بين مصرع خليل إبراهيم وداوود بولاد.. دروس وعبر!!

وتتكرر مأساة داوود بولاد ذلك الحافظ لكتاب الله والخطيب المفوه ورئيس اتحاد طلاب جامعة الخرطوم.. وهل يرأس اتحاد طلاب تلك الجامعة العريقة في عهدها الزاهر إلا من أوتوا رصيداً هائلاً من القدرات التي تؤهلهم لارتقاء ذلك المرتقى الصعب؟! ومثلما سقط بولاد في امتحان الصبر على لأْواء الحياة وضنكها وتقلباتها وقبل ذلك في ابتلاء الاستمساك بالبوصلة الدالة على القبلة من أن تطيش تردَّى خليل إبراهيم في مستنقع السقوط وتبدل المجاهد في سبيل الله إلى مناضل في سبيل عصبية العرق المنتنة فيا له من سقوط وما أبشعها من نهاية وما أفظعه من ختام!!.
ليتنا نتمعّن في قول الله تعالى العليم بخلقه وهو يحدِّثنا سبحانه عن أولئك الصادقين وهم يلوكون الصبر على رهق الطريق ووعورته الموحشة «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً».. نعم.. وما بدلوا تبديلاً.. اللهمّ يا مقلِّب القلوب والأبصار ثبِّت قلوبنا على دينك.
تأمّلوا بربِّكم في درجة التبديل التي تردَّى فيها كلٌّ من خليل وبولاد حتى نتّعظ جميعنا «ونكنكش» بقوة في قبلة ربنا لئلاّ يدهمنا التيار الجارف بفعل النفس الأمارة بالسوء.. بولاد بلغ به الشطط والانحراف درجة أن يهوي إلى قاع قرنق الذي لا أجد أنتن ولا أسوأ منه في عدائه للإسلام.. أما خليل فقد بدأ تمرده منفرداً وختمه بأسوأ ختام حين انضمّ إلى الجبهة الثورية السودانية بزعامة الحركة الشعبية لتحرير السودان وحكومة الجنوب التي أعلنت الحرب على السودان الشمالي المسلم.. فهل من ختام أبشع من ذلك؟! أن ينضم خليل في الأشهر الأخيرة من حياته التائهة إلى معسكر عرمان والحلو وعقار والحركة الشعبية المعادية لله ورسوله؟! وهل أسوأ من أن ينحاز إلى شيطان العصر «القذافي» قبل أن يهوي إلى ختامه الأليم؟!
أعجب ما في الأمر أن خليلاً حين لقي مصرعه كان متوجهاً إلى جنوب السودان حتى ينضم إلى قوات الجيش الشعبي التابعة لدولة الجنوب الذي ما عاد جزءاً من السودان!! وهكذا يتردّى الرجل من درك إلى آخر في صحراء التيه والاستبدال إلى أن هوى إلى الدرك الأسفل من القاع!!
إرجع للسؤال.. ما الذي دفع كلاً من خليل وبولاد اللذين ساقهما الانحياز إلى عصبية القبيلة أو قل الجهة الجغرافية إلى حتفهما؟!
لكي نجيب عن السؤال نرجع إلى يوم وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حين احتدم الخلاف بين بعض المهاجرين وبعض الأنصار حول من هو الأحق بمنصب خليفة رسول الله؟ تفاوتت مواقف الصحابة لكنها في النهاية استعصمت بالحق وما كان لمن اتخذ القرآن مرجعية حاكمة أن ينفلت عنه إلى غيره الأمر الذي جعل ذلك الجيل القرآني الفريد ينحاز إلى
«ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» وهل أجدر من ثاني اثنين ممن أثبت القرآن صحبته للرسول الكريم؟! بعض كبار الصحابة من الأنصار وجدوا شيئاً في نفوسهم لكنهم لم يتمردوا وكان غاية ما فعله سعد بن عبادة أن هاجر إلى الشام لينشر دين الله في تلك الأرض المباركة.
لكن من تربوا في حمأة الوحل والطين من الذين ترفعوا واستكبروا وتأفَّفوا من أن يندرجوا في مدرسة فقه الولاء والبراء سقطوا وكان ذلك شأن كثير من أبناء الحركة الإسلامية التي صعَّر شيخُها خدّيه لمدرسة التربية وكأنه كان يُعدُّ الساحة للعصبيات العرقية التي تجتاح بلادنا منذ أو بُعيد تفجُّر الإنقاذ.
ربما كان بولاد حافظاً لكتاب الله حاملاً له في صدره كما يفعل الحمار وهو يحمل أسفاراً على ظهره البليد لكن ليته انكبّ على آيات «التوبة» وهي تزأر وتزلزل قلوب المؤمنين
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إِنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ»،«قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ».. ليت بولاد وهو يستسلم لقيادة قرنق وخليل وهو يندرج في ركب سلفا كير والشيوعي عبد الواحد ليتهما قرآ وتمعّنا في سورة الممتحنة «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ» ليتهما قرآ بتمعُّن «لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»
انحاز خليل وانحاز بولاد إلى العنصر وإلى الجهة بغية تنمية مناطقهم أو منحهم نصيباً أكبر في السلطة وكأنّ الرسول الكريم بُعث بحثاً عن السلطة والثروة والتنمية وتمرّدا حتى ولو كان ذلك على حساب دين الله تعالى الذي آتاهما آياته ولكنهما اختارا الإخلاد إلى الأرض تصديقاً لقوله الله تعالى
«الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ...»
أعجب والله كيف جاز لخليل أن يغزو أم درمان مستخدماً أطفالاً انتزعهم عنوة من آبائهم وأمهاتهم وكيف تسنّى له أن يستحلّ دماء المسلمين وهو يهاجم الآمنين ويُجبرهم على خوض الحرب معه رغم أنوفهم؟! كيف ينسى قول الله تعالى وهو يحذر ويتوعد
«وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا»؟! ذلك حال من يقتل مؤمناً واحداً فكيف بمن يقتل ويشرِّد الآلاف؟!
لقد كان لنا نحن في منبر السلام العادل وفي صحيفة «الإنتباهة» شرف مواجهة سفارة العقيد القذافي، الذي قُتل قبل مصرع حليفه خليل بنحو شهرين، في تلك الدعوى التي رفعتها ضدنا سفارة العقيد جرّاء هجومنا على فرعون ليبيا الهالك الذي منح خليل من أمواله وسلاحه ما مكَّنه من غزو أم درمان ونسأل الله أن يكتب ذلك في موازين حسنات أهل المنبر والإنتباهة.
مصرع خليل يحتاج إلى مداد كثير وهذه أولى القطرات.
ثم ماذا بعد خليل؟

يجب أن نطوي بسرعة صفحة حركة العدل والمساواة بعد مقتل رئيسها الدكتور خليل إبراهيم خلال مشاركته في اعتداءات حركته على مناطق شمال كردفان وأجزاء من ولايات دارفور، فعملياً هذه الحركة بطبيعة تكوينها واضطراب مسارها قد قُبِرت مع رئيسها، وستعاني المجموعة المتبقية من قيادتها وفلول قواتها لفترة طويلة جداً في حال أرادت تضميد جراحها ولملمة أشلائها والعودة لملعب الحرب وميدانه من جديد..
هذه الحركة التي يعود تكوينها إلى نهاية عقد السنوات التسعين في الخرطوم، عندما تلاقت مجموعة من الإسلاميين من أبناء غرب السودان كانوا يشعرون بالغُبن السياسي والتهميش، وكان عرّاب الإنقاذ يومئذ الدكتور حسن الترابي على علم دقيق ومتابعة وحوار مع هذه المجموعة، وعصفت رياح الخلاف والانشقاق في ديسمبر بأي فرصة لاحتواء هذه المجموعة التي انحازت للمؤتمر الشعبي لدى تكوينه، وحدثت ملابسات عديدة وخرج د. خليل من البلاد للالتحاق بإحدى الجامعات الأوربية في قسم الدراسات العليا في مجال تخصصه، وسرعان ما تطورت الأوضاع بسرعة في العام 2002م و2003م عندما اندلعت الحرب في دارفور وظهرت حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور ومني أركو مناوي وعبد الله أبكر الذي قُتل بعد عام ونصف من بداية النزاع، وأشهرت حركة العدل والمساواة عن نفسها في بواكير تلك الفترة ولم يُلقِ لها أحد بالاً حتى توقيع اتفاق أبّشي في سبتمبر 2003م بين الحكومة وحركة تحرير السودان قضى بوقف إطلاق النار وترتيبات أخرى لوقف القتال وتجميع قوات الحركة، وعارضت العدل والمساواة تلك الخطوة وغادرت أعداد كبيرة من حركة تحرير السودان إلى صفوف الحركة الجديدة التي وجدت الفراغ العريض وملأته وكان خطابها السياسي أكثر نضوجاً من حركة تحرير السودان، وكان وراءها عقل سياسي كبير يدبِّر شؤونها من وراء الحجاب والسدول.
ومنذ ميلادها، ظلت العدل والمساواة تتوه في فجوات الطموح الشخصي لقيادتها وسرعان ما صبغها خليل بصبغته وأعطاها لونه وطلاها بطلاء أفكاره الشخصية وتطلعاته الذاتية، وعكس التكوين الهيكلي للحركة السيطرة العشائرية وخليل وإخوانه على مفاصلها ومركز القرار فيها، ووجدت دعماً إقليمياً من ليبيا القذافي وتشاد التي تربط قيادتها بخليل علاقات دم وقربى.
وصارت الحركة هي الأقوى بين حركات دارفور بعد توقيع اتفاقية أبوجا، ورفض خليل كل نداءات السلام برغم مشاركة حركته في مفاوضاتها التي تمت في الدوحة عبر جولات طويلة انتهت بوثيقة السلام الحالية، أو الجولات التي عُقدت في العاصمة التشادية أو في ليبيا... ونفذت الحركة هجوماً فاشلاً على مدينة أمدرمان في مايو 2008م خسرت فيه خسائر كبيرة على المستويين العسكري والسياسي.
لكن الانعطاف الأكبر الذي صار الأبرز تأثيراً على حركة العدل والمساواة، هو طرد الحركة من تشاد، ولجوء رئيسها إلى حضن ليبيا القذافي، وانتهى بها المطاف إلى القتال إلى جانب حاكم الجماهيرية السابق حتى انهار نظامه وقتل في مدينة سرت، وفرّ خليل لأرض السودان وجعل من أعلى وادي هور قرب الحدود مع تشاد مكمناً له ولقواته التي كانت تعيد ترتيب أوضاعها وإعادة بناء قدراتها...
وانضم خليل إلى تحالف كاودا عقب قيامه وكان يرتب مع بقية الفصائل والحركات المسلحة في حال تمكنه وقواته من دخول أراضي دولة جنوب السودان، لبدء مرحلة جديدة من الحرب المصنوعة ضد استقرار البلاد وأمنها، وقُتل رئيس الحركة يوم السبت أول من أمس لدى قيادته شخصياً العمليات العسكرية العدوانية على مناطق كردفان ودارفور.. في طريق مروره من وادي هور إلى حدود دولة الجنوب.
وساهمت عوامل عديدة في هذه النهاية لخليل إبراهيم الذي تحرّك في ميقات محدد وتزامن مع عزم تحالف كاودا بدء عملياته، وأهم هذه العوامل سد كل المعابر والمنافذ نحو الجنوب بواسطة القوات المسلحة مما جعل مهمة العبور صعبة، كما أن اعتداءات خليل وقواته على الأهالي الآمنين في قوز أبيض وأم قوزين وأرمل وأجزاء من محلية ودبندة، وخطف الشباب والفتيات، قد ألّبت عليه قبائل المنطقة ووفرت معلومات مهمة للقوات المسلحة والأجهزة الأمنية فتمكنت من تعقُّب الرجل والاشتباك معه مما أدى لقتله في المواجهة التي تمت.
سلفا كير في إسرائيل عادي الغريب شنو؟!
_200_200.jpg)
ما زلتُ أذكر نداء الملازم الطيب الزين رحمة الله عليه من شعبة العمليات بتوريت إلى كل محطات شرق الإستوائية يحذر المتحركات من الألغام جاء فيه «الحيطة والحذر لقد ظهرت الألغام في شرق الإستوائية» وكان ذلك في عام 1970م وكانت الألغام من إسرائيل.. في ذلك العام ذهب جوزيف لاقو قائد التمرد في الجنوب إلى إسرائيل في زيارة من زياراته المتكررة لإسرائيل لتفقد الضباط والجنود الذين أرسلهم للتدريب في إسرائيل على حرب العصابات وزراعة الألغام وعاد ومعه كمية من الألغام المضادة للآليات والأفراد هدية من إسرائيل بالإضافة لكمية من الذخائر والأسلحة.. وأول لغم انفجر كان في شرق الإستوائية في طريق توريت جوبا بين خور الدليب وخور إنجليز السبب الذي جعل الملازم الطيب الزين يرسل ذلك النداء.
إسرائيل لم تخرج من الجنوب منذ التمرد الأول ولم يغِب الضباط الجنوبيون من إسرائيل فهم في معاهدها العسكرية جنوداً وضباطاً وقادة. وجميع القادة الذين كانوا بيننا بعد نيفاشا سياسيين وعسكريين تدربوا في إسرائيل وولاؤهم وحبهم وتقديرهم لإسرائيل شعباً وقيادة.
إسرائيل كانت تمد التمرد بالأسلحة والذخائر والألغام وأمريكا وليبيا كانت تدفع لها ولهم.
كنا على علم بذلك ويقين ونحن ضباط صغار ونحن قادة. لم يكن لدينا شك في ذلك ولم يكن لدينا شك في أن قادة الجنوب من قبل تدخل إسرائيل يسعون للاستقلال عن الشمال وما كانت مجزرة توريت إلا إعلانًا صارخًا لما في النفوس من نوايا.
كنا نجد ما في نفوسهم من حقد وكراهية مكتوبًا على جذع أشجار المهوقني والبلوط بأحرف تظهر لك من بعد
«Go Home Arab» أو عبارة أخرجوا من دولتنا دولة الأمتنج.
كان زعماء الجنوب وقادتها أكثر ولاءً وميولاً وحباً لإسرائيل من ولائهم للسودان الكبير حتى بعد اتفاقية أديس لم تنقطع الصلات بينهم وبين إسرائيل.. وعند تمرد جون قرنق عام 1983م إسرائيل كانت من أوائل الدول التي دعمت التمرد بالعتاد والقذافي دفع لها القيمة، والأمر كان مرتباً بين جون قرنق والضباط الإسرائيليين إبان وجود
العقيد جون قرنق في الدراسة في أمريكا التي كانت القوات المسلحة السودانية تدفع قيمتها.
انفصال الجنوب لم يكن أمرًا مرتبًا من إسرائيل ولا من أمريكا بل هو قناعة جنوبية يقف معها كل شعب الجنوب وقادته وزعماؤه والأدلة كثيرة جداً ولا تغيب عن عقل وفطنة أي فرد من أبناء الشمال له عقل وبصيرة. ولكن من يُفهم التائهين الغافلين الذين من بعد الانفصال بنسبة أكثر من 95% ما زالوا يتباكون حسرة على الوحدة الضائعة وكذلك الذين ما زالوا يرفعون شعار الوحدة والبحث عن عودتها إنهم مساقون بعاطفتهم، وهل بعد زيارة سلفا كير لإسرائيل وما أعلنه وما صدر عنه من قول وفعل، هل من دليل يبحث عنه التائهون الغافلون على تآمر أبناء وقادة الجنوب على الشمال؟ عادي جداً أن يزور حاكم الجنوب الحالي والقادم وجميع قياداته أن يزوروا إسرائيل وإن لم يفعلوا يكونوا شذوا عن قاعدة «الوفاء لأهل العطاء» وقد أعلنوا أن لولا عطاء إسرائيل ووقوفها معهم لما نالوا استقلالهم.
إذاً أبناء الجنوب يردون الجميل لإسرائيل.
وإن كانوا يعرفون جميلاً لنا أو بالأحرى يعترفون بجمائلنا عليهم لجاءوا لزيارة عثمان ومحجوب وخلاوي المكاشفي ولكنهم لم يجدوا في ما كان يقدمه الشمال من أكل وشرب وكساء يستحق الوفاء؛ فالولاء لمن قدم لهم آلة الحرب والدمار وأعانهم على تحقيق الاستقلال من استعمار الشمال.
{ ونقول لحاكم الجنوب هل لإسرائيل نقل نهري رخيص يمدكم باحتياجاتكم من أقرب سوق لكم؟
{ وهل لإسرائيل خط سكة حديد يمكن أن يحمل صادراتكم من اللحوم والمواشي لأقرب ميناء للصادر؟ ويمدكم بالواردات لبحر الغزال؟
{ وهل لإسرائيل مصافٍ لتكرير بترولكم لتشغيل الطائرات والآليات الإسرائيلية التي بدأت تصلكم؟
{ وهل لإسرائيل خط أنابيب لصادراتكم من خام البترول؟
{ وهل لإسرائيل فتريتة لأكلكم وشرابكم؟
{ هل عندكم زيت فول وعندكم سكر وعندكم ملح أم عندكم بصل؟
والأسئلة كثيرة ولكن فهمكم تقيل!!
لكن أهم سؤال عليكم التفكير في الإجابة عنه:
هل سيقاتل معكم الجندي الإسرائيلي على الحدود بين الشمال والجنوب؟ وهل تفرط إسرائيل في شاليط آخر عشان خاطر عيونكم؟
ما أظن؟
لكن إنتو ما عارفننا ونحن عارفنكم.
خمسون عاماً كنا نقاتل تمردكم وفي نفس الوقت كنا ننقل لكل الجنوب احتياجاته من الطعام والشراب والكساء جواً ونهراً وبراً ولم تحدث مجاعة في الجنوب على امتداد ذلك الزمن والذين يستجيرون بنا نجيرهم.. وخطوط الإمداد كانت بطول أكثر من ألف وخمسمائة كيلو متر من ميناء كوستي والأبيض والدمازين وهي أماكن مستودعات احتياجات الجنوب.
كانت القوات المسلحة تقاتل وتوفر احتياجات الحياة لكل أبناء الجنوب ولم تهزم، شايف لم تهزم مش دي حكاية عجيبة؟!
اليوم أصبحت القوات المسلحة على الحدود بين الشمال والجنوب وطول الحدود ألفي كيلو وزمان كانت مسؤولة عن الحدود على امتداد خمسة آلاف كيلو من وادي صالح مروراً بجزء من شاد وإفريقيا الوسطى والكنغو ويوغندا وكينيا وجزء كبير من الحدود مع إثيوبيا.. وخطوط امدادها آلاف الكيلو مترات والنقل النهري يحمل احتياجاتها كل 6 أشهر فقط ولم تُهزم؟! واليوم خط امداد القوات المسلحة في ظهرها واحتياجاتها في متناول يدها وخلفها مباشرة وهي مرابطة على الحدود كادقلي وكوستي والدمازين والضعين ونيالا. وشرايين حياة الجنوب وأوردة صادراتها تحت سيطرة القادة في الميدان متى ما جاءت الإشارة قطعوها والجنوب معظمه يصبح جعان، فكيف تحكمون؟؟
أخي القارئ الكريم من لم يعرف قسوة الحرب ويعيش آلامها وأحزانها لا يعرف قيمة السلام.
كنا نعتقد أن أبناء الجنوب بجميع قبائلهم وفصائلهم عاشوا سني الحرب الطويلة ويبحثون عن السلام والاستقرار ولكن أظنهم أصبحوا هواة قتال وحرب، فأصبح الجنوب ساحات قتال بين قبائله، وقادة الجنوب وجيشهم يقومون بالاعتداء على الشمال ويبحثون عن أعداء الشمال لنصرتهم وينسون أنهم دولة وليدة تحتاج للسلام والاستقرار والأمن لتنمو وتنهض كسائر الأمم.
إنهم يسيرون في طريق لن ينجيهم ويبحثون عن علاقات لن تفيدهم ويصادقون دولاً لم يُعرف عنها إلا تسخير الآخرين لتحقيق أهدافها.
على أبناء الجنوب أن يبحثوا عن مواقع مصالحهم فلا مصلحة لهم في إسرائيل.
حكاية ما سوف يجري

{ لما كان سلفا كير يُلقي نظرة على جثمان أطور في قاعدة بلفام نهار أمس الأول كان خليل إبراهيم يعبر «أم زرنيخ» متجهاً إلى الجنوب.
{ ولما كان والي شمال كردفان يعقد اجتماعاً لمتابعة الأوضاع وأمامه تقرير عن إلقاء سلفا كير نظرة على جثمان أطور.. الوالي لم يكن يعلم أنه سوف يُلقي نظرة على جثمان خليل إبراهيم بعد ست ساعات.
{ وأحد الجنود في أم جرهان كان يحمل رشاشه والذخيرة دون أن يخطر له أن رصاصته هذه مكتوب على بعضها اسم خليل إبراهيم.
{ وزحام أحداث الأسبوع الماضي كان من الشدة بحيث إن حسابات الأرض تعجز عن التفسير.
{ وترفع عيونها إلى حسابات السماء.
{ وأشياء كثيرة تتحول بعنف.
{ وما يجعل الأسبوع الماضي شخصية بارزة أنه الأسبوع الذي يتحول فيه كل شيء إلى العلن.. والتحدي.
{ ويوم مقتل أطور الذي تُتهم الخرطوم بدعمه كان الاتهام هذا يجعل بعض المثقفين في الخرطوم يتساءل بسخط عن:
ـ الخرطوم تنكر كل صلة بأطور عدو سلفا.. لماذا؟
{ قال السخط:
ـ سلفا كير مباح له يقتل كل معارضيه.. وما بين يونيو واليوم يقتل ستة من المعارضين ويسجن آخرين دون أن يصرخ أحد.. وحلال له.
ـ وبالحل ذاته لماذا لا تقوم الخرطوم بتقليد مدرسة سلفا في التعامل مع عرمان والحلو وعقار؟
ـ والفزع الذي يجعلك تجفل للفكرة هذه يصبح شاهداً على ما نظل نحدث عنه من «صياغة عقلك بحيث يقبل ما يريده عدوك فقط».
{ لكن عالم الظنون والمقترحات يتقاعد.
{ وخروج الخطوة القادمة بوجه سافر كان شيئاً يطلقه سلفا كير لحظة هبوطه مطار اللد.
{ وسلفا كير وهو يحدث بيريز عن الشبكة التي ينسجها لابتلاع السودان كان/ يقيناً/ يحدث الرجل عن خليل.
{ وفي اللحظات ذاتها كانت عربات خليل المقاتلة تجوس منطقة ودبندة متجهة إلى الجنوب.
{ وقوات الحركة الشعبية وتجمع كاودا تتحرك من بحر الغزال للقاء الآخرين.
{ «القوات هذه بعد مقتل خليل تتجه الآن /مترددة/ إلى منطقة جنوب كردفان».
{ وخليل كان ما يقتله هو أنه يجمع كل شيء في يده من جهة.. وأنه يصبح مشكلة لكل جهة من جهة.
{ وتجمع كاودا الذي يجمع «مني» و«عبد الواحد» وكلهم يحمل أطناناً من الكراهية للآخر.
{ والتجمع الذي يجمع خليل والآخرين من الجنوب والنوبة وغيرهم وكلهم يحمل الكراهية للآخر.
{ التجمع المتآمر هذا المتنافر بعنف كان لا بد من جمعه تحت قائد متفق عليه.
{ لكن خليل لا يتخلى عن القيادة ولا هو متفق عليه.
{ والشيوعي يصبح هو الجهة الأعظم لتقديم الحل.
{ وطريف وغريب أن ذهاب خليل ـ كان شيئاً يقدم خدمة لكل الأطراف بما فيهم المؤتمر الوطني .
{ والشيوعي ينشط
{ ونقص حكاية خليل
{ لكن المشهد الأول والأخير لخليل إبراهيم كان ينطلق من «أم جرهان» والرجل هناك يفاجأ بأن الطيران السوداني يدوي فوقه.
{ والمفاجأة التي تجعل خليل ينظر إلى السماء كانت لا تحتمل إلا تفسيراً واحداً وهو.
: إن أحدهم كان يحمل ثريا..؟!
{ وخليل الحريص كان لا يسمح لأحد أن يحمل الجهاز هذا.
{ وأهل أم جرهان ليس فيهم من يستخدم في قطيته الجهاز هذا.
{ مما يعني أن أحد رجال خليل كان يهمس للفاشر.
{ وخليل يشعل الحرائق في القش قبيل المغيب ثم يتسلل تحت الدخان.
{ لكن مجموعة كانت تنتظره
{ وبعد الاشتباك كان هو وآخر يسمى كاربينو وثالث من أشهر قادته يسمى أبوبكر كلهم يلتوي جثمانه بين العربات المحطمة.
{ والنبأ يقيناً يبلغ جوبا وتل أبيب
{ لكن الأمر ما يقوده الآن في الخرطوم وكردفان وجهات أخرى كثيرة ليس هو الأطراف الثلاثة هذه.
{ عشرات الجهات تقود ما يجري وما سوف يجري.
{ وليس خليل وحده هو الذي يلتوي جثمانه بين العربات المحترقة.
{ الخرطوم لعلها تحول حديث المثقفين ومقترحاتهم الغريبة إلى التعليمات المستديمة.
{ ونحدث.. فكل شيء الآن يمرق في الصقيعة
{ والوطني لم يكن يعلم أنه سوف يقدم هدية الكريسماس لسلفا كير
{ لكن حسابات أخرى كانت تعلن
{ وكتاب جديد يبدأ
{ نقرأه فما سقط بين العربات كان هو نصف المؤامرة .. كل المؤامرة.

إلــى «مــاجـدة» المعـاشـيـة

الأستاذ علي يسن،
لك التحية
مشهد:
حافلة الركاب تتوقف لسبب ما عند منعطف الطريق، وعلى جانب حائط المبنى «السيراميكي» يدبّ شيخ رمى وراءه سبعين سنة، قصّرت خطاه، زلّت قدمه وهو يهبط درجاً. هوى على الأسفلت حزمة قصب تبعثرت! أوراق صفراء تطايرت كسنوات عمره، همد الرجل مستلقياً على قفاه.
ما أعظمنا وجذوة الإنسان «الإنسان» ما زالت بقية منها فينا. والله، هوى إليه ركاب الحافلة قبل المارة من عابري الطريق، تقاسموا الأدوار فيه نفيرًا، هؤلاء، جمعوا عظام هيكله واقفاً، وأولئك يحصدون نثار أوراقه المبعثرة ، وامرأة نعم «امرأة» تنفض ما علق برثِّ ثيابه من غبار! وجميعهم ما استطاعوا تهدئة ثورة رعشته. هذا حدث!
الرجل كانت وجهته «صندوق المعاشات» ببصر لا يتعدى أرنبة أنفه، حشروه معهم في الحافلة وعند باب «الماجدة»، «تكلوه».
ولكِ أيّتها الماجدة، وأنتِ على تل ركام عظام هذ الشيخ وقبيلته «والية»، نقول:
من قبل ـ ولعقدين خليا ـ كان تعريفك الوظيفي «راعية اجتماعية»، أحصيتِيهم عدداً، هماً،غماً، ضعفاً، فقراً، ومرضاً. آسيتِ ما استطعتِ، وشهدوا لك أنك كنت «كمصباح الطريق تبكين حالهم ولا أحد يرى عبراتك».
اليوم وقد صرت فينا «يوسفاً» على خزائن الصندوق، كفكفي دموعك، واحشدي ألوف شعبك المعاشي، قفي أعلى صرحك ـ «كليوبترا» ـ مخاطبة، بلسان الصدق، فقط تذكري، فبين الحشد «الخليل وود الرضي والعبّادي والمسّاح وفيهم عتيق»!!! والكل يعطِّر وجدانه عبق من ورد «نزار» شيطان شعرهم لسانه الصمت «فالصمت في حرم الجمال جمال».
قولي لهم: لا أملك لكم بصل مصر ولا قِثَّاءها، دعكم من منّها وسلواها.
قولي لهم: قلمي الأخضر لا يخطُّ صفراً أمام أصفار معاشاتكم، فذاك قلم حصري لدى «وزير» و«وزيرة».
أسكتي عن الكلام مشكورة مأجورة فنحن «به» و«بها» أولى.
سيدي الوزير، نشاطرك الإشفاق على جيش وزرائك، فأنت بفقرهم ونكد عيشهم قد بليت، كيف لا، فالمساكين مرتباتهم الأساسية لا تتعدى أحد عشر «ألفاً» بلغتكم، «مليوناً» بفهمنا. ونراك في شغل شاغل تعدد مسارب المخصصات علها تقرب شقة رواتبهم مقارنة بمديري المؤسسات المليارية، نحن ـ المعاشيين ـ نشد أزرك ونكفيك همَّ تمويل المخصصات!!! خذ مئات جنيهات رواتبنا صدقة لوزرائنا الأماجد، وأرحنا من وقوع الأسفلت بحثاً عنها. فالقادم للحياة أولى من مغادرها!!
سيدي أو سيدتي الوزيرة: نراك تسهرين الليل وأنت تتحسسين الأسر الفقيرة بمشاريع محاربة الفقر، تلهثين بحثاً عن التمويل! كيف لا وديوان الزكاة وحليفه التمويل الصغير والأصغر بل والمتناهي، فارسا حوبة حربكم، لا يتركان لك لحظة فكاك من مؤتمرات وورش أعمال وندوات إعلامية، بروقاً ورعودًا خُلّبا! لك العذر منا.
سيدتي المديرة ماجدة: ليس بيدك فعل ما هو ليس من اختصاصك فذاك سؤاله «له ولها» ولكن الذي بيدك وأحسب أن الله هنا سيسألك عنه هو: أن توقفي وبجرة قلم أحمر اليوم ذلك الرجس والربا «وألف مرة ربا» استخفافاً بالعقول وضحكاً على شيب السذّج، والمسمى زوراً بـ «إدارة استثمار المعاشيين» وهو تحت قلمك، سدي باباً أذن حربه وأبدلي سوءته حسنة بـ «القرض الحسن» تلقين بها الله يوم لا تنفع وظيفة ولا ترقية.
ثم أوقفي خصم أي مليم من راتب المعاشي لمتاجر مبتز بالأقساط حتى ولو كان المذكور «اتحاد المعاشيين» إلا سلفية مباشرة من الإدارة. كفى غشاً، وتسويق ما بار في الأسواق من « ملاءات» أو حتى حواسيب.
ثم، وسنة حسنة سنّها سلفك، سميها «أربعاء سعد النعمان» يفتح فيه باب السلطان بلا حاجب من «هدف» ولا سكرتيرة ولا مدير مكتب، متاريس تزول وأشعث الهم والغم والمدير معاً يجمعهما المكتب المخملي، وحوائج تقضى في كتمان وستر. أبقي عليها، ففيها تعود دموعك السالفة يوما «يغاث فيه الناس ويعصرون»!!
وحتى لا نأسى وأغني:
«إنني من كل تاريخي خجول
هذي بلاد يقتلون بها الخيول »..
محمد الفاتح 0113355886