جنوبيو السودان الشمالي.. التشريع في مناخ الأزمة
لبرنارد شو تشبيه طريف للوطن وما يلحق به من مفاهيم المواطنة والجنسية، بالهيكل العظمي للإنسان الذي يكاد لا يشعر بوجوده إلا عندما.. يمرض.
في شأن هذه المفاهيم ذاتها، وتحت ظرف الصراع السوداني القديم المتجدد، منذ الاستقلال بلا نهاية منظورة، حول وضع "دستور" للبلاد، تحتدم اﻵن بين السودانيين في الداخل والخارج نقاشات مطولة مفعمة بروح الأزمة التي ما تنفك تكتنف هذه القضية في راهن بلدنا المعلول.
وتفسر هذه الروح وحدها عموما سبب ترهل مشاريع الدساتير والمواثيق الدستورية الجاري طرحها بين الحين والآخر، بقدر هائل من التفاصيل التي تعكس الدرجة التي بلغها انعدام الثقة بين الأطراف كافة، مثلما يفسر سبب احتشاد هذه النقاشات بما ﻻ حصر له من الاستطرادات التي ربما اعتبرت، في مناخ سياسي آخر، إما خارج السياق، أو غير ذات جدوى بالمرة.
(1)
مع ذلك ليس ثمة مناص أمام المثقفين الوطنيين الديمقراطيين بالذات، سواء في حقل القانون أو العلوم السياسية أو خلافه، من إدارة الظهر لتلك الروح السالبة، وانتزاع النفس من أكمة المغالطات الشائكة والذهاب إلى سوح أفسح من الوضوح المعرفي والسعي بين الجماهير بوعي جديد يعلي من شأن "المواطنة" ويوقر قيمتها.
وعلى كثرة ما يمكن أن يقال على هذا الصعيد، فثمة أربع ملاحظات جديرة بالإيراد هنا فورا على النحو الآتي:
الملاحظة اﻷولى: هي أنه يلزمنا حك المفاهيم حكا حتى يسيل دمها في سبيل:
1- إدراك صلة الرحم بين التوأمين السياميين في مجرى التطور التاريخي، الدولة والقانون باعتبارهما الأداتين الأساسيتين الضابطتين لسلطة الطبقة الاجتماعية السائدة اقتصاديا، ومن ثم سياسيا واجتماعيا وثقافيا، بدﻻ من الاستغراق في الوهم القاتل، القائل بأنهما مؤسستان محايدتان.
2- عدم الخلط المعيب بين مصطلحات "الفرد" و"الإنسان" و"المواطن" فهي مفاهيم مستقلة، لكل منها دلالة تعريفية خاصة تترتب عليها أوضاع حقوقية متباينة.
3- التفريق بين مفهومي "المواطنة" كانتماء موضوعي، و"المواطنة" كأحد "حقوق الإنسان".
أ-فالمفهوم اﻷول ترتب على تطور العلاقات الدولية في منتصف القرن السابع عشر، حين أقر مؤتمر ومعاهدة وست فاليا 1648 مفهوم "الدولة الوطنية" فشكل ذلك بالتبعية تدشينا للأساس الذي حل من فوقه ﻻحقا مفهوم "المواطنين" محل مفهوم "الرعايا" بالنسبة لأهل "الإمارات" المتحاربة في وسط أوروبا القديمة، وبالتالي ليس من شروط اكتساب صفة "المواطنة" أو عدم اكتسابها بهذا المعنى، أن تكون الدولة "ديمقراطية" أو "شمولية".
ب- أما المفهوم الثاني، فقد تكرس عبر المحطات الرئيسة لنضال ملايين البشر تاريخيا، في سبيل إقرار الحريات العامة والحقوق الأساسية، وبالأخص منذ الثورة الفرنسية 1789 وحتى العصر الحديث، عصر اﻷمم المتحدة وحقوق الإنسان الذي دشنه الإعلان العالمي 1948، وما تبعه من انفجار ما أصبح يعرف بالشرعة الدولية المتمثلة حتى اﻵن في زهاء مائة وثيقة دولية أساسية.
4- التفريق مع ذلك بين مفهومي "حقوق المواطن" و"حقوق الإنسان"، فحتى باستخدام مربع أرسطو في المنطق فإن "حقوق المواطن" كلها "حقوق إنسان"، بينما "حقوق الإنسان" ليست كلها "حقوق مواطن".
الملاحظة الثانية: هي أن من نقاط الضعف الأساسية في الدستور الانتقالي لسنة 2005 النصوص التي أهدرها الإيراد ضمن القسم الموجه ﻻ الملزم، ويتصل الكثير منها بـ"حقوق المرأة" التي ينبغي التشديد على إلزاميتها باعتبارها من "حقوق المواطن/الإنسان"، اﻷمر الذي يستوجب مراعاتها لدى التشريع المستقبلي للدستور والقوانين المختلفة.
وربما يكفي أن نشير هنا على سبيل المثال إلى النصوص المخصوصة التي تتضمنها "اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة سيداو"، و"البروتوكول اﻷفريقي الخاص بالمرأة، والملحق بالميثاق اﻷفريقي لحقوق الإنسان والشعوب".
الملاحظة الثالثة: هي أن ثمة تناقضا مريعا بين النصوص الدستورية الراهنة، على علاتها، وبين الكثير من القوانين التي بقيت سارية المفعول، تؤثر تأثيرا مباشرا على حقوق "المواطنة"، ومن أبرزها حقوق المهمشين، كما في نموذجي القيود الواردة على حق تخصيص اﻷرض للنساء، وحق غير المستعربين أو غير المسلمين في ممارسة غيريتهم/تنوعهم الثقافي في عاصمة البلاد.
من تلك القوانين، القانون الجنائي لسنة 1991 وقانون النظام العام في بعض الولايات كولاية الخرطوم لسنة 1996، دع قانون قوات اﻷمن الوطني لسنة 1999 وقانون 2010 الذي حل محله، وما إلى ذلك.
الملاحظة الرابعة: وهي أن مفهومي "المواطنة" و"الجنسية"، يشكلان، في الاصطلاح القانوني السوداني كما في الاصطلاح اﻷنجلو سكسوني، وجهين لعملة واحدة، ومن هذه الزاوية تلزمنا ملاحظة.
1- أن الحق في اكتساب جنسية ما أي مواطنة دولة بعينها، هو أحد حقوق الإنسان الأساسية، مما يعني بمفهوم المخالفة أن الحرمان من "الجنسية/المواطنة" هو اعتداء على حق أساسي من حقوق اﻻنسأن.
2- وأن القاعدة المرعية في القانون الدولي، في حالة انقسام أية دولة، أو انفصال أحد أقاليمها بدولة مستقلة، كما في حالة جنوب السودان أن تمتنع "الدولة السلف Predecessor State عن إسقاط جنسيتها عمن اكتسبوها أو استحقوها بالميلاد أو التجنس قبل حصولهم باختيارهم الحر على جنسية "الدولة الخلف" Successor State.
3- وأن عدم مراعاة هذه القاعدة من جانب الدولة المعنية، من شأنه أن يخلق ما يعرف بحالة "البدون" Statelessness.
4- وأن اﻻتجاه الأساسي في القانون الدولي، على هذا الصعيد، هو تصفية حالة "البدون" هذه حيثما كانت قائمة، ناهيك عن منع نشوئها بالضرورة في أي مكان في العالم.
5- وأن هذا هو ما تتضافر جهود المجتمع الدولي ﻷجل تحقيقه، بحيث يعتبر خلق الحالة المشار إليها من جانب أية دولة تعويقا مباشرا لهذه الجهود.
6- وأن المجتمع الدولي، ترتيبا على ذلك ﻻ ينتظر فقط أن تلتزم الدولة من تلقاء نفسها بهذه القاعدة الأساسية من قواعد القانون الدولي، بل يستخدم منهج "الاعتماد المتبادل" كي يوفر من "الآليات" ما يضمن إحداث القدر المناسب من الضغط لتحقيق هذا الالتزام.
بعض هذه الآليات دولي، كمجلس اﻷمم المتحدة لحقوق الإنسان وبعضها اﻵخر وطني تدفع باتجاهه توصيات هذا المجتمع الدولي كالهيئات الوطنية لحقوق الإنسان التي تتكون بموجب مبادئ باريس لسنة 1993.
(2)
اﻻتجاه الرسمي لدى السلطة في السودان، منذ التاسع من يوليو 2011، تاريخ انتهاء أجل اتفاقية السلام الشامل، وربما قبل ذلك منذ التصويت لانفصال الجنوب كدولة مستقلة في استفتاء التاسع من يناير 2011، هو إنكار حق المواطنة بالنسبة للسودانيين من أصول جنوبية، وإسقاط جنسية دولة شمال السودان عنهم كدولة سلف، قبل حصولهم، بالاختيار الحر على جنسية دولة جنوب السودان كدولة خلف، من أقوى الشواهد على ذلك، فضلا عن تصريحات الرسميين، ما ظهر من سلوك السلطة المتهافت باتجاه تعديل قانون الجنسية لسنة 1994م ﻹسقاط اﻻقرار بازدواجية الجنسية. وواضح، بالطبع، أن غرض المشرع من هذا التعديل هو تفويت فرصة السودانيين الجنوبيين في الاستفادة من تلك "الازدواجية"، وتعزيز حرمانهم من الاستمرار في حمل جنسية الشمال، إضافة إلى طردهم من وظائفهم، وتهديد مساكنهم وممتلكاتهم بالنزع، وإيقاف الصحف التي يساهمون في ملكيتها، وما إلى ذلك، رغم أن أجداد أجداد الكثيرين من هؤلاء شاركوا في الثورة المهدية، وبالتالي في تأسيس أول دولة وطنية موحدة عاصمتها أم درمان في قلب وسط البلاد التي يراد اﻵن طردهم منها مع أنهم ﻻ يعرفون وطنا لهم سواها.
جرت هذه الممارسات في ظل مراقبة السيد شاندي ﻷوضاع حقوق الإنسان في البلاد، ممثلا لمجلس اﻷمم المتحدة لحقوق الإنسان بجنيف، فما بالك بهذه اﻷوضاع في غياب هذه المراقبة، حسب القرار اﻷخير الصادر عن هذا المجلس سبتمبر 2011 بتحويل المهمة من المراقبة تحت البند الرابع من لائحة أعمال المجلس إلى البند العاشر الخاص بتقديم العون الفني للحكومة في هذا الشأن، فضلا عن غياب الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان التي تصر الحكومة بكل حمرة عين على عدم إنشائها حتى اﻵن.
(3)
والآن، إذا لم تكن محض مضمضة شفاه تصريحات رئيسي السودانين، أوان زيارة رئيس الجنوب للخرطوم خلال الأيام الماضية، حيث "أبديا ارتياحهما البالغ من الزيارة ونتائجها"، وأكدا أن "من شأنها تجاوز كل القضايا العالقة" "الأخبار 10/10/2011، فمعنى أن ثمة فرصة حقيقية قد لاحت، ليس فقط لتفادي جملة مشكلات ترتبت على الانفصال، بل وللشروع في تحقيق رغبة شعبية ما تنفك تعتمل بوضوح ملحوظ وسط قواعد البلدين، وذلك بتجاوز واقع الانفصال نفسه، بصرف النظر عما أسفرت عنه نتائج الاستفتاء.
أحد أيسر السبل السالكة نحو هذا الهدف إقرار ازدواجية الجنسية في قانوني البلدين، مع مراعاة أولوية توفيرها لمجموعتين أساسيتين:
1- الشماليين الذين ارتبطت حياة ومصالح أجيالهم عميقا بالجنوب، والجنوبيين الذين ارتبطت حياة ومصالح أجيالهم عميقا بالشمال.
إحساس هؤلاء بتهديد الانفصال لحياتهم ومصالحهم سيندرج حتما ضمن العوامل التي تفاقم من مناخ التعانف والاحتراب.
2- القبائل الحدودية بين الدولتين، من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق، ويقدر تعدادها بتسعة ملايين شمالي وأربعة ملايين جنوبي، أي قرابة ثلث إجمالي سكان الدولتين.
فإذا علمنا مثلا أن قبيلة المسيرية الشمالية وحدها، والموزعة على تسعة أفرع يبلغ تعدادها زهاء 135 ألف شخص يمارسون الرعي بالأساس، ويمتلكون عشرة ملايين رأس من الأبقار التي تتوقف حياتها على التوغل وراء الماء والمرعى، في موسم الجفاف، إلى الجنوب من بحر العرب، وصولا إلى بانتيو، ولمدة قد تتجاوز ستة أشهر في السنة، وفي مناطق تتبع لقبيلة دينكا نقوك الموزعة على تسعة أفرع أيضا والبالغ تعدادها زهاء 75 ألف شخص يمارسون الرعي أيضا إلى جانب الزراعة والتجارة في مدينة أبيي بالأساس، لاستطعنا أن ندرك حجم الخطر الذي يمكن أن ينجم غدا عن مجابهة الرعاة المسيرية فجأة لحقيقة عدم استطاعتهم ممارسة "رحلتهم الجنوبية" هذه بسبب حظرها غير المستبعد من جانب دولة الجنوب.
صحيح أن القاعدة المرعيَّة في القانون الدَّولي، وقد نبهت إليها هيئة تحكيم أبيي في لاهاي، أن القبائل الحدودية ينبغي ألا تضار من أي ترتيبات بين دولتين.
لكن هذه القاعدة، المكونة من كلمات قلائل، قد يحتاج تطبيقها إلى سنوات وربما عقود من التفسير والتقاضي، والجهود الدبلوماسية، واللجوء إلى مؤسسات إقليمية ودولية، الأمر الذي لا يتصور بطبيعة الحال أن يتحمل المسيرية انتظار نتائجه، وهم ينظرون إلى الآثار الكارثية لحرمان قطعانهم من الماء والكلأ، علما بأنها لا تمثل، بالنسبة لهم ثروة مادية بقدر ما تمثل قيمة معنوية فتنفتح هنا أيضا ذريعة أخرى للحرب.
إن مغبة اﻹضرار بحقوق مئات الآلاف من اﻷسر السودانية المنحدرة من أصول جنوبية، والتي يراد لأبنائها وبناتها اليوم أن يتشردوا في اﻵفاق باعتبارهم "بدون" أي بلا جنسية وﻻ مواطنة، دع بقية حقوق الإنسان المعرضة، أجمعها للإهدار، ستنعكس وبالا على حالة السلم والأمن، ليس في دولتي السودان فحسب، بل في كل إقليم القرن اﻷفريقي المثقل بما يكفيه من المشكلات وأكثر.
رفضت مساعدة من إسرائيل
مئات القتلى وهزات جديدة بتركيا
المصدر: الجزيرة

قال رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إنه قد تأكد مقتل ما لا يقل عن 93شخصا في قلب مدينة فان و45 في إرجس جراء الزلزال الذي ضرب جنوب شرق تركيا. وضربت هزات ارتدادية جديدة المنطقة، من بينها واحدة بقوة 5.1 درجة.
وبهذا يصل عدد القتلى المعلن عنهم رسميا إلى 138 شخصا، مع إصابة ما بين 500 و600 بالإضافة إلى قرابة 400 مفقود تحت الأنقاض.
وفي الأثناء ضربت هزة ارتدادية قوتها 5.1 درجات تركيا مساء الأحد بعد ساعات من الزلزال القوي الذي أوقع مئات القتلى والجرحى.
وضربت الهزة جنوب شرق تركيا في وقت متأخر الأحد بعد ساعات من تعرض بلدة أرجس على بعد 100 كيلومتر شمالي مدينة فان لزلزال بلغت قوته 7.2 بمقياس ريختر وتسبب في انهيار كثير من المباني ومقتل أو إصابة المئات بجراح.
وذكرت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أن مركز الهزة التابعة يبعد 20 كيلومترا إلى الغرب من شمال غربي مدينة فان على عمق 9.6 كيلومترات.
كما سجل باحثون في العلوم الجيولوجية في ألمانيا عددا من الهزات الارتدادية التابعة للزلزال العنيف.
وقال عالم الزلازل بيرغر غوتفريد لور من المركز الألماني للأبحاث الجيولوجية بمدينة بوتسدام "رصدنا من خلال شبكة رصد الزلازل الألمانية ست هزات ارتدادية وصلت قوتها 4.5 درجات وواحدة بقوة 5.6 درجات إضافة لواحدة قوتها 6 درجات على مقياس ريختر".
وقال لور إن من المتوقع حدوث هزات أرضية أخرى في تركيا، وأضاف "كل زلزال كبير تأتي بعده توابع، وهذه التوابع ليست هزة أو اثنتين وإنما آلاف الهزات، وسيستمر هذا لمدة طويلة".
كان الزلزال العنيف الذي ضرب شرق تركيا بقوة تزيد عن 7 درجات على مقياس ريختر تسبب في انهيار العديد من العمارات السكنية والأبنية المكتبية. ويتوقع مرصد الزلازل في إسطنبول أن يصل عدد ضحايا الزلزال من القتلى إلى أكثر من ألف شخص.
رفض للمساعدة

من ناحية أخرى قال وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك الأحد إن أنقرة رفضت عرض المساعدة الذي قدمته إسرائيل بعد الزلزال الذي وقع في جنوب شرق تركيا.
كما أجرى الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز محادثة هاتفية مع نظيره التركي عبد الله غول قدم خلالها تعازيه بمقتل مواطنين أتراك بالهزة الأرضية العنيفة.
وكان مسؤول بوزارة الخارجية التركية قال إن بلاده لم تطلب بعد مساعدة دولية بعد الزلزال القوي الذي وقع في جنوب شرق تركيا الأحد.
وتابع المسؤول قائلا إن تركيا تلقت عروضا للمساعدة من عشرات الدول من بينها إسرائيل، وأنها أحجمت حتى الآن عن قبول المساعدة منها جميعا.
يذكر أن العلاقات الإسرائيلية التركية تشهد توترا شديدا في أعقاب رفض إسرائيل الاعتذار لتركيا على قتل تسعة ناشطين أتراك وإصابة عشرات آخرين لدى اعتراض أسطول الحرية التركي لكسر الحصار عن غزة في مايو/أيار من العام الماضي، وردت تركيا على ذلك بخفض مستوى التمثيل الدبلوماسي بين الدولتين.
وكانت تركيا أولى الدول التي قدمت مساعدات لإسرائيل في إخماد حريق هائل شب في أحراش جبال الكرمل قرب مدينة حيفا في ديسمبر/كانون الأول الماضي بعد أن تبين أن إسرائيل لا تملك قدرات لإخماد الحريق، الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى تقديم المساعدات. وقبل عدة سنوات قدمت إسرائيل مساعدات لتركيا في أعقاب هزة أرضية.
من ناحية أخرى قال الرئيس الأميركي باراك أوباما إن الولايات المتحدة تتابع أنباء زلزال تركيا بقلق بالغ وهي مستعدة لتقديم المساعدة، وأضاف أوباما في بيان مكتوب "نقف جنبا إلى جنب مع حليفنا التركي في هذا الوقت العصيب ومستعدون لمساعدة السلطات التركية".
شرق السودان.. حدود الدم
ارتفع في الآونة الأخيرة الحس القومي لكيان "البجا" في شرق السودان، مثله مثل كيانات أخرى ظلت لفترة طويلة تمثل بؤرا تستقطب آلام التهميش تجاه قضاياها. وصار عامل الاختلاف الأساسي في رؤى هذه الكيانات أنها بين أحد خيارين، إما الوحدة مع شرط الاعتراف بالكيان وإما الانفصال.
فكما توقع أهل السودان لن يستقر الوضع في ذاك البلد الأفريقي العربي بانفصال الجنوب، وإنما ستفيض حمم براكين أغلق دونها باب الجدل الرسمي إلى حين.
وبذلك فإن تقرير مصير جنوب السودان حسب القراءات السياسية لواقع الحال لن يكون آخر مطمح لأطراف السودان الرئيسية.
الملفات المبعثرة
دخل تعبير "حدود الدم" قاموس السياسة مصطلحا جديدا عام 2006 عن طريق موقع مجلة القوة العسكرية الأميركية التي بررت من خلاله تقسيم الشرق الأوسط وأفريقيا خاصة، باعتبار أن الحدود التي وضعتها دول الاحتلال بين هذه الدول غير مكتملة وغير نهائية، وإنما وضعت لتفادي الصراعات.
وباستلاف التعبير فإن حدود ولايات السودان الداخلية سيكون لها من الاسم نصيب، نتيجة لفشل الدولة السودانية في احتواء أشتات الهويات المتعددة المنحصرة في الولايات ذات الحدود الدولية.
وبأخذ كل إقليم حدودي في تشكيل قوميته المتحدة في ذاتها بعدما فشلت وحدتها مع الدولة الأم، طرح هذا المصطلح سرا وجهرا على المستوى النخبوي.
وطرح هذا المصطلح وارد بالنسبة لشعب شرق السودان باعتباره قومية خالصة يمكنها أن تجد مبررا تسوغ به تغيير وضعها بتشكيل كيان سياسي مستقل.
وهذا المبرر رغم ما فيه من تبعات وتحديات، ورغم أنه قد لا يكون أحسن الحلول المطروحة البديلة كحلول تنمية الإقليم والشراكة السياسية العادلة فإنه إن تم فعلى المستوى الواقعي سيكون التجربة الثانية بعد تجربة انفصال الجنوب في تفتيت الدولة إلى عدة دويلات تقوم على أسس عرقية وإثنية.
يمتاز موقع إقليم شرق السودان الجغرافي بموقع إستراتيجي مطل على البحر الأحمر، وهو لا يمثل المنفذ البحري الوحيد للسودان فحسب، وإنما للعديد من الدول الأفريقية المجاورة.
وعلى طول هذه الحدود البحرية كانت التفاعلات الزمنية بسبب ما ترتبت عليه التقسيمات والنكبات التي نشأت من الداخل وارتدت إليه مما أدى إلى بعثرة أوراقه وخلطها.
ورغم غنى الإقليم بالموارد الطبيعية فإن إنسان الشرق يعيش ظروفا سيئة يعاني فيها من المرض والجهل والجوع والأمية قد تسفر عن مجاعة وشيكة ما زالت تنكرها حكومة المركز.
وبالعودة إلى تاريخ مؤتمر البجا كتنظيم سياسي رائد في الإقليم، بلغ نشاطه مع أوائل التنظيمات السياسية في السودان منذ العام 1950، فإنه حمل قضية شرق السودان في قسمة الثروة والسلطة والتنمية على أكتافه قبل استقلال السودان.
ومنذ ذلك التاريخ ظلت قضايا الإقليم تطرح كمطالب أساسية كان حصادها بضعة مقاعد في البرلمان في ظل الحكومات الديمقراطية القصيرة الأمد بالسودان.
ولكن هذه المقاعد لم تمكن "مؤتمر البجا" من تحقيق جزء ولو يسيرا من مطالب أهل الإقليم، مما ساهم في زرع بذور الصراع بين المركز والإقليم.
إزاء هذه المظالم انفجرت الأوضاع ليخرج "مؤتمر البجا" إلى الكفاح المسلح ضد حكومة الخرطوم عام 1994 بمساندة إريتريا حليف البجا الذين ساندوها إبان الثورة الإريترية.
وقد كان "مؤتمر البجا" من أوائل الفصائل المؤسسة للتجمع الوطني الديمقراطي وأحد أهم الكيانات المطلبية.
بعد مفاوضات القاهرة في منتصف يناير/كانون الثاني 2005، انسحب "مؤتمر البجا" من المفاوضات عائدا إلى ميدان العمل المسلح، وذلك لاعتقاده بأن قضية الشرق اختطفها التجمع الوطني الديمقراطي.
وبتدهور الأوضاع الاقتصادية كان الحراك السياسي الداخلي للمطالبة بحقوق الإقليم، وقد واجهت الحكومة هذا الحراك الذي تمثل في مظاهرات عمت مدن الإقليم الرئيسة بالعنف رغم سلميتها، فكانت أبرزها (مجزرة بورتسودان) التي تمت فيها إراقة كثير من دماء الأبرياء وذلك في أواخر يناير/كانون الثاني 2005.
وفي 25 مايو/أيار 2006 وقعت اتفاقية سلام شرق السودان في العاصمة الإريترية أسمرا، بين حكومة السودان و"جبهة شرق السودان" وهو التنظيم العسكري لاندماج تنظيمي "مؤتمر البجا" و"الأسود الحرة".
انتقِد هذا التنظيم منذ ظهوره كيانا ضعيفا تنقصه الإستراتيجية والأيديولوجية والرؤى الواضحة والأهداف المصيرية لحل مشاكل الإقليم، كما انتقد خضوعه الكامل لإريتريا وتسييرها له حسب مصالحها مع حكومة الخرطوم ودورها غير الخافي في تغذية الصراعات بين قبائل الإقليم.
إن فرضية الاتفاق على التطلع إلى السلطة ساهمت في تدوير الخلافات بين قبائل الإقليم، فلم ينجح في احتواء الأزمة وما أنتجته من تجاذبات سياسية أدت إلى عواصف ساخنة تارة وباردة تارة أخرى أدت مرارا إلى دفع الإقليم إلى معارك بين الموالين للسلطة والمناهضين لها اتسمت في أحيان كثيرة بالحدة والعنف.
انشطار القومية
من الضروري الإشارة هنا إلى أن شرق السودان ليس حالة فريدة في مسألة الاستقطاب الناشئة عن تعدد الانتماءات بين سكانه، شأنه في ذلك شأن عدة أقاليم أخرى من مناطق السودان النائية مثل إقليم دارفور.
وذلك لم يمنع وجود كيانات أساسية يقل فيها هذا الاختلاط مثل قومية البجا، لدرجة أنها ما زالت تحتفظ بلغتها الأصلية غير المكتوبة التي تعود إلى حوالي 4000 سنة.
أما تعدد الكيانات فقد نتجت عنه تحالفات عديدة ساهمت في تكوين هوية قلقة تتجاذبها تيارات سياسية عدة سمتها الأساسية أنها غير متوافقة على تعريف واحد للصفة القومية لكيان الشرق.
ورغم هذا التجاذب فإن شرق السودان ظل كيانا واحدا متماسكا، والشعب الذي سكن المنطقة الصحراوية بين البحر الأحمر شرقا ونهر النيل غربا وبين الأقصر على النيل شمالا وحدود الحبشة جنوبا منذ فجر التاريخ يتعارف عليه بشعب البجا، رغم احتواء المنطقة على قوميات أخرى.
وقد ثبت تاريخيا أن شعب ممالك البجا ينتمون إلى سلالة البلد الأصلية منذ فجر التاريخ، مع ارتباط بعض قبائل الإقليم بهجرات أتت من الجزيرة العربية.
وقد ارتأى عدد من مثقفي الإقليم أن نداء البعض بعروبة شعب البجا خاصة ادعاء يدخل من باب السياسة والأيديولوجيا ويخرج في شكل تمييز سلبي وتهميش.
وقد وجهوا دعوة إلى التخلص من هذا الادعاء الذي فجّر مشكلة الجنوب ومشكلة دارفور، وهو في طريقه للتسبب في نزاعات من نفس الشكل في شرق السودان.
وفي هذا الإطار بشرق السودان هناك النداء بالقومية البجاوية التي تضم عدة قبائل، أبرزها الهدندوة والحلنقة والأمرار والبشاريون والأشراف تتحدث لغة البداويت ولها أرضها وثقافتها وامتداداتها المشتركة.
ولم تفلح الانقسامات السياسية في نزع هوية قومية البجا، وعندما قامت بعض الحركات بالارتكاز على الأيديولوجيا الحزبية انجرفت إلى الطابع الطائفي وذهبت مع التيار.
إرهاصات حق تقرير المصير
قد لا تفيد الرسائل المبطنة بمضمونها التهديدي التي أرسلها حزب "مؤتمر البجا" إلى الحكومة بعد إعلانها عن قيام الجمهورية الثانية، بقدر ما تفيد الترتيبات الداخلية لتحقيق المطالب المنشودة.
إن تصاعد حدة المطالب بأن ثورة للجياع ربما تنطلق من الشرق بالإضافة إلى مطالب التنمية والعدالة الاجتماعية لإنسان الشرق أو النظر في حق تقرير المصير، نابع من أن البجا كقومية مختلفة في لغتها وعاداتها وثقافتها لها تاريخها وأرضها التي تؤهلها للمطالبة بحق تقرير المصير.
ولكن إذا نظرنا في الجانب الآخر للتكوين السكاني لمنطقة شرق السودان فسنجد أنه لا بد من القبول بمسلمات كثيرة، منها التنوع في إقليم شرق السودان نفسه وضمه في ثناياه المجتمعية لمجموعات من غرب السودان وجبال النوبة وغيرها في التكوين الاجتماعي للسكان يجعل النظر في تحقيق نوع من العلاقة تربط قومية البجا وإقليم الشرق بأكمله ببقية القطر أنجع الحلول إذا توفرت شروط الإقليم المطلبية.
وبعد الحديث عن المطالب والحقوق الأساسية تبرز مسألة الصراع الحضاري والثقافي بين المركز وشرق السودان.
فقد نظرت مجموعة من الأكاديميين واللغويين من أهل المنطقة في ضرورة إحياء التراث البجاوي بما في ذلك اللغة البجاوية الأصلية "البداويت"، غير أن التحدي الأكبر يكمن في مواجهة داخلية بين هذه اللغة وسياسة التعريب التي فرضتها الحكومة السودانية على جميع مراحل التعليم.
كما أن هناك مواجهة خارجية تنشأ عن مدى إمكانية تطوير لغة محلية في ظل نظام العولمة، ولكن أهل الشرق يتمسكون بحقهم في أن تكون اللغة البجاوية المحلية لغة التعليم والتخاطب الرسمي إلى جانب العربية وتصبح الإنجليزية لغة اختيارية في الدواوين الحكومية، أسوة بما تم في اتفاق قسمة السلطة بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان في الاتفاق الذي وقع في نيفاشا 2005 وأشير فيه إلى حق الأقاليم المختلفة في ذلك.
إن الاعتراف بالحق في تقرير مصير القوميات ليس تشجيعا لتفتيت الوطن بقدر ما يمكن اعتباره آخر الحلول وأمرّها، ولكن بالنظر إلى ما يعكسه الحصول على هذا الحق تمكن رؤية مكونات الشعب الثقافية والحضارية في مرآة الوطن بالمقابل.
ما يدعو إلى النزوع نحو قومية معينة هو إحساس إقليم معين بأن وطنه الكبير الذي ينتمي إليه أصبح تحت سيطرة فئة معينة تقف في وجه انتمائه، هذا بمنع تحقيق أبسط حقوقه وفي الوقت نفسه تفرض عليه هويتها.
فلا يكون أمام هذا الهامش أو ذاك إلا التضحية بوحدة الوطن والخروج عليها لينتصر لحقوقه الداخلية على أمل أن يحققها كيانه الجديد.
أثبت تسارع الأحداث في السودان أنه يصعب التكهن بالقادم مهما كان قربه. ومع صعوبة التوقعات هذه لم يكن لأحد أن يتخيل أن وحدة السودان التي دامت خمسين عاما قد بدأت نهاياتها.
فلم تكن مسألة انفصال الجنوب بالنتيجة الصادمة وإنما كانت كارثة سياسية، استطاعت أن تلفت نظر الهوامش الأخرى إلى قضية تقرير المصير، بل زرعت في روع تلك الهوامش إيمانا عظيما بأن وحدة الأرض والشعب مهما طالت واستطالت فإنها لا تدوم دون توفر شروط أساسية أهمها إشاعة العدالة الاجتماعية وإشراك الجماهير في صناعة القرار والحكم تحت مظلة نظام ديمقراطي حقيقي.
وبذا فإن ما سمته بعض الكتابات النخبوية "بخطر التقسيم اللامتناهي" قد أضحى بارزا للعيان في الإغراء الذي تقدمه الدولة بالتفريط في صيانة وحدة أراضيها، لهذه الكيانات التي تعاني من تجاهل الحكومة لمطالبها.
إذن وللبعد عن هذا السيناريو الأليم فإن بدايات الحل لقضايا الشرق هي أولا في الاعتراف بأن هناك معاناة يتكبدها إنسان الشرق تتمثل في الفقر والحرمان من أبسط الحقوق الحياتية ومن ثم تنفيذ مشروعات تنموية حقيقية، وتوفير الخدمات ليكون هناك ثمن لكفاح القرون الذي دفعه أبناء الشرق وكل أقاليم الهامش من دمائهم وأرواحهم.