده دون مراعاة للمعطيات الواقعية وإجراء المشورة الشعبية في جنوب كردفان والنيل الأزرق وأورد مشكلة دارفور إلا ان الغريب في الأمر ان لا ينسي ويورد إنفاذ إتفاق الشرق. هذا الخطاب متسق تماما مع إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2010 حيث ورد حول إفريقيا في فقرة النظام العالمي وتحت عنوان بناء التعاون مع مراكز نفوذ القرن الحادي والعشرين ورد ما يلي:
سنقوي ديمومة الاستقرار في دول مفتاحيه مثل نيجيريا وكينيا نظرا لأنها مراكز ربط أساسية « ( We will also reinforce sustainable stability in key states like Nigeria and Kenya that are essential sub-regional linchpins)
وفيما يخص جنوب أفريقيا فقد أوردت الإستراتيجية الأمنية « جنوب إفريقيا وما فيها من ديمقراطية فتية إضافة إلي ريادتها الإقليمية والدولية فهي شريك مهم» (South Africa’s vibrant democracy.. combined with its regional and global leadership roles.. is a critical partner)
أما حول السودان فقد ورد في هذه الإستراتيجية بالفقرة الخاصة بالحفاظ علي السلام ومناطق النزاعات المسلحة ما يلي:
« أما حول السودان والذي عاش نزاعات عنيفة لأعوام عديدة فإن الولايات المتحدة الأمريكية ملتزمة بالعمل مع المجتمع الدولي ( وليس السودان) لضمان تنفيذ المتبقي من بنود اتفاقية السلام وضمان قيام استفتاء جنوب السودان في موعده وضمان احترام نتيجة الاستفتاء.. إضافة إلي ذلك ستستمر جهودنا بعد الاستفتاء لضمان السلام والعزة والمسئولية في دارفور» ( In Sudan.. which has been marred by violent conflict for decades.. the United States remains committed to working with the international community to support implementation of outstanding elements of the Comprehensive Peace Agreement and ensure that the referendum on the future of Southern Sudan in 2011 happens on time and that its results are respected. In addition.. we will continue to engage in the efforts necessary to support peace and stability after the referendum.. and continue to work to secure peace.. dignity.. and accountability in Darfur.)
وإذا ما ربطنا الإستراتيجية الأمنية هذه بالإستراتيجية القومية الأمريكية والتي غالبا مصدرها.. بجانب المصالح القومية الأمريكية، المصالح والأطماع الإسرائيلية نلحظ ما يلي:
إن المنظور الأمريكي لأفريقيا قد تبلور خلال فترة حكم كلينتون علي الحاجة للمخزون الإستراتيجي من الموارد الطبيعية بأفريقيا وإبعاد الصين من الاستفادة من هذا المخزون إضافة إلي ضمان ان لا تكون أفريقيا ملاذا للإرهاب. فشرع في تقسيم أفريقيا إلي أربع مناطق نفوذ..أفريقيا شمال الصحراء تركت لأوروبا الغربية.
قسمت أفريقيا جنوب الصحراء إلي ثلاث مراكز نفوذ.
أ- جزء غربي مرتكزة نيجيريا
ب- وجزء جنوبي مرتكزة جنوب أفريقيا.
ج- وجزء شرقي مرتكزة كينيا.
ما يهمنا هنا هو المركز الشرقي والذي يضم منطقة البحيرات بكاملها للهيمنة علي الموارد الهائلة من المعادن والموارد الطبيعية لهذا المركز وفوق ذلك الهيمنة التامة علي منابع النيل ومصادر المياه الرئيسية وهنا يأتي الدور الإسرائيلي حيث ان الهيمنة علي موارد المياه إستراتيجية صهيونية ظلوا يعملون لها منذ أمد بعيد.
إن انفصال الجنوب كما هو واضح هو أساس الإستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية لمنطقة مركز النفوذ الشرقي لضم الجنوب المنفصل لمنطقة البحيرات وترك الشمال للنفوذ الصيني. و بكل أسف فإن هذه الإستراتيجية يشوبها الكثير من القصور فحال انفصال السودان ستواجه الدولتين (السودان وجنوب السودان) مشاكل جمة دفعة واحدة. أولي هذه المشاكل هي منطقة أبيي التي تقع في صلب هذا الحزام وقد كانت في الماضي مثالا لحسن التعايش بالتداخل والتمازج هي أكثر مناطق السودان قدرة علي بلوغ غاية التفاعل المجتمعي.
انزلقت الآن هذه المنطقة في وحل الأطماع الدولية والتطلعات الذاتية فأهدر إرثها الثر فتوقفت عجلة تفاعلها البناء وتسارعت نحو الخراب والدمار. لقد تجاهلت اتفاقية السلام بنيفاشا حقوق أهل هذا الحزام وفرض بعدها قرار محكمة التحكيم الدولي بلاهاي واقعا مريرا تم بموجبه تجاهل حقوق اهل منطقة أبيي عامة وبصفة خاصة المسيرية فإذ لم يستوعب وجودهم الجغرافي وإرثهم التاريخي ومتطلبات حياتهم في حلولها لن يبقي لهم سببا للحياة وإنه لمن الحكمة تدارك هذا الأمر واستيعاب متطلباتهم.
وعلي ذات النهج ستتبع بؤر التوتر أنفة الذكر هذا من ناحية الشمال أما من ناحية الجنوب فسيعاني اهل شمال وغرب بحر الغزال والوحدة وأعالي النيل من توترات الجزء الشمالي وسيعاني دينكا نوك من ضغوط دينكا ملوال ومناوشات النوير. ليس هذا وحسب فإن الحروب القبلية بالجنوب والتي ظهرت بوادرها الآن سيشتد أوارها رغم ما دار في اجتماعات الحوار الجنوبي قبل أيام وستندفع إعداد كبيرة ممن تعود ان يلوذ إلي الشمال حالة المحنة بالجنوب فيكتظ هذا الحزام بمعسكرات اللاجئين و ألجوعي والمعوقين. وفي ذات الوقت وحني تواجهه الحركة الشعبية الانتفاضات الداخلية ستسعى لإلهاء الشارع الجنوبي الواقع تحت مؤثراتها لاتهام الشمال بدعم الانتفاضات فيه مما سيزيد شدة التوتر بين الشمال والجنوب علي مسرح هذا الحزام وستجد الحركة الشعبية فرصة لدعم الحركات المتمردة في دارفور وقد توظف فصيلي جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق والفائض من هذين الفيصلين خاصة أنهم ما زالوا تحت إمرتها لزعزعة الاستقرار في الشمال.
*تطور قضية ابيي
أعلاه مدخل كان لابد منه لتناول مآلات قضية ابيي علي السودان وحني تكون الصورة واضحة للجميع لابد لنا وفي عجالة تتبع تطور هذه القضية:
التعايش بين القبيلتين
في عام 1901 رسمت الحدود الجنوبية لمديرية كردفان علما بأن مديرية بحرالغزال لم تضم للسودان حتى عام 1902م وقد أعيد رسم هذه الحدود بعد ضم مديرية بحر الغزال.
في عام 1903م عدلت هذه الخرائط مبينة الحدود الإدارية الفاصلة بين مديرية كردفان وبحر الغزال مؤسسة الحد الفاصل بين المديريتين للحدود بحر العرب ( خرائط ماردون).
وفى عام 1904 وبعد مسح الحدود القبلية تقرر أن يتبع السلطان روب والشيخ ريحان والذين يقطنان بالمنطقة جنوب بحر العرب إلى مديرية كردفان بناء علي موافقتهم وعلى ذلك رسمت الحدود شاملة المثلث الذي يقع بين بحر العرب شمالا وحدود بحر الغزال جنوبا حسب خريطة كابتن لويد سنة 1904.
فى عام 1905 وقع ميثاق إخاء بين الناظر نمر على الجلة والسلطان كوال أروب والذي بموجبه تم عبور دينكا نوك بحر العرب نحو الشمال والاستقرار وسط المسيرية فيما يعرف الآن بمدينة ابيي وبهذا الفهم فهي قطعا خارج حدود النزاع.
1943 توفي السلطان كوال اروب وتم تعيين أبنه دينق مجوك
في 1947 وفي إطار الاستعدادات لمؤتمر جوبا طلب من الابن دينق مجوك مراجعة قرار والده الخاص بتبعيته لكردفان فأمن علي قرار والده
في 1950 خير سلطان دينكا نوك بالضم إلي بحر الغزال ام البقاء في كردفان فأكد البقاء في كردفان.
في عام 1951 ترك الإداريين البريطانيين فكرة إعادة مثلث دينكا نوك لبحر الغزال
1953 تقرر ضم دينكا نوك كأحد فروع مجلس ريفي المسيرية.
في 1955 اختير دينق مجوك رئيسا لمجلس ريفي المسيرية
*بداية التمرد
1955 اندلع التمرد (انانيا1) قبيل الاستقلال تململ المثقفين من أبناء نوك وعقدوا اجتماعا في بحر الغزال بقيادة احمد دينق مطالبين بالانضمام إلي بحر الغزال
استمر الوضع كما هو في منطقة ابيي رقم جهود التمرد في جرها للحرب حني عام 1964 حيث قتل المتمردين أربعة تجار ماشية من المسيرية بالقرب من ميوم توتر الوضع في ابيي خاصة وقد قتل فيها اثنين من دينكا نوك في الرقبة الزرقاء.
1965 نتيجة لهذا التوتر شن المتمردين من دينكا نوك هجوما علي فرقان المسيرية (أولاد عمران والفضلية) وقتلوا عددا كبيرا من النساء والأطفال فادي ذلك إلي هجوم مضاض مات ضحيته عددا كبيرا من دينكا نوك
1965 عقد مؤتمر صلح ابيي الأول وقد أدي للصلح والعودة للتعايش بين القبيلتين.
1966 عقد مؤتمر ابيي الثاني للإبرام إتفاق إخاء جديد.
1969 توفي الناظر دينق مجوك وعين أبنه عبد الله خلفا له إلا انه أقتيل بعد فترة وجيزة من تعيينه.
1972 عقدت اتفاقية أديس أبابا وقد كانت ابيي حاضرة فيها حيث جد أبناء دينكا نوك في إثارة قضية ابيي في المؤتمر وقد تبنت الانيانيا هذه القضية وطلبت ان تعتبر أبيي جزءاً من الجنوب وأن تناقش مشكلتها علي هذا الأساس إلا ان الحكومة رفضت ذلك مستندة إلى حدود 1956م. فتم التوصل إلي صيغة توفيقية فضفاضة أدرجت بالبند الثالث من اتفاقية أديس أبابا ينص على («المديريات الجنوبية بالسودان» تعني: مديريات بحر الغزال والاستوائية وأعالي النيل وفقاً لحدودها التي كانت قائمة في 1/1/1956م، وأي مناطق أخرى كـانت ثقافياً وجغرافياً جزءاً من المجمع الجنوبي حسبما قد يتم تحديده بواسطة استفتاء»)
1972 القي الرئيس جعفر نميري الإدارة الأهلية ولاحقا تجاوز النص الخاص بآبيي في اتفاقية أديس أبابا.
*ابيي والايقاد
1991-1993 دخول الحركة للتجمع مفاوضات ابوجا فرانكفورت وقد طرح فيها تقرير المصيروقبلت وساطة الإيقاد
1994 إتفاق شقدوم موافقة حزب الأمة علي تقرير المصير وإقرار قضيتي جبال النوبة وتقرير مصير ابيي كنقطتي خلاف
1994 إعلان مبادئ الإيقاد
1995 مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية والتامين علي تقرير مصير الجنوب وآبيي
2002 كتب دانفورث تقريرا للرئيس جورج بوش موضحا فيه عدم جدوى فصل الجنوب وقيام دولة علمانية فيه.
2002 وفي يوليو وقع بروتوكول مشاكوس.
في ابريل 2004 وقع مقترح دانفورث ليكون بروتوكول ابيي والذي عرف منطقة ابيي ب « تعرف حدود منطقة ابيي بمنطقة مشيخات دينكا نوك التسعة التي أحيلت إلي كردفان في 1905»
أواخر 2004 ملحق بروتوكول ابيي (1-1)
2005 تقرير الخبراء
2007 حريق ابيي
2007 خارطة الطريق (1)
2008 الإحالة للتحكيم والمذكرات (2)
2009 المداولات اجتماع واشنطن وقرار المحكمة وقانون الاستفتاء (3)
2009 مؤتمر الستيب (4)
2010 مفاوضات أديس الجارية الآن
*خاتمة
مما تقدم نلاحظ كيف تطورت هذه القضية عبر الزمن وتحول الحال من مستجير ومستجار ليصبح المستجار مستجير.وتحولت من منطقة تعايش وأعراف وتقاليد
إلي بؤرة توتر خطير
بكل أسف فإن جميع الحلول التي قدمت حني الآن ( البروتوكول وملحقاته، الخبراء، خارطة الطريق، لاهاي، قانون استفتاء ابيي،إجتماعات واشنطن ونيويورك وأدبس ابابا) لهذه القضية بعيدة كل البعد عن مصالح أهلها.
المقترحات الأمريكية وحوافزها مؤسسة بكل أسف علي إقصاء المسيرية عن الأرض والتركيز البترول وكان القضية قضية الاستفادة من البترول في الوقت الذي فيه ان القضية هي قضية ارض وإرث وتاريخ. ولو ان مجرد التفكير الأمريكي في إيجاد مخرج بديل هو أمر ايجابي
إما ما يدور الآن من حوارات وما قد يتم قريبا فهو حوار الطر شان والعميان. فالمسيرية ليس فيهم حكيم وزعيم مثل بابو نمر ودينكا نوك ليس فيهم هامة مثل دينق مجوك كل طرف في التفاوض له حدود لا يتعداها.
دينكا نوك في يدهم قرار لاهاي مصرون عليه. والمسيرية لن يستطيع أي أمير أو زعيم تحمل اتخاذ قرار بالتنازل عن شبر.
وإذا لم توجد المعادلة التي تخرج كافة قري المسيرية داخل حدود لاهاي وهي كثيرة وتعدل خطوط لاهاي لتشمل حدود المسيرية مضارب المياه في الرقاب والجرف لن تصل أية مفاوضات لمخرج في هذه القضية
المخرج الوحيد لهذه المشكلة هو ان يتولى اهل هذه المنطقة التفاوض فيما بينهم (مسيريه ودينكا نوزك) في مؤتمر قبلي تحت رقابة جيرانهم من القبائل وبحضور الحكومة والحركة والأمم المتحدة والوسيط الأمريكي.
قيام مثل هذا المؤتمر وبهذه الكيفية يحسم الأمر لأن كل من دينكا نوك والمسيرية يعرف حق المعرفة حدود بعضهما البعض شجرة شجره وقرية قرية فمتي ما جلسوا سويا يمكن الاتفاق علي حدود ترضي الطرفين.
وإذا لم يتم ذلك فإني أري جمرة تحت عويش حزام التمازج تهب عليها الريح اسأل الله ان يخمدها بخريف.
كابشن الصورة 4
ذ
كابشن الصورة 5
لقد استخرجت منطقة ابيي ووضعتها بين الشمال والجنوب إلي حين وكذلك سحبت دارفور جانبا لحين حل مشكلتها وكذا النيل الأزرق وجنوب كردفان لحين نتائج المشورة الشعبية والخط الأحمر الشمالي والجنوبي يحد مناطق التمازج والتداخل ويبقي للجنوب ما تحت الخط الأحمر للتعامل مع قضاياه بعد قضايا الحزام وللشمال ما فوق الخط الأحمر للتعامل مع قضاياه بعد الحزام.
كابشن الصورة 6-7
خريطة قرار لاهاي وخريطة القاضي عون الخصاونة الرأي المخالف