إضافة جديدة لآثار شعبنا..
مصطفى أبو العزائم

مثل جبل البركل و إهرامات البجراوية.. مثل ذكرى بطولات كرري رجوعاً إلى حريق المك في قلب الدخيل.. مثل غناء مهيرة، وبطولات ترهاقا وبعانخي، مثل الزعيم الراحل إسماعيل الأزهري، ومثل الإمام المهدي، أصبح الأستاذ الفنان الموسيقار والدكتور محمد عثمان حسن وردي، رمزاً وطنياً وذكرى تفخر بها الأجيال، بعد أن وُسِّد الثرى في مقابر فاروق بالخرطوم.
شهدتُ وأنا طفل لم أبلغ الحلم بعد، شهدتُ تشييع الزعيم إسماعيل الأزهري في مقابر البكري بأم درمان، والتي لم تكن بعيدة عن منزلنا في شارع كرري، وقد انشغل وقتها الكبار عنا بالحدث الجلل، رغم بطش النظام المايوي (الجديد) الذي كان يهدد (بضرب) كل من تسول له نفسه الإخلال بالأمن (بيد من حديد).. وما كنت أتصور أنني سأرى مشهداً مثل ذلك المشهد المهيب أو قريباً منه حتى، وقد كانت الشوارع محاطة برجال الشرطة والجيش، وعدد من الطائرات تحلق فوق رؤوس المشيعين، وقد وقف مولانا السيد محمد عثمان الميرغني متحدثاً بعد مواراة الجثمان الطاهر الثرى، ليخرج هو نفسه زعيماً جباراً مهاب الكلمة مرهوب الجانب له وزن يكافيء الاسم الكبير الذي يحمله.
شهدتُ تشييع الزعيم الأزهري - رحمه الله - وما حسبت أنني سأشهد يوماً تشييعاً يحتشد فيه عشرات الآلاف، لكن ذلك حدث بالأمس مع انتقال مسرح الحدث (الأليم) من مقابر البكري في أم درمان إلى مقابر فاروق بالخرطوم، حيث يمكنك أن تلتقي بكل شخص تعرفه مثلما يمكنك ألا تلتقي بأي ممن تعرف.
غاب موسيقار الأجيال عن دنيانا، لكنه باقٍ داخل وجدان شعبه وأمته، وباقٍ في آثاره الفنية الخالدة، مثلما غاب قبله عدد من الرموز وبقيت أعمالهم. ومن مصادفات القدر أن يوم رحيله صادف الذكرى الثلاثين لرحيل رفيق دربه الشاعر المرهف إسماعيل حسن (ود حد الزين)، والذكرى الثالثة لرحيل الروائي السوداني العالمي الأستاذ الطيب صالح، والذكرى الخامسة لوفاة أمير الحقيبة وكروانها المغرد بادي محمد الطيب، رحمهم الله جميعاً.
التقيت بالراحل كثيراً ومنذ أن سرت أغنياته في أثير أم درمان، ومنذ أن تفتحت أعيننا على الدنيا، أحببت ذلك الغناء الجيد، وأصبحت من معجبي فنه، أجريت معه حواراً تلفزيونياً غنى فيه الأغنيات الوطنية الصعبة، وامتد اللقاء إلى ما بعد منتصف الليل ونحن إلى جوار جسم سد مروي العملاق، ومعنا الدكتور عبد الطيف الحميد والأستاذ أسامة عبد الله والفرقة الموسيقية.. ثم استضافتنا - معاً - داخل منزله في العمورة ابنتنا الإذاعية الموهوبة شادية عطا المنان في برنامج بثته الإذاعة الرياضية على حلقات تحت عنوان (النيل والقمر)، وسألته الأستاذة شادية عن أمر ظل الكثيرون يسألونه عنه، وهو الغناء للأنظمة خاصة تلك التي تجيء في أعقاب المارشات العسكرية بدءاً من انقلاب (17) نوفمبر وانتهاء بانقلاب (25) مايو 1969م.. انفعل الفنان وردي، فهذا السؤال كان كثيراً ما يستفزه، ويسعى خصومه إلى إثارته ومحاولة ربطه بالأنظمة الديكتاتورية.. طلبت منه إلا يرد وقلت لمقدمة البرنامج دعيني أرد بالنيابة عنه.. وقد كانت إجابتي تتمثل في أن الفنان محمد وردي، رجل منحاز للشعب تبهره الشعارات البراقة التي تتبناها تلك الأنظمة في بداياتها، فينفعل بها انفعال الفنان.. ويغني، لكن الأنظمة تنكص عن كل شعار ترفعه، ولا يسكت وردي، بل ينقلب عليها، لذلك نجده الفنان الأكثر تعرضاً لحرب الأنظمة ومضايقتها.
تنفس الراحل وردي الصعداء، وتهللت أساريره، وتبنى تلك الإجابة منذ ذلك الوقت.. بل بعد أن قالها عدة مرات رداً على الأسئلة الاستفزازية.. لم يحاول أحد أن يطرح عليه ذلك السؤال مرة أخرى.
اللهم ارحم عبدك وابن عبدك وابن أمتك محمد عثمان حسن وردي، ونسألك اللهم أن تتقبله القبول الحسن وأن تغفر له ذنبه وأن ترحمه رحمة واسعة، وأن تقيه عذاب القبر وعذاب النار وأن تدخله جنتك مع الصديقين والنبيين وحسن أولئك رفيقاً.. و«إنا لله وإنا إليه راجعون».
وردي و المشروع
عبد العظيم صالح

هل هناك من جديد تضيفه الكتابة عن وردي!!؟ لا أعتقد .. فقد كان كتاباً مفتوحاً لكل جماهير الشعب!!.. أكرر الشعب «ولا نقول المتلقين».. فالإطار الدلالي ليس بين «مطرب وجماهير».. إنه إطار بين قائد وشعب!!
تحت هذا المعنى كانت عبارات عبد الوهاب محمد عثمان وردي واضحة أمس أمام قبر وردي بمقابر فاروق بالخرطوم أمس.
قال للجموع التي رفضت مغادرة المكان ولسان الحال يقول «وسط الدائرة أجمل مشاعر نايرة».. قال عبد الوهاب وردي سيكون العزاء بمنزل الشعب السوداني.. منزل وردي بحي المعمورة!!. في هذه اللحظة لا يمكن «فصل» الملكية.
الزحام و التدافع في استمرار و زيادة .. ظللت مرابطاً بإرادة الصحفي لأعرف متى سيخف الزحام.. مضت دقائق.. ربع ساعة.. نصف ساعة.. «زهجت» وغادرت!!.. ثلاث نسوة كنّ ينتحبن.. يقفن أمام القبر والفارق بينهن ثلاثة أجيال!!.. قالت التي في الوسط: المرض ما بقتل اليوم هو اليوم!!.. في رحلته الأخيرة لصواردة أصر على الذهاب رغم المحاذير واعتلال الصحة!!.. هل كان يحس بدنو الأجل عندما أصر على الذهاب لأرض الميلاد والموعد الأول لبشارة مشروعه الثقافي!!؟
أمس شعرت بالفخر بوردي وبسودانيتي.. فهل هناك أجمل من «رجع الصدى» وأنت ترى كل هذا التدافع النبيل نحو الجثمان ولسان الحال يقول بشوف في شخصك أحلامي!!.. ومن الطرف الآخر يتردد صدى يقول «فهل أيامي تنساها وتسلاها.. إذا ما غبت عن عينيك.. هويتك صرت ولهانك وعشقت الدنيا دي علشانك.. كتير جددت ذكراها.. كتير غنيت من شوقي إليك»!!
الشعور بـ«الزهو» أمر غريب وسط الدموع والمآقي المتورمة!!.. نعم هناك «ألف فرصة » لجمع كل هذا الشتات السوداني المشتت.. في بوتقة واحدة كمثل البوتقة التي تجسدت أمس عقب رحيل وردي!!.. إنه ليس مجرد مطرب.. بل صاحب مشروع وطن يستلهم روح الجمال والمحبة والتوازن والخير.. وهي مفردات تسري في أوصال «هذا» الإنسان الذي يسكن «هذه» الأرض!!
في لحظة تحولت الساحة «لهايد بارك» لم يكن مألوفاً في مثل هذه الأماكن .. حواء الطقطاقة قالت «كلمات جديدة»!!.. وتحدث آخر عن الوطنية في أغانيه.. وقدم كثيرون إفادات لم تكن جديدة!!.. الجديد «تجديد» المشاعر و الأحاسيس و القناعات لهذه العبقرية ألم نقل إنه ظل كتاباً مفتوحاً وصاحب مشروع .. حاول من خلاله إعطاء دور« من نوع خاص» للكلمة واللحن والفنان.. حمله ردحاً من الزمن مضى به .. اختلف الناس حوله أو اتفقوا .. المهم نال صاحبه «نبل الفكرة» و«نقاؤها » وهذا ما أكدته له جموع الشعب السوداني عند رحيله وأعطته شهادة الوطنية الحقة وودعته بدعاء التوحيد «لا إله إلا الله».. وختامه مسك.
غياب عن الميعاد!!
يوسف عبد المنان

غسلت الخرطوم أحزانها ومواجعها وفواجعها بالدموع والأحزان وليل طويل هبت عواصفه الشتائية منذ النهار.. واتكأت الخرطوم على وسادات الأمل وعيونها في الدمعات وحيلة لتودع الهرم والإنسان والمعلم والفنان الأول بعد معاناة مع المرض.. فانطفأت الشمعة التي أضاءت سماء بلادنا عام 1957.. حيث ميلاد وردي الفنان بعد ميلاد وردي الإنسان بنحو 25 عاماً من الزمان..
من غير ميعاد قال وردي إنه سيرحل لبلاد أخرى إلى جوار إسماعيل حسن.. وغرب حارة عمر الدوش.. وجنوب صاحبه الذي باع العمر كله وباقي العمر عليه دين.. وإلى شمال عثمان حسين.
وفي رحيل وردي وغيابه بدون ميعاد وهو يبحث عن التاريخ وعن الظل الوقف ما زاد.. وبهمسة جروف النيل مع الموجة الصباحية.. وفي أكتوبر الأخضر يهمس وردي لعشاقه دي الإرادة وهو عاجز في صمته عن مجابهة المستحيل.. ومستلقٍ على ذراعه وأياديه فشلت في (مطاوعة) الليالي والدموع النازلة من أهل الطرب والفن والغلابة والصبابا في الحارات الحزينة.. وفي الأعياد وقد توقف الظل بالأمس وما زاد..
غنى وردي قبل أيام في رأس السنة ولوح بمناديل معطرة برائحة تراب الوطن.. في الليلة الأخيرة التي غنى فيها وردي تسلل قيادات الدولة والمجتمع.. دبلوماسيون وضباط في القوات النظامية.. أخفوا اللحي بالعمامات البيضاء.. ووزراء (تنكروا) في ملابس مزركشة ونظارات سوداء من أجل الإصغاء لغناء نظيف عفيف شريف يدغدغ الأحاسيس النبيلة ويغسل القلوب من الكدر والحزن وينقي القلوب مما علق بها من (أدران) وأحزان وعلل..
صمت في ليلة السبت مزمار محمدية عن اللحن الشجي.. وجفت ينابيع الحنان في أشعار إسحق ود (الحلنقة).. وماتت حروف اللقيا عند ود المكي وقطار غرب السودان.. ألف وردي بين شعراء الشرق والغرب وموسيقى الوسط والجنوب.. وأسس لحزب العاشقين ببطاقات مجانية لوطن محنك عميق الدروس.. مجيد المهابة.. مديد القوام.
(اتفقنا) والصادق الرزيقي والسفير إدريس محمد علي وضباط الجيش (....) والقاضي (....) والتاجر ورجل الأعمال آدم عبد الرحمن على قضاء ليلة رأس السنة في خيمة وردي.. والصادق الرزيقي (بحسه) إن شاء الله ما آخر غنا.. لكن طفلتي مودة أصدرت حكمها لصالح مطرب مغمور جداً لا أذكر اسمه حتى اللحظة.. ولكنه مشهور عند جيل مودة.. وحينما أصبح الصبح هاتفني الأصدقاء (غنى وردي لعصافير الخريف وغنى لكجراي ولمحجوب شريف وكأنه لم يغنِ من قبل).
وفي انتظار وردي.. أن يغني مرة أخرى ناح الأحباء و(المريدون) وأعضاء حزب الطرب الجميل برحيل الهرم وفنان أفريقيا الذي يتأبط فتى (الأمبررو) في الغابات (الراديو) للإصغاء لوردي.. و(أمبررو) حالة استثنائية.. إنهم قوم بلا جنسية أو وطن.. ولوردي يذوب قلب حامل السلاح في الغابات.. والنهاب في العماري.. وعامل البناء في مارنجان الكمبو.. وتقف لوردي في مهابة وخضوع حسناوات بورتسودان.. وشايقيات القدير.. و(أعاجم) صواردة.. وبقارة تلودي.. وزغاوة أميرو.. وللجعليين نصيب من النهر الإبداعي الذي لا ينضب.. والطبعة الفنية الأخيرة التي نفدت الآن من الأسواق وتركت دموعنا (هوامى) كالمزن في الهملان!!
أسفاي.. رحل المعلِّم وانهارت رافعة الفن الجميل!
طه النعمان

كانت ليلة كئيبة نشر عليها الحزن النبيل أجنحته.. وكان صباحاً أغبر تقاطرت فيه الجموع إلى حيث المرقد الأخير في مقابر فاروق.. كانت سحابات الدموع تعبئ العيون فتحجب الرؤية إلا قليلاً، ثم تنهمر تُبلل العبرات المختنقة، كل يعزي نفسه ويعزي من هم حوله، تساوى الناس في الإحساس بالمصيبة «مصيبة الموت» -كما وصفها الرحمن- التي حلّت بهم جميعاً بواحد من أعز ما يملكون وما يدخرون.. دُخري زمانهم محمد وردي.
لم يكن وردي واحداً من المغنين، بل كان هو الغناء يمشي على قدمين، كان رافعة الفن الجميل والأناشيد السماويات التي عبأت أفق الوطن، وعلمت الشعب عشق الوطن ومعنى التضحية والشهادة والاعتزاز بأرضه وتاريخه المجيد في مقاومة الاستعمار. غنى للحرية والاستقلال، غنى لأكتوبر وأبريل، وغنى للأسود الضارية في كرري، مثلما غنى لنور العين ولعصافير الخريف ولأحلام الشباب وللفرح الراقص «فرحي خلق الله واتني»، وللطير المهاجر في أصقاع الدنيا المحلق فوق نيل بلاده يهدي السلام للوطن وللحبيبة «البتشتغل منديل حرير لحبيب بعيد».
غنى وردي لكل الشعراء العظام في وطنه، شعراء الحب والعاطفة الدفاقة وشعراء الكفاح الوطني وا لثورة المدافعين عن حق الشعب في الحرية والتقدم والكرامة والعدالة، غنى للفقير «المرمي تحت الشمس»، ولعلي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ.. غنى لصلاح أحمد إبراهيم ومحمد المكي إبراهيم ومحجوب شريف ولعمر الطيب الدوش وعلي عبد القيوم ومبارك بشير وكجراي، مثلما غنى لإسماعيل حسن وإسحق الحلنقي ومحمد علي أبوقطاطي، وغنى شعره الذي كان يكتبه باللغة النوبية «لغة المحس»، وكان في كل ذلك قمة لا تدانيها القمم، و عطاء غير مقطوع ولا ممنوع، يصدر عن روح مترعة بالمواهب والإبداع غنية بالتنوع، وبصوت شجي متفرد يصعد بك إلى عوالم الفرح والحماسة الطاغية، ويهبط بك إلى عوالم الحزن والجزع والبكائيات الموجعة.
كان محمد وردي الإنسان رجلاً نسيج وحده، شكلاً ومضموناً، كان مديد القامة متمدد الأطراف، ذا أصابع طويلة كأنما خلقها الله للضرب على الأوتار والآلات الموسيقية، وذا أذنين عريضتين ربما أراد الله أن يجعلهما أشبه بسماعتين كبيرتين «للساوند سيستم» تلتقطان حفيف الريح بين العشب والأشجار وزقزقة العصافير وهدير الرعود ليصبغه ويمزجه ويصنع من ذلك كله موسيقى تطرب السامعين وتخترق وجدانهم بلا مقومات.. إنه الفنان في أبدع صوره، أو هو صورة الفنان في أبهى وأرقى أحوال تشكلها.
عرفت محمد وردي، كما عرفه كثيرون غيري من معاصريه ومجايليه، فهو كان كما «ليلى» كل يدعي وصلاً بها، وكان قلبه الكبير وروحه المرحة يمنحان مساحة كافية لكل محب أو معجب أو طالب وصل، وكنا ثلاثة على علاقة وثيقة به، يمنحنا من وقته العزيز قدراً لا بأس به من الاهتمام، وكنا ثلاثتنا صحافيين نعمل في مؤسسة واحدة هي وكالة السودان للأنباء أوائل سبعينات القرن الماضي، الراحل محمود محمد مدني وصديق محيسي رد الله غربته وشخصي. كنا نستمتع بموانسته ولا نطلب منه الغناء، فأنس محمد وردي ليس أقل روعة من غنائه، فهو ذو صوت نحاسي مجلجل في الحديث، ومخارج ذات وقع نوبي على فصاحتها، وكانت الطرفة والنكتة والسخرية على طرف لسانه.. كان مزيجاً من الحدة والانفعال والتهور والرقة والإلفه واستيعاب الآخر في الوقت ذاته، فتحتار وأنت تخالطه وتعامله وتحاوره إلى أي الضفتين تركن أو ترسو مراكبك، الغضب أم الرضاء، حتى يعمك دفق حبه وكرم خصاله فيغسل ما علق بنفسك وتعود المياه إلى مجاريها.. حينها تتذكر أنه «الفنان».. وهكذا خلقه الله - نسيج وحده- فتلتمس له العذر.
هذا التفرد، الذي طبع شخصية محمد وردي، عاد على أهل الفن ومسيرة الفن في بلادنا بفائدة عظيمة، فلوردي يعود الفضل في الارتقاء بمكانة الفنان في عيون جمهور المتلقين والمستمعين السودانيين، كان الفنان قبل محمد وردي، وقد سبقه فنانون عظام، لا يحظى بالتقدير الواجب والمعاملة التي تؤكد هذا التقدير، خصوصاً في ما يتصل بحقوق الفنان، وكان محمد من أوائل، إن لم يكن الأول، الذي واجه مثل هذه المعاملة التي لا تليق بقدر الفنان بشجاعة وصرامة جلبت عليه بعض السخط ممن لا يقدرون الفنان حق قدره، ذلك لأنه كان يشترط على أصحاب الحفلات والمناسبات الخاصة دفع ما عليهم من التزامات مالية تجاه الفنان مقدماً إن لم يكن يعرفهم ويثق في التزامهم، وكان كثيرون غيره من زملائه يتساهلون في مثل هذه الالتزامات ويتركونها لتقدير أصحاب الحفل أو المناسبة، وقد ينتهي الأمر إلى إهدار حقوقهم و «مرمطتهم» وضياع هيبتهم، وهذا ما لم يكن يرضاه «المعلم» وردي. فهو يرى في «الفن» عملاً يستحق التقدير المادي، لما بذل فيه من وقت وجهد ومعاناة حتى صار لحناً وغناء يطرب السامعين، وعلى من يستمتع بهذا«المُنتج» المكلف التكفل بدفع الثمن. وعندما يصبح هذا العائد- عائد فنه وجهده بين يديه- تجد ذات الرجل، الذي كان يصر على انتزاع حقه، جواداً كريماً متلافاً للمال يبدده في لحظات على الأصحاب والأقارب، فتصيبك الدهشة ويأخذ بك العجب أي مأخذ!
وردي الآن بين يدي مليك مقتدر، ونسأل الله الذي وسعت رحمته كل شيء أن يلطف به وينزله مكاناً علياً في جنان الخلد بأكثر مما قدم لشعبه ولشعوب القارة، وأن يجعل كل زخة طرب ولحظة فرح نالها مستمعوه ومحبوه برداً وسلاماً على روحه وتميمة غفران على جيده ودعوة عتق من النار.. آمين
وردي.. وداعاً يا أغلى الرجال..
مؤمن الغالى

يا حبيب الشعب.. هل أبكي أم أغني.. والشجن أكبر مني.. والأسى أعمق من صوتي ولحني.. كيف أبكي وأغني.. سأغني.. سأغني.. سأغني.. أغني رغم أن الكلمات مالحة في فمي.. حزين حد النواح والفجيعة.. وأنا أكتب بالدموع وداعاً حزيناً دامعاً لك يا أغلى الرجال.. يا مصباحاً انطفأ وكان ينير دياجير المسالك والمعابر والدروب.. يا قوساً انكسر وكان يبعث في أرواحنا النشوة والمتعة والدهشة.. يا حنجرة كم صدحت للوطن.. ثم للشعب.. ثم للأحبة رابحين وخاسرين..
سأغني.. لأن الموت.. لم يأخذ معه.. شجى الألحان.. وفاتن الغناء وبهيج النشيد.. ولكن ماذا أقول.. هل أكتب مثل حروفنا لكل الذين يغادروننا خلسة.. أو بعد وداع.. أو في مر فراق.. لأقول كنت فناناً صاخباً.. صادحاً صامداً.. صافياً كما فضة على الجدول يترقرق.. هل أقول كنت فارساً ومبدعاً.. ورصيناً.. وبديعاً.. أرفض فهذه بعض نوافلك يا وردي.. فقد كنت السهل والجبل.. كنت الولاء والوفاء.. كنت الأرض والعرض.. كنت الشمس والحقول والأطفال والمطر.. كنت الرائد والحادي.. كنت الهتاف الهادر الراعد.. كنت الهمس المنساب الصاخب..
وما أفقر الكلمات يا وردي.. وما أقل الحروف وهي تجهد نقاطها وأشكالها لترسم نذراً يسيراً من فيوض إبداعك وأمطار إعجازك.. وبحار إمتاعك.. كيف نستطيع أن نسطر ما سطرته أناملك الموهوبة.. وألحانك الشجية.. وحضورك الباهي الوسيم.. وقلبك الذي يمتليء ويفيض ويتدفق بحب وطن.. وشعب.. ظللت على الدوام تهبه من روحك العبقرية.. وهل نقف في محطة عرس السودان وفدى لعيني طفلة غازلت حديقة في الخيال.. أم نزور محطة هيام النهر.. ذاك الذي يستلهم حسناً.. أم صوتك المجلجل في فضاء الكون.. نحن في الشدة بأس يتجلى.. أم نستريح تحت ظلال شجرتك الوارفة وأنت ترسم للوطن الطريق.. ولنا تغزل من صفق الورود.. تعريشة الأمل.. وكيف هي أشواقك وأشواقنا شاهقة لوطن عاتي.. وطن خيّر ديمقراطي.. وبالله عليك يا وردي.. هل كانت أماني ريانة.. وأحلاماً بطول وعرض الوطن أكثر من تلك الأحلام والتي حتماً وصدقاً وحقاً وقسماً ستتحقق..
ومكان السجن مستشفى.. مكان الأسرى وردية.. مكان الحسرة أغنية.. ومكان الطلقة عصفورة تحلق فوق نافورة.. تمازح شفّع الروضة..
من أي جهة أخوض في محيط إبداعك.. أيها البهي الفخيم.. وهل احترامك لذاتك.. أم احترامك لفنك.. وأنت تنقل الفنان.. إلى لسان عالي التهذيب.. سامي المكان.. سامق الوفاء للوطن.. للشعب.. للأحبة.. لا لم تنقل الفنان فحسب.. بل نقلت حتى الفن ليتربع على قمة هرم الإنسان والأوطان.. وهل أقف عند مشرع ذاك الدلال.. بل «الدلع» الذي وهبته لنا.. وأنت تساهر الليالي.. وتنفق من عصبك وروحك.. وسهرك.. وعرقك.. لتقدم لنا روائع الأغاني وحلو الأطباق.. وهل ننسى أنك أبدعت في صياغة رائعة الدوش ألحاناً «الود».. ثم إمعاناً في تدليل جمهورك.. حملتها إلى القاهرة.. ليعيد توزيعها اندريه رايدر.. لتليق بشعب أحببته.. وقاسيت مرارة السجون.. وضيق الزنازين.. فداءً له.. وتكريماً له..
هل أتحدث عن ذلك.. أم غنائك السعيد.. للرابحين حبهم.. وأنت تزفهم إلى أكواخ السعادة.. تجتاز بهم المسالك الوعرة.. تعبر بهم الدروب الصعبة حتى يرسو زورق أحلامهم على الضفاف العشبية المزهرة.. ثم تهبهم أنشودة الفرح.. قالوا بتحبو قلت ليهم مالو.. إيدي على إيدو الهنا مشينالو وهل أتحدث عنك منديلاً رطيباً يجفف دموع الخاسرين عشقهم.. تسامرهم وهم يسامرون النجوم.. بل يساررون النجم في الظلم.. تهدهدهم يا وردي.. حتى تغمض عيونهم من رهق السهر.. ونسيت ضوء القمر في أجمل ليالي.. وشعاع النجوم يبهر كاللآليء..
أقول هذا.. أم أذهب إلى حدائق المناجاة الحالمة.. وخرير الجداول.. وإبهار ضياء القمر.. وحفيف صفق الشجر وعطر الورود.. ويا بدوري في الظلام والظلام يحجب لي دربك..
يا لروعتك وأنت حتى عندما تفزعنا.. نحسب أن الضوء قد انسحب من الكون.. عندما تشدو.. خوفي منك خوفي تنساني وتنساها الليالي.
أيها الحبيب.. لن أقول وداعاً.. أنت مركوز في آخر بوصة من أفئدتنا.. لن نذكرك لحظة واحدة.. لأننا لن ننساك لمحة عابرة.
غياب بوصلة الوفاء
عبد العال السيد

تتشابك دروب الحياة ، تزهو أقمار تتسلق عصب الذائقة وتشكل وجدان أمة ،وفجأة ترحل هذه الأقمار إلى الضفة الأخرى مخلفة وراءها إرثا من الإبداع يظل نابضا كما الهواء يتنفسه الناس ، في كل لحظة من حياتهم ، هكذا كان العملاق الراحل محمد وردي ـ رحمه الله ـ شامخا في فنه وفي معطياته الحياتية كافة ، فمن عمق الشمال صوارده حيث البدايات إلى كافة أنحاء الوطن ، حواضر ، بوادي ، قرى ، صحارى وغابات شكل محمد عثمان وردي ذائقة الملايين جيلا بعد الآخر ، وتعدت شهرته حدود الوطن إلى دول غربي وجنوبي القارة السمراء فحمل لقب فنان إفريقيا الأول بلا منازع .
أذكر البارحة الأولى كنت أعمل ضمن وردية الليل في مهنة المتاعب ، فجاءتني اتصالات من زميلي رحلة العمل النهارية ، عبد الله عباس ومختار العوض ، وثمة رسائل واتصالات كثيرة من السودان والخليج تنعي الراحل الكبير محمد وردي ، رسائل ومكالمات مغموسة بالدموع حزنا على الراحل الكبير ،لحظتها فتحت أمامي شريط وكالة الأنباء الفرنسية علني أجد خبر نعي الراحل الكبير ولم أجد غير أخبار الدماء التي تهطل في سوريا ، وسلسة من أخبار سوداء اعتادت عليها العيون ، للأسف وكالة الأنباء الفرنسية لا ادري إن كان لها مراسل في السودان أم لا ،لكن من المعروف متابعتها لأخبار النجوم والمشاهير على امتداد العالم لكنها غابت للأسف عن وفاة العملاق الكبير ،
قلت أجرب المحطات السودانية ، للأسف كانت الشروق التي تحمل شعار شمس السودان التي لا تغيب تبث برنامجا محنطا لا يودي ولا يجيب ، فيما كان تلفزيوننا القومي بسلامته هو الآخر يبث برنامجا آخر مساخه كعادته ودقي يا مزيكا لحن العشوائية ، وفي المقابل كانت صاحبتنا الجميلة قناة النيل الأزرق كعادتها في تكريم المبدعين حاضرة على سنجة عشرة في هذا المصاب الجلل فالتحية لصديقنا الجميل مدير إدارة البرامج في النيل الأزرق الشفيع عبد العزيز وكوكبة العاملين في هذه القناة المهضومة .
رحل العملاق محمد وردي وبقيت سيرته وعطاءاته الفنية حاضرة ونابضة في الذاكرة الجمعية للسودانيين وستظل كذلك مجسدة مسيرة إنسان عشق العطاء الإبداعي وحصد أوسمة الحب من الملايين داخل وخارج حدود الوطن ،ولكن يظل ثمة سؤال جارح هل نحن قدر عطاء المبدعين وتكريمهم وتخليد ذكراهم وحفظ الجميل لهم ، للأسف بورصة الوفاء تسجل غيابا كبيرا لدينا ، فقبل وردي انتقل إلى الضفة الأخرى ، الطيب صالح ، عثمان حسين ، إبراهيم عوض ، خليل إسماعيل ، زيدان إبراهيم وقبلهم مصطفى سيد احمد ـ رحمهم الله جميعا ـ ورغم أن عطاء الراحلين وحده يخلدهم في الوعي الجمعي لكن نظل نعاني من الوفاء تجاه من رحلوا من مبدعينا إلى الضفة الأخرى رحم الله العملاق محمد وردي والعزاء لكل السودان .
آه يا أعز الناس
عابد سيد أحمد

بكت الناس رحيل الموسيقار محمد وردي لانه لم يكن فناناً عادياً وانما كان هرماً شامخاً فى ساحة العطاء الفنى زان بالدرر جيد الفن ودخل قلوب الناس بلا استئذان ،،، فالفنان المؤسسة وردي مثله تلتقي عنده الاجيال،،، الشيء الذي جعله فناناً لكل الاجيال مما جعل شموخه وجماهيريته تتصل وتتزايد مع مرور الاعوام ولا تتناقص وهى حالة لا تتوفر إلا للقامات السامقه واصحاب سحر الاسطورة ........ ووردي للذين يعرفونه عن قرب فنان ملتزم فى فنه وفى سلوكه انطلاقاً من مهنته كمعلم فى بداياته والتى شكلت فيه وردي الفنان المثقف والعارف بدوره ورسالته وقد ظل يمارس هذا الالتزام فى فنه الذي قلما نجد من بين اغنياته اغنيه يمكن ان توصف بالهابطة كلمة ولحناً مما جعله فناناً قمة فى كل شيء واذكر عندما كنت اقدم برنامج (من بلدنا) بقناة النيل الازرق انه قد اعطانا درساً فى احترام المواعيد ...... فقد حددنا له ان ناتيه للتسجيل معه فى الرابعة عصراً ولكننا بجرجره اغلب السودانيين اتينا له فى منزله فى الخامسة والنصف فاستقبلنا بحفاوة جعلتنا ننصب الكاميرات استعداداً للحوار معه لكنه سارع بتوجيه اسرته بالاسراع فى اعداد طعام الغداء لنا وظل طوال ساعات الطعام يحثنا على الاكل وكان يحكي لنا خلاله الطرف ويضحك معنا فى روح جعلتنا نظن ان الحلقة التى سنقوم بتسجيلها عقب وجبه الغداء الدسمه ستكون بروعة الوجبة ولكنا تفاجأنا بعد الشاي باعتذار لطيف من الموسيقار بان التسجيل لن يكون اليوم ولا بد من ميقات جديد ناتي فيه دون تاخر حتى لدقيقة واحدة ،،، فحاولنا ان نقنعه بان الطريق هو سبب التاخير ولكنه اصر على ان لا يتم شيء إلا فى الموعد المحدد المتفق عليه واردف بان فناناً مثله يجب الا يسمح بعدم احترام الوقت فلم نجد بدَاً من (لملمة) اجهزتنا والعودة والاتفاق معه على موعد جديد التزمنا فيه بالحضور فعلاً دون ان نتاخر اية دقيقة وفى ذلك اللقاء او تلك الحلقة جلس معنا وردي فى حديقته التى اقامها امام منزله والتى يستقبل فيها ضيوفه ليلاً بعد ان احضر الربابة الآلة التى قال انه قد جاء بها من قرية صوارده النوبية واصر يومها ان يغني بها فارتباط وردي بالريف البعيد وبيئته لم تغيره العاصمة او بريق الشهرة والنجوميه فقد كان يتحدث معنا بالعربية ثم يتجاذب الحديث مع بعض ضيوفه النوبيين بالنوبية وفى ذلك اللقاء سالته عن سر اصرار وردي على انتقاد الاخرين بصراحة شديدة تفتقد الدبلوماسية فقال لي نحن النوبيين لنا وجه واحد لا نقول كلاماً امام احد وناتي لنقول غيره من خلفه لذلك نقول عن الابيض ابيض والاسود اسود دون ان نحتاج لتلوين الاشياء وهكذا ظل وردي صادقاً مع نفسه ومع الاخرين وفى ذلك الحوار الذي بثته قناة النيل الازرق حدثني وردي عن البيئة التى شكلت شخصيته وعن اناس كانوا وراء سمات الشموخ التى تميز بها وعن تعلقه باهله وبالوطن الكبير فالفنان وردي اتسم بالصدق فهو عندما غني لمايو حارسنا وفارسنا واكتشف بعد حين خطأ تقييمه لما اختاره ليغني به عاد وغني لا حارسنا ولا فارسنا ودخل السجن حبيساً على موقفه الجديد وعندما جاءت الانقاذ اختلف معها فى الاول لكنه عاد فى الاخر ووقف مع وحدة الصف الوطنى وملأ مسارح الخرطوم بعطائه الجميل بعد سنوات طويله من البقاء فى المهاجر.
اخيراً
لا يختلف اثنان فى ان الحديث عن سمات ومزايا الراحل الفنان محمد وردي بحاجة الى مساحات ومساحات بل الى مجلدات،،، انه مؤسسة كاملة شاعر وملحن ومغنى واداري ونقابي ومثقف جميل فى كل شيء ،،، لك الرحمة اخي وردي بقدر عطائك الجزيل.
وطنا بإسمك كتبنا ورطنا
فدوى موسى

يظل «وردي» في خاطرنا الجمعي عصياً على النسيان والتجاوز.. تلك القامة الفنية السامقة في كبرياء يمليه جلال ما قدم للوجدان السوداني.. وتلازمني له حالات إنسانية منفعلة مع مفاصل حياتي الطفولية إلى المراهقة والعقلانية.. ويلازمني تذكار أول خطاب غرامي يصلني في حياتي وأنا استحي من نفسي أن أجرؤ على فتحه ولكن الفضول وحب اكتشاف العوالم الجديدة يدعوني لذلك، فأتفاجأ باختصار الراسل لكل ما يريد أن يُعبِّر عنه في أغنية جميلة لـ«وردي والحلنقي» احتفظ لنفسي بترديدها كلما تذكرت تلك الأيام الطفولية على الأعتاب.. فلم أجد بداً حينها من زجر الراسل مع الاحتفاظ بكلمات تلك الأغنية في خاطري حتَّى الآن ولسان حالي «يا له من مكار وداهية عرف كيف يختط في دواخلي تذكار أرساله لذلك الخطاب».. وتمضي الأيام وتتفتق فينا بعض الأحاسيس بالشأن العام فنجد في خيارات وردي «أصبح الصبح.. ويا شعباً لهبك ثوريتك.. وأكتوبر الأخضر.. و.. وألخ»، فيحرِّك فينا الأحاسيس الوطنية مطلع كل ذكرى للاستقلال «اليوم نرفع راية استقلالنا..» ونظل نرفع روحنا الوطنية مع تداعيات أحداث الوطن الجسام و«وردي» فيها الباعث والملهب للحماس «بلا وانجلى».. وإن أنسى لا أنسى ذلك الاحتفال الذي ردد فيه «وردي» «في حضرة جلالك يطيب الجلوس مهذب أمامك يكون الكلام.. لأنك محنك عميق المهابة عميق الدروس.. شبابك تشابك شديد الزحام..» لأبي قطاطي.. فألهب حماس الحضور بالمسرح وانفعلنا كما لم ننفعل من قبل لأنه كان قادراً على مس أوتار الشجن والوطن فيما يشبه الحراك الانفعالي الصادق، ألا رحم الله «وردي» الذي أطرب وأزكى وعمق فينا أدبيات مكنته من انتزاع المكانة السامية كفنان للقارة السمراء.. فلتبكي العين نور العين.. ولو كنا بكينا على الصورة.. سامح دمعتنا المعذورة يا غنوتنا ويا بهجتنا ويا مرسى عيوننا المبهورة.. ما نحن بطبعنا ناس طيبين غلطاتك عندنا مغفورة.
آخر الكلام
ويبقى وردي الذي أطربنا وحببنا في التفاعل مع أحداث وطننا.. لأنه تغنى «وطنا باسمك كتبنا ورطنا.. أحبك.. أحبك..»
وردي فناننا الذي أحببناه
رأي : بروفسير الفاتح الطاهر دياب:
في الخمسينيات.. العصر الذهبي للأغنية السودانية وفي ظل سيطرة الراديو على الانتاج الفني، ووسط مجموعة كبيرة من العمالقة الكاشف- أحمد المصطفى- التاج مصطفى- عثمان حسين- وابراهيم عوض- ظهر محمد وردي ليتلمس أولى خطواته في مجال الغناء، وقدم أعمالاً مبتكرة في شكلها ومضمونها، تمرد فيها على تقاليد الغناء السائدة، آنذاك فملأ الساحة الفنية بحضور طاغٍ ومذاقٍ متميز وفلسفة خاصة، فكان علامة فارقة في مسيرة الأغنية في بلادنا.
البداية:
في منتصف يوليو عام 1957 بدأ مشوار وردي التنويري، رصداً للواقع بكل معطياته السلبية والإيجابية، وغوصاً في أعماقه، بحثاً عن الجديد، فكان كل عمل يقدمه يعتبر إضافة جديدة، وخبرة جديدة، ومكانة فنية جديدة، وجماهيرية أكثر تألقاً وتأكيداً على النجاح، وبعد كل خطوة أو إضافة يحققها يقف مع نفسه ويعيد حسابه وترتيب أوراقه، حتى تكون خطواته أكثر وثوقاً، ويقول «كل ما أصبو اليه هو النجاح وحب واحترام وثقة الجمهور بي» لقد فهم وردي أن النجاح له حسابات لا يعلمها أحد، وبالتالي فعليه أن يسعى لتحقيق الجيد، ويترك النجاح للظروف وحدها.. المهم دائماً إحساس الفنان بأن ما يقدمه يحترم فيه نفسه وفنه، وجمهوره، وأن الفن عطاء لا أخذ.. فقدم برؤية ثاقبة، وبايقاع متوازن في نهاية الخمسينيات عدة أعمال متميزة، نذكر منها «لو بهمسة» و«بعد ايه» و«نشيد الاستقلال» و«هام ذاك النهر» وكانت تلك من أميز وأمتع مراحل حياته الفنية، وبفضل موهبته اللحنية التي تزيدها خبرة السنين بريقاً، وبتميزه بشخصيته القوية وثقافته الرفيعة، وأدائه السهل الممتنع، وملامحه المرنة، وطبقات صوته الواسعة، وبموهبته الأصيلة بتنوعه المستمر في أعماله، وصل وردي في نهاية الخمسينيات الى الصف الأول وسط أقوى واضخم جيل في تاريخ الأغنية السودانية، فأثبت أن الجمهور يبحث دائماً عن الفنان الذي يحترم عقله ومشاعره ووجدانه، فالفن دائماً وأبداً هو الامتاع والإفادة.
وردي والسياسة:
بعد قرار تهجير أهالي حلفا من منطقتهم الى خشم القربة في أوائل الستينيات، عارض وردي القرار، وخرج في مظاهرة ضمت الآلاف من أبناء حلفا، فاعتقل، ثم أفرج عنه بعد أسبوعين، فبدأ وعيه السياسي يتفتح وينمو، يدرك أن السياسة مرتبطة بالفن، ومن خلال الفن بدأ وعيه واحساسه الوطنيين في التشكيل المتسارع، مما صقل أصالته الشعبية، وتفجر كل ذلك من خلال مشاركته الفعالة في ثورة اكتوبر عام 1964م
وكان من الطبيعي والضروري أن يكون هناك فنان يعبر عن تلك الثورة وأهدافها، خاصة والأغنية الثورية قادرة على احتواء معاني الفعل الثوري بأفضل من أي مقال سياسي صاخب، وكان وردي ذكياً يفهم مزاج الشعب في مسيراته وفي هتافاته، وما يحتاج اليه ويعرف مقاييس الأغنية الوطنية، وقد حشد لأجل ذلك مجموعة من العناصر يمكن تلخيصها في:
التلقائية والوضوح- العفوية في التعبير- التفاؤل المشرق- البساطة في التلحين- استخدام الأوزان الخفيفة الراقصة- مرافقة الرقص الجماعي الحماسي لبعض أشكالها- التعبيرات المشرقة في كشف الغضب والتمرد والرفض- طرح مفاهيم الثورة وطموحات الجماهير.
فقدم «أصبح الصبح»، «أكتوبر الأخضر» و«ثوار اكتوبر» واستطاع أن يطوع أصعب الكلمات ذات المعاني والمفاهيم السياسية، الى جمل لحنية رشيقة سهلة الحفظ، لتصبح في اليوم الثاني أغنية الشارع يرددها الرجال والنساء والأطفال، الى جانب أعمال زميله الفنان الكبير محمد الأمين المتميزة، والواسعة الانتشار، إن تفاعل الجماهير مع كل ما كان يقدمه من أعمال وطنية ملأته ثقة بنفسه، وضاعف من حبه وعشقه للفن، كما يقول هو نفسه، ثم بدأت أواخر الستينيات مرحلة جديدة في تاريخ الأغنية السياسية، أصبح المجال واسعاً، وكان وردي أحد مبدعي تلك المرحلة، بل مبدعها الأول فقدم أجمل الألحان التي رددتها الجماهير آنذاك، وبعد اخفاق الحركة التصحيحية في يوليو عام 1971 أعتقل لمدة تزيد عن العام، وفي ظلام السجن ازدادت قناعة وردي بأن يواصل نضاله ضد النظام المايوي مهما كان الثمن، وبعد خروجه من السجن أخذ يهاجم مايو والمايوية بألحانه المتميزة، مما جعل جهاز الأمن القومي يضع اسمه على لائحة المغضوب عليهم وتحت الرقابة المستمرة، كانت حالته المادية في تلك الفترة سيئة للغاية، فطرد أطفاله من المدارس لأنه لم يكن قادراً على دفع المصروفات الدراسية، وقاطعت الإذاعة تسجيلاته، وكذلك التلفزيون، وكان القائمون على أمر المناسبات والمسارح يخشون غضب السلطة، فلا يجرؤون على دعوته لاحياء حفلاتهم، ولكن وردي لم ينكسر بل ظل يغني لأصدقائه ومعارفه في السودان وخارجه، أغنياته التي كان يغنيها ضد مايو مستخدماً ذات القوالب التي كان قد صب فيها أغنياته لمايو في أول عهدها، عندما كان مؤمناً بأهدافها، واحتفظ بالشكل وغير المضمون- أي احتفظ باللحن وغير الكلمات- وهذه الأغاني معروفة لدينا ومضامينها تعني أن مايو مثل نوفمبر، خيبت آمال وتطلعات الجماهير، ولابد من ثورة تعيد الديمقراطية المغتصبة، واقترب بتلك الأغنيات أكثر فأكثر من الشعب، يحس ألمه ومعاناته ويلمس بنفسه أحزانه وتعطشه للحرية.
قمة النضوج:
أما أغنياته العاطفية في هذه المرحلة قد بلغت قمة النضوج، والعمق والجدية فقدم «الود» عام 1970م و«قلت أرحل» عام 1971 و«أسفاي» عام 1973م «أناديها» عام 1974م و«جميلة ومستحيلة» عام 1976م و«الحزن القديم» عام 1979م و«الوتر المشدود» عام 1980م كما قدم أغنيات وطنية حوربت من قبل جهاز أمن الدولة هي «وطنا» و«عرس الفداء» وكان موفقاً كعادته في اختياره للأغنيات وفي وضعه لألحانها، حتى في اختياره لعازفيه، فتميزت تلك الأغنيات بالجمال والثراء اللحني والدقة، والتوازن بين النصوص الشعرية، والجمل اللحنية، فكانت أعمالاً فنية متكاملة أحبتها الجماهير ورددتها بشكل عاصف، وأشاد بها النقاد.
غناء مابعد الانتفاضة:
بهذا المفهوم بدأ وردي مع رفيق مشواره الشاعر محجوب شريف مرحلة ما بعد الانتفاضة فقدم أغنيات للوطن والثورة، وارتقيا بالأغنية الوطنية من واقع مجتمع مارس/أبريل فكانت الأعمال الكبيرة «بلا وانجلا» وغيرها.
فنان افريقيا:
لقد شارك وردي في تربية وجدان الشعب السوداني، بل أصبح واحداً من أبرز رموز الثقافة الغنائية في عالمنا العربي وافريقيا، بأغنياته المتميزة المتفردة، وأحد رموز السودان الدالة على رقيه وتحضره الفني، وبتغلغله العميق في وجدان الناس وعقولهم صارت أعماله من أكبر التأثيرات على حياة الناس، بما تشتمل عليه من قيم تؤكد قامته كفنان مثقف، زود نفسه بوعي عظيم وعرف كيف يوظف طاقاته الهائلة- لقد حمل وردي ببراعته وثقافته أمانة كبيرة وهي رفعة السودان، والتعبير عن حضارته بأصدق صورة، أمام أعين العالم من خلال جولاته الفنية الناجحة، ونتيجة لذلك نال جائزة فنان افريقيا الأول، ولوردي نظرة فلسفية للحياة وللوطن، فهو يريد أن يعيش أهل السودان في عصر النوافذ والعيون والآذان المفتوحة، يريد الحريات بلا حدود، والخيال الوثاب أيضاً بلا حدود، يريد الطلاقة للعقل والوجدان، والأفكار حتى يستطيع الإنسان أن يبدع في ظل ديمقراطية معافاة، فالديمقراطية عنده بما تضمنه من حرية التفكير، -حرية التعبير- وحرية اتخاذ المواقف لايجب أن تكون محل مساومة.
ندعو الله من أعماق قلوبنا أن يتقبل وردي وأن يرحمه رحمة واسعة، فقد عاش رحمة الله عليه رمزاً ورائداً لمسيرتنا الفنية وسيظل بإذن الله.
وداعاً سحر الاسطورة
رأي: فيصل يس :
كنا جلوساً في ردهة مبنى «عمارة السُكر» التي كانت تصدر منها صحيفة «الاقتصادية» الاسبوعية... برئاسة تحرير الأستاذ نجيب نور الدين... كنا نجلس عم عيسى ابراهيم المدقق اللغوي وشخصي والمدير العام لتلك المؤسسة... كانت دائرة اللقاء حول ما أثاره ذاك المدير عن أن وردي «متعجرف» ومتكبر... وأنه عندما سئل ذات مرة عن ترتيب الفنانين في السودان... قال وردي أولاً وثانياً وثالثاً... وعاشراً.. ثم ود الامين ثم.... و ...!!
قلت لهم بأن هذا تواضعاً من قامة في مثله... لأنني لو كنت أملك ما يملك من خامة الصوت الشجي.... لقلت أنني الأول وحتى المائة... ثم يأتي بعدي من يأتي..!!
كان السؤال من عيسى ابراهيم... عن «انت يازول وردي دا بتدافع عنه كدا ليه»؟؟
ذهبنا حيدر محمد علي المدقق اللغوي... وعبد الرحمن جبر والأستاذ عبد العظيم المحامي... وشخصي في وقت متأخر - على الدفن - ظهر أمس لتقديم العزاء في وفاة الموسيقار الدكتور محمد عثمان وردي...!!
في الحقيقة هالني ما رأيت من تدافع المبدعين والشعراء والعازفين والممثلين... والرموز السياسية... وحتى قادة المعارضة...وفوق هذا كم هائل من قبائل السودان واتجاهاته المختلفة... جنوب وشمالاً... شرق وغرباً... هبوا جميعاً وقد وحدهم حب هذا العملاق القامة... كما لم توحدهم لا السياسة... ولا كرة القدم... !!
ونحن في خضم شلال هائل من الحزن... المتدفق وكم الشجون ... كنت محتاراً أن كيف لي أن اكتب عن هذا الحدث... ولكن لفت نظري تعبير الزميل جبر... الذي قال أن السودان قد فقد شيئين من اعظم ما يهبهما الزمان... النفط - بانفصال الجنوب - ... ووردي برحيله!!
فأحسست بأن هذا تعبير كاف....!! بالرغم من أن فيه ظلم لوردي... فوردي أغلى من أي نفط... ومن أي معادن و... و... !!
ولكن... لا نقول إلا ما يرضي الله... و(حليل الكان بيهدي الغير.... صبح محتار يكوس هداي)...!! إنا لله وإنا إليه راجعون..
من غير ميعاد.. السودان يشيع الامبراطور في موكب مهيب
الخرطوم: عبد الرحمن جبر:

شيعت البلاد صباح أمس أمبراطور الأغنية السودانية و الافريقية الفنان محمد عثمان وردي في موكب مهيب تقدمه السيد رئيس الجمهورية المشير عمر حسن أحمد البشير، وعدد من الوزراء، وقيادات القوات المسلحة والشرطة، وزملاء الراحل من أهل الإبداع، وجماهير غفيرة من أبناء الشعب السوداني، وتمت مواراة جثمانه الثرى بمقابر فاروق بالخرطوم.
ü ولد محمد وردي في العام 1932م في بلدة «صوارده» إحدى قرى شمال السودان، وهي من أكبر مناطق السكوت بمحافظة حلفا التابعة لولاية دنقلا.. بدأ حياته بالتعليم وتدريس الطلاب، واتجه بعد ذلك للغناء، وسطر الفرعون وردي اسمه بأحرف من ذهب في مسيرة الأغنية السودانية، عبر عطاء مدهش امتد لأكثر من خمسين عاماً، جسد خلالها معاني الوطنية عبر أعمال شكلت الوجدان السوداني، منها «يا شعباً لهبك ثوريتك- أكتوبر الأخضر- يا شعباً تسامى- بنبنيهو البنحلم بيهو يوماتي- عرس السودان- وطنا بي اسمك كتبنا ورطنا- عرس الفداء» وغيرها من الأعمال التي دعمت ثورة أكتوبر، وثورة أبريل، وعبرت عن معاني الوطنية الحقيقية، كما أثرى الفرعون وألهب القلوب عبر أعماله العاطفية التي تعتبر مصدر فخر لكل أبناء السودان، ومازال صداها يتردد حتى الآن مثل «أعز الناس- الطير المهاجر- هجرة عصافير الخريف- أقابلك- يا بلدي يا حبوب» وغيرها من الدرر الغنائية، كما تغنى وردي باللغة العربية كان هناك نصيب في مسيرته الفنية للأغنية النوبية التي تعبر عن انتمائه النوبي بايقاعات أهله، بالإضافة إلى تفرده في التلحين، فهو موسيقار لا يشق له غبار، ولا ننسى جوانبه الإنسانية العظيمة، لذلك لم يكن غريباً أن تنهمر الدموع من بين عيون الرجال والنساء، تعبر عن حزن قومي وفاجعة وطنية عصيبة على السودان وأهله.
«إنا لله وإنا إليه راجعون» لا نملك إلا أن نقول هذا.. بهذه الكلمات عبر الفنان حمد الريح رئيس اتحاد المهن الموسيقية، فوردي هو فقد غير عادي، وفقده كل السودان وخارجه، ونسأل له الله الرحمة.
وعجز لسان الفنان شرحبيل أحمد عن وصف للموقف، وقال هذه هي إرادة الله تعالى، وردي فنان سيكون خالداً في قلوبنا وقلوب كل السودانيين، وهو اخونا وصديقنا.
وعبر رفيق درب الراحل الشاعر إسحق الحلنقي عن حزنه، وقال إن فقد وردي هو فقد عظيم، فقد عاش سفيراً للجمال السوداني في أي مكان في الدنيا، والسودان فقد شمساً كانت تشرق غير الشمس التي نعرفها ونسأل الله له الرحمة.

وقال السفير اليمني الدكتور صلاح علي أحمد العنسي: محمد وردي لم يكن حكراً على السودان فقط، وانقل عبر صحيفة «آخر لحظة» تعازي الشعب اليمني للشعب السوداني في هذا الفقد الجلل، فوردي كان يحب اليمن، وفي آخر لقاء لي معه طلب مني أن ابلغ تحياته للشعب اليمني الذي أحبه جداً، فقد احسنوا استقبالي وكأني وسط أهلي.
ü وذكر الأستاذ محمد خير فتح الرحمن مدير قناة الشروق الفضائية أن البلاد فقدت وردي، وهذا التشييع الضخم له، يعكس جزءاً مما يشكله في الوجدان السوداني بكل اختلافاتهم، توحدوا اليوم عند مقبرة وردي وهو فقد جلل.
ü وبكى الفنان كمال ترباس وقال: فقدنا الموسيقار الفنان الدكتور وردي «ديناصور» الأغنية السودانية، وأعزي كل الشعب السوداني في وفاته.
ü وقال الموسيقار حافظ عبد الرحمن وردي رمز مميز أثرى الأغنية والفن السوداني، ورسم أشياء قوية يصعب تجاهلها بالجمال والقوة، وترك بصمات جميلة على الناس أن يهتدوا بها وأدى رسالته على أكمل وجه.
ü الفنان عثمان مصطفى قال: إن هذا يوم حزين فقد فجع الشعب السوداني برحيل هذا القامة والرقم الذي يصعب تجاوزه، لما قدمه لهذا الشعب وليس بمقدورنا الحديث عنه، لأن أعماله هي التي تتحدث عنه، ووردي لا نقيمه نحن فهو أستاذ الجميع رحمه الله.
ü دكتور راشد دياب قال: وردي فنان بمعنى الكلمة ونتألم لفراقه، لأنه فنان شامل ويدافع عن حقوق الناس وحرياتهم، وله أهداف بعيدة جداً من أجل الوطن، وأحس بأنه يمثل تاريخ الثقافة السودانية الغنائية والطرب الأصيل، فهو قبل كل ذلك إنسان يحب مهنة الفن وأعطاها قيمة بتعبيره عن وجدان الشعب السوداني بصدق، فقد دفع حياته خادماً لوطنه واعزي كل الشعب السوداني فيه.

ü وقال الشاعر محمد يوسف موسى رئيس اتحاد شعراء الأغنية السودانية، فقدنا فناناً عظيماً وشاملاً ومطرباً كبيراً من الجيل العظيم، وهو فنان غني عن التعريف وترك إرثاً جميلاً، من الغناء السليم والمعافى، الوطني والعاطفي، وسوف يظل بيننا بابداعه سيكون مدرسة لمن بعده.
ü وذكر الأستاذ جمال الوالي رئيس نادي المريخ أن وردي هو هرم من اهرامات السودان التي رفعت اسمه داخلياً وخارجياً، نسأل له الله الرحمة.
ü وأشار الأستاذ مكي سنادة إلى أن وردي له تأثير عظيم جداً على وجدان الأمة الافريقية كلها، تأثروا بأعمال وردي، نعم رحل عن دنيانا ولكنه باقٍ فينا.
ü وقال الدكتور الفنان عبد القادر سالم إن هذا يوم حزين في تاريخ الشعب السوداني، لأننا فقدنا فناناً عبقرياً وعملاقاً، تغنى للقيم والمثل، وظل يجدد ابداعه دوماً، وهو الفنان الأول في السودان وهو حالة استثنائية يحتاج لكتب للحديث عن ابداعاته رحمه الله.
ü وقال المخرج شكر الله خلف الله إن وردي هرم في الأغنية ترجل عنها، ولكن علينا المحافظة على ما تركه، فمن الصعب أن يسد فراغه الذي تركه.
ü ويعزي الفنان شكر الله عز الدين كل الشعب السوداني في رحيل محمد وردي، وقال وردي وطن وعلم ورقم، ونسأل له الله الرحمة والمغفرة.
ü وقال الفنان وليد زاكي الدين فقدنا المدرسة الفنية الراحل المقيم محمد وردي، فهو أحد أعمدة الفن السوداني، وكان حريصاً على حب الوطن، ويعكس وجه السودان المشرق عبر رسالته، ونعزي أنفسنا وكل الشعب السوداني في رحيله وننعي كل المشاعر الحزينة في وداعه.

ü وأكد الشاعر ابو شورة أن البلاد فقدت رمزاً من الرموز الثقافية والفنية والأدبية والاجتماعية، فهو فقد أمة بحالها، لأنه وثق للسودان في كل مراحله وطنياً وعاطفياً.
ü وترحم الشاعر التجاني حاج موسى على روح الفنان محمد وردي، وقال هذا يوم حزين بفقدان شخص بحجم أمة كاملة، وإن رحل بجسده لكنه باقٍ فينا بأعماله، ولن تنساه ذاكرة الأغنية السودانية، فهو فنان عظيم رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
فرعون الأغنية السودانية في آخر حوار قبل الوداع
حاوره : عبد الرحمن جبر : تصوير : سفيان البشرى :

نعيد اليوم نشر آخر حوار إعلامي في كافة الأصعدة من صحافة و إذاعة و تلغزيون مع الامبراطور الراحل الفنان محمد وردي الذي وافته المنية مساء أمس الأول.
فنان كبير ترك بصمة واضحة لا تخطئها عين، امتد عطاءه الوطني والعاطفي وشمل كل الأجيال، أُطلقت عليه العدد من الالقاب منها (الأمبراطور) و(الفرعون) وغيرها، لكنها أقل قيمة مما قدمه لهذا الوطن، فيكفي ذكر اسمه فقط حتى تهتز كل القلوب والعقول.. إنه الفنان الكبير الدكتور محمد وردي هذا الهرم الغنائي العملاق.. (آخر لحظة) جلست إليه بمنزله وأتحفنا بكرمه الفياض في الاستقبال، وكرم آخر في الرد على كل الأسئلة الساخنة بشجاعة يحسد عليها وليست غريبة عليه فهو محمد وردي وكفى.. أدرنا معه حوار مطول جمع بين الفن والسياسة وغيرها من المواضيع التي تهم الساحة الغنائية في السودان.. فكانت ردود الفرعون وردي على النحو التالي:-
الفن بصفة عامة رسالة في مختلف المجالات.. ماهو الدور الذي لعبه الفن تاريخياً من أجل استقلال السودان عبر الأغنية على مدى الحقب السياسية المتعاقبة؟
- رسالة الفن هي التعبير عن واقع الناس، بمعنى أن الفن لا يمكن أن (يعرض خارج الدلوكة) ويكون في حسبانه مشاكل وهموم الناس ورؤيتهم للمستقبل وتعميق روح الأمل عندهم، واستمرار الفن يطالب بالتقدم.. لذلك يعتبر الفن ناقد لا يرضى بواقع الحال أياً كان.. وكان للأغنية دور كبير عبر تاريخ السودان لمقاومة المستعمر من مهيرة الشايقية ضد الاستعمار التركي التي غنت «يا الباشا الغشيم قول لي جدادك كر»، وحسن خليفة العطبراوي غنى «يا غريب يلا لي بلدك»، وغيرها من الأعمال، وأنا لم أمارس الغناء في تلك الفترة لكن الفنان السوداني تغنى لجنود الوطن وللبلاد وهذا يؤكد مواكبة الفن لجميع ظروف الوطن.
الفن بمختلف دروبه.. هل تعتقد بأنه أدى رسالته في المجالات الأخرى؟
- نعم الفن ساهم في مختلف قضايا الوطن من تنديد القبلية، ومساندته لمؤتمر الخريجين قبل الاستقلال بالغناء والمال، وهكذا كان الفن في السودان يساهم في جميع المؤسسات الخدمية.
السياسة والفن.. أوجه الشبه والقواسم المشتركة والخطوط المتباعدة؟
- أنا ضد الفنان السياسي المباشر، ولكن لا يوجد أي فاصل بين الفن والسياسة لأن السياسة في الأساس عبارة عن «صحن فول ورغيف العيش»، فالشعب يكافح من أجل لقمة العيش والتعليم والعلاج وغيرها والفن هو تعميق هذه المطالب، وهناك من يتحدث عن أن الفن ليس له أي دخل بالسياسة وهذا (مغفل) فالفن تنويري وتثقيفي لذلك يجب أن يشارك في جميع ظروف وأحول البلد.
هل تعتقد بأن من حق الفنان أن (يضرب) أو يتوقف عن عطائه لأي أسباب سياسية أو غيره؟
- التوقف الفردي مرفوض، ولكن اتحاد الفنانين لو له أي رأي أو مشاكل أو مواقف مع الدولة وأجهزتها الإعلامية التي تجحف في حق الفنانين عليهم أن (يضربوا) عن العمل كما (أضربوا) في السابق ضد الإذاعة والتلفزيون.
نصيب الأغنية (الوطنية) ضئيل جداً مقارنة بالأعمال العاطفية؟
- الأغنية الوطنية لا تعني الغناء للوطن في المناسبات وهذه النوعية من الغناء تحتاج لصدق، ولا يستطيع أي فنان التعبير وإلهاب مشاعر الشعب، فمن لا يملك هذه الخاصية فاليمتنع عن الغناء للوطن حتى لا تكون الأغنية الوطنية ركيكية وسهلة الكلمات والألحان بمعنى (مضيعة للوقت)، وعلى مدى تاريخ الأغنية الوطنية في السودان كانت تلهب أحاسيس ومشاعر الناس، فأنا مثلاً حضرت ثورة أكتوبر وثورة أبريل والأغنية الوطنية كان لها دور كبير جداً في المشاركة وسط الشعب، فعندما أُجبِر الرئيس السابق إبراهيم عبود بالتنازل عن السلطة تغنيت «أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باقِ» واستمرت أناشيد أكتوبر من «شعبك يا بلادي» و«أكتوبر الأخضر» وغيرها وكلها أعمال من مواليد ثورة أكتوبر.. وفي ثورة أبريل تغنيت «بنبنيو البنحلم بيهو يوماتي» و«يا شعباً تسامى» و«عرس السودان» و«وطنا بي اسمك كتبنا ورطنا» و «عرس الفداء» و«يا شعباً لهبت ثورتك»، وهذه الأناشيد الوطنية تركت أثر كبير جداً في الشعب منذ تلك الفترة وحتى الآن.. فعندما يكون الفنان صادقاً ولديه معرفة بوطنه.. تاريخه وجغرافيته وحياته واجتماعياته يتعمق في الغناء للوطن، ولكن لا أعتقد بأن أي فنان يستطيع أن يفسر علاقته بالثورة وبالجمهور.
مقاطعاً.. هل تعني بهذا الحديث أن الغناء للوطن يحتاج لنوعية خاصة من الفنانين؟
- نعم.. لذلك محمد الأمين كان ظهوره في ملحمة ثورة أكتوبر ولكن لا تستطيع أن تحسب الآن أي فنان آخر كان له الحمية والوطنية في التعبير عن الثورات.
رأيك في الوضع السياسي الراهن؟
- الوضع السياسي الحالي أدخل شمال السودان في مطب، أولاً التقسيم الذي حدث في الجنوب والذي ظهرت آثاره بوقف البترول والتحرش الموجود بين الشمال والجنوب ومشكلة دارفور ثم جنوب كردفان والنيل الأزرق، فعدم المرونة في سياسة النظام الحاكم أدخلت السودان في أمر ضيق فمهما إدعى النظام بأن الحالة مستقرة فهناك ظواهر تدل على أنهم غير قادرين على وحدة البلاد ولا على علاقتنا مع الجيران ولا التقدم للأمام.
هل قدمت أي تنازلات سياسية أم رأيت أن الحالة العامة قد تحسنت سياسياً؟
- انفعل شديداً وقال: أتنازل لمن وعن ماذا..!! فأنا يا عبد الرحمن لم أعود للوطن من أجل النظام ولكن لإجراء عملية تغيير الكُلى، ودعوتي للجلسة في منزل الفريق أول عبد الرحيم محمد حسين فهو من بلدياتي وأنا أقدره وأحترمه كثيراً، فقد ضمت الجلسة السيد رئيس الجمهورية وعدد من الوزراء وكانت جلسة عادية لم أقدم فيها أي تنازلات ولم يكن فيها أي خلاف أو وفاق بيننا إلى أن جاءت ظروف الانتخابات الأخيرة والتي أعلنت فيها موقفي بالتصويت لياسر عرمان ولكنه انسحب، فالحكومة أخذت موقفي هذا بأنني أقف ضدها ولم تحترم حرية ارادتي.
مقاطعاً.. أثارت علاقتك مع الراحل جون قرنق والحركة الشعبية العديد من التساؤلات والاستفهامات.. ما سر هذه العلاقة؟
- الراحل جون قرنق صديق عزيز جداً وفقده السودان كثيراً ولو كان موجوداً لتغيَّر الوضع الحالي، وليس عيباً أن أنتمي للحركة الشعبية لأنها حركة لتغيير السودان القديم لسودان جديد وأنا مؤمن جداً بهذا الطرح.
هل ترى بأن المناخ الحالي ملائم للتعبير بحرية أم أن هناك تحفظات؟
- أبداً لا توجد أي حكومة شمولية تستطيع إعطاء حرية الرأي كاملة فالرأي رأيها، بدليل أن هنالك الآن مسألة ايقاف الصحف، ومسألة جذب الفنانين لها، ويكفي أن قانون مجلس المهن الموسيقية والمسرحية تمت إجازته ووضعت قياداته من فنانين منتمين للنظام مثل علي مهدي وصلاح مصطفى وعبد القادر سالم، والنظام الحاكم وضع هذا المجلس ولكن اخترقه بنفسه بدعوى أن القانون هو لحماية الملكية الفكرية، ولكن مع ذلك الادعاء أتوا بفنانين في عيد الاستقلال استباحوا اغنياتي وأنا موجود، وسبق أن تغنيت في عيد الاستقلال الماضي ومنحني رئيس الجمهورية وسام الانجاز والجدارة، فهل شخص يحمل وسام الجدارة تنتهك حقوقه الفكرية والمادية وياتوا بفنانين يرددوا أعمالي دون استشارتي مثل كورال كلية الموسيقى والدراما وسيف الجامعة وعصام محمد نور وعمار السنوسي وغيرهم، وبصراحة أكثر هذا القانون كذب واضح.
مقاطعاً.. هل تعني بهذا الحديث أن مجلس المهن الموسيقية والمسرحية غير صالح للدفاع عن حقوق الفنانين؟
- نعم.. فالفنان لو لديه أعمال غنائية وجمهور لا يرتضي اطلاقاً بأن يكون موظفاً، فقيادة مجلس المهن الموسيقية والمسرحية الحاليين يتقاضون أجرهم من الحكومة ولو كانوا يمتلكون أي شعبية أو قاعدة جماهيرية لما ارتضوا لأنفسهم ذلك، بل كان الأجدر بهم أن يتقاضوا أجورهم من أعمالهم الغنائية ولكنهم (مفلسين) فنياً، فأي موظف يستطيع أداء علمهم هذا ولكن ليس الفنان لأن الفنان يعتمد على فنه وابداعه وعطائه وتقدير الجمهور له.
صرحت من قبل وعبرت عن غضبك في ترديد أغنياتك الوطنية من قبل بعض المطربين في أعياد الاستقلال؟
- نعم.. وهذا (إفلاس)، فاذا كان الفنان لا يستطيع الغناء لوطنه منذ الاستقلال وحتى الآن ويستعين بأعمال الغير بدون أي (خجل) فما معنى ذلك غير (إفلاس فني)، وثانياً تشجيع الدولة لهذه المسألة هي إنتهاك لحقوق فنان أعطى الوطن الكثير ولديه القدرة على العطاء أكثر والزمن كفيل باظهار الحقائق أما الزبد فيذهب جفاء.
هل تعني بهذا الحديث بأنك سوف تتجه لمقاضاة كل المطربين الذين تغنوا باعمالك؟
- نعم كلهم بما فيهم الدولة.. لسماحها بهذا العبث السخيف.
دور المطربين كان ضعيف في تعزيز الوحدة قبل عملية الانفصال بين الشمال والجنوب؟
- لم يكن ضعيفاً بل كان غائباً تماماً ولم يظهر لهم أي دور، بل بالعكس هنالك فنانين هللوا وفرحوا كثيراً بالانفصال وشاركوا الصحفي الطيب مصطفى أفراحه بذبح الثيران وتغنوا لذلك ومنهم أعضاء في مجلس اتحاد الفنانين وهذا شيء مؤسف للغاية بل يعتبر من أسوأ ما فعله الفنانين في تاريخ السودان لأنهم فرحوا لتقسيم وطنهم.
قيام وزارة خاصة بالثقافة.. هل خدم القضايا الثقافية أم أنها كانت اسماً على غير مسمى؟
- ليس هناك أي تقدم تحرزه هذه الوزارة ولا تمتلك أي تخطيط لاعطاء الفرصة للمبدع الحقيقي من أجل إبراز أعماله، وأعتقد أن عمل هذه الوزارة هو (عبث) واستهانة بالإنسان السوداني كمستمع وكمثقف.
هل تعني بهذا الحديث أن وزارة الثقافة الاتحادية لم تقوم بالدور المنوط بها حتى الآن؟
- ضحك وقال ساخراً: أنا لا أعرف الدور المناط بيها شنو..!! ولا هي ذاتها شنو..!! فهل هي وزارة شكلية فوقية..!! هذا الوزارة لم تخدم الفن في شيء.
عفواً محمد وردي.. وزارة الثقافة الاتحادية أقامت الأماسي الموسيقية في الخرطوم وأم درمان.. ألم تخدم هذه الخطوة الغناء في شيء؟
- هذه الأماسي «كلام فارغ» ولم تخدم أي شيء، فماذا قدمت.. وماهو الإبداع الذي حوته.. وما السبب الحقيقي من قيامها.؟ فهي عملية دعاية من وزير الثقافة لنفسه، فهل سمع الناس إبداع في تلك الأماسي، وهل قدمت بها أغنية جديدة رسخت عند المستمع، وكلها دعاية فارغة وأهدرت أموال الدولة، وكنت أتمنى أن تصرف هذه الأموال في الابداع الحقيقي ولكنها تصرف على كل من هبَّ ودبَّ.
هاجمك أحد أئمة المساجد في الأيام القليلة الماضية وأتهمك بالكفر وغيره؟
- إمام المسجد كاذب، فأنا لم أرى في حياتي إمام مسجد يصلي بالناس ويكذب، فقد قال إن وردي بلغ سن الـ (90)، وأنا عمري (79) عاماً، وأعطاني (11) عاماً مجانية (كتر خيرو)، واتهمني بالمساهمة في (أعياد الكفار ويقصد أعياد الميلاد)، فنحن نعترف بسيدنا عيسى عليه السلام كنبي، فعلى ماذا الهجوم إذن..!.. فأنا تغنيت في أعياد الميلاد خاصة وأنها تصادف أعياد الاستقلال، فالمسيحيين أخواننا في الوطن ولم تكن هناك أي مشكلة في التعايش بيننا على الاطلاق، فنحن نشاركهم أفراحهم وأحزانهم لتعميق الأخوة والمواطنة، ومثل حديث إمام المسجد غير الموفق هذا يخلق فتنة.
تقصد بهذا الحديث بأن هناك أيادي خفية تحارب الغناء؟
- نعم.. وإمام المسجد الذي هاجمني هذا «عينة» منهم، وقبل ذلك جاءت جماعة أمام مبنى اتحاد الفنانين (وشتمونا)، ولكن إذا كان هؤلاء كفروا الإمام الصادق المهدي..!! فهذه جرأة غير عادية.
ما رأيك في اتجاه عدد كبير من الفنانين لتجربة المديح النبوي الشريف عبر قناة ساهور الفضائية وإذاعة الكوثر؟
- هذه فوضى وعبث وتقليل من قيمة القداسة الدينية، فقد عرضت ساهور والكوثر مدائح عديمة القيمة وجه الشبه فيها كيفية كسب المال بمدح الرسول صلى الله عليه وسلم، فالمديح للمصطفى عليه السلام «عندو ناسو» لأنه يحتاج لقدسية وخشوع وليس تغني وتنشد مدائح بألحان أغنيات مثل «القمر بوبا» و«سمسم القضارف» واحدهم يمدح ويقول «رسول ذي ده اصلوا ما شفنا» فهذا تقليل من قيمة القداسة الدينية، فأنا عندما استمع لأولاد الماحي يمدحون الرسول صلى الله عليه وسلم أشعر وأحس بصدقهم في حب الرسول ولكن حب «القروش» ظاهر عند الآخرين.
مقاطعاً.. هل تعني بأن قناة ساهور وإذاعة الكوثر ساهمتا في تدني الذوق العام للاستماع للمدائح النبوية الشريفة؟
- نعم.. فقد هبطت بمستوى المدائح النبوية ومستوى التذوق لها، وهي تعمل على تدني هذه الرسالة العظيمة بأعمال «هشة وغثة»، وأنا لا أدري من أين تأتي قناة ساهور وإذاعة الكوثر بهذه الأموال التي تصرفها على أشباه الفنانين الذين فشلوا في الغناء فأتجهوا للمديح وفشلوا فيه أيضاً، وهذا سؤال محير، فقناة ساهور وإذاعة الكوثر تهبطا بالرسالة وعلى النظام الحاكم إيقافهما فوراً .
بمناسبة القنوات الفضائية.. بصراحة شديدة أصبحت تتجنب استضافتك لارتفاع أجرك المادي؟
- نعم.. ولكن الواضح أن بعض القنوات (أفلست) لأنها قامت بدون تخطيط، فأنا لم أسجل طوال الفترات السابقة عمل كبير إلا في قناة الشروق بعد أن أوفت بالتزاماتها المادية تجاهي، والآن أنا بصدد أن أسجل لها كل أغنياتي الوطنية من الأول إلى الآخر وهذا سرد لتاريخ السودان الحديث.
الساحة الفنية الآن بعيون محمد وردي؟
- ليست مثل السبعينيات أو الثمانينيات، ولم يحدث قبل الآن أن يُجلد الفنان بقانون النظام العام بسبب تصاديق الحفلات، وهذا الفعل سبب إرهاب للفنانين، بالإضافة إلى أن هناك فبركة في قانون حقوق الملكية الفكرية، فالقانون الذي تقدمنا به عام 1986م رفضه الوزير كمال عبد اللطيف ووضع القانون الحالي، فمشكلتنا الأساسية مع الإذاعة والتلفزيون فكيف تحل لأن هذه الأجهزة هي الخصم والحكم في نفس الوقت، وهناك (بلبلة كبيرة) في القانون، فهو قانون مزيف ومن وضعوه أخترقوه ولم يحترموا الإبداع الفكري للفنان.
انتشرت في الآونة الأخيرة الإساءات بين المطربين على صفحات الصحف بصورة لا تشبه الفن وأسلوب الفنان؟
- ديل ما فنانين، فقط يرفعوا أصواتهم في الصحف وليس لديهم أعمال فنية يتحدثون عنها، وهذا فراغ إبداعي وسقوط، وهؤلاء فنانين غير مؤدبين ينشروا غسيلهم الوسخ.
بصراحة.. أنتم متهمين بمحاربة الفنانين الشباب وكادت أن تنعدم عملية تواصل الأجيال؟
- «أنا لا أحارب أحد» وأسعى لتواصل الأجيال لضرورته، واتجهت لذلك بنفسي لمساعدة الشباب ولكن بعد تمحيص دقيق جداً لم أجد فنان شاب أفضل من طه سليمان لأنه صاحب صوت رائع وأداء رائع وتطريب عالي جداً لذلك تعاونت معه بالألحان، فتواصل الأجيال لم ينعدم وما أقوم به مع طه سليمان هو جزء من هذا التواصل، ولكن بصراحة إنعدم التواصل في أشياء كثيرة ومجالات عديدة.
وردي قلت من قبل بأن الأصوات الغنائية النسائية الموجودة حالياً ضعيفة جداً؟
- نعم.. ومازلت عند رأيي، فالأصوات النسائية الحالية تحتاج لتربية صوتية وهي أصوات غريبة، وللأسف الشديد هذا لا يحدث إلا في السودان، فالصوت الجميل هو الصوت المدرب الذي يعرف المقامات التي يغني فيها والتي تتناسب مع صوته وللأسف هذه المعرفة غير موجودة.
الألقاب التي أطلقت عليك وأنت أهلاً لها مثل «الأمبراطور والفرعون والعملاق» وغيرها.. هل كنت تحلم بالوصول إلى ما أنت فيه الآن من نجاحات؟
- لكل مجتهد نصيب، فكل تلك الألقاب أطلقها عليَّ الجمهور إلا لقب (الفرعون) الذي أطلقه عليَّ صديقي العزيز الأستاذ الراحل حسن ساتي ويرجع سر هذا اللقب للعلاقة التاريخية بالفراعنة فهم جزء من تراثنا النوبي، وأنا لست مثل مغنواتية اليوم الذين يطلقون الألقاب على أنفسهم.
من تقصد بالمغنواتية الذين يطلقون الألقاب على أنفسهم؟
- مثل أحمد الصادق، فماذا قدم هذا المغنواتي، فهو عديم إبداع ولم يقدم شيئاً حتى الآن وهو نتاج عن تدني الذوق العام، وكما يقال «هذا عطاء من لا يملك لمن لا يستحق».
ألا تعتقد بأن هناك اختراق للثقافة السودانية من قبل المطربين العرب وفُرضَت علينا؟
- نعم هناك اختراق للفن والثقافة السودانية بدليل أن الآن أصبحت (العروس) السودانية تزف بزفة على الايقاعات المصرية والغربية وغاب الفن والتراث السوداني، ولذلك يجب أن نقف ضد الاختراق الثقافي ونغلق الأبواب في وجهه.
هل تعني بأن لديك أفكار جديدة لذلك..تُرجِع طريقة الزفة السودانية لأصلها؟
- نعم.. نحن نمتلك من الايقاعات السودانية ما يكفي لصنع وعمل زفة العروس، واشتركت في ذلك مع الشاعر اسحق الحلنقي في إنتاج عمل جديد بايقاعات «السيرة» ونال إعجاب الجمهور، وذلك لوقف التغول الأجنبي وحماية التراث السوداني.
من واقع خبراتك الفنية الطويلة.. كيف ننقل الأغنية السودانية للخارج؟
- وسائل الإعلام التي تنقل الفنان المحلي للخارج ضعيفة جداً وليس لديها أي اهتمام بالمبدعين، والفنان السوداني الجيد ينجح في أي مكان مثلما نجحنا نحن في أفريقيا، ولدينا تراثنا الحقيقي ولكننا لم نوجه ثقافاتنا في الاتجاه الصحيح فنحن أفارقة أكثر من عرب لذلك يجب أن نوجه أعمالنا صوب أفريقيا.
رأيك في برنامج (أغاني وأغاني)؟
- لا أعتقد بأن هناك ضرورة لهذا البرنامج فليس لديه أي وجود، فما معنى أن يحضروا فنانين لترديد أعمال الفنانين الراحلين أو الحاليين فأين أعمالهم الخاصة.!
ألا تخاف من أن تخلق لك هذه الردود والاجابات الملتهبة أي عداوات؟
- أولاً أنا لا أخلاق على الإطلاق، والأهم من ذلك أن الحقيقة عمرها ما كانت مخيفة، وأنا أتحمل نتيجة وتبعات كل ما قلته.
أخيراً الفرعون محمد وردي ماذا تود أن تقول؟
- أولاً أنا أشكر صحيفة (آخر لحظة) لشجاعتها، وأشكرك أنت بالأخص يا عبد الرحمن فقد نشرت لي من قبل أحادث وتصريحات كثيرة وهذه هي رسالة الصحافة الحقيقية بدون أي تزييف أو خوف لذلك أشكركم.