الجنوب الذى كان ..
بقلم: بابكر مصطفى-لندن
التاسع من يوليو 2011 موافق للثامن من شعبان من عام 1432 لهجرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم هو تاريخ ميلاد دولة السودان الجنوبى كما قرر أهلها أن يسموها أو (دولة جنوب السودان) كما يحلوا للبعض أن يسميها.
فماذا خسر أهل السودان من هذا الانفصال؟
1. خسرنا ربع المساحة
2. خمس السكان
3. 50% من بترول الجنوب ما يعادل 37% من أجمالى بترول السودان
4. 80% من الغطاء النباتى للسودان
5. ومعظم أنهار السودان القديم
6. انحسار الثقافة العربية والاسلامية بجنوب السودان وانفتاح الجنوب على أفريقيا السمراء المسيحية
7. انتقال الحرب الى جنوب السودان الجديد (جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق)
8. والقائمة تطول
ماذا ربحنا من انفصال الجنوب؟
1. ايقاف الحرب فى الجنوب؟؟
2. الوفاء بالعهد واحترام العالم؟؟
3. رضاء أمريكا والغرب؟؟
4. حققنا رغبة أهل الجنوب الدفينة فى أن تكون لهم دولة منفصلة
5. أصبحنا أكثر نقاءا عرقيا وأكثر توحدا اقتصاديا؟؟
علامات الاستفهام المبينة أعلاه تعنى التشكك
مما بين بعاليه وضح أن انفصال الجنوب كله خسائر والربح فيه غير بائن للعيان فلماذا انفصل الجنوب؟
الذى يحاول أن يحمل مسئولية انفصال الجنوب لحزب المؤتمر الوطنى منفردا فقد جانب الصواب كما تدل على ذلك قرائن التاريخ وحقائق الواقع كما يلى:
1. قام الأداريون البريطانيون بأصدار قانون المناطق المقفولة بحجة حماية سكان الجنوب من تجار الرق الشماليين فى الظاهر وللاستفراد بالجنوب كنسيا ونشر المسيحية فيه فى الواقع. من هنا يتضح لنا أن المتهم الأول فى قضية انفصال الجنوب هم تجار الرقيق الشماليين وليتحسس كل منكم مسدسه.
2. أدى قانون المناطق المقفولة الى أن ينكفىء الجنونبيون على أنفسهم مع خدمات تعليم وصحة شحيحة تقدمها لهم البعثات الكنسية فلم تغنهم من جوع ولم تستر عوراتهم من عرىٍ – وهنا يبرز المتهم الثانى- وهو الأدارة البريطانية فى عهد الحكم الثنائى.
3. قى عام 1947 انعقد مؤتمر جوبا لتقرير مصير الجنوب بعد استقلال السودان وسوق الأنجليز لليوغنديين والكينين ألحاق جنوب السودان بشرق أفريقيا فكانوا فيه من الزاهدين حيث كان ميزان الحضارة والرقى فى صالح دول شرق أفريقيا وخشوا أن ينضم أليهم جنوب السودان البدائى المتخلف ذى القبائل المتنافرة فيزيدهم خبالا وعليه أقنع البريطانيون القادة الجنوبيين أن يختاروا الانضمام الى الشمال رغم عدم قناعتهم بذلك.
4. عند استقلال السودان وبعيده لم يقم الشماليون بطمأنة الجنوبيين وكان الجنوبيون المستنيرون يشعرون باستغلال الشماليين لهم سواءا أكانوا تجارا أو أداريين – وهم المتهم الثالث- مما أدى لاشتعال فتيل التمرد ومذبحة توريت قبيل أعلان استقلال السودان فى أغسطس 1955 فذبحوا كثيرا من التجار الشماليين والمعلمين والموظفين الشماليين فى قسوة بالغة هزت مشاعر السودانيين فى الشمال مما غذى روحا انتقامية تبدت فى الحملة العسكرية الشرسة التى نظمتها حكومة الفريق أبراهيم عبود (1958 – 1964) – وهى المتهم الرابع- للقضاء على التمرد فى جنوب السودان
5. عقيب ثورة أكتوبر 1964 انعقد مؤتمر المائدة المستديرة حول مشكلة جنوب السودان والذى خرج بأن تطبق الفدرالية فى الجنوب ويعطى الجنوبيون استقلالية فى أدارة الجنوب فى أطار السودان الموحد ولكن ساسة الشمال وهم جيل الاستقلال نكثوا عهدهم ولم يوفوا به – وهم المتهم الخامس- مما أدى لتفجر الوضع مجددا فى الجنوب وانطلقت الحرب فى الجنوب أكثر شراسة بقيادة جوزيف لاقو من أبناء الاستوائية وسمى حركته بالأنانيا (وهو سم الأفعى فى لغتهم) ولم تضع الحرب أوزارها ألا عند بزوغ ثورة مايو الظافرة (وهو اسم الدلع لأنقلاب اليسار السودانى بكل طوائفه على الديمقراطية فى 25 مايو 1969) والتى كانت جادة فى حل مشكلة الجنوب وأصدرت بيانا فى يوم 6 يونيو 1969 بعد اسبوع من تاريخ الأنقلاب أظهروا فيه جديتهم لحل مشكلة الجنوب وأفلح حارسنا وفارسنا فى نسخته الحمراء فى ذلك بوساطة من هيلا سلاسى أمبراطور الحبشة ومعاونة مجلس الكنائس وتوج ذلك باتفاق 3 مارس 1972 (3 مارس عيد وكلنا أخوان) ووضعت الحرب أوزارها لمدة أحد عشر عاما (حتى مايو 1983) عندما نقض النميرى عهده الموثق فى اتفاقية أديس أبابا وقام بتقسيم الجنوب الى ثلاثة أقاليم بدلا من أن يظل أقليما واحدا يحكمه الدينكا بواسطة المجلس التنفيذى العالى لجنوب السودان وذلك عندما نزل على رغبة نائبه الاستوائى – قائد الانانيا السابق اللواء جوزيف لاقو- الذى أراد أن يشارك أهله الأستوائيون فى حكم الجنوب الذى استأثرت به قبيلة الدينكا حصريا- فخرج العقيد جون قرنق دى مبيور- وهو من أوسط بطون فبيلة الدينكا وأعزها نسبا وأعلاها محتدا وهم دينكا بور- متمردا على حكومة النميرى فصار النميرى ونائبه لاقو المتهمين السادس والسابع على التوالى.
6. وعندما سلك النميرى طريق القوم ونصب نفسه أماما للدين أبديا وبويع أول ما بويع أماما للدين فى قرية أم ضبان فى شرق النيل مدعوما من بيت أبى قرون واحتفى به شيخه محمد الأمين شريف كركوج وأبو عاقلة أزرق طيبة والصائم وكل مشايخ الطرق الصوفية وبايعه الدكتور حسن الترابى مرشد الأخوان المسلمين ومستشاره الذى يتزود من الرئيس بنصائحه القيمة وسير له الأسلاميون مسيرة دعم الشريعة الأسلامية ونظموا له الاحتفال بمرور عام على تطبيق الشريعة الأسلامية فى عام 1984
7. كل ذلك أدى لأن تتسع الشقة بين أهل الجنوب وأهل الشمال ووجد الحزب الشيوعى ضالته فى تمرد جون قرنق فخلق له الصلات مع نظام منقستو هايلى مريم فى أثيوبيا واليمن الجنوبى وزودوه بالكوادر المنظمة من حزبهم العتيق مثل ياسر عرمان وعبد العزيز الحلو والواثق كمير ومنهم من قص علينا خبرهم ومنهم من لم يقصص علينا وبذلك صار الحزب الشيوعى السودانى هو المتهم الثامن حيث لم يقصروا فى دعم الرفيق جون قرنق بكل غال ومرتخص وأظن أن العقيد القذافى يستحق بجدارة لقب المتهم التاسع الذى مد جون قرنق بالسلاح والعتاد رغبة فى الثأر من المشير جعفر النميرى الذى أيد السادات فى أتفاقية كامب ديفيد فانتقم منه القذافى بدعم جون قرنق والطريف فى الأمر أن الذى قدم جون قرنق للقذافى هو الأمام الصادق المهدى الذى صار بذلك المتهم العاشرفى قائمة الاتهام الطويلة – وكما تعلمون فأن الصادق المهدى قد حارب النميرى بشراسة بدءا من شعبان 1973 وانقلاب حسن حسين ثم الغزو المدعوم من ليبيا فى عام 1976 والتى سميت بعد ذلك بهجوم المرتزقة وكان الأمام الصادق المهدى وثيق الصلة بعقيد ليبيا المأزوم هذه الأيام (اسير باب العزيزية وقاطن أنفاقها الوطواطى) ويقال أن العقيد قد دعم الأمام بمبلغ ثلاثين مليون دولار فى انتخابات 1986 والتى فاز فيها حزب الأمام بأكثرية المقاعد آنذاك وتلك أمة قد خلت لها ما كسبت.
8. وعندما قامت ثورة الأنقاذ الوطنى (وهذا اسم الدلع لانقلاب الجبهة الأسلامية- بقيادة عرابها السابق وغريمها الحالى الدكتور حسن الترابى- على حكومة الوحدة الوطنية التى ترأسها الأمام الصادق المهدى والتى تشكلت بأبعاد الجبهة الأسلامية من حكومة الوفاق الوطنى عقيب مذكرة الجيش التى طالبت بهذا الابعاد- فثأرت الجبهة لنفسها بأن أطاحت بحكومة الوحدة الوطنية وقيادة الجيش بضربة واحدة) فقد قامت "ثورة الانقاذ" بشن حملة عسكرية جيشت فيها الشعب فيما يسمى بقوات الدفاع الشعبى والخدمة الوطنية – ونسبة لحصار نظام الجبهة الأسلامية بواسطة أمريكا والدول الغربية وسقوط المعسكر الاشتراكى فى عام 1990 قامت الحكومة بالاتجاه شرقا فى التسلح (الصين وأيران) وألبست القضية ثوبا دينيا (حرب لصد عدوان الكفار – وصارت الحرب الأهلية جهادا مقدسا) وعلى الرغم من أن هذا الأمر به شىء من الحقيقة بالنظر الى داعمى التمرد من مجلس الكنائس واليمين المسيحى المتطرف ولكن يبقى أس الصراع هو صراع بين المركز والأطراف حول الموارد وتعقد بدخول البعد الدينى والأيدلوجى والأثنى- وبذلك ركب أخواننا فى الله عربة قطار المتهمين رقم أحد عشر.
9. قامت الدول العربية (مصر مبارك وليبيا القذافى) وبعض دول الخليج بدعم حركة التمرد وذلك بعد موقف السودان من العراق فى غزوه للكويت فصار الأعراب بذلك هم المتهم الثانى عشر ونافخ الكير مولانا محمد عثمان الميرغنى –الحسيب النسيب سليل الدوحة النبوية كما يزعم - الذى كان يترأس التجمع الوطنى الديمقراطى الذى اعتمد الجيش الشعبى لتحرير السودان بقيادة جون قرنق ذراعا عسكريا له واعتمدوا حق تقرير المصيرلجنوب السودان فى مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية فى عام 1995 صار هو المتهم الثالث عشر حيث كان كثير التسفار بين قاهرة المعز ومدينة الحبيب يحرض العربان على المستعربين وكفى بذلك أثما مبينا.
10. وكما هو معلوم فى أى صراع عندما يحدث تباين تام بين الأضداد فأن ذلك يمهد لقرب الحل حيث أن "ثورة الانقاذ" قد بدأت فى التفاوض مع غريمها جون قرنق والحرب مستعرة الأوار وأفلحت استراتيجية الجهاد فى كسر شوكة التمرد حيث تم هجوم كبير سمى بصيف العبور فى عام 1993 ودارت جولات للمحادثات فى عدة عواصم أفريقية متزامنة مع هذا الهجوم وبدعم من دول الأيقاد ولكن تسارعت مسيرة التفاوض عندما انشطر الحزب الحاكم الى شطرين (مؤتمر وطنى ومؤتمر شعبى) بعد ما سمى بمذكرة العشرة فى عام 1999حيث انقسم التنظيم بين القصر والمنشية وعندما وقع المحبوب عبدالسلام مع ممثلى الحركة الشعبية مذكرة تفاهم فى جنيف فى عام 2000 أنابة عن شيخه ومؤتمره الشعبى فأودع الشيخ السجن حقيقة لا مجازا هذه المرة وصار الشيخ ومحبوبوه المتهم الرابع عشر (مكرر) وتنافس المؤتمران فى الفوز بقرب الحركة الشعبية وموالاتها ففاز بالقرب حزب المؤتمر الوطنى وجمع الله الشتيتين فى عقد أقرب لزواج المتعة فى أتفاقية السلام الشامل مع فترة خطوبة وتعارف امتدت لست سنوات (2005 – 2011) وكان شهود العقد الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقى والأيقاد وأصدقؤهم وأحبابهم ومريديهم برعاية أمريكية خاصة – وأمريكا هى المتهم الخامس عشر – حيث كان اليمين المتطرف بقيادة الرئيس جورج بوش- كما يقال يمهد لخروج المسيح بولادة دولة مسيحية من دولة مسلمة بزعمهم.
11. وكما تعلمون فأن قضية دارفور التى أشعلها عراب الأنقاذ وفتية سبعة آمنوا به وثامنهم د. على الحاج - بكتابه الأسود- تفت فى عضد الدولة وتضعف فى هيبتها وتضيق الأرض من أطرافها على فتية الأنقاذ فى المؤتمر الوطنى وصب النار على الزيت العقيد دى مبيور فأسس فرعا لحركته المتمردة سماها حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور كما أفاد الدكتور حرير شريف فى محاضرة بكلية سانت انتونى بأكسفورد لتعين حركة العدل والمساواة الترابية - التى يفودها د. خليل أبراهيم - فى خراب السودان وفى شده من أطرافه فصار المتهم السادس عشر (مكرر ) هو الدكتور حسن عبدالله الترابى وشيعته بمحبوبهم ومبغوضهم والسابع عشر جون قرنق والثامن عشر د.خليل أبراهيم والتاسع عشر عبد الواحد محمد نور والعشرون هو منى أركو مناوى.
12. وقعت اتفاقية السلام الشامل ببنودها المعروفة فمهدت لفصل السودان وصار المؤتمر الوطنى هو آخر المتهمين وهو المتهم الواحد والعشرين فلبسته القضية منفردا ونسى الناس المتهمون الآخرون.
ثم ماذا بعد؟
الآن وقد انفصل الجنوب وصار الدولة الأحدث على وجه الأرض فماذا ترانا فاعلين ونحن أبناء ما تبقى من السودان؟ هل نذرف الدمع الثخين ونقبل على بعضنا نتلاوم ونندب حظنا التعيس على اللبن المسكوب أو بالأحرى البترول المفقود؟ وأن كان لابد من ثم تلاوم فلنسأل أنفسنا جميعا هل كان أهل الجنوب قبل الانفصال ممن نعدهم أهلا للسودان بلاصالة أم كنا نصفهم بالجنوبيين مقابل وصف أنفسنا أننا أولاد البلد؟ ألا يحق لنا أن نستحى أذا علمنا أن بعض القبائل الجنوبية ما زالت تسير عارية فى الأدغال يفترشون الأرض ويلتحفون السماء طبيبهم الكجور وشرابهم الخمور وأربابهم برق ورعد وأبقار ونمور ونحن نتبختر فى شوارع الخرطوم ونقيم فيها جامعة عالمية لأبناء أفريقيا نعلمهم فيها الدين واللغة العربية ونحن فى حماك ربنا وفى سبيل ديننا نقيم مشروعا حضاريا فى شمال السودان؟ فلولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا فى الدين.
ولكن دعنا من هذا كله وهللا هلا على الجد وفى تقديرى نحن نحتاج لهذه الخطوات العملية:
أولا: ذهب أقل السودان وبقى جله – كما قال أحد القدماء تسلية لصديق بترت رجله- فيجب أن نحافظ على ما بقى ونعض عليه بالنواجذ ونحمله فى حدقات أعيننا- حتى لانصحو فى ذات صباح ونجد جزءا آخر قد ذهب كما ذكر أحد الفضلاء.
ثانيا: الاعتراف بالحكومة الحالية من كل الأحزاب السياسية القائمة ممثلا لشعب السودان والاعتراف بنتيجة الانتخابات السابقة وقفل باب التشكيك فيها وذلك أما مقابل تشكيل حكومة ذات قاعدة عريضة (أو قومية) او الالتزام من قبل الحكومة بأن تشرف على الانتخابات القادمة لجنة قومية يتم تمثيل جميع الأحزاب فيها وذلك حتى تتفرغ هذه الحكومة لمعالجة الفجوة الاقتصادية الناتجة عن خروج 60% من عائدات مبيعات النفط من الميزانية وتنشيط الزراعة وجذب المستثمرين الخ ....
ثالثا: سعى جميع الأطراف لحل مشكلة دارفور وتسوية الأوضاع السياسية الناتجة عن هذه المشكلة مثل قضية محكمة الجنايات الدولية والاستهداف الدولى لرموز السودان – وأخص بذلك الشيخ الدكتور حسن الترابى الذى صرح من قبل أنه يمكنه حل مشكلة دارفور فى يوم واحد ويبدوا أن لديه شيئا شبيها بعصاة موسى يمكنه من فعل ذلك!
رابعا: على الحكومة أن تخفض الأنفاق الحكومى وتحارب الفساد المالى والأدارى وتعلن التقشف ويكون القائمون عليها قدوة حسنة فى النقاء وطهارة اليد واللسان والقلب وتقليص عدد شاغلى المناصب الدستورية بنسبة 25% على الأقل وينطبق ذلك التقليص على البعثات الدبلوماسية بالخارج بنفس النسبة وأغلاق البعثات غير المهمة
خامسا: على الحكومة أن تستثمر فى الموارد البشرية من خريجى الجامعات وفتح الباب لهم للأغتراب وتسهيل أجراءاته وتجميد الخدمة الوطنية للشباب المغتربين وتخفيض الضرائب لهم وتشجيع تحويلات المغتربين الخ ...
سادسا: الانكفاء الداخلى على أصلاح شأن السودان ورتق النسيج الاجتماعى وأرساء ثقافة قبول الآخر والعمل على الغاء كل أنواع التمييز المبنية على العرق واللون والانتماء السياسى والانتساب الجغرافى والعمل على غرس هذه القيم فى مقررات التعليم وعبر كل وسائل الأعلام المتاحة.
سابعا: يجب أن نركز على بناء ما تبقى من السودان والاهتمام بتنمية الهامش الأقل نموا فى غرب السودان وشرقه وجنوبه الجديد وعدم البكاء على الجنوب الذى قرر الانفصال بنسبة تقارب الأجماع وألا نمنى نفسنا بعودته ألينا فهذا شأن ليس فى أيدينا ولن نضيع زمنا فى السعى أليه فما تبقى من السودان الآن يساوى سبع أضعاف ونصف من مساحة بريطانيا العظمى بدولها الأربع وبه نصف عدد سكانها وبقليل من الجهد وتشمير ساعد الجد يمكننا أن نجعل منه يابانا أو مالزيا أو تركيا أخرى فى قلب القارة السمراء وحينها سوف يسعى الجنوب للاتحاد معنا طائعا مختارا.
ثامنا: يحب أن نوازن فى علاقاتنا مع الغرب ومحيطنا العربى والأفريقى والاستثمار أكثر فى أفريقتنا التى توفر لنا بعدا وجدانيا فى القرن الأفريقى وفى غرب القارة المسلم والذين تهفوا قلوبهم لنا ويطربون لأنغامنا ويتزيون بأزيائنا وتستهويهم عربيتنا الدارجة كما يجب كذلك أن نوثق عرى التعاون التجارى مع محيطنا العربى خصوصا بعد سقوط الفرعون وحصار القائد الأممى فى باب العزيزية.
تاسعا: لله خزائن السماوات والأرض التى بدأت تخرج أثقالها لنا من ذهب وكروم وحديد تعويضا لنا عما فاتنا من الذهب الأسود.
وفى الختام لا يفوتنى ألا أن أحيى أخوتنا فى جنوب جنوب الوادى على ولادة دولتهم الجديدة وأقول دولة الشمال وييا ودولة الجنوب وييا وأنا وأخوى ملوال مافى جنوب بدون شمال ومافى شمال بدون جنوب وكلنا أخوان
مستقبل السودان واقع التجزئة وفرص الحرب ..
بقلم: د. أمانى الطويل
تطرح تجزئة السودان المعلنة رسميا فى 9 يوليو 2011 العديد من الأسئلة بشأن ملامح المستقبل ومدى مساهمة هذه العملية "تجزئة السودان "فى صناعة الأستقرار أو إنتاج الحرب .. وهو أمر يمس حيوات عشرات الملايين من البشر فى السودان ومحيطة الإقليمى .. كما أنه لابد وأن ينعكس على البيئة الجيوسياسية فى منطقة شرق ووسط إفريقيا فى غضون عقد من الزمن وربما أقل .
محاولة الإجابة على أسئلة المستقبل السودانى تفرض تجزئة منظور الرؤية ليكون ثلاثيا لينطوى على الأهتمام بثلاث مسارات الأولى تتمحور حول العلاقات البينية بين دولتى شمال وجنوب السودان وطبيعة العوامل المؤثرة فيها .. بينما تهتم كل من الثانية والثالثة بطبيعة التحديات الداخلية فى كل دولة على حدة .. وطبيعة التفاعل معها .. والمخرجات المتوقعة لهذا التفاعل من حيث القدرة على إنتاج الأستقرار أو صناعة الحرب .
أولا : السودان شمال جنوب
تعانى العلاقات الشمالية الجنوبية منذ الأستقلال الوطنى فى السودان عام 1956 من تعقيد وتركيب هائل مرتبط بأبعاد إستعمارية أستغلت التباين العرقى وأبعاد وطنية مارست سلوكا عنصريا إزاء الجنوبيين على أساس عرقى ثقافى .. كما أعتمدت سياسات التنمية غير المتوازنة لكافة أطراف السودان .. وكان من الطبيعى فى هذا السياق أن يكون البعد الخارجى مؤثرا فى التفاعلات بين الأطراف الشمالية والجنوبية طوال الستين عاما الماضية . فى هذا السياق يمكن تأطير القضايا الخلافية الراهنة فى عدد من النقاط التى تلعب دورا مركزيا فى صياغة العلاقات الشمالية الجنوبية حيث أنها تشكل عوامل إنفجار أساسية .
أ - إشكالية الحدود :
أولى هذه القضايا هى الحدود بين الدولتين وهى الممتدة لحوالى 1950 كيلو متر مابين خطى عرض 9-12 وتنطوى على ثروات نفطية ومعدنية وحيوانية .. وحركة بشرية سكانية تحت مظلة عرقية منقسمة بين عرب وزنوج.
وطبقا لإتفاقية السلام الشامل فقد تم أعتماد خط حدود الجنوب وقت الأستقلال فى 1\1\1956 كما تم أعتماد إتفاقية أديس أبابا نفس الخط .. فى أطار المفاوضات التى عقدت عام 1972 بين شمال وجنوب السودان لإنهاء المرحلة الأولى من الحرب الأهلية السودانيـــــــــــة ( 1955-1972). وقد تجسد هذا الخط الحدودى فى قانون الحكم الإقليمى الجنوبى الذى أعتمده كخط حدود إدارية .. ولكنه تحول الى مشكلة معقدة مع التوسع فى التنقيب عن النفط فى هذه المناطق والتحول الى أنماط الزراعة الآلية . ونظرا لإن البرلمان السودانى فقط هو من قام بعملية تحديد الخط الحدودى الجنوبى دون القيام بعمليات للمسوح بين الولايات .. أو أمتلاك ملامح طبوغرافية للخرائط الحديثة نسبيا .. فقد ترتب على ذلك العديد من النزاعات مع البدء فى عملية وضع العلامات الحدودية وبدا واضحا تنامى حجم النزاعات فى هذا الشأن على المستويين المحلى والوطنى . وفيما يلى نرصد السبع مناطق الحدودية المختلف عليها وهى :
1-أبييى .
2- التخوم بين قبيلتى دينكا ملوال والرزيقات بين ولاية جنوب دارفور وولاية شمال بحر الغزال .
3- حقول النفط فى ولايتى الوحدة وجنوب كردفان
4- مناطق الزراعة الآلية على أمتداد ولايات النيل الأزرق وأعالى النيل وجنوب كردفان
5- منطقة شال الفيل فى ولاية النيل الأزرق
6- خط الحدود الشمالية لولاية أعالى النيل
7- منطقة حفرة النحاس وكفياكنجىفى ولايتى جنوب دارفور وبحر الغزال
وقد شكلت قضية أبيي بالذات حجرة عثرة فى إتفاقية السلام الشامل المعقودة عام 2005 وهددت بأنهيار المفاوضات .. كما قد تكون بوابة لحرب أهلية جديدة بين الشمال والجنوب وذلك فى ضوء التفاعلات الراهنة التى لم تحسم الإتفاق على تبعية منطقة أبييى وما إذا كانت ضمن حدود دولة الشمال أم دولة الجنوب وذلك على خلفية إنتقال تبعية المنطقة مابين ولايتى كرفان وبحر الغزال فى فترات مختلفة من القرن العشرين وقد تطلبت هذه الحالة عقد برتوكول خاص لأبييى فى إطار إتفاقية نيفاشا أنطوى على إجراء أستفتاء للسكان لتحديد مصير المنطقة وضمان نصيب لها من النفط . و كان مقررا أجراءهذا الأستفتاء بالتزامن مع أستفتاء تقرير مصير الجنوب فى يناير 2011 .. إلا أنه لم يتسن تنفيذ هذا الإتفاق حتى الآن بسبب الإختلاف حول من يحق له تحديد تقرير مصير منطقة أبييى حيث ينكر السكان من العرق الزنجى ( قبائل الدينكا )على المسيرية (السكان العرب )هذا الحق طبقا لرؤيتهم حول حدود أبييى ومن هم قاطنيها التاريخيين .
وفى هذا السياق أجتازت محاولات ترسيم حدود أبييى أكثر من عملية سياسية وأجرائية مازال جميعها فاشلا .. منها اللجوء الى لجنة خبراء بشأن ترسيم أبييى عام 2005 حيث تم رفض أحكام هذه اللجنة من جانب الحكومة السودانية وأعتبرتها قد تجاوزت الإختصاص الموكول إليها’ * الخطوة الثانية كانت اللجوء الى محكمة العدل الدولية فى لاهاى .. والتى أعتمدت على حل توافقى يقسم أبييى بين الدينكا والمسيرية فى يوليو 2009 * ولكن قبيلة المسيرية العربية رفضت ذلك الحكم لأسباب مرتبطة – طبقا للمسيرية - بأنه قد اقتطع حوالي 50% من أراضيها ذات المياه والمراعي الكثيفة التي اعتادت العيش فيها منذ عقود طويلة ثمانية أشهر من كل سنة، وحالياً تقف القبيلة بصلابة ضد ترسيم المنطقة حسب قرار محكمة لاهاي مهددة بالحرب .
وقد أستمرت التفاعلات بين الشمال والجنوب مأزومة بشأن أبييى الى حد التصعيد العسكرى ووقوع قتلى فى إشتباكات واسعة أحيانا ومحدودة أخرى .. على أن التطور الأهم كان توظيف هذا الملف من جانب الخرطوم فى إطار علاقتها بالمجتمع الدولى فتم إجتياح القوات المسلحة السودانية الشمالية منطقة أبييى فى مايو 2011 .. ترتب عليه فرار سكان المدينة التى قدرتهم وسائل إعلام غربية بما يزيد عن 100 الف نسمة وقد جاء هذا الهجوم على خلفية محاولة من الحركة الشعبية بتأمين وجود عسكرى للجيش الشعبى بالمنطقة وذلك بتنكر عناصره فى زى الشرطة. وقد أعلنت الحكومة من الخرطوم أنها لن تغادر أبييى إلا بعد حسم الموقف بشأنها فى إطار تفاهم سياسى .. وبالفعل نجح هذا التحرك فى ضمان تفاعل دولى بشأن تحريك مطلب إسقاط جزء أو كل الديون السودانية .. كما نجح أيضا فى تحويل إتجاهات الرأى العام والنخب السودانية من التطورات المتعلقة بالثورات العربية وآمال التحول الديمقراطى فى السودان الى تطورات أبييى التى هى وثيقة الصلة بمستقبل الوطن . فى هذا السياق تحرك مجلس الأمن الدولى بناء على طلب من طرفى الحكم فى السودان ليصدر قراره رقم 1990 الذى يجيز نشر 4200 جنديا أثيوبيا إضافة ل 50عنصر شرطة للفصل بين الجانبيين السودانيين المتحاربين فى أبييى لفترة 6 أشهر وذلك بحسبان أن تطور الصراع المسلح قد يعيد السودان الى مربع الحرب الأهلية فضلا عن كونه يطيح بآمال الجنوبيين فى إعلان دولتهم الجديدة فى موعدها المحدد .
ب- النفط فى معادلة الصراع
ويتداخل الصراع على منطقة أبيى الغنية بالنفط بين شمال وجنوب السودان مع الصراع على الموارد النفطية ذلك أن إعلان دولة الجنوب الجديدة يعنى فقدان 70% من أحتياطات النفط ويفقد الموازنة الشمالية 45% من مواردها * بينما يشكل النفط 98 % من موارد موازنة حكومة جنوب السودان . فى هذا السياق شهدت العلاقات البينية بين الشمال والجنوب أزمات متتالية طوال الفترة الإنتقالية الممتدة من 2005- 2011 حيث أتهم الجنوب الشمال بعدم تسليمه كافة عوائده النفطية وكذلك إفتقاد آاليات الشفافية فيما يتعلق بحجم الإنتاج الفعلى للنفط .. ويمكن القول أن هذه الإتهامات التى لم تثبتها جهات مستقلة كانت أحد مدخلات قرار الإنفصال من جانب السكان الجنوبيين خصوصا وأن عملية أكتشاف النفط فى الجنوب على يد شركة شيفرون الأمريكية فى نهاية السبعينيات من القرن الماضى .. كانت من الأسباب الرئيسية لتراجع شمال السودان على عهد الرئيس جعفر نميرى عن إتفاقية أديس أبابا للسلام المعقودة عام 1972 .
وفى الوقت الراهن تسعى حكومة الخرطوم لإستمرار الإتفاق الموقع بشأن النفط فى إطار إتفاقية السلام وهو الذى يقضى بأقتسام العوائد النفطية وذلك أستنادا على أن مصافى النفط وأنابيبه آى البنى التحتية هى فى الشمال بينما مناطق إنتاجه هى فى الأراضى الجنوبية وقد عبر الرئيس البشير عن هذا الموقف صراحة فى 21 يونيو 2011 .. كما تمارس الخرطوم على جوبا أنواعا متعددة من الضغوط الأقتصادية لتصل الى هذا الإتفاق ومنها تباطؤ أمداد جوبا بالبنزين بما جعل أسعاره تفوق أحيانا العشرة دولارات للتر الواحد .
ج- المناطق المهمشة وأعادة إنتاج الحرب الأهلية :
تشكل ولايتى جنوب كردفان والنيل الأزرق مناطق حيوية على الصعيد الإستراتيجى لكل من دولتى الشمال والجنوب فهى مناطق التماس بين الشمال والجنوب ويتمركز فيها الجيش الشعبى على خلفية تحالفات سياسية بين الحركة الشعبية ورموز سياسية من هذه المناطق حاربت حكومة الشمال تحت مظلة الحركة الشعبية منذ عام 1983 إستنادا الى مايقولون أنه قواسم عرقية مع جنوب السودان .. وقد كان من هؤلاء شعب جبال النوبة ومن ابرز رموزه السياسيين الراحل يوسف كوه والمرشح المهزوم فى إنتخابات ولاية جنوب كردفان عبد العزيز الحلو .
وقد رتبت إتفاقية نيفاشا أوضاع الولايتين طبقا لصياغات غامضة نسبيا وتفتح أبوابا للتأويل والتفسير حسب طبيعة مصالح الأطراف التى تقوم بهذه العملية .. وقد أعتمدت الإتفاقية مبدأ المشورة الشعبية الذى تمارسه المجالس التشريعية والمكونة بحلول السنة الرابعة من الفترة الإنتقالية .. كما يتم أنشاء لجنة مستقلة تكون من صلاحياتها مخاطبة الحكومة القومية بشأن تقييم تنفيذ إتفاقية السلام الشامل وطبقا لهذه المهام المنصوص عليها يحتل منصب الولاية وزنا مهما فى عملية إدارة العلاقة السياسة مع المركز أى الخرطوم .. كما أنه من الممكن أن يلعب أدورا حيوية لحكومة جنوب السودان فى ضوء الصراع الراهن مع الشمال . وطبقا لهذا الواقع جرت التفاعلات بشأن إنتخابات والى جنوب كردفان والتى جرت فى الأسبوع الأول من مايو 2011 ..وتأخر إعلان نتائجها لمدة يوم .. وأتهمت الحركة الشعبية خصمها اللدود المؤتمر الوطنى بترتيب عمليات واسعة من التزوير بالتعاون مع مفوضية الإنتخابات لصالح مرشحها أحمد هارون ضد مرشح الحركة عبد العزيز الحلو .. وقد تزامن مع النتائج السلبية للعملية الأنتخابية ضرورة تنفيذ الترتيبات الأمنية المنصوص عليها فى إتفاقية السلام فى الولايتين بعد أن تقرر قيام دولة الجنوب المستقلة .. بما يعنى أعادة قوات الجيش الشعبى الى داخل حدود الجنوب أسوة بما تم من جانب القوات المسلحة القومية التى أنسحبت من الجنوب .. وفى هذا السياق تقول الخرطوم أن جوبا قد تحايلت على ذلك بأستمرار وجود عناصر الجيش الشعبى .. كما أن العناصر المسلحة فى نطاق هذا الجيش من نوبى الجبال رفضوا تسليم أسلحتهم للحكومة فى ولاية جنوب كردفان .. وأيضا رفض مالك عقار والى ولاية النيل الأزرق أنسحاب الجيش الشعبى من ولايته وذلك على الرغم من تبعية الولايتين لشمال السودان .
الموقف الحكومى إزاء هذه الحالة كان اللجوء لآلية الحسم العسكرى فى ولاية جنوب كردفان فى مطلع يونيو ..كان من نتائجها أن أنضم منسوبى الجيش الشمالى من عناصر جبال النوبة الى المتمردين على سلطة الشمال .. وأعلن عبد العزيز الحلو المهزومفى غنتخابات كردفان .. قيادة تمرد مسلح ضد الحكومة لإسقاط النظام السياسى فى الخرطوم .. وذلك فى تطور خطير من شأنه أن يعيد السودان الى مربع الحرب الأهلية وقد نشأ عن هذه الحالة وجود مستويين من الصراع الأول بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية والتى يقود حربها بالوكالة عبد العزيز الحلو ردا على هزيمته فى الإنتخابات أما المستوى الثانى من الصراع فهو مابين الحركة الشعبية ونوبة الجبال فى ولاية جنوب كردفان حيث تعتقل الحركة مرشحا عن هؤلاء فى الإنتخابات ( تلفون كوكو ) وهى متهمة – الحركة الشعبية - من جانب هؤلاء بخيانتهم فى إطار إتفاقية السلام الشمال والتخلى عنهم بعد أن قدموا عشرات الالاف من الضحايا فى أتون حرب الحركة مع الخرطوم طوال ثلاثة عقود ’ كما قامت الحركة بأعدام بعض عناصر نوبة الجبال فى عمليات واسعة من إنتهاك حقوق الإنسان .. وفى الأخير لم يضمن نوبة الجبال ثمنا سياسيا لنضالاتهم فى إطار إتفاقية السلام .
الأحتمالات المنطوية على إمكانية أندلاع الحرب الأهلية أنطلافا من جنوب كردفان هذه المرة تنطلق من حالة السيولة الهائلة فى مايطلق عليه المناطق الثلاث المهمشة ( أبييى – وولايتى كردفان والنيل الأزرق ) وهى الحالة الناتجة عن تقاطعات المصالح بين طرفى الحكم فى الشمال والجنوب والإنقسامات العرقية والقبلية والتى تتجلى فى عملية معقدة من الصراع على الموارد الطبيعية .. وحروب الوكالة التى تنشأ نتيجة التفاعل بين العاملين السابقين .. خصوصا فى ضوء الإتفاق الإطارى الذى تم توقيعه بين الحركة الشعبية والحكومة السودانية فى أديس أبابا بشأن الأتفاق على إدارة العملية السياسة فى ولايتى جنوب كرفان والنيل الأزرق حيث من المتوقع أن ينتج هذا الإتفاق إنقساما شماليا .. فى إطار حزب المؤثمر الوطنى الحاكم ناتجا عن قبول الحزب بتفعيل الحركة الشعبية سياسيا فى الشمال فيما يعرف بقطاع الشمال فيها .. حيث أن من شأن هذا التطور أن ينتج تأثيرا مهما فى المعادلات السياسية بشمال السودان . وذلك فى وقت أعتبره والى ولاية النيل الأزرق بديلا عن الحرب .
وجدير بالإشارة هنا أن هذه البيئة السائلة والمأزومة فى السودان يتوازى ويتقاطع معها وجود مصالح دولية تدفع فى إتجاه إنهاك الطرفين الشمالى والجنوبى سعيا وراء الموارد الطبيعية والإمكانات الهائلة للزراعة فى الجنوب خصوصا للوقود الحيوى من جانب الشركات الأمريكية حيث كشفت التايمز اللندنية عن وجود صفقة سرية بيعت فيها مايقارب من 9% من أراض الدولة التى لم تستقل بعد بسعر 4 سنت لكل كيلو مترمربع .
ثانيا : تحديات بناء مؤسسة الدولة فى الجنوب
أ – التحديات الأمنية :
يعانى جنوب السودان من إنقسامات قبلية تملك تاريخا من التعقيد لأسباب سياسية أحيانا ولأسباب الصراع على الموارد فى أحيان أخرى ولأسباب عرقية وثقافية فى أحيان ثالثة .. وقد تجلت هذه الإنقسامات فى حالات من الصراع المسلح الممتدة تاريخيا كما قد تجددت مع طبيعة مخرجات إنتخابات 2010.. حيث أنتجت المخالفات والتجاوزات الإنتخابية تأثيرا سلبيا فى صفوف مرشحي المعارضة وجماهير الناخبين من خارج قبيلة الدينكا ، إضافة إلي عناصر ساخطة في الحركة الشعبية لتحرير السودان. حيث سجل مراقبون دوليون "وقوع نسبة كبيرة من الترهيب والتهديد باستخدام القوة، و حالات تدخل [واسعة النطاق] في حملات مرشحي المعارضة، وعمليات اعتقال تعسفية، وتدخل قوي من جانب الحركة الشعبية لتحرير السودان وتدخل مباشر في عملية الاقتراع، وكلها أمور ساهمت في حالة. الإحتقان السياسى وقد شابت مزاعم بحدوث حالات تزوير النتائج النهائية .
فى هذا السياق أعلنت ثلاثة قيادات جنوبية عمليات تمرد مسلحة بدرجات متفاوتة من الحدة في أعقاب الانتخابات. فقد أعرب جورج أثور- متحالف سابق مع حزب المؤتمر الوطنى فى الشمال - والمرشح المهزوم على منصب حاكم ولاية جونجلي، وديفيد ياوياو David Yauyau المرشح للمجلس التشريعي لجنوب السودان عن مقاطعة بيبور في ولاية جونجلي، وجاتلواك جاي Gatluak Gai، الذي كان يأمل في ضمان تعيينه في منصب مفوض إقليمي في ولاية الوحدة، أعربوا جميعا عن غضبهم وسعوا إلي فرض قوة مساومة من خلال تنظيم قوات وشن هجمات ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان ومنشآت الحكومة في مناطقهم. ومع حالة القصور في إدارة حالة التنوع فى النطاق الجنوبى ، ومع أقتصار الموارد الإقتصادية على النفط.. الذي تتطلب عملية إنتاجه إدارة راشدة للعلاقات القبلية بين "الدينكا" الحائزة على السلطة و"النوير" التي تقع مناطق النفط في أراضيها، يكون حجم التحديات هائلا فى دوائر صناعة القرار الجنوبية فيما يتعلق بتأمين أستخراج النفط وأيضا توزيع عوائده بما يضمن الأستقرار الجنوبى .
ويجىء هذا التحدى متوازيا مع الإحتياج الملح إلى عملية إسناد شامل لدعم قدرات العنصر البشرىالجنوبى ، ورفع مستوى قدراته لإدارة مفاصل الدولة، وهى حالة من الممكن فيها ارتهان الإرادة الجنوبية للأطراف القادرة على هذه العملية من الدعم الشامل. وربما الإقدام على الاستجابة المطلقة للمخططات الغربية فيما يتعلق بخلق تحالفات بين جنوب وغرب السودان على حساب المركز.
وفى هذه الحالة سوف يستطيع المركز خلق التحالفات الإقليمية الداعمة له وسوف تتحول السودان كما لبنان ساحة لإدارة الصراعات الدولية و الإقليمية على المستوى الإفريقى ’ كما ينفتح كل من شمال وجنوب السودان على سيناريوهات التجزئة والتفتيت .
ب - التحول الديمقراطى :
قبضت الحركة الشعبية على السلطة فى جنوب السودان على الرغم أنها كخصمها الشمالى ليست الممثل الوحيد لشعب جنوب السودان خصوصا وأن إنتخابات إبريل 2010 قد شابتها شمالا وجنوبا عمليات تزوير تجاوز عنها المجتمع الدولى بقيادة واشنطن أستجابة لمتطلبات تجزئة السودان . وكان من الطبيعى خلال العامين الأخيرين من الفترة الإنتقالية أن يحدث تحولا فى الفضاء السياسي بجنوب السودان ، فمنذ توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005، توحدت المجتمعات العرقية والسياسية الجنوبية حول هدف مشترك هو: تقرير المصير. وبعضها كتم مظالمه، واختار عدم تحطيم القارب حتى يتحقق هذا الهدف. والآن بعد الاستفتاء والتصديق على نتائجه، اختفى القاسم المشترك، وبدأت النزاعات السياسية المستعرة منذ أمد طويل في الظهور من جديد.
وقد تكثفت المناورات بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والأحزاب المعارضة الجنوبية حول تكوين وسلطات الحكومة الانتقالية والمدة الزمنية للمرحلة الانتقالية. وترغب الحركة الشعبية لتحرير السودان في التحرك بسرعة نحو وضع دستور انتقالي من بين كل ما يجب عمله قبل الاستقلال، في حين تخشى المعارضة من أن تكون الحركة الشعبية لتحرير السودان تتلاعب بالعملية من أجل تعزيز سلطتها. وقد أدى النهج المستبد من جانب الحركة الشعبية لتحرير السودان إلي تهديد عملية بناء الثقة بين الأطراف الذي خلقه مؤتمر هام للأحزاب السياسية في أواخر عام 2010. كما يتسبب سوء الإدارة السياسية لمثل هذه العمليات، فى إثارة الخصومة بين الأحزاب المعارضة، وخصوصا في وقت تتطلب فيه التحديات المرتبطة بعملية بناء الدولة وإدارة المخاوف الأمنية الداخلية جعل الوحدة الجنوبية هي المطلب الأساسى . إلا ان قيادات الحركة الشعبية لم تدرك حتى الآن أن عمليات التحول الديمقراطى ليست تهديدا لسلطتها لكنها استثمارا في الاستقرار والحكم الشرعي .
ثالثا : تحديات أستمرار مؤسسة الدولة فى الشمال
تمتاز الأزمة السودانية بتوافر الدراسات الأكاديمية والمتابعات الإعلامية أنطلاقا من أرتباطها بجملة من المصالح الغربية وأمتيازها بوجود حالة تنافس دولى عليها خصوصا بين الولايات المتحدة والصين .. ولأن السودان أول دولة عربية تتعرض للتجزئة وأكبر دولة إفريقية تواجه هذا المصير بالمخالفة لأدبيات منظمة الوحدة الإفريقية وجهود أبائها المؤسسين .. فأنه يحوز أيضا على أهتمام كبير فى الفضاء العربى والإفريقى العام وأنطلاقا من هذه الوفرة فى المتابعات سوف ننطلق هنا لدراسة المستجدات المرتبطة بالتفاعلات الحديثة فى شمال السودان ونراها تشكل مصدرا من مصادر التهديد للنظام الحاكم وربما لمؤسسة الدولة فى الشمال أيضا .
ويمكن القول فى هذا السياق أن تطبيقات إتفاقات السلام الشامل فى السودان لم تسفر عن نجاحات مؤثرة تساهم فى أستمرار شرعية النظام السياسى وتمتعه بالقبول العام فى الفضاء السياسى الداخلى .. وذلك لعدد من الأسباب منها طبيعة سياسته الداخلية المرتبطة عضويا بمنهج إقصائى على الأصعدة السياسية والعرقية والثقافية .. والتى تصاعدت وتيرتها مع أعلان نتائج الأستفتاء ووضوح رغبة الجنوبيين فى الأستقلال عن الشمال حيث لم تنتج عملية الإنتخابات فى الشمال عن إدماج عناصر جديدة من المعارضة فى العملية السياسية .. كما أن هذه الإنتخابات قد وصمت بأنطوائها على عمليات تزويرواسعة النطاق .. فضلا عن ساهمت المعارضة بدورها فى إنتاج عملية إقصائها نفسها بنفسها وذلك بطبيعة قصور أدائها السياسيى لاسيما فى فترة الإنتخابات وهى حالة من الجائز توصيفها بتوازن للضعف المنتج للأزمة والمساهم فى أستمرارها .
وعلى صعيد مواز أصرت حكومة المؤتمر الوطنى على أن تكون اللاعب الوحيد فى الأزمات الهيكيلة التى تهدد كيان الدولة ومنها أزمة دارفور فى غرب السودان
وأزمة الشرق .. حيث تم التفاعل فى إطار ثنائى بين النظام السياسى والخارجين عليه .. ولم يتم تدشين آلية قومية شاملة لمواجهة هذه التحديات .. وهو الأمر الذى ساهم فى أستفراد المصالح الغربية بالنظام ورموزه وتعرضهم لأقصى أنواع الضغوط من جانب الولايات المتحدة الأمريكية .. خصوصا وأن النظام يعد مسئولا عن إنتهاكات إنسانية واسعة النطاق فى إقليم دافور .. كما يمارس عمليات تضييق على الحريات العامة ومنها حرية الصحافة .. وهو نوع من الأداء السياسى يكون عادة ذخيرة مناسبة للغرب بقواه الرسمية وفواعله غير الرسمية ضد النظام الحاكم .. فضلا عن تصنيف الحكومة السودانية فى الغرب بأنها أحد أهم رموز حركات الإسلام السياسى فى المنطقة العربية أى العدو رقم واحد للولايات المتحدة الأمريكية بعد حوادث الحادى عشر من سبتمبرعام 2001. وذلك رغم التحولات الأخيرة المعلنة فى الموقف الأمريكى إزاء شمال السودان فى أكتوبر 2010 .. حيث لم تسفر هذه التحولات عن إجراءت ملموسة فى علاقات البلدين .
وقد أنتجت هذه البيئة المشار إليها جملة من الأحتقانات تشكل تحديات أساسية أمام شمال السودان فى الفترة القادمة قد تشكل مصدرا رئيسيا لتهديد نظام الحكم رغم الدعم الصينى له أو تتطور لتساهم فى تهديد سلامة الدولة فى شمال السودان وتحولها لثلاث دويلات على الأقل طبقا لخريطة الإنقسامات العرقية فى الشمال ويمكن أن نجمل هذه التحديات فى النقاط التالية :
أ - ثورات المنطقة ومطالب التغيير
شكلت ثورتى نونس ومصر نماذج ملهمة لشعوب المنطقة لتحقيق دولة الكرامة الإنسانية والحريات والعدالة .. وهى مطالب لابد وأن تتطلع اليها النخب السياسية وجموع البسطاء فى السودان وذلك بالنظر الى أمتداد فترة حكم الرئيس عمر البشير لما يربو عن 20 عاما .. وهو سبب أصبح كافيا للمطالبة بالتغيير فى ضوء المتغيرات السياسية بالمنطقة .. فضلا عن ذلك فإن فشل الجبهة القومية الإسلامية على تحقيق وعودها للشعب السودانى فى دولة الرفاه سبب أخرإضافى لمطالب التغيير خصوصا مع إنقسام الجبهة على نفسها عام 1999.. وإنخراط الطرفين المنقسمين فى معارك تكسير عظام أنعكست على المعادلة السياسية الداخلية .يضاف الى ذلك أن السنوات الست الأخيرة قد شهدت صراعات فى الدائرة الضيقة لصناعة القرار .. والتى تتميز بمستوى تنافس وصراع عال بين عناصرها .وقد أنعكست هذه الصراعات بطبيعتها سلبيا على عملية الأستقرار السياسى .. ومستوى رضا المواطنيين عن الحكومة . كما يلاحظ أيضا أن السياسات العامة المنتجة من هذه الدائرة الضيقة ماتزال سببا محوريا لإنتاج الإنقسامات على أسس قبلية فى السودان .
وإجمالا ساهم النظام السياسى فى تقسيم البلاد وذلك بوزن نسبى أعلى من باقى حكومات الأستقلال الوطنى . من هنا فأن المتابع لفضاء النقاش العام السودانى على مستوى النخب السياسية لابد وأن يلحظ رتفاع وتيرة الإنتقادات للحكومة والمطالبات بضرورات الإصلاح المرتكز على أفكار تداول السلطة على أن تطور هذا النقاش الى مستوى التنسيق والتنظيم فى سبيل إنتاج تحرك سياسى مناوء للحكومة فى الشارع ’ يواجه صعوبات متعددة .. منها الإنقسامات الإجتماعية والثقافية فى المجتمع السودانى الشمالى.. بما يحول فى تقديرنا دون بلورة روح الوطنية الجامعة على أساس توافقى .. كما أن ضعف البنية التحتية يحول دون سرعة تواصل المناطق السودانية المختلفة .. يضاف الى ذلك ضعف نسب إستخدام شبكات التواصل الإجتماعى فى السودان والتفاعل مع شبكة الإنترنت .. فلم تتجاوزالأخيرة نسبة 7..6% من أجمالى عدد السكان طبقا لموسوعة ويكبيديا
ب - المأزق الأقتصادى وتغلغل الفساد .
يشكل إنفصال جنوب السودان دون توقيع إتفاقات محددة بين دولتى السودان بشأن النفط تحديا أساسيا امام حكومة السودان بالنظر الى تأثير ذلك المباشر على الموازنة العامة ومدى قدرة الحكومة على تلبية إحتياجات المواطنيين وخاصة فى قطاعات الخدمات كالصحة والتعليم .. وقد أرتفعت بالفعل نسب التضخم والغلاء وتحاول الحكومة حاليا الحفاظ على سعر العملة حتى لايعانى الأقتصاد من أثار سلبية إضافية .. كما تحاول إيجاد مصادر بديلة للدخل وربما تصب زيارة الرئيس البشير الأخيرة الى الصين فى هذا السياق .. فى محاولة لضمان أهتمام صينى بالتنقيب عن البترول شمالا .
وفى سياق مواز يتم اللجوء الى ضغط النفقات العامة وتنشيط الصادرات التقليدية من الحبوب وتنشيط أيضا عمليات التنقيب عن الذهب فى محاولة من الحكومة السودانية الشمالية لإن يكون بديلا عن النفط .
ويتقاطع مع هذه الجهود الحكومية تفشى حالة فساد واضحة فى الدولة أعترف بها الرئيس البشيروأمر بمتابعتها ونشر حولها أقطاب الإسلاميين أصدارات هامة تدين النظام .. كما ترصد الصحافة السودانية حالات فساد ضخمة مستشرية فى مؤسسات الدولة ’ ويرصد بعضها المراجع العام للدولة السودانية . وكذلك تشير منظمة الشفافية الدولية الى أن السودان تحوز على مرتبة متقدمة من بين الدول الأكثر فسادا حول العالم وطبقا للخبرات المتراكمة فى الأدبيات السياسية فإن التفاعل بين إرتفاع معدلات الفقر والبطالة وإنتشار عمليات النهب المنظم للمال العام لابد وأن يعبر عن نفسه فى تغير كيفى من نوع ما فى المرحلة المقبلة بالسودان .
ج - طبيعة الحراك السياسى وتوجهاته
تسعى الحكومة السودانية الى التفاوض مع الأحزاب السياسية الرئيسية فى محاولة لإحتواء الآثار المترتبة على إنفصال الجنوب على أن المشكل الرئيسى فى هذه العملية أن الخبرات السابقة من هذه الممارسة الحكومية الممتدة لسنوات تشير الى أنها لاتوفر صلاحيات حقيقية للأحزاب السياسية .. بل أن التحرك الحكومى إزاء الأحزاب يأخذ طابعا ديكوريا .. ساهم فى تأكل كل من مصداقية الحكومة والأحزاب معا.. كونه لايفضى الى تغيير فى المعادلة السياسية الداخلية كما لايفضى الى أى نوع من تداول السلطة .. ولايساهم بالتأكيد فى خفض مستوى التهديدات لمؤسسة الدولة والناتجة عن تمرد الأقاليم على المركز وبطبيعة الحال ليس له أى دور فى رفع المعاناة عن كاهل المواطن العادى وهو مايعنى إجمالا أنسدادا فى الأفق السياسى فى السودان .
فى هذا السياق بدأت ظاهرة الإضرابات الفئوية التى عرفت طريقها الى الخرطوم وبعض المدن الشمالية مثل إضرابات الأطباء وأساتذة الجامعات .. ونلاحظ هنا حالة تغير كيفى فى التعامل مع هذه الإضرابات من جانب الحكومة فبينما كان سياستها تتجه للقمع قبل الثورات العربية فإنها حاليا تتجه نحو محاولة الإحتواء مع وجود حالة إنقسام واضحة فى صفوف رموز الحزب الحاكم إزاء وسائل التفاعل مع هذه الإضرابات الفئوية .
وفى سياق موازلهذه الإضرابات الفئوية ظهرت حركات سياسية من بين صفوف الشباب مثل " قرفنا " وهى تواجه حاليا حملات من القمع والتنكيل .
خاتمة :
أهدر شريكا إتفاق نيفاشا فرصا ثمينة فى خلال الفترة الإنتقالية للحفاظ على التراب الوطنى السودانى .. وتجنيبهما معا مخاطر تجزئة الدولة .. ولكنهما حافظا على درجة من التفاعل بمساعدة المجتمع الدولى ساهمت فى حفاظ كل منها على السلطة السياسية فى إقليمه . ولكن حاليا برزت متغيرات مؤثرة تهدد أستمرا ر هذه الحالة وتتلخص هذه المتغيرات فى التالى :
1- حالة الصراع المسلح المستجدة فى مناطق التماس بالمناطق الثلاث المهمشة "أبييى وولايتى جنوب كردفان والنيل الأزرق " وذلك على مستويين الأول بين شريكا الحكم والثانى بين الشمال وشعوب هذه المنطقة التى تتشارك فى قواسم عرقية مع الجنوب ويشكل الخطاب الإقصائى الشمالى مهددا لحقوقها فى المواطنة المتساوية .
وطبقا للتفاعلات الراهنة فإن أستمرار هذا المستوى من الصراع مع إحتمال وجود تحفيز أو تحريض من قوى دولية أو إقليمية مستفيدة من شأنه أن يعيد السودان الى مربع الحرب الأهلية .
2- إرتفاع وتيرة الإحتقانات شمالا وجنوبا ضد السلطتين الحاكمتين فى كل من الشمال والجنوب لأسباب أقتصادية وسياسية والتى تغذيها معطيات الإنقسام العرقى والثقافى والدينى بما يعظم فرص التجزئة فى المرحلة المقبلة
ويتطلب تحييد مصادر التهديد للسودان المشار إليها توافر إرادة سياسية رشيدة شمالا وجنوبا تساهم فى عملية تداول للسلطة بالطرق السلمية وتفتح الباب أمام الحوارات الوطنية لتأطير المطالب اللإقتصادية والفئوية ومحاولة تنفيذها . وكذلك إيجاد آلية حوار قومى فى كل من الشمال والجنوب تتعامل مع معطيات الإنقسام العرقى والثقافى .. وتنتج صيغ سياسية منطوية على مفاهيم المواطنة المتساوية ودولة القانون .
وفى سياق مواز لابد من لفت الإنتباه الى ضرورة التخلى عن العلاقات الصراعية بين شمال وجنوب السودان خصوصا مع وجود منافع ممكنة علي الجانبين من شأنها تقوية الموقف الذاتي لكلا الطرفين.. كل في قطاعه سواء الشمالي او الجنوبي وذلك على الصعد الإقتصادية المتعددة وفى مجالات الموارد المستخرجة كالنفط والمعادن وكذلك الأهتمام بتنمية الموارد المائية والحيوانية فضلا عن الإمكانيات الزراعية الهائلة . وقد تنطوى هذه الأمكانات فى حال إستغلالها ووجود حالة من الرشادة من جانب اللاعبيين فى كلا من شمال وجنوب السودان تجنيب السكان فى مناطق التماس حروب جديدة وكذلك تجنيب السودان وجواره إستقطابات إقليمية على أسس عرقية لايحتاجها أحد خصوصا فى بيئة دول حوض النيل والتى يسهم فيها أى نوع من الأستقطابات الى إنتاج الصراعات المهددة للإستقرار والتنمية .